بــاب الخروج.. كتاب أمريكى: حاربوا الإرهاب بسيرة الإمام على بن أبى طالب
- إرثه يجب أن يكون دليلًا لكبح جماح النزعات التطرفية داخل الإسلام
- رجل سلام وتسامح وتضحية وتواضع وأسس «دولة العدالة الاجتماعية»
لا يخفى على أحد وفرة الكتب التى تتناول حياة على بن أبى طالب «عليه السلام» وعصره، وكذلك الروايات التاريخية العربية والإسلامية التى تُسلط الضوء على شخصيته وروحانيته وطباعه، باعتباره شخصية من أهم الشخصيات فى التاريخ الإسلامى.
فى المقابل، صوّر العديد من المؤلفين الغربيين أيضًا شخصية «أبى الحسن» متعددة الأوجه، من خلال منظوراتهم الخاصة، راسمين صورًا متنوعة لتلك الشخصية الفريدة، وهذا ليس بالأمر المستغرب، فليس من السهل الكتابة عن كل شىء يخص حياته الاستثنائية.
ويعد كتاب «The Prophet›s Heir: The Life of Ali ibn Abi Talib» أو «خليفة النبى: حياة على بن أبى طالب»، من تأليف الباحث والأكاديمى الأمريكى ذى الأصول الباكستانية، حسن عباس، أستاذ العلاقات الدولية فى «مركز دراسات الشرق الأوسط» بجامعة الدفاع الوطنى التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، من أهم الإصدارات الغربية التى تدور حول الإمام على، وهو ما تستعرض «حرف» تفاصيله فى السطور التالية.

خليفة النبى
ببراعة كبيرة، وفيما يزيد قليلًا على ٣٠٠ صفحة، أسهم الباحث والأكاديمى الأمريكى ذو الأصول الباكستانية، حسن عباس، أستاذ العلاقات الدولية فى «مركز دراسات الشرق الأوسط» بجامعة الدفاع الوطنى التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، فى إضافة جهد بحثى غربى عن حياة الإمام على بن أبى طالب، من خلال كتابه «The Prophet›s Heir: The Life of Ali ibn Abi Talib» أو «خليفة النبى: حياة على بن أبى طالب».
الكتاب صادر عام ٢٠٢١ عن مطبعة جامعة «ييل»، التى تعد ثالث أقدم صرح للتعليم العالى فى الولايات المتحدة، وهو عمل بحثى يبنى نسيجًا غنيًا لحياة الإمام على بن أبى طالب، ويسدّ بعض الثغرات والاختلافات، بأسلوب سلس يجذب المثقف كما يأسر القارئ العادى.
وأسهم الكتاب، الذى ربما يُعد أول دراسة معمقة عن ابن عم النبى، صلى الله عليه وسلم، باللغة الإنجليزية، فى فهم قيمة إرث الإمام على فى الوقت الحاضر، خاصة مع تعامل المؤلف بمهارة مع التقارير التاريخية من جميع المصادر المبكرة والحديثة.
وحقق الكتاب توازنًا واضحًا بالتركيز على كل جوانب هذه الشخصية العظيمة والمثيرة للجدل فى آنٍ واحد، إذ يُعتبر على بن أبى طالب، بلا منازع، أهم مرجع روحى وفكرى فى الإسلام، بعد النبى محمد صلى الله عليه وسلم، فمن خلال تعاليمه وقيادته كخليفة رابع، أسهم فى إثراء الإسلام.
وتتلخص الرسالة الأساسية للكتاب فى أن عليًا كان رجل سلام وتسامح، وتضحية وتواضع، فقد أسس عهدًا من العدالة الاجتماعية، فى وقتٍ كان فيه الفساد مستشريًا آنذاك. ورغم الانقسام الذى كان يوشك أن يؤدى إلى حرب أهلية فى حياته، وبدلًا من أن يكون سببًا لهذا الانقسام، كان المواجه الأول لذلك، مشددًا على أن إرث «علىّ» ورسالته يقفان فى وجه الإرهاب والتنظيمات والجماعات المتطرفة الآن.
