الإثنين 12 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

عبيد اللايك والشيــر!.. كيف حولتنا المنصات من بشر إلى ممثلين فى «شو كبير»؟

حرف

- الجميع الآن يتعاملون مع الحياة باعتبارها «عرضًا لا ينتهى»

- أكثر من 22 ألف شخص فى 16 دولة يرون «المؤثر» من أقل المهن احترامًا

فى زمن النجومية الرقمية، حيث بات لكل «إعجاب» قيمة، وأصبح عدد المتابعين أشبه بعملة متداولة، تتحول مقولة شكسبير الشهيرة «الدنيا مسرح كبير» إلى واقع ملموس على منصات التواصل الاجتماعى. 

وفى الفضاء الرقمى تتجاوز مواقع التواصل الاجتماعى مجرد الترفيه، إلى صناعة كاملة قائمة على جذب الانتباه وصناعة الترندات، حتى لو كان الثمن تقديم محتوى سطحى أو مثير للجدل. 

هذه الظاهرة التى تخطت حدود الجغرافيا وأصبحت همًّا عالميًا، دفعت العديد من المفكرين والباحثين إلى إصدار كتب تناقش أثر اللهاث وراء «الترند» و«اللايكات» على طريقة تفكيرنا وسلوكنا، وهو ما تستعرض «حرف» بعضًا منه فى السطور التالية.

SCREEN PEOPLE.. الناس «علامات تجارية» على «مسرح الدنيا الكبير»

يصدر كتاب «Screen People» أو «أهل الشاشة»، فى أبريل المقبل، عن دار النشر الرائدة «هاربر كولينز»، من تأليف الكاتبة الصحفية ميجان جاربر، الحائزة على جائزة «ميرور» لكتاباتها عن الإعلام، والتى تحاول فى هذا الكتاب دق ناقوس الخطر حول ما آلت إليه الأمور بسبب انتشار «الميمات»، والسعى وراء الإعجابات.

وتستعرض «جاربر»، فى ٣٠٠ صفحة، الآثار السلبية للاهتمام بالمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعى، وما يحدث عندما نتخلى عن واقعنا لصالح الاستعراض والتسلية على شاشة الهاتف المحمول، وذلك كامتداد لسلسلة مقالات كتبتها لمجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية.

ميجان جاربر

وتقول المؤلفة إن الوضع الراهن يحوّل عبارة «الدنيا مسرح كبير» من مجرد «استعارة» إلى «حقيقة واقعة»، فلم يعد هناك عمل تجارى سوى الاستعراض، الذى تمتد قواعده إلى الحياة اليومية.

وتوضح ذلك «أصبح لدى الناس (علامات تجارية شخصية)، ويبدأون علاقاتهم الجديدة بشكل غير رسمى على وسائل التواصل الاجتماعى، ويتعاملون مع الحياة نفسها كعرض لا ينتهى، للدرجة التى تتوسع فيها هذه المسرحية لتشمل السياسة، حتى تكاد تصبح مبتذلة».

وتضيف: «العقد الماضى غيّر - نحو الأسوأ- طريقة تفكيرنا فى التفاعل مع بعضنا بعضًا. وتجريد الإنترنت من الطابع الشخصى أدى إلى تآكل تحضر المجتمعات»، كاشفة عن تلقيها شخصيًا تهديدات بالقتل بسبب انتقادات بسيطة لبرامج تليفزيونية.

وتواصل: «عند التفكير فى الأداء كسيناريو ثقافى مجتمعى، تبرز الطرق التى يحفزنا بها الإنترنت لنكون أبطال قصصنا، حيث تتيح لنا وسائل التواصل الاجتماعى أن نكون أبطالًا فى برنامج واقعى مُدار بشكل مُتقن، وتشجعنا روبوتات الدردشة التى تعمل بالذكاء الاصطناعى على السعى وراء الصداقة وحتى الرومانسية، دون غموض العلاقات مع الآخرين».

وترى «جاربر» أن هذا «التجريد من الطابع الشخصى» له عواقب أكثر خطورة، فهو يغذى نظريات المؤامرة، مع انتظار المتابعين كل تطور جديد غامض فى الحبكة، يطرحه المؤثرون أو حتى مستخدمى وسائل التواصل الاجتماعى، ويطمس الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والخيال. 

وتغوض المؤلفة عميقًا فيما يحدث عندما نتخلى عن واقعنا لصالح الاستعراض، مبينة أن «ثقافة الإنترنت السائدة الآن تُهيّئنا، يوميًا، لنرى بعضنا بعضًا أقل كبشر وأكثر كشخصيات فى عرض مستمر، وحيث تنبع بعض أكثر حالاتنا الاجتماعية المزمنة والضارة، مثل الوحدة والاكتئاب وانعدام الثقة والمعلومات المُضللة والتشاؤم، من حاجتنا المُلحة للتسلية».

