صاحبة البوكر 2026.. الروائية التايوانية يانج شوانج: لا يمكن الفصل بين الأدب والسياسة
- مؤلفة «رحلة فى تايوان»: جانب من شعبنا يرى نفسه صينيًا والآخر تايوانيًا
- روايتى عبّرت عن الانقسام الداخلى والتوتر التاريخى الذى عانينا منه
باتت الروائية التايوانية يانج شوانج- تسى أحد الأصوات الأدبية اللافتة فى المشهد المعاصر، خاصة بعد روايتها «رحلة فى تايوان»، التى أعادت تفكيك التاريخ الاستعمارى للجزيرة عبر سرد يمزج بين الخيال والذاكرة والأسئلة السياسية الشائكة، وفازت بها بجائزة البوكر العالمية.
وفى حوارها الذى أجرته مع صحيفة «جارديان»، وتترجمه «حرف» فى السطور التالية، تتوقف «يانج» عند الأسئلة التى شغلت عملها الأدبى مثل الهوية والانتماء، وأثر الاستعمار، وحدود العلاقة بين الفن والسياسة، إلى جانب رؤيتها للأدب بوصفه مساحة لا تنفصل عن الواقع بل تنبع منه مباشرة.


استغلت الكاتبة التايوانية يانج شوانج- تسى كلمتها لتسليط الضوء على القضايا السياسية التى تتقاطع مع عالم الرواية، والتى تدور أحداثها فى تايوان خلال ثلاثينيات القرن الماضى إبّان الاحتلال اليابانى، وما يحمله ذلك من أسئلة حول التاريخ والهوية والذاكرة.
وقالت «يانج»، فى كلمتها فى حفل تسلمها «البوكر»: «يعتقد بعض الناس أن الفن والأدب يجب أن يبقيا بعيدين عن السياسة، لكننى أؤمن بأن الأدب لا يمكن فصله عن التربة التى نما فيها».
عندما تحدثنا فى صباح اليوم التالى لتسلّم الجائزة، عادت الكاتبة البالغة من العمر ٤١ عامًا سريعًا إلى القضية ذاتها التى كانت قد أثارتها فى خطاب الفوز، وكأنها امتداد مباشر لذلك الصوت الذى حملته على المسرح. تقول: «يعانى الشعب التايوانى أزمة هوية. فبعضنا يرى نفسه صينيًا، بينما يرى آخرون أننا تايوانيون، وأردت أن أعبّر عن هذا الانقسام الداخلى والتوتر التاريخى بطريقة ما فى كتابى».

وتضيف: «بصفتنا تايوانيين، علينا اليوم أن نطرح على أنفسنا سؤالًا مهمًا وهو، هل نريد العودة إلى زمن الاستعمار؟ هل نريد أن نعيش بهذه الطريقة مرة أخرى، وأن نُعامل كمواطنين من الدرجة الثانية فى أرضنا؟ أنا أرفض ذلك».
تتجذر هذه الهواجس فى رواية «رحلة فى تايوان»، التى تُعد أول عمل مكتوب أصلًا باللغة المندرينية يفوز بالجائزة التى تبلغ قيمتها ٥٠ ألف جنيه إسترلينى.
تأتى الرواية فى شكل تخيّلى يُقدَّم على أنه ترجمة لمذكرات رحلة يُفترض أنها اكتُشفت حديثًا، وتعود إلى عام ١٩٣٨، فى فترة الحكم الاستعمارى اليابانى لتايوان. ومن خلال هذا الإطار تتتبع الرواية شخصية «أوياما»، وهى روائية يابانية تتمتع بـ«شهية نهمة» لا تقتصر على الطعام فحسب، بل تمتد إلى التجربة والحياة نفسها، وتُوفَد فى رحلة رسمية إلى تايوان ضمن برنامج ترعاه الحكومة بهدف استكشاف المطبخ المحلى وتوثيق ثقافته.
وخلال تنقلاتها بين المدن والأطباق والنكهات، تلتقى «أوياما» مترجمة تايوانية غامضة تُدعى «تشيزورو»، تحمل بدورها طبقات معقدة من الانتماء والهوية. ومع تقدّم الرحلة، تتطور العلاقة بينهما تدريجيًا لتأخذ طابعًا عاطفيًا ملتبسًا، يمتزج فيه الإعجاب بالانجذاب والفضول، فى ظل سياق استعمارى يفرض ظلاله على كل تفصيلة من تفاصيل التجربة ويعيد تشكيل معنى اللقاء نفسه بين الشخصيات.
ويحمل كل فصل من فصول الرواية اسم أحد الأطباق أو المشروبات التايوانية التقليدية، مثل الأرز باللحم المفروم المطهو ببطء وشرائح السمك النيئة وشاى البطيخ، لتنسج الرواية عالمًا تتداخل فيه النكهات والمشاعر والرغبات فى تجربة حسية غنية.

