الإثنين 12 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

صائد الأحلام.. حسين عبدالجواد: نجيب محفوظ استوحى بعض «أحلام فترة النقاهة» منى

حرف

- سألوا «أديب نوبل» عن سبب حبه لكتابتى فقال: «لأن أسلوبه حلو»

- «الحلم 100» فى «أحلام فترة النقاهة» مستوحى من قصة لى بعنوان «الجلاد»

- قصص الأحلام نوع أدبى جديد قائم بذاته أسسه «صاحب الثلاثية»

- قصص الأحلام ليست أحلامًا حقيقية وأكتبها مرتين وثلاثة حتى أرضى عنها

- تحولت من كتابة السيناريوهات السينمائية إلى الرواية والقصة القصيرة وشعر العامية

- أحاول أن أكتب بلغة العلماء والمساجلات القانونية

- سوق النشر تنشر أعمال الكُتَّاب المرموقين الحاصلين على الجوائز المهمة فقط

- حُرمت من جائزة مرموقة لأننى أعلنت فوزى قبل الإعلان الرسمى 

- السينمائيون يعتبروننى أديبًا والأدباء يعتبروننى سينمائيًا فطُردت خارج الحلبة باستمرار!

بين الواقع والحلم، يسير الأديب الكبير حسين عبدالجواد بخفة ووعى، يحوّل خيوط أحلامه إلى قصص قصيرة مُكثَفة تحمل قلقه اليومى وأسئلته العميقة، ورؤيته للعالم من حوله، مستفيدًا فى ذلك من مرافقته لـ«أديب نوبل» نجيب محفوظ، الذى أسس لنوع أدبى قائم بذاته اسمه قصص الأحلام، خاصة فى سنوات عمره الأخيرة. فى الحوار التالى مع «حرف»، يأخذنا «عبدالجواد» إلى كواليس كتابته، ليكشف كيف استلهم تقنيات كتابة قصص الأحلام من نجيب محفوظ، ليصنع بذلك نوعًا أدبيًا فريدًا، حيث تتحول الأحلام إلى مرايا للحياة والخيال، وتصبح كلمات بسيطة نافذة على عالم داخلى غنى ومعقد فى آن واحد.

■ «دفتر من الأحلام» تمزج بين الواقع والحلم بطريقة سلسة وواعية.. كيف بدأت علاقتك بكتابة الأحلام.. وهل هى أحلام أم قصص قصيرة جدًا، والأحلام الإطار السردى الذى كُتبت فيه؟

- فى عام ١٩٩٨، بدأ نجيب محفوظ كتابة قصص الأحلام، وشرح لنا الأسلوب الذى يتبعه فى كتابة هذه القصص، فقال إنه يستلهم من الحلم الحقيقى جزءًا صغيرًا، قد يكون شخصية أو جملة حوار أو لقطة صغيرة أو مكان معين، وذلك كبذرة ينميها لتصبح قصة، ويستخدم فى تقنية كتابتها نفس التقنيات التى تتبدى فى الحلم الحقيقى. 

لذا، يبدو واضحًا أن قصص الأحلام ليست أحلامًا حقيقية، لكنها قصة مُستلهَمة من ذلك الحلم الحقيقى. وكما قال لنا «الأستاذ»: «كل قصة من قصص الأحلام هى بالضرورة مبنية على حلم واحد حقيقى».

أُعجبت للغاية بهذه التقنية التى اتبعها «الأستاذ» فى كتابة قصص أحلامه، وعلى الفور، وفى نفس العام، كتبت قصصًا قصيرة مُستلهَمة من أحلامى الحقيقية، على ذات النحو الذى شرحه لنا «أديب نوبل»، والذى عندما بدأ فى كتابة قصص الأحلام، كان قد بلغ من العمر ٨٨ عامًا، ونظره قد أصبح ضعيفًا للغاية، حتى إنه لم يتمكن من قراءة هذه القصص التى يكتبها. كما أن يده كانت غير قادرة على الكتابة بشكل مناسب نتيجة تأثر أوتار يده جراء الطعنة الغادرة التى جرحت رقبته بعمق فى ذلك الاعتداء الإرهابى الذى تعرَّض له عام ١٩٩٤.