ويُعدّ استخدام المؤلف مصادر واسعة النطاق، من أهل السنة والشيعة والصوفية، وعلماء تقليديين ومعاصرين من الشرق والغرب، دليلًا على سعيه لتقديم سرد متوازن يُنصف الرجل الذى اشتهر بحسه العدلى الأسطورى.
واستند الكتاب إلى العديد من المؤلفات القيّمة، ليُقدّم سيرة متوازنة لعلى بن أبى طالب، مؤكدًا أن «الجميع يُحبّون عليًا، وإذا كان علىّ قد ساعد المسلمين فى التقرب إلى الله، فلماذا لا يكون أيضًا سببًا فى تقريب المسلمين من بعضهم البعض؟».
ويُبين الكتاب لماذا يعد ابن عم النبى وصهره شخصية محورية فى الإسلام اليوم، ولماذا ينبغى أن يكون مصدر إلهام ورمزًا للمصالحة، ويقدم أملًا فى حل التنافسات بين المسلمين، أو على الأقل احتواؤها.

فجر الإسلام
منذ البداية، يقدم المؤلف، فى عمل فنى متقن الإخراج، سردًا حيويًا عن السنوات الأولى للإسلام، واضعًا فى سياقه الدقيق دلالات السياسة القبلية، وكيف تعارضت مع مفاهيم المساواة فى الإسلام.
ويروى الفصلان الأولان أحداثًا متعددة تُشير إلى قرب على من النبى محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وكيف جرى إعداد هذا النجم الصاعد فى صفوف صحابة النبى ليكون الخليفة الروحى للنبى فى الدين الإسلامى.
ويُجسّد الفصلان مشهد ولادة فاطمة بنت أسد ولدها فى حرم الكعبة، وحمل النبى المولود بين يديه، فى روحانية عميقة، ليتربى بعدها على يد النبى منذ صغره، ويكون أقرب المقربين إليه.
ويرى البعض فى الغرب أن الإمام على كان أعظم المحاربين فى عصر الفتوحات الإسلامية، حين انتشر الإسلام فى شبه الجزيرة العربية، لكنهم لا يعرفون عن حياته وعلاقته بالنبى، ابن عمه وحماه.
لذلك يُعزز المؤلف، من خلال سرد الأحداث تباعًا، فكرة أن الإمام على قد تربى فى حجر النبى محمد، وكان أول من أسلم من الصبيان، وكيف ظل بعدها أشدّ أنصار النبى حماسةً وولاءً.
ويقول الكتاب:
منذ ولادته، بدا «علىّ» مميزًا، وما إن وُلد حتى حمله النبى محمد، الذى كان يبلغ من العمر ٣٠ عامًا آنذاك، بين ذراعيه. العلاقة بين الاثنين ازدهرت منذ تلك اللحظة، وعندما بلغ «علىّ» الخامسة من عمره، رباه النبى، لأن عائلته كانت فقيرة جدًا، ولا تستطيع إعالة جميع أبنائها.
منذ ذلك الحين، واجه النبى محمد تهديدات غير مسبوقة من المشركين الذين رفضوا نبوته، وكان من أهم مسئوليات «علىّ» تدوين الوحى الإلهى، فقد أُسندت إليه كتابة كل آية من القرآن.
ومع تقدم «على» فى السن، ازداد شجاعة فى مواجهة أعداء النبى محمد، ففى ليلة هجرة النبى، كان أعداء الإسلام فى مكة يتآمرون لقتل النبى وهو نائم، وتحديدًا المتآمرون من قبيلة «قريش».
«قريش» قبيلة تجارية سكنت شبه الجزيرة العربية، وسيطرت على مكة، ووُلد النبى محمد فى هذه القبيلة، لكنه نُبذ بعد أن بدأ يدعو إلى الإسلام والتوحيد، مُشكلًا تهديدًا مباشرًا لمصالح قريش السياسية والتجارية الوثنية.