وكانت «يانج» قد مازحت فى وقت سابق فيما يتعلق بالجهد الذى بذلته أثناء إعداد الرواية، قائلة إن البحث فى موضوعَى السفر والطعام، وهما المحوران الأساسيان فى العمل، انعكس على حياتها الشخصية بطريقة طريفة وواضحة فى آن واحد، إذ تقول: «مدخراتى تقلصت ووزنى ازداد».
ورغم أن أحداث «رحلة فى تايوان» تدور فى ثلاثينيات القرن الماضى، فإن الرواية تخرج من إطارها التاريخى لتبدو شديدة المعاصرة. إذ تطرح أسئلة لا تزال حاضرة بقوة حول الهوية الوطنية وإرث الاستعمار ومعنى الانتماء فى سياق سياسى وثقافى معقد. ما يمنحها بُعدًا يتجاوز زمنها الأصلى ليصل إلى واقع اليوم.
ولا تزال تايوان واحدة من أكثر المناطق حساسية على الصعيد السياسى فى العالم. فهى كيان يتمتع بحكم ذاتى ونظام ديمقراطى، فى حين تعتبرها بكين جزءًا من الصين، وسط تهديد دائم بإمكانية تصاعد التوتر إلى مواجهة عسكرية.


وُلدت الكاتبة باسم يانج جو- تسو، لكنها اختارت لاحقًا أن تكتب تحت اسمها الأدبى شوانج- تسى الذى يعنى «التوأم» تكريمًا لشقيقتها التوأم الراحلة يانج جو- هوى. والتى أسهمت فى البحث عن الخلفية التاريخية لرواية «رحلة فى تايوان» قبل وفاتها.
وتُعد هذه الرواية أول أعمال «يانج» التى تُترجم إلى اللغة الإنجليزية، غير أنها حققت مسارًا لافتًا منذ صدورها عام ٢٠٢٠، إذ سرعان ما تحولت إلى ظاهرة أدبية داخل تايوان ولفتت انتباه القراء والنقاد على حد سواء.
ولاحقًا، واصلت الرواية رحلتها خارج حدودها المحلية، لتفوز بجائزة الكتاب الوطنية الأمريكية عن فئة الأدب المترجم عام ٢٠٢٤، قبل أن تتوّج أخيرًا بجائزة البوكر العالمية، فى تأكيد على حضورها المتنامى على الساحة الأدبية العالمية.
وتصف «يانج» هذا الإنجاز بأنه «أشبه بحلم يصعب تصديقه» فى إشارة إلى ما يحمله هذا النجاح المتتابع من طابع استثنائى وغير متوقع بالنسبة لها.