وبالنسبة لقصص الأحلام التى كتبتها، فقد كنت أكتب الحلم الحقيقى كما أتذكره، وبعد ذلك أبدأ عملية «تفكيك» هذا الحلم كى أتمكن من فك رموز شفراته، وبعدها أفكر فى كتابة تلك القصة المُستلهَمة من ذلك الحلم، وقد أُعيد كتابتها مرتين أو ثلاث حتى تصبح على الصورة التى أرضى عنها. مثل تلك العمليات كانت غير متاحة لـ«الأستاذ» للأسباب السابق ذكرها. 

■ فى معظم القصص نرى حضورًا قويًا للقلق، وفكرة الاختبار.. هل هذه ثيمات تخضع لتخطيط، أم أنها تتجلى تلقائيًا فى الحلم؟

- بدأت كتابة القصص المُستلهَمة من أحلامى الحقيقية فى عام ١٩٨٨. وفى ذلك العام كانت قد مرت ١٠ سنوات على ذلك القرار الهام الذى اتخذته آنذاك، وهو أن أحول مجال اهتمامى من كتابة السيناريوهات السينمائية إلى الرواية والقصة القصيرة. 

وفى عام ١٩٩٨، لم يكن قد صدر لى أى كتاب، وكنت قلقًا فى كثير من الأحيان، وأنا أتساءل عن إمكانية نجاحى فى عالم الأدب من عدمه، وأشعر على الدوام بأننى أمام اختبار كبير، وعلىَّ الاستعداد جيدًا قبل الإقدام على الإجابة عن تلك الأسئلة، التى يطرحها عالم الأدب، ومن هنا انعكس هذا القلق فى مجمل أحلامى، وكذلك هذا الشعور الدائم بأننى أواجه امتحانات صعبة للغاية. 

■ أحلامك مكتوبة بلغة اقتصادية وبصرية واضحة، تُشبه القصة القصيرة جدًا.. هل تتعامل مع الحلم كنص أدبى، أم ترى أن الأحلام لها لغة خاصة ومختلفة؟

- أحاول أن أكتب لغة شفافة فى كل ما أكتب، وهى لغة أقرب إلى اللغة التى يستخدمها العلماء، ومستوحاة من لغة المساجلات القانونية، وهو أسلوب، فى اعتقادى، يساعد على تجسيد الأفكار التى أسعى للتعبير عنها.

عندما بدأ نجيب محفوظ كتابة قصص الأحلام، كان يرغب فى كتابة قصص قصيرة جدًا، ونتج عن محاولته تلك نوع أدبى جديد قائم بذاته، ليفتح بذلك بابًا، يمكن لكثير من الأدباء الولوج منه، إلى هذا الشكل الجديد الذى يعتمد على مصدر ثرى للغاية، وهو تلك الأحلام التى يعرفها القاصى والدانى.

عندما نستلهم أحلامنا الحقيقية، لكتابة قصص الأحلام، فإننا نترجم لغة الأحلام الرمزية إلى لغة أدبية تسعى إلى تفكيك تلك الرموز، من أجل صياغتها فى صورة عمل أدبى.

■ هناك شخصيات تتكرر لديك: «الأب، المرأة الغامضة، الأستاذ، لجنة التحكيم».. هل تظن أن هذه الشخصيات تمثل رموزًا ثابتة لديك؟

- الأب والمرأة الغامضة والأستاذ ولجنة التحكيم كلها رموز ثابتة، على اختلاف درجة حضورها فى أحلام شخص أو آخر. فالأب هو أكبر سلطة، وأول سلطة يواجهها الإنسان فى حياته، وصراع الأجيال يتجسد فى محاولات التمرد شبه الدائم على السلطة الأبوية. وفى الحياة اليومية نرى أن التلميذ المشاغب، كثيرًا ما يتمرد على سلطة الأستاذ، بديلًا عن التمرد على الأب غير محمود العواقب. ويقول إريك فروم بصدد تفسيره للطبيعة الرمزية للأحلام: «المبالغة فى الحلم سخرية من الأب». 

