الأربعاء 04 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

قوة «المسامح كريم» عالم النفس الكندى كريس مور يجيب: هل يمكن إنقاذ البشرية بـ«الشعور بالذنب»؟

كريس مور
كريس مور

- الشعور بالذنب قوة يمكن أن تكون إيجابية لا شعورًا سلبيًا يجب التخلص منه

- حادث جماعى ارتكبناه بسبب الخمور وراء كتابتى «ThePower of Guilt»

- الأمريكيون يواجهون صعوبة فى التخلص من «الذنب الأبيض الجمعى» تجاه «السود»

- «الذنب» يدفعنا إلى إصلاح علاقاتنا وجعلها أكثر توازنًا وصحة

نادرًا ما يُنظر إلى شعور الذنب باعتباره عاطفة مفيدة، وفى الغالب يُختزل فى كونه عبئًا نفسيًا يجب التخلص منه أو علامة على الضعف. لكن الذنب، كما تكشف دراسات علم النفس، يحمل وظيفة أعمق تتعلق بالعلاقات الإنسانية، وبقدرتنا على إدراك الأذى والسعى إلى إصلاحه.

فى هذا السياق، يقدّم البروفيسور الكندى كريس مور، أستاذ علم النفس، فى كتابه «ThePower of Guilt»، قراءة مختلفة للذنب بوصفه عاطفة مُركّبة، يمكن أن تتحول إلى قوة بنّاءة، تدفع نحو الاعتذار والتسامح والنمو، بدل أن تبقى حبيسة جَلد الذات. 

فى الحوار التالى مع «حرف»، يتحدث «مور» عن أبعاد الذنب الفردى والجماعى، ودوره فى الدين والثقافة، وحدوده بين ما يعين على التعافى وما يفضى إلى الاستنزاف النفسى.

■ كتابك «The Power of Guilt» يتناول شعور غالبًا ما يُساء فهمه: «الذنب».. لماذا قررت التركيز على الذنب كموضوع رئيسى للكتاب؟

- عندما كنت فى الجامعة، وبعدما انتهت حفلة ما، قدت أنا والأصدقاء سيارة ونحن ثملين، واصطدمنا بزملاء كانوا يقودون درجاتهم إلى البيت. مات أحدهم وأصيب البقية، لذا لازمنى الشعور بالذنب طوال حياتى تقريبًا.

من هنا بدأتُ أفكر فى الشعور بالذنب بوصفه تجربة إنسانية مشتركة، يمر بها معظم الناس فى تفاصيل حياتهم اليومية. وعلى عكس النظرة الشائعة التى ترى الذنب شعورًا سلبيًا يجب التخلص منه، أراه قوة يمكن أن تكون إيجابية.

الذنب، رغم ألمه، ينبهنا إلى اللحظات التى نسىء فيها، أو نلحق الأذى بشخص نهتم به، ويدفعنا إلى إصلاح علاقاتنا وجعلها أكثر توازنًا وصحة.

■ كيف غير هذا الحادث فى شبابك طريقة فهمك للذنب وتأثيره على حياتك؟

- التجربة منحتنى إدراكًا مهمًا بأن الذنب ليس مجرد رد فعل على ارتكاب فعل خاطئ، بل استجابة لإيذاء أشخاص نهتم بهم. الأفعال التى قادت للحادث لم تضر الضحايا وحدهم، بل تركت أثرًا أعمق فى علاقاتى مع آخرين.

كان لافتًا أن شعورى بالذنب اختلف من علاقة إلى أخرى حسب قربها وأهميتها فى حياتى. كما أظهرت لى التجربة مدى قوة التسامح، وكيف يمكن لعفو من تضرروا أن يخفف عبء الذنب بعمق. فالتسامح هو النقيض الحقيقى للذنب، ويطمئننا بأن العلاقات التى نظن أننا أفسدناها ما زالت قائمة. 

■ كيف يمكن للذنب أن يكون دافعًا لإصلاح العلاقات دون أن يتحوّل إلى شعور مُدمّر يسيطر على الشخص بالكامل؟

- يتحول الشعور بالذنب إلى حالة مدمّرة عندما يكون مجرد إحساس دون فعل. عندها يظل الذنب حاضرًا، ويتحول مع الوقت إلى عبء مؤذٍ للذات.

يحدث ذلك أحيانًا لأن الشخص لا يدرك طبيعة الذنب، ولا يفهم رسالته الحقيقية، أو لأنه يشعر بقلق شديد يمنعه من التواصل مع مَن تسبب فى إيذائهم. كما قد يصبح الذنب مدمّرًا عندما لا يكون هناك طريق للمصالحة، لأن الطرف الآخر غير مستعد أو غير قادر على المسامحة. 