ما إن انكشفت مؤامرة «قريش»، حتى وافق «علىّ» على النوم فى فراش النبى محمد، ومواجهة أبناء القبيلة الذين كانوا عازمين على قتله. وعندما اقتحم الرجال منزل «محمد» ودخلوا غرفته، نهض «علىّ» من فراشه وهاجمهم.
لم يكن «علىّ» خائفًا، فقد تأصلت فيه غريزة حماية «محمد» من التهديدات منذ صغره، وكانت تلك اللحظة التى كان يتدرب عليها طوال حياته. ونظرًا لشجاعته فى انتظار مهاجمى «محمد»، نام «علىّ» نومًا عميقًا لم يذقه مثله فى حياته.

حكم الإمام
يتناول الفصل الثالث «حادثة الغدير»، مُشيرًا إلى أن النبى محمد صلى الله عليه وسلم قال يومها: «من كنت مولاه فعلىٌّ مولاه»، فى تأكيد لمنزلة على بن أبى طالب، ومحبته لدى النبى، والوصية به خيرًا، مستندًا إلى أقوال كبار علماء المسلمين مثل جلال الدين السيوطى، وفخر الدين الرازى، ومحمد بن يعقوب الكلينى، الذين يمثلون بدورهم طوائف إسلامية مختلفة.
وتماشيًا مع الأسلوب المتوازن للكتاب، استطاع المؤلف، فى الفصل الرابع، أن يوضح استمرار على ابن أبى طالب فى التواصل مع الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل، مُستشارًا وقاضيًا.
أما مقدمة الفصل الخامس فتُلخّص بإيجاز روح وأسلوب حكم «على»، وكيف تصدّى للمحسوبية، وأزال الامتيازات عن كبار الشخصيات الذين استفادوا من غنائم وثروات الأراضى الإسلامية التى فُتحت حديثًا، وكيف أدّى رفض إصراره على العدل والمساواة إلى انقسام كبير فى المجتمع الإسلامى، لا تزال آثاره بعيدة المدى حتى يومنا هذا.
وقدّم بعض الدراسات الأكاديمية الإمام علىّ باعتباره أول من وضع مفهوم حقوق المواطنين فى الفكر السياسى الإسلامى، مشيرة إلى إيمانه بأن المجتمع الإسلامى يجب أن يُحكم ليس فقط من قِبَل شخصية كفؤة مُلِمّة بالشريعة، بل من قِبَل المجتمع نفسه كوصىّ عليه.
وخلال الفترة من عام ٦٥٦ إلى ٦٦١ ميلاديًا، بدأ «على» حكمه بإعلان أن كل من يسىء استخدام المال العام، ويختلس أموالًا من خزينة الدولة لبناء عقارات ضخمة، سيُعاقب، مع العمل على تثبيط أنماط الحياة الباذخة، خلال الأسبوع الأول من حكمه.
وحسب المؤلف، بدأ ممثلو «على» بمصادرة الأراضى والأصول من الأثرياء، مشيرًا إلى أن زعزعة نظام المحسوبية أدى إلى ندم البعض على دعمهم خلافة «على». وكجزء من مسعاه لإقامة مجتمع قائم على المساواة، كان ثانى أهم إجراءات «على» توزيع أموال الخزانة على الفقراء والمحتاجين.
وبذلك، كاد يُفرغ الخزانة العامة، مع قلة الأموال المخصصة للأثرياء، ما أثار غضب بعض أفراد المجتمع. ولم يتردد العديد من المسئولين الذين فقدوا دخلهم من الخزانة فى تدبير «انقلاب» ضد «على». ووفقًا لرواية المؤلف، «استعانوا بعائشة، زوجة النبى محمد صلى الله عليه وسلم، لقيادة هذه الحملة».
وأضاف المؤلف أن العلاقة بين السيدة عائشة والإمام على شهدت توترًا سياسيًا كبيرًا عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، إذ طالبت السيدة عائشة بدم عثمان، ورفضت بيعة «على» فى البداية، متأثرة بالأوضاع بعد مقتل «عثمان».