أما عن المرأة الغامضة، فإن هذا الغموض نابع من أن اهتمام الرجال- بالدرجة الأولى- هو اهتمام بعالم المرأة. والأمر كذلك بالنسبة للمرأة واهتمامها بعالم الرجال. والمرأة الغامضة شخصية ثرية فى الأعمال الأدبية، أكثر من تلك المرأة الواضحة البسيطة.

الأستاذ بدوره شخصية مراوغة، فقد يكون مصدرًا للتعلم والإلهام، وقد يكون رمزًا للقسوة والعقاب. بينما لجنة التحكيم هى لجنة مكونة من عدد من الأساتذة الذين يملكون المنع والمنح بشكل فورى وحاسم. 

والمُبدع بطبيعته دائم التمرد على الحدود والقيود، وإذا لم يستطع ممارسة تمرده هذا فى الواقع، لابد أن ينعكس فى أحلامه بصورة رمزية. 

■ ولماذا كل هذا الحضور لفكرة الجائزة التى تُمنح وتُسحب وتُسرق وتتلاشى؟

- سوق النشر تتعرض كثيرًا لحالات من الكساد، لذا تسعى لنشر أعمال هؤلاء الكتاب المرموقين «الحاصلين على الجوائز الهامة». أما هؤلاء من غير الحاصلين على أى جوائز، ظروف النشر تكون على درجة عالية من الصعوبة بالنسبة لهم. 

فى إحدى المرات كنت قاب قوسين أو أدنى من الحصول على واحدة من تلك الجوائز الهامة، حسب ما سربه إلىّ واحد من كبار أعضاء لجنة التحكيم فى هذه الجائزة. وعندما أُعلِنت النتيجة، لم أكن الفائز. لذا رحت ألوم نفسى على ما أعلنته، فقد كان يجب أن يظل فى طى الكتمان لحين وقت إعلان نتيجة تلك المسابقة المرموقة.

■ المرأة فى الأحلام تتجسد فى صور متعددة «جميلة- مساعدة- مخادعة- زوجة لشخص آخر».. هل تمثل المرأة رمزًا للفرصة أم الخيبة؟

- المرأة الجميلة كانت دائمًا أهم الجوائز التى يحصل عليها الرجال المتسابقون فى مضمار الحياة، وهى أيضًا الأعلى أجرًا بين ممثلات السينما الموهوبات. والمرأة بما جبلت عليه من المودة والرحمة، تكون بمثابة المساعد الساحر للكثيرين من ضحايا الغدر والعدوان.

وإذا نظرنا إلى تاريخ الأعمال الدرامية سنجد هذا «الثالوث المقدس»: الزوج والزوجة والعشيق، أو الزوج والزوجة والعشيقة. هنا دائمًا ما تبدو المرأة المخادعة نموذج يفتح شهية كُتَّاب الدراما للكتابة عنها. والمرأة صاحبة السلطة تمثل دائمًا فرصة للترقى، من جانب هؤلاء العاملين تحت قيادتها فهى خير مساعد لهم. 

■ بعض الأحلام تقترب إلى السخرية اللاذعة من المؤسسات الثقافية: لجان وجوائز وناشرين.. هل هذا نقد واعٍ أم خروج اللاوعى من التجارب الواقعية؟

- دراستى وعملى الأساسى كانا كتابة السيناريوهات السينمائية، وفى عام ١٩٨٨، لعدة أسباب يضيق المجال عن ذكرها، قررت التفرغ لكتابة القصص والروايات وأشعار العامية. هنا حدثت مفارقة كبيرة، إذ راح الزملاء من العاملين فى المجال السينمائى يعتبروننى أديبًا، وراح زملائى من الأدباء يعتبروننى سينمائيًا. بناء على ذلك أصبحت مطرودًا خارج الحلبة باستمرار!

فى زمن سابق، حذر إحسان عبدالقدوس من يوم يأتى فيه الموظفون ليحتلوا مكان الصدارة بديلًا عن الفنانين والأدباء. وذلك ما حدث فى الوقت الراهن، إذ زاد حجم المؤسسات الثقافية إلى حد كبير. 