ويُعد البناء السردى المبتكر للرواية أحد أبرز عناصر جاذبيتها. فعندما صدرت «رحلة فى تايوان» للمرة الأولى باللغة المندرينية، اعتقد بعض القراء أنها بالفعل مذكرات حقيقية اكتُشفت من جديد وتعود إلى الحقبة الاستعمارية اليابانية.
وفى النسخة الإنجليزية، ذهبت المترجمة لين كينج أبعد من ذلك فى تعزيز هذا الإيهام السردى. إذ حافظت على الهوامش والشروح وتعدد الأصوات الروائية، بل وسّعت حضورها داخل النص، بما يعمّق حالة التداخل بين الحقيقة والخيال.
وتضيف الرواية، من خلال ملاحظات مترجمين وتدخلات تحريرية تتخلل النص، طبقة سردية إضافية تجعلها أقرب إلى عمل واعٍ بذاته يلفت الانتباه باستمرار إلى طريقة بنائه وإلى عملية كتابته نفسها، بدلًا من أن يكتفى بسرد الحكاية فقط.
ولهذا وصفت ناتاشا براون، رئيسة لجنة تحكيم جائزة البوكر، العمل بأنه يقدم «لعبة سردية معقدة» تعيد تشكيل علاقة القارئ بالنص، وتدفعه إلى التساؤل المستمر حول الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال، وما إذا كان يمكن الوثوق بأى من المستويات التى يعرضها السرد.
تقول لين كينج ضاحكة إنها تدرك تمامًا أن هذه الرواية ليست من النصوص السهلة أو المباشرة فى القراءة، لكنها ترى فى ذلك جزءًا من تجربتها الخاصة مع العمل. وتضيف أن ما أسعدها حقًا هو وجود قرّاء مستعدين لمنح النص الوقت والجهد اللازمين للتفاعل معه، فى وقت يُقال فيه باستمرار إن الانتباه البشرى أصبح أكثر تشتتًا، وإن القدرة على التركيز باتت محدودة لا تتجاوز لحظات قصيرة.

ويعكس هذا التلاعب فى الشكل والبناء السردى جانبًا أساسيًا من الجوهر العاطفى العميق للرواية، حيث لا تأتى المشاعر فى خط مستقيم أو واضح، بل تتشكل عبر طبقات من الالتباس والتأويل. فالعلاقة بين أوياما وتشيزورو تتطور تدريجيًا من خلال سلسلة من لحظات الفهم وسوء الفهم ومن قراءات متبادلة لكل منهما للأخرى، وهو ما يجعل التقارب بينهما هشًا أحيانًا، ويحوّله فى أحيان أخرى إلى مسافة يصعب تجاوزها.
وفى خلفية هذه العلاقة تقف تشيزورو، وهى تايوانية وُلدت لأب اتخذ والدتها كعشيقة فقط، مثقلة بإحساس دائم بعدم التكافؤ الاجتماعى. إذ ترى نفسها فى موقع أدنى مقارنة بأوياما، الروائية اليابانية المعروفة التى تتنقل داخل تايوان تحت مظلة الرعاية والحماية الاستعمارية، بما يمنح حضورها نوعًا من السلطة الرمزية التى تزيد من تعقيد العلاقة بين الشخصيتين.
وتقول «يانج» إنها قصة حب، لكنها أيضًا قصة عن حدود الحب وعجزه عن تجاوز اختلالات القوة بين البشر. فالحب لا يمحو الفوارق بين من ينتمون إلى الطبقة الحاكمة ومن يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية.


مثل «يانج»، تتحدث لين كينج البالغة من العمر ٣٣ عامًا وتحمل هويتين تايوانية وأمريكية، بصراحة لافتة عن استحالة الفصل بين الفن والسياسة.
فبعد الغزو الروسى لأوكرانيا عام ٢٠٢٢، رأت لين كينج فى ذلك أصداءً للوضع الجيوسياسى الهش الذى تعيشه تايوان وما يحيط بها من تهديدات مستمرة، وهو ما دفعها إلى اتخاذ قرار بأن تكرّس جهودها فى المستقبل، لترجمة الأدب التايوانى حصرًا.
وقالت على خشبة مسرح «تيت»: «هدفى أنا وزملائى المترجمين هو أن ننقل إلى اللغة الإنجليزية هذا العدد الكبير من الأصوات القادمة من تايوان، بحيث لا يتمكن أحد من اختزال أدب تايوان فى كتلة واحدة متجانسة».
وأضافت: «نحن لسنا جوقة متناغمة بل خليط صاخب من الأصوات المتعارضة وغير المنضبطة، تمامًا مثل أى ديمقراطية صحية وقوية».
وتقول «يانج»: «أعتقد أننا أكثر دولة تقدمية فى شرق آسيا بأكمله سواء فى ما يتعلق بحقوق مجتمع الميم أو حقوق المرأة، فنحن نقدّم نموذجًا يُحتذى به».
وتتميّز جائزة البوكر بأنها تُمنح مناصفة بين الكاتب والمترجم، فى إشارة واضحة إلى اعتبار الترجمة جزءًا من الفعل الإبداعى نفسه، لا مجرد وسيط لنقل النص من لغة إلى أخرى.

