الثلاثاء 24 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

حسرة عليها

حرف

من أعظم مشاهد السينما المصرية مشهد اغتيال الضحية فى فيلم «ريا وسكينة»، مكنش المطلوب هنا إنه يكون مشهد دموى، فى الوقت ده كانت لسه السينما بـ تفكر فى تأثيرها على المشاهد، وتحاول تحافظ على رسالة أخلاقية ما، فـ الابتعاد عن بشاعة القتل ضرورى، لكن فى نفس ذات النفس كان مطلوب يكون مشهد مقبض قدر الإمكان ينقل الحالة حتى لو ما صورهاش، من هنا كان الإيقاع.

صلاح أبوسيف أصلًا مونتير، وأصلًا أصلًا كان بـ يشتغل فى شركة غزل المحلة اللى أسسها طلعت باشا حرب، وطلعت باشا هو مؤسس استوديو مصر برضه. نيازى مصطفى كان سبب فى إن أبوسيف يتنقل من الغزل للاستوديو، وبعتوه أوروبا يتعلم، ورجع اشتغل فى قسم المونتاج، لـ حد ما بقى رئيس القسم.

المونتاج من فنون السينما المهدور حقها، كل الناس بـ تتكلم عن كل حاجة تقريبًا: سيناريو، حوار، تمثيل، إضاءة، مزيكا، ديكور، ملابس، مؤثرات، كله كله. لكن المونتاج محدش بـ يجيب سيرته، والناس غالبًا بـ تتعامل معاه على إنه قطع المشاهد اللى مالهاش لازمة، أو المشاهد الخارجة، مع إنى بـ اعتبر المونتاج فى مقدمة فنون السينما والدراما عمومًا.

المونتاج هو اللى بـ يخلق إيقاع الفيلم، هو اللى يخليه ممل أو ممتع. والمخرج لو مش مهتم بـ المونتاج، وفـ دماغه هـ يعمل إيه بـ الظبط فى الأوضة قدام مكنة التقطيع أيًا كانت، مش ممكن يعمل فيلم مظبوط. ولأن أبوسيف مونتير كبير كان الإيقاع فى أفلامه متميز، وكانت أفلامه نفسها ممتعة إلى حد كبير.

فى المشهد اللى معانا، استعان أبوسيف بـ غنوة، كتبها ولحنها اتنين كبار بيرم التونسى وأحمد صدقى، وغناها شفيق جلال هى غنوة «بنت الحارة» الشهيرة بـ اسم «الملاحة الملاحة» وفى قول آخر «حسرة عليها يا حسرة عليها».

مونتير الفيلم كان إميل بحرى والمصور وحيد فريد والديكور ولى الدين سامح، وبقيادة صلاح أبوسيف صوروا مشهد الاغتيال مع الغنوة بـ طريقة تدرّس، المشهد اتعمل بـ طريقة تصاعدية على تلات مراحل:

الأولى، بداية الغنوة على إيقاع قاعد. والتانية من أول ما ريا بـ تدخل بـ كوباية الشربات اللى فيها المنوم، وبعدها العصابة تدخل بـ الدفوف مع جملة: «الملاحة الملاحة». والتالتة والمطرب بـ يغنى: «وأنا إيه ذنبى أنا إيه ذنبى حدفت لى المنديل البمبى». فـ ريا تهز القنديل، وتتنقل الغنوة لـ مرحلة جديدة: «فين أراضيها؟ فين أراضيها؟ فايتانا يا حسرة عليها»، فـ الكورال يمسك فى جملة «حسرة عليها»، ويبقى عندنا كورال مجنون متسارع بـ يصرخ، والمطرب عنده خط تانى فيه مرثية للذبيحة.

النقل من مرحلة لـ مرحلة بـ يحصل معاه تصاعد فى الإيقاع، وتصاعد فى المونتاج مع زيادة النقل بين اللقطات، يعنى فى الجزء الأخير بـ نتعامل مع أجزاء من الثانية للقطة الواحدة، والتفاصيل بـ تبقى كتير كتير، فى حالة تخلق دوخة زى جلسات الزار.

وفى كل المشهد من أوله لآخره كل حاجة بـ تتحول لآلة إيقاع: مشية ريا، خطواتها ع السلم، حركة لاى الشيشة، آلات الحفر اللى العصابة بـ تحفر بيه قبر الضحية، حركة الدف يمين وشمال صعودًا وهبوطًا، غليان براد الشاى، رجلين واحد على مكنة بـ تسن سكين لـ دبح خروف، وطبعًا القنديل، حتى النظرات، كل حاجة ماشية مع الإيقاع بـ تناغم مذهل، والحقيقة كل ده مستوعبه، لكن إزاى غليان براد شاى يبقى ماشى مع الإيقاع، دى إجرام.

الكبيرة بقى هو إزاى وحيد فريد قدر يصور المشهد من خلال عينين زينات علوى «الرقاصة الضحية» اللى هى المفروض سكرت وبـ تتطوح على إيقاع الغنوة، يعنى إزاى الكاميرا قدرت تعمل الحركة دى؟

اللى أعرفه إن الحاج وحيد جاب قروانة من بتوع الأسمنت وقعد عليها بـ الكاميرا، وخلى حد يهزه وهو بيصور هزات محسوبة بـ عدات الإيقاع، ودى كانت المحاولة رقم تسعة لـ تصوير المشهد بـ استخدام حاجات مختلفة.

مش محتاج طبعًا أقول المشهد ده فضل خالد إزاى، ولا اتعمل عليه بارودى فى كام فيلم، كفاية مشهد النهاية فى فيلم «العار».

وحسرة عليها يا حسرة عليها