■ نجيب محفوظ، فى «أحلام فترة النقاهة»، كتب أحلامنا شديدة التكثيف والرمزية.. إلى أى مدى شعرت بأن «من دفتر الأحلام» امتداد لهذا النوع من الكتابة؟ أم تراها مسارًا مختلفًا تمامًا؟

- صدر لنجيب محفوظ مجموعتان من قصص الأحلام. فى مجموعته الأولى جاء عدد من قصص الأحلام الجميلة. وبدأ ينشر هذه القصص فى مجلة «نصف الدنيا»، وذلك فى عام ١٩٨٨. فى تلك الأمسيات الجميلة التى تجمعنا معه، كنا نتناقش حول تلك القصص. وكنت فى ذلك الحين قد كتبت مقالة طويلة جدًا عن أول قصة من قصص الأحلام نُشرت له. وعندما قرأت المقالة له استمع إلىّ فى صبر واهتمام حتى انتهيت من القراءة. فضحك ضحكته الجميلة المجلجلة وقال: «أنت عملت رواية!».

بدأت فى تلك الفترة كتابة القصص المستلهمة من أحلامى الحقيقية، متبعًا ذلك الأسلوب الذى شرحه لنا الأستاذ. وكنت أقرأ عليه هذه القصص، وكان للرجل- طيب الله ثراه- أسلوب خاص جدًا عند إبداء الرأى فى القصص التى تُقرأ له، كان ذلك الرأى دائمًا عبارة عن كلمة واحدة: «حلو، حلوة، جميل، جميلة، جذابة». كانت تلك الكلمة الواحدة تقال بنبرة تتفاوت بين النبرة العادية أو العالية أو المتحمسة جدًا. ولقد حصلت منه على عدد كبير من تلك الكلمات الحماسية، فى أعقاب قراءتى له قصص الأحلام التى كنت أكتبها فى ذلك الحين.

■ وماذا عن المجموعة الثانية من قصص الأحلام للأديب الكبير نجيب محفوظ؟

- صدرت بعد وفاته، وكان أثناء الأعداد لها قد فقد قدرته على الكتابة تمامًا، فكان يملى القصص على مساعده، فقد كان فى ذلك الحين قد تخطى عامه الـ٩٠. ولأنه لجأ إلى الإملاء، لم يكن قادرًا على صياغة قصصه على النحو الذى اعتاده طوال حياته. والجدير بالذكر هنا، أن الأستاذ، فى تاريخ سابق، عندما اقترحنا عليه أن يجرب عملية الإملاء، قال: «القلم فى يدى بمثابة أصبع سادس».

والأستاذ فى قصص الأحلام التى كتبها وكان يهتم كثيرًا بأن تأتى هذه القصص على هيئة الأحلام الحقيقية. بينما كنت أنا مهتمًا بمحاولة أن تأتى قصص الأحلام التى أكتبها فى هيئة قصص قصيرة مكتملة الأركان، مع الاهتمام فى ذات الوقت بصياغة القصة فى هيئة الحلم الحقيقى.

وأول كتاب لى صدر فى عام ٢٠٠٧ بعنوان «من دفتر الأحلام»، وبعد أن قرأه الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد، كتب مقالًا فى جريدة «روز اليوسف»، امتدح فيه هذا الكتاب، لخلوه من الأفكار الأيديولوجية، وقال إن ذلك يجعله محفوظًا فى عالم الأدب على نحو جيد. 

■ فى أحلام «محفوظ»، الحلم يبدو كأنه «حكمة مضغوطة». بينما أحلامك حافلة بالقلق الشخصى والتفاصيل اليومية. هل ترى أن الحلم عندك أكثر ذاتية، وعند «أديب نوبل» أكثر فلسفية؟

- نجيب محفوظ هو ابن نجيب لمرحلة الحداثة والتنوير، وإلى جانب ذلك كانت له تلك الإنجازات الكبيرة التى حققها، وجعلت له تأثير كبير فى جسد الثقافة المصرية. المحاولة الإرهابية التى تعرض لها فى عام ١٩٩٤، تركت فى جسده جرحًا عميقًا، أثر على قدرته على الكتابة بصورة كبيرة، وخضع للعلاج الطبيعى وتدريبات متعددة حتى استطاع أن يعاود بعض هذه القدرة.