ويتضمن الكتاب ١٠ فصول، يدور كل منها حول عنصر من عناصر تلك المنظومة، بدءًا من «المؤثرين» أو «الأنفلونسرز»، الذين يُحرّفون واقعنا، مرورًا بـ«الأدوات»، أى الغرباء الذين نحولهم إلى أدوات تسلية، وصولًا إلى «الكارهين»، أولئك المتعصبين، مع التحذير من أن «متعتنا تتحول بسرعة إلى أزمة حقيقية».

وحسب مؤلفة الكتاب، الظاهرة بدأت كما هو الحال مع العديد من الصيحات، على تطبيق «تيك توك»، عندما طلب عملاء «أمازون» من عمال التوصيل الرقص أمام الكاميرا، فاستجاب العمال، وهم سائقون فى «أكثر شركة تركز على العملاء فى العالم»، وبالتالى معرضون بشدة لتقييمات هؤلاء، للطلب الغريب.

وبعد نشر مقاطع الفيديو هذه، جاء فى أحد التعليقات: «قلت له ارقص أمام الكاميرا، ففعلها!». بينما كان عامل مجهول يرقص بلا مبالاة. وكتبت عميلة أخرى طلبها بالطباشير على الطريق المؤدى إلى باب منزلها: «ارقص»، مصحوبة برمز وجه مبتسم، وكلمة «ابتسم»، فامتثل السائق للأوامر، وحصد أداؤه المتميز أكثر من ١.٣ مليون إعجاب.

وتساءلتُ الكاتبة عن الفرق بين ما هو «ديستوبى» وما هو «غريب» فحسب، موضحة أن «الديستوبيا» غالبًا ما تشترك فى سمة مشتركة، وهى أن التسلية، فى عوالمها المشوهة، تصبح وسيلةً للأسر بدلًا من الهروب!

وفى عام ١٩٩٢، تخيل نيل ستيفنسون، فى روايته الخيالية «تحطم الثلج»، شكلًا من أشكال الترفيه الافتراضى الغامر، لدرجة أنه يسمح للناس بالعيش داخله، وأطلق عليه اسم «الميتافيرس».

منذ ذلك الحين، انتقل «الميتافيرس» من الخيال العلمى إلى حياة الناس اليومية، فقد استثمرت شركات «مايكروسوفت» و«على بابا»، و«بايت دانس»، الشركة الأم لتطبيق «تيك توك»، استثمارات ضخمة فى الواقع الافتراضى والمعزز. ورغم اختلاف مناهجها، كان هدفها واحد، هو تحويل الترفيه من مجرد اختيار قناة تلو الأخرى، أو بث تلو الآخر، أو موجز تلو الآخر، إلى تجربة نعيشها بكل تفاصيلها. فى عالم «الميتافيرس»، كما يُقال، سنتمكن أخيرًا من تحقيق ما تنبأت به روايات الخيال العلمى: «العيش داخل أوهامنا».

لم تراهن أى شركة على هذا المستقبل أكثر من شركة مارك زوكربيرج، ففى أكتوبر ٢٠٢١، أعاد تسمية «فيسبوك» إلى «ميتا»، ليضع بصمته فى هذا العالم الافتراضى. ولشعارها الجديد، أعادت الشركة تصميم رمز «اللا نهاية»، بانحناءاته اللا نهائية، وهو اختيار موفق، فطموح الشركة الجديدة هو هندسة نوع من اللا نهاية: لماذا نكتفى بمستخدمين عاديين بينما يمكننا أن نجعلهم مقيمين؟!

فى الوقت الراهن، يبدو وعد «ميتا» بالترفيه الغامر مُبهمًا كالنظارات اللازمة للوصول إلى كل هذا المرح اللا محدود. لكن الوعد نفسه مُكرر: يُصوّر «زوكربيرج» نفسه كمُبتكر. لكن البيئة التى تُسوّقها «ميتا» موجودة بالفعل. أين كان سائقو «أمازون» يرقصون، إن لم يكن فى «الميتافيرس»؟!

وحذّرت «جاربر» من أننا «فى المستقبل سنستسلم لوسائل الترفيه. سنُصبح مُشتّتين ومُذهولين بأوهامنا لدرجة أننا سنفقد إحساسنا بالواقع. سنُحوّل هروبنا إلى عالمٍ مُتكاملٍ لدرجة أننا لن نتمكّن من التحرّر منه. ستكون النتيجة مجتمعًا ينسى كيف يُفكّر، وكيف يتعاطف مع بعضه بعضًا، بل وحتى كيف يحكم ويُحكم. لقد حلّ ذلك المستقبل بالفعل. نعيش حياتنا، طوعًا أو كرهًا، داخل عالم افتراضى».

