مسئولية حليم
فى ٢٣ يوليو ١٩٦٣، كانت مصر بـ تحتفل بـ مرور ١١ سنة على «ثورة» ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وفى الوقت نفسه بـ تمر بـ تحولات كبيرة، وكان صوت هذه التحولات من خلال صلاح جاهين وكمال الطويل وعلى إسماعيل، وطبعًا وطبعًا عبدالحليم حافظ.
وقتها كنا فى مرحلة ما بعد الانفصال عن سوريا، أول حادث صادم فى عهد ناصر، وبـ المناسبة برضه هيكل أطلق عليه تعبير «النكسة» الشهير. فى إطار مراجعات ما بعد الانفصال، ناصر شاف ضرورة إعادة هيكلة النظام كله، انطلاقًا من حال «الاتحاد القومى» اللى هو كان التنظيم السياسى الحاكم تقريبًا، اللى تبين إنه فيه ثغرات وعيوب ومشاكل جمة، فـ اللى هو إحنا هـ نعمل ريستارت لـ البلد بـ حاجتين:
الحاجة الأولى كانت «الميثاق» اللى صدر فى مايو ١٩٦٢، واللى بـ يحدد شكل وآليات وأولويات العمل السياسى والعام لـ الفترة المقبلة من تاريخ مصر، والتانية كانت تنظيم جديد يحل محل «الاتحاد القومى» التنظيم الجديد هو «الاتحاد الاشتراكى العربى» اللى صدر قرار تأسيسه فى يوليو ١٩٦٢.
بعد سنة من صدور «الميثاق» وتأسيس «الاتحاد الاشتراكى»، المفروض إنه النظام الجديد بقى مستقر بعد تحديد عضوية الاتحاد الاشتراكى ومستوياته بداية من «الوحدة الأساسية» فى كل حى وقرية، حتى «اللجنة التنفيذية العليا» اللى هـ يبقى ليها صلاحيات واسعة فى الحكم توازى أو ربما تفوق صلاحيات الحكومة ذاتها. ثم كمان تحديد وسائل التصعيد داخل التنظيم.
هنا بـ يبقى فيه قرار ناتج عن رؤية إنه الأغنية «السياسية»، المعروفة وقتها بـ اسم الأغنية «الوطنية» هى كمان يحصل لها تحول فى الصياغة والأداء والدور، يعنى ما تبقاش مشاعر عامة تجاه الوطن، أو سردية لـ قصة زى «حكاية شعب» مثلًا اللى بـ تقول موضوع السد العالى، وإنما تبقى اشتباك مع الواقع اليومى المُعاش، وتفاصيل السياسة الدقيقة، وشرح أفكار ورؤى وأيديولوجيات وتعميمها على الناس.
فى ذلك اليوم، ٢٣ يوليو ١٩٦٣، وقف عبدالحليم حافظ فى نادى الظباط بـ الزمالك، يقدم الأغنية الجديدة، جديدة فى كل شىء، وهى أغنية «المسئولية»، وبـ يحدد دورها فى إنها بـ تشرح بـ الظبط يعنى إيه عضو فى الاتحاد الاشتراكى العربى، ومطلوب منك تعمل إيه بـ الظبط.
صياغة الأغنية كمان كانت مختلفة، يعنى مفيهاش حس الحماس الوطنى المعروف فى الأغنيات اللى بـ تتكلم عن البلد، وإنما حالة موسيقية تقريبًا شعبية، وفيها إيقاعات سريعة، وحتى فيه زغاريد فى النص، اللى هو إحنا فى الشارع بـ نتكلم مع المواطنين مباشرة، ثم إنه أداؤها كانت فيه أدوات جديدة لـ العرض الفنى، أعتقد أثر على تداول الأغنية بعدين كـ أغنية منفصلة.
نقدر نقول إنه الأداء كان تفاعلى مع الجمهور اللى بـ يتقدمه طبعًا جمال عبدالناصر ذات نفسه شخصيًا، وعبدالحليم فى بعض المقاطع بـ يتوجه له بـ الغنا، وبـ تصدر عن عبدالناصر ردود فعل، تقدر تعتبرها جزء من العمل الفنى ذاته، يعنى إحنا مش بـ نقدم غنوة قدم ما بـ نقدم عرض أقرب لـ المظاهرة الشعبية، والواقع إنه مردود العمل ساعتها كان عالى، وحقق أهدافه تمامًا.
زى ما قلت لك، الطريقة دى أثرت بعدين على تداول الغنوة كـ عمل منفرد زى صورة وبـ الأحضان وغيره، فـ ما بقاش ليها نفس الشهرة، فضلًا عن مصير الاتحاد الاشتراكى نفسه، ومش بـ أقصد هنا حله بعد منتصف السبعينات، فى عهد أنور السادات، إنما ما آل إليه الأمر فى عهد ناصر نفسه، إنما دا موضوع تانى، خلينا نحكيه بعدين.