ورغم كل تلك العلاجات والتدريبات، كان غير قادر على الكتابة بصورة مناسبة، واستطاع أن يكتب كلمات تكاد تقرأ بصعوبة، لكنها ساعدته فى النهاية على أن ينجز كتابه الجميل «أحلام فترة النقاهة». كان قد تخطى عامه الـ٩٠. ونتيجة لذلك رغب فى إرسال رسائله الأخيرة إلى وطنه المحبوب، وأن يضمنها خلاصة حكمته، من خلال تلك اللمحات الفلسفية، التى تجلت فى قصص الأحلام التى كتبها.

يقول كارل ماركس: «الإنسان يبدأ وعيه مع حصوله على أول راتب». ولقد حصلت على أول راتب لى عام ١٩٦٨، وهو العام الذى قامت فيه مظاهرات الطلبة فى فرنسا، كان ذلك فى مايو من هذا العام، وكان قد سبقها الطلبة المصريون بمظاهراتهم فى فبراير، من العام نفسه. وقال ميشيل فوكو إنه فى هذا العام افتتحت الأزمة التى سحبت الثقة من مرحلة التنوير والحداثة، التى وضعت كل أمالها على العلم والعقل، وأنهما قادران على دفع العالم إلى مزيد من التطور، ومزيد من الوفرة، وأنهما قادران أيضًا على حل جميع المشاكل التى لازمت الإنسان فى مرحلة ما قبل الحداثة. وسرعان ما تبدت الأفكار الجديدة التى بشرت بها فلسفة ما بعد الحداثة، لتشكك فى قدرة العقل والعلم، على حل كل المشكلات التى تواجهها المجتمعات، فى السنوات الراهنة.

وبدَا فى الأفق رأى أكثر موضوعية، وهو أن أفكار ما بعد الحداثة لا تمثل قطيعة تامة مع أفكار التنوير والحداثة، وإنما هى تمثل مرحلة جديدة وتطويرًا، وإضافة لمرحلة التنوير والحداثة. والمفارقة السارة أننا نجد أن كثيرًا من أفكار ما بعد الحداثة فى مجال الأدب والفن، كانت متوافرة فى تاريخ سابق، فى أعمال دوستويفسكى على سبيل المثال. وهنا فإننى أجد أننى فى كتابة قصص الأحلام قد ذهبت للتعبير عن اليومى والهامشى، بديلًا عن التعامل مع الأفكار الأيديولوجية. ومن جانب آخر، نرى أن نجيب محفوظ، المدافع دائمًا عن الحداثة والتنوير، ويتبنى بعض الأفكار الأيديولوجية، فى بعض أعماله مثل «تحت المظلة»، يكتب قصصًا متبنية لكثير من أفكار ما بعد الحداثة.

■ هل ترى أن كتابة الأحلام تُغنى القصة القصيرة كما قدمها محفوظ.. أم أنها تؤسس لنوع أدبى مستقل؟

- لقد أهدانا نجيب محفوظ فكرة فائقة القيمة، عندما شرح لنا ذلك الأسلوب الذى يتبعه فى استلهام أحلامه الحقيقية، ليصوغ منها قصة قصيرة جدًا، تُصاغ فى شكل مشابه لشكل الأحلام الحقيقية. ولا شك أن الأمر على هذه الصورة يعد فتحًا جديدًا، فى مجال كتابة القصص القصيرة جدًا.

استلهمت هذا الأسلوب وأنا أتعامل مع أحلامى الحقيقية، من أجل صياغة قصص قصيرة جدًا. كما كتب بعض الزملاء من الكُتَّاب قصص أحلام، لكنهم للأسف لم يُتَاح لهم الإطلاع على تلك التقنية الساحرة، التى اعتمدها نجيب محفوظ فى تعامله مع أحلامه الحقيقية؛ لذا، سرد هؤلاء الكُتَّاب أحلامهم الشخصية كما تراءت لهم بالفعل، دون تلك التقنية التى اعتمدها الأستاذ، وذلك اعتقادًا منهم أن نجيب محفوظ يكتب أحلامه الحقيقية، دون إدخال أى قدر من التعديلات عليها.

أسعدنى الحظ بلقاء الأستاذ، على مدى سنوات، كانت لا يشغله فيها أى نوعية من الكتابة، سوى كتابة قصص الأحلام. ولقد انشغلت أنا أيضًا، وإلى حد كبير، بكتابة هذه النوعية من القصص، وكنت أقرأ للأستاذ أغلب ما كتبت، وكنا نتناقش معه فى قصص الأحلام التى يكتبها، وتنشرها مجلة «نصف الدنيا». 