يأتى نجاح رواية «رحلة فى تايوان» فى سياق اهتمام متزايد فى العالم الناطق بالإنجليزية بالأعمال المترجمة، إذ شهدت مبيعات هذا النوع من الأدب ارتفاعًا ملحوظًا فى السنوات الأخيرة. ففى عام ٢٠٢٣، أنفق القرّاء فى المملكة المتحدة ٢٣ مليون جنيه إسترلينى على كتب الأدب المترجم، بزيادة قدرها ١٢٪ عن العام السابق، وكانت الفئة الأكثر شراءً هى فئة الشباب بين ٢٥ و٣٤ عامًا.
ورغم أن رواية «رحلة فى تايوان» صدرت فى الولايات المتحدة عام ٢٠٢٤، فإن وصولها إلى المملكة المتحدة تأخر عامين إضافيين، بعدما ترددت دور نشر عدة فى وضع اسم لين كينج على الغلاف الأمامى إلى جانب اسم «يانج».
واستمر هذا الوضع حتى جاءت دار النشر المستقلة «أنذ أذر ستوريز» لتتولى نشر العمل فى بريطانيا، فى خطوة أنهت حالة التردد السابقة. وتحتفل الدار بإنجاز لافت يتمثل فى فوزها الثانى على التوالى بجائزة البوكر العالمية، بعد أن ذهبت الجائزة فى العام الماضى إلى الكاتبة الهندية بانو مشتاق عن روايتها «مصباح القلب» بترجمة ديبا بهاثى إلى الإنجليزية، ما يعكس حضورها المتنامى فى دعم الأدب المترجم وإبرازه على الساحة الدولية.
وترى لين كينج أن أهمية الأدب المترجم بديهية ولا تحتاج إلى كثير من التبرير. وتقول: «جمال القراءة يكمن فى أنك تنتقل إلى واقع ليس واقعك، وتتعرف عليه وتفهمه، وهذا هو جوهر الأدب المترجم».
وتقول: «كلما عدتُ إلى مثل هذه الجوائز وتصفحت القوائم الطويلة للأعمال المرشحة، أشعر بأن معرفتى محدودة للغاية. أفاجأ بأشياء لم أكن أعرفها من قبل، سواء عن أنظمة ديكتاتورية أو حالات إبادة أو تحولات سياسية عميقة أو حتى لغات ولهجات تعرّضت للتهميش أو القمع. هناك عوالم كاملة لا نعرف عنها شيئًا، وهذا ما يجعل الأدب المترجم مهمًا إلى هذا الحد».
لم تقتصر أهمية «رحلة فى تايوان» على تقديم تاريخ تايوان إلى قرّاء لا يعرفونه، بل تشير لين كينج إلى أن الرواية لامست أيضًا بعمق مشاعر القرّاء التايوانيين الشباب وكذلك أبناء الجاليات التايوانية فى الخارج، إذ وجدت لدى كثيرين منهم صدى شخصيًا يعيد وصلهم بذاكرة المكان وأسئلته.
وتقول: «أخبرنى كثيرون بأن هذه هى المرة الأولى التى يرون فيها تايوان مُقدَّمة بهذا الشكل داخل كتاب باللغة الإنجليزية، وأن ذلك أعاد لديهم رغبة حقيقية فى التعرّف إليها بشكل أعمق»، وتضيف: «وهذا من أكثر الأمور التى شعرت بالسعادة تجاهها».