وواصل: «السيدة عائشة اعتبرت أن عليًا لم يقتص من قتلة عثمان، وهو التوتر الذى توّج بموقعة الجمل، التى انتهت بانتصار على، واحترامه زوج النبى، وإعادتها للمدينة بكرامة، رغم اختلاف وجهات النظر التاريخية فى الدوافع».

الرحيل المؤلم
وبأسلوبٍ أشبه بالرواية، تُضفى البلاغة المؤثرة فى وصف تداعيات استشهاد الإمام علىّ عمقًا مؤلمًا، ليس فقط على الأثر المباشر لوفاته، بل أيضًا على التداعيات طويلة الأمد التى لا تزال تتردد أصداؤها فى المجتمع الإسلامى.
ويصف المؤلف هذا اليوم قائلًا:
كانت نهايةً غارقةً فى المأساة، حتى بعد مقتل قاتله، ابن ملجم، لم يتحقق العدل، ولم يُعمّ السلام. ستصبح هذه اللحظة فى نهاية المطاف واحدةً من تلك اللحظات النادرة فى التاريخ، حيث يُحدث فعلٌ واحدٌ دوامةً فى التاريخ، ولا يجد الجرح ضمادةً أبدًا.
أصبحت وجوه الأيتام باردةً فجأةً دون دفء يد «علىّ»، وبطون المحتاجين خاويةً مرةً أخرى، وقلوب الكثيرين مكسورةً، ولن تُشفى قريبًا. سيستمر هذا الحداد حتى مع مرور القرون، ويتردد اسم «علىّ» فى ألحان المنشدين والأولياء، ويُذكر استشهاده فى الحادى والعشرين من رمضان.
وبعد وفاة الإمام على، استغرق الأمر وقتًا طويلًا قبل أن يعود السلام إلى الإسلام. فى الواقع، أدت الصراعات بين المسلمين فى القرن السابع إلى الانقسام داخل الإسلام، ما أسفر عن ظهور المذهبين السنى والشيعى.
لكل من المذهبين، السنى والشيعى، متطرفون يتحدون المعتقدات الإسلامية الأساسية. لكن، رغم وجود الطائفية اليوم، تظل الهوية الطائفية بالنسبة لكثير من المسلمين مجرد تصنيف، والسنة والشيعة غالبًا ما يُحيون شعائرهم الإسلامية معًا فى نفس الأماكن المقدسة.
ويرى المؤلف أن حياة «علىّ» ينبغى أن تكون مثالًا يُحتذى به للعالم الإسلامى اليوم، إذ يجب أن يكون إرثه دليلًا لكبح جماح النزعات التطرفية داخل الإسلام، وهو ما يسميه «أزمة التعصب الدينى المعاصرة»، ودليلًا للبشرية جمعاء.
ويقول: «هنا يكمن أثر إرث علىّ. لا يهمّ إن كان المسلم سنيًا أو شيعيًا أو صوفيًا فى نهاية المطاف، فقوته تكمن فى قدرته على ملامسة قلوب الناس فى كل زمان ومكان، فهو الصديق والمعلم الأبدى».
ومن أبرز جوانب الكتاب إلهامًا، عرض المؤلف للأبعاد الروحانية للإسلام من خلال تعاليم الإمام على، كما هو موضح فى الفصل قبل الأخير.
ويستشهد المؤلف بخطب وأقوال أدت إلى ظهور منهج روحى عُرف بالتصوف أو الصوفية. ولا يسع القارئ إلا أن يتأثر وهو ينخرط فى قراءة الكتاب ويستمع إلى آراء العديد من رجال ونساء الصوفية وشعرائها، الذين يُجلّون «عليًا» ويُشيدون به، ومنهم جلال الدين الرومى، وحافظ الشيرازى، ورابعة العدوية، وأبويزيد البسطامى، وأمير خسرو، وغيرهم.
ويُعدّ الكتاب بما يحتويه من رسوم توضيحية غنية، وجداول زمنية، وقائمة مراجع شاملة، مرجعًا قيّمًا ومفيدًا، جديرًا بجمهور واسع من القراء، ويثير اهتمام الأكاديميين والقراء العاديين على حد سواء، مسلمين وغير مسلمين.