أتذكر الآن تلك الليلة، التى حصلت فيها على أهم نصيحة، من نصائح الأستاذ الجميلة دائمًا. كان ذلك فى يوم من أيام شهر رمضان، فى ذلك الزمن البعيد، قرأت له قصيدة عامية، كتبتها فى صباح هذا اليوم، فأُعجب إعجابًا كبيرًا بها، حتى أنه صفق لى وجميع الحاضرين أيضًا.

كتبت هذه القصيدة، وأنا أحاكى إحدى قصائد بيرم التونسى، من ناحية الشكل والإيقاع، أما الموضوع فقد كان مختلفًا تمامًا. ولذلك شعرت ببعض القلق، من أن أكون قد فعلت أمرًا غير لائق، وصارحت الأستاذ بمحاكاتى لقصيدة بيرم التونسى. فقال الأستاذ: «جيد أن يكون لديك نموذج تحاكيه».

لذلك كله، نرى أننا أمام باب جديد، يُفتح على مجال شديد الاتساع، يمكن لكثير من الكُتَّاب الدخول منه إلى عالم القصة القصيرة جدًا، وفى النهاية هذا موكول إلى السادة النقاد، ليبحثوا هذا الشكل الجديد، من أشكال الكتابة، لتحديد قواعده وأبعاده الرحبة مترامية الأطراف. 

■ هل أثر نجيب محفوظ بشكل مباشر على طريقتك فى التعامل مع الأحلام، سواء فى لغتها أو رموزها أو تكثيفها؟ 

- أكثر ما أثار اهتمامى فى قصص الأحلام التى كتبها الأستاذ، هو تلك التقنية التى اعتمدها فى صياغة أحلامه لتصبح قصصًا قصيرة جدًا، وهذا استدعى بالضرورة أن تكون تلك القصة مكثفة إلى حد كبير.

أما عن اللغة فكانت للأستاذ لغته الخاصة، النابعة من أسلوبه كأديب كبير، وكانت لى أيضًا لغتى وأسلوبى الخاص. ومما يمكن ذكره فى هذا الصدد، أن واحدًا من الزملاء سأل الأستاذ عن سبب حبه لما أكتب، ورغبته الدائمة فى الاستماع لى، فأجاب الأستاذ، قائلًا: «لأن أسلوبه حلو». وبالنسبة للرموز، الأمر كان جد مختلف، لأن الأستاذ، وأنا كذلك، كنا نستلهم الرموز من أحلامنا الخاصة، وهى بطبيعة الحال مختلفة اختلاف بين.

فى تلك الأحيان التى يبدى فيها الأستاذ إعجابًا واضحًا بواحدة من قصص الأحلام التى كتبتها، كنت أعيد تأمل هذه القصة، بهدف التعرف على السمات، التى أثارت إعجابه، وبناءً عليه كنت أحاكى جانبًا من تلك القصة فيما أكتبه بعدها. 

فى واحدة من تلك الأمسيات الجميلة، قرأتُ للأستاذ واحدة من قصص الأحلام، وقد اخترت لها عنوان «الجلاد»، وفيها يصل خطاب إلى راوى الحلم، يفيد بأنه قد صدر ضده حكمًا بالإعدام، وأن عليه أن يتوجه إلى مكان تم تحديده، حيث يتوجب تنفيذ الحكم. يذهب راوى الحلم إلى ذلك المكان المحدد. فيشاهد حشدًا من الجماهير، التى حضرت لمشاهدة وقائع تنفيذ الإعدام. الجلاد يتعامل بقدر كبير من الغطرسة مع الجمهور. ويحتد النقاش، ويتحول إلى تضارب بالأيدى، ولا يجد الجلاد مفرًا من تلك المعركة سوى أن ينجو بنفسه، ويقرر الهروب بعيدًا عن تلك الجماهير الغاضبة. 