فى غياب الحل، تتراكم الجوانب السلبية للذنب، مثل الغضب المُوجّه نحو الذات، والقلق المستمر، لتتحول إلى حالة نفسية مؤذية بدلًا من أن تكون دافعًا للإصلاح والتعافى.

■ ذكرت فى الكتاب مفهوم «الذنب الجمعى».. هل يمكن لمجتمع ما أن يستخدم شعور الذنب بطريقة بنّاءة للتغيير الاجتماعى؟

- من المهم التمييز بين معنيين مختلفين لما يُعرف بـ«الذنب الجمعى». المعنى الأول هو ما يمكن تسميته بـ«الذنب الجمعى الموضوعى»، وهو مرتبط بالأذى الفعلى الذى ألحقته جماعة ما بجماعة أخرى. ظهر هذا المفهوم بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية، حين اعترفت ألمانيا بمسئوليتها الجماعية عن «المحرقة»، ودفعت تعويضات لإسرائيل نيابة عن الضحايا. واتخذت جماعات ودول أخرى خطوات مشابهة، فمثلًا دفعت كندا تعويضات للسكان الأصليين الذين تعرضوا لانتهاكات جسيمة داخل نظام المدارس الداخلية.

أما المعنى الثانى فيتعلق بما يمكن وصفه بـ«الإحساس الذاتى بالذنب الجمعى»، وهو يعمل بطريقة مختلفة. فهذا الشعور يعتمد على مدى ارتباط الفرد بالجماعة التى ينتمى إليها، وعلى ما إذا كان يعترف ويقبل بأن هذه الجماعة تسببت فى أذى لجماعة أخرى. فمثلًا: هل يرى المواطن الكندى نفسه منتميًا بقوة إلى كندا؟ وهل يقرّ بأن دولته ألحقت ضررًا تاريخيًا بالسكان الأصليين؟

يلعب التعاطف دورًا أساسيًا، إذ يجب أن يشعر الفرد بتعاطف حقيقى مع أعضاء الجماعة التى تعرضت للأذى، كأن يشعر بالحزن تجاه ما عاناه السكان الأصليون بسبب السياسات التاريخية للدولة. 

قد تتداخل الصورتان معًا، فالجماعة التى تعترف بمسئوليتها الجماعية الموضوعية قد تسعى إلى تنمية الإحساس الذاتى بالذنب الجمعى لدى أفرادها، من خلال التعليم، وتوعية الأجيال الجديدة، وتوظيف وسائل التواصل المختلفة داخل المجتمع، وتسليط الضوء على الأضرار التى ارتُكبت فى الماضى.

■ هل يمكن لـ«الذنب الجمعى» أن يصبح عبئًا ثقيلًا على المجتمعات؟ 

- نعم، يمكن. المشكلة الأساسية فى الذنب الجمعى هى أنه غالبًا لا توجد آلية واضحة للوصول إلى التسامح. عندما يشعر أفراد من جماعة ما بالذنب تجاه ما ارتكبته جماعتهم فى حق جماعة أخرى، قد يحاولون ترجمة هذا الشعور إلى أفعال، كالسعى إلى التعويض. لكن الإشكال يظهر عندما لا تكون هناك جهة أو صوت واحد يمثل الجماعة المتضررة بأكملها، ففى هذه الحالة لا يوجد مسار واضح يقود إلى التسامح أو إغلاق الموضوع، فيبقى الذنب حاضرًا، ويتحول مع الوقت إلى عبء دائم.

يمكن ملاحظة ذلك بوضوح فيما يتعلق بإرث العبودية فى الولايات المتحدة، فهناك شريحة من المجتمع الأمريكى تشعر بما يمكن تسميته «الذنب الأبيض الجمعى»، لكن لا توجد لحظة فاصلة يمكن عندها حسم هذا الشعور، لأن الجماعة التى تضررت تاريخيًا، أى الأمريكيين من أصول إفريقية المنحدرين من العبيد، لا تستطيع التحدث بصوت واحد لتقول: «نحن نسامحكم».

فى مثل هذه الظروف يفقد «الذنب الجمعى الذاتى» جدواه، ويصبح الأجدى هو الاعتراف بـ«الذنب الجمعى الموضوعى»، ثم التفكير بجدية فى الشكل المناسب للتعويض. وبعد اتخاذ هذه الخطوات وتنفيذها، ينبغى وضع الشعور بالذنب الجمعى جانبًا، بدلًا من تركه يتحول إلى عبء نفسى دائم لا يفضى إلى حل.