بعد حوالى أسبوعين، ينشر الأستاذ إحدى قصص أحلامه، فى مجلة «نصف الدنيا»، وهو عبارة عن راوى الحلم وقد ذهب إلى إحدى المحاكم، فقط ليتسلى بمشاهدة وقائع المحاكمة. ويفاجئ الراوى بأن القاضى يصدر حكمًا بأعدامه، فى نهاية الجلسة. هذا الحلم منشور فى كتاب الأستاذ «أحلام فترة النقاهة»، تحديدًا الحلم رقم ١٠٠. و«حلم الجلاد» منشور فى كتابى «دفتر من الأحلام»، الذى احتوى على عدد من القصص، كتبت فى تاريخ سابق على تاريخ نشر كتابى هذا. ولا أنكر أننى استفدت كثيرًا من كل تلك التنويعات الثرية، التى بدت فيما كتب الأستاذ من قصص الأحلام.

■ نجيب محفوظ قدم رموزًا ثابتة: «الشيخ، الحارة، السلطة، الموت». بينما تظهر فى أحلامك شخصيات مثل: «الأب، الأستاذ، المرأة، لجنة التحكيم».. كيف ترى اختلاف نظام الرموز بينكما؟ 

- أحلام الإنسان مثل بصمة يده، فلن نجد شخصين يحلمان نفس الحلم. هناك فروقات واضحة، لكن قد يكون هناك أيضًا بعض الرموز ذات البنية المتشابهة، وذلك ما جعل سيجموند فرويد قادرًا على فك شفرات تلك الرموز فى كل تلك الأحلام التى حللها.

وإذا كنت قد تعاملت مع أحلامى على ذات النحو، الذى اعتمده نجيب محفوظ فى استلهام قصصه القصيرة جدًا من واقع أحلامه الحقيقية، من الطبيعى أن تختلف أحلامى عن أحلامه. ما يدعم هذا الاختلاف أيضًا هو أن الحلم نابع بصورة أساسية من اللاوعى الخاص، الذى تكون مكوناته جد مختلفة عن أى شخص آخر.

■ هل تخطط لكتابة دفاتر أحلام جديدة تكمل هذا الخط؟

- بدأ نجيب محفوظ كتابه قصص الأحلام فى عام 1988، ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن لم أتوقف عن كتابة قصص الأحلام. ولقد صدرت لى 3 مجموعات قصصية، تحتوى على عدد كبير من قصص الأحلام. بالإضافة إلى ذلك، يتوافر لدى الكثير من قصص الأحلام التى كتبتها ولم تنشر بعد. وللأسف فإن نظرى أصبح ضعيفًا، حتى إننى لا أستطيع قراءة تلك القصص التى كتبت منذ سنوات بعيدة. وهى ما زالت راقدة، فى دفاتر ملاحظاتى.

أعمل حاليًا على كتابة مجموعة قصصية بعنوان «أصداء الذكريات البعيدة»، وهى قصص مستلهمة من الذكريات، وليست مستلهمة من الأحلام، وعلى الرغم من ذلك استخدم فى تلك القصص نفس تقنية كتابة قصص الأحلام.

■ هل ترى أن قارئ اليوم يتلقى «الحلم الأدبى» بنفس طريقة قارئ نجيب محفوظ قبل 30 عامًا؟

- العمل الفنى الجميل يكتب له الخلود منذ ساعة ميلاده، وقارئ نجيب محفوظ كان موجودًا، وسيظل موجودًا دائمًا. وإذا تحرينا الدقة، فيمكن أن نقول إنه لا يوجد قارئ معين لكاتب معين، فالقارئ المهتم بالأدب يقرأ عددًا كبيرًا من الأدباء، والأعمال الأدبية المبتكرة لها تأثير خلاب على أكثر القراء. 

وقصص الأحلام التى كتبها نجيب محفوظ سيظل لها موقع متميز، فى مجمل الأدب العربى الحديث، ذلك لأنها عمل ولد نتيجة ظروف صعبة ومعقدة إلى حد كبير، والرجل استطاع بعمله هذا، الذى أعطاه 10 سنوات من عمره، أن يقدم لنا درسًا مهمًا، فى تلك الإنجازات التى يمكن أن يحققها المبدع الكبير. ألف رحمة ونور، للرجل الذى وهب كل سنوات عمره للعمل والإبداع.