■ ما النصائح العملية التى تقدمها للأشخاص الذين يعيشون ذنبًا عميقًا ولا يعرفون كيف يتحركون من شعور باللوم إلى شفاء ونمو؟

- غالبًا ما يكون «الذنب العميق» غير واعٍ، لذلك يصعب على الشخص التعرف إليه بوصفه ذنبًا من الأساس. من هنا تأتى أهمية العمل مع مختص فى علم النفس للمساعدة على إخراج هذا الشعور إلى دائرة الوعى.

من المهم أيضًا فهم أن الذنب ليس إحساسًا واحدًا بسيطًا، بل مزيج من مشاعر متداخلة: قلق بشأن سلامة العلاقات التى تهمنا، وتعاطف مع الطرف الآخر، إلى جانب غضب مُوجَّه نحو الذات أو لوم النفس. وفى بعض الأحيان يطغى عنصر لوم الذات على باقى المشاعر، فلا يعود الشخص يشعر إلا بالغضب تجاه نفسه.

فى هذه الحالة، يصبح من الضرورى إعادة التوازن داخل هذا «المزيج العاطفى»، وتحويل مركز الثقل من لوم الذات إلى التعاطف مع الآخر ومع النفس. كما ينبغى إدراك أن جوهر المسألة هو العلاقة بين الذات والآخر، لكن الخوف من انهيار العلاقة قد يدفع الإنسان إلى تجنب اختبار قدرتها على الصمود. ولهذا السبب يتردد كثيرون فى الاعتذار أو محاولة إصلاح الضرر، خشية الرفض أو الخسارة.

غير أن التعافى والنمو الحقيقيين ينبعان من الاعتراف بأهمية العلاقة والسعى إلى الحفاظ عليها، وهو أمر يتحقق على الأرجح عبر الاعتذار الصادق ومحاولات الإصلاح، لا عبر الاستغراق فى جَلد الذات.

■ كيف يمكن للمعالجين النفسيين أو المستشارين استخدام مفاهيم كتابك لمساعدة المرضى بشكل فعّال؟

- يدرك كثير من المعالجين والمستشارين النفسيين بالفعل الدور المهم الذى يلعبه الشعور بالذنب فى المعاناة النفسية. لكننى أرى أن أبرز الأفكار التى يُقدّمها لهم الكتاب تتمثل فى نقطتين أساسيتين:

أولًا: إن الذنب يتكوّن من مزيج من المشاعر، التعاطف والقلق والغضب المُوجَّه نحو الذات، كلها تعمل معًا بهدف إدارة العلاقات المهمة فى حياة الإنسان.

ثانيًا: إن العلاقات الإنسانية تقوم على عنصرين متلازمين: الذنب والتسامح. فالمعاناة النفسية الناتجة عن ذنب غير محلول ستستمر ما لم يقترن الشعور بالذنب بإحساس حقيقى بالتسامح.

وفى الحالة المثالية يأتى هذا التسامح من الطرف الآخر فى العلاقة. لكن عندما لا يكون ذلك ممكنًا، يصبح العثور على طريق نحو مسامحة الذات أمرًا أساسيًا. فبدونها يظل الذنب مصدرًا دائمًا للألم والمعاناة.

■ هل ترى أن المجتمع الحديث يحاول تقليل الشعور بالذنب بشكل مفرط؟ وهل هذا يضر بالعلاقات الإنسانية؟

- لا، لا أعتقد ذلك. على الأقل تلك المجتمعات التى أعرفها فى أمريكا الشمالية وأوروبا، كلها تسعى إلى التقليل من شأن الشعور بالذنب أو محوه، لكننى أرى أنها تميل إلى النظر إليه باعتباره أمرًا سلبيًا ينبغى تجنبه، دون الالتفات إلى الدور المهم الذى يؤديه فى بناء علاقات إنسانية صحية.

التعامل مع الذنب باعتباره تجربة يجب الهروب منها يحرمنا من فهم وظيفته الأساسية. بينما تقبّله والاعتراف به، بدل إنكاره أو تقليله، يُعد نهجًا أكثر صحة فى إدارة العلاقات بين البشر.

■ هل تختلف طريقة تجربة الذنب باختلاف الثقافات؟

- أعتقد أن الشعور بالذنب عاطفة إنسانية عامة، لأن جميع البشر يهتمون بعمق بسلامة علاقاتهم مع الآخرين، سواء داخل الأسرة أو دائرة الأصدقاء أو المجتمع الأوسع. والذنب هو رد فعل طبيعى عندما تتعرض هذه العلاقات للضرر.

مع ذلك، تختلف الثقافات فى الكيفية التى يظهر بها الذنب فى الحياة الاجتماعية. ففى علم النفس الثقافى المقارن يُستخدم غالبًا التمييز بين المجتمعات الفردانية والمجتمعات الجماعية. وعادة ما تُوصَف المجتمعات الغربية بأنها أكثر فردانية، بينما تُعد المجتمعات غير الغربية، ومن بينها المجتمعات العربية، أكثر ميلًا إلى الطابع الجماعى.

رغم ذلك، يرتبط الذنب أساسًا بالعلاقات بين الأفراد أنفسهم، أكثر من ارتباطه بالهوية الجماعية، أو بالعلاقات بين الجماعات، وإن كان الذنب الجمعى يظهر أحيانًا فى هذا السياق.

■ كثير من المجتمعات العربية تربط الشعور بالذنب بالقيم الدينية والتقاليد.. هل هذا الربط مفيد أم يخلق عبئًا إضافيًا على النفس؟

- فى كتابى أتناول دور الذنب فى الدين، خاصة الديانات الإبراهيمية التوحيدية. فالشعور بالذنب مُرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه الديانات نظرًا للدور المركزى لعلاقة المؤمن بالله. تتيح الديانات الإبراهيمية مساحة لكل من الذنب الموضوعى، مثل الخطيئة فى المسيحية، والذنب الذاتى المتعلق بالعلاقة مع الله، الذى يُعد مصدر القواعد الدينية التى يجب الالتزام بها.

من وجهة نظرى، فإن دور الذنب فى الدين لا يقل فائدة عن دوره فى حياتنا اليومية. فى كلا الحالتين يساعد الذنب فى الحفاظ على صحة علاقاتنا. لكن الديانات تضيف طبقة إضافية من العلاقات، مع الله وربما مع أنبيائه، فوق علاقاتنا اليومية مع الآخرين فى حياتنا. 

رغم هذا، تتوازى هذه الطبقات فيما بينها من حيث التركيز على كيفية معاملة الآخرين بالخير، وكيفية العيش حياة صالحة. كما يمكن أن تلعب الديانات دورًا إضافيًا بتوفير مجتمع يُتيح إدارة العلاقات بطريقة صحية وداعمة، وهو ما يعزز الاستفادة من الذنب كعامل إيجابى فى حياة الأفراد.

■ وماذا عن تأثير التقاليد والعادات القديمة على طريقة تعامل الناس مع الأخطاء والاعتذار؟

- غالبًا ما تتحوّل التقاليد والعادات إلى جزء من وعينا الداخلى، بحيث تؤثر علينا عبر ضميرنا مجموعة من القيم والمعايير التى نضعها لأنفسنا. وتختلف الثقافات فى عاداتها وتقاليدها بشأن أهمية التعامل مع الأخطاء وتقديم الاعتذار.

ومع ذلك، من المهم أن جميع الثقافات التى تنتمى إلى التراث الدينى الإبراهيمى تعطى أهمية كبيرة للاعتراف بالأخطاء وبالمسئولية والسعى للتكفير. وغالبًا ما يشمل ذلك تقديم الاعتذار، وتعويض من تضرر من أفعالنا.

لذلك أعتقد بشكل عام أن تجربة الشعور بالذنب نتيجة الخطأ والسعى للمسامحة أمر شائع نسبيًا عبر هذه الثقافات، سواء كانت مسيحية أو يهودية أو إسلامية. وأرى أن هذه القواعد الثقافية المتعلقة بالتكفير عن الأخطاء تمثل وسيلة مهمة للحفاظ على النمو الشخصى وتقوية العلاقات الإنسانية.

■ الأشخاص الذين يعيشون بين ثقافتين هل لديهم طريقة مزدوجة فى تجربة الذنب؟ 

- هذه فكرة مهمة جدًا.. أظن أن الانتقال من ثقافة جماعية تقليدية إلى ثقافة أكثر فردانية قد يغير طريقة شعور الشخص بالذنب. فمن المرجح أن يشعر الشخص بالذنب تجاه مخالفة القيم والمعايير الثقافية فى سياق ثقافته الأصلية، لكنه فى الوقت نفسه قد يختبر الذنب بطريقة أكثر فردانية، كما هو شائع فى الثقافات الغربية، نتيجة لإلحاق الضرر بعلاقات شخصية مهمة فى ذلك السياق الغربى. بالطبع، هذا مجرد تكهن منى، لكنه يتوافق مع بعض الدراسات الصغيرة التى قارنت بين الصينيين المقيمين فى الصين والصينيين الذين هاجروا إلى الغرب.