وفى الوقت نفسه، تغرينا وسائل التواصل الاجتماعى من نفس الأجهزة بوعودها بالترفيه غير المحدود. يُطلّ مُستخدمو «إنستجرام» على حياة الأصدقاء والمشاهير على حدّ سواء، وينشرون قصصهم المُعدّلة والمُفلترة ليُشاهدها الآخرون. وعرض المواهب الذى لا ينتهى على «تيك توك» آسر، لدرجة أنّ أعضاء مجتمع الاستخبارات يخشون أن تستخدم الصين المنصة للتجسس على الأمريكيين، أو لنشر الدعاية، أى استخدام المحتوى العاطفى كسلاح حرب. وحتى «إكس» (تويتر سابقًا)، الأقل جاذبيةً من الناحية البصرية، يدعو مستخدميه إلى عالم بديل.

الحياة فى العالم الافتراضى تُثير تناقضًا مؤلمًا: لم نكن قادرين قط على مشاركة هذا القدر من أنفسنا. وكما أظهرت دراسات تلو الأخرى، لم نشعر قط بمثل هذه الوحدة. أو حسب ما وصف روس دوثات، كاتب عمود فى صحيفة «نيويورك تايمز»، هذه المنظومة بقوله: «إنه مكانٌ يُكوّن فيه الناس مجتمعاتٍ وتحالفات، ويُنمّون فيه الصداقات والعلاقات العاطفية، ويصرخون ويتغازلون، ويهتفون ويصلّون. إنه مكانٌ لا يزوره الناس فحسب، بل يسكنونه. فكل دعوةٍ للتسلية تُعزّز دافعًا: البحث عن التسلية كلما أمكن، وتجنّب الملل بأى ثمن».

Dirty Workers.. دراسة ألمانية: «الأنفلونسرز» عاملون فى «القذارة»!

كلوديا جيرهاردز

أصدرت الدكتورة كلوديا جيرهاردز، أستاذة الاتصال والوسائط المتعددة فى قسم «دراسات الأعمال» بجامعة «دوسلدورف» الألمانية، فى أواخر العام المنقضى، دراسة جديدة تحمل عنوان «Social Media Influencers as Dirty Workers»، أو «المؤثرون على السوشيال ميديا كعمال قذرين».

تقول مؤلفة الدراسة، وهى باحثة فى شئون المؤثرين واستراتيجيات وسائل التواصل الاجتماعى: «منذ اكتسب المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعى شهرة واسعة، وبدأوا فى تحقيق الربح من محتواهم عبر صفقات الإعلانات، ارتبطت أسماؤهم بسلوكيات مشكوك فى أخلاقيتها، وقائمة طويلة من المخالفات، تشمل، على سبيل المثال، عدم الإفصاح عن المحتوى المدعوم، وإخفاء التجارب السلبية مع المنتجات المُروَّج لها، وشراء متابعين وهميين، والترويج لمعايير جمال زائفة».

وتضيف: «المؤثرون يشاركون تفاصيل من إنتاجهم الشخصى عن حياتهم، ثم يكتسبون شهرة واسعة من خلال بناء قاعدة جماهيرية كبيرة، وغالبًا ما يظهرون كخبراء فى مواضيع محددة، مثل الجمال والأزياء واللياقة البدنية والطعام أو الألعاب. وعلى عكس المشاهير التقليديين، بنى المؤثرون شهرتهم على وسائل التواصل الاجتماعى دون أن يكونوا معروفين للجمهور مسبقًا».

وأجرت أستاذة الاتصال والوسائط المتعددة مقابلات نوعية مع مؤثرين مقيمين فى ألمانيا، اعترفوا بأنهم يدركون صورتهم السلبية فى المجتمع، ويستخدمون استراتيجيات متنوعة لإدارة هذه الصورة. وترى أنه «بغض النظر عما إذا كان المؤثر الفردى يتصرف بشكل غير أخلاقى بالفعل، المؤثرون كمجموعة مهنية، يُشتبه فى استخدامهم ممارسات غير أخلاقية».

ولا يقتصر هذا النقد اللاذع لأخلاقيات عمل المؤثرين على الدراسات الأكاديمية فحسب، بل تؤكد استطلاعات الرأى العام أيضًا الصورة السلبية لهم فى نظر العامة، إذ لا يثق سوى ٦٪ من البريطانيين الذين تزيد أعمارهم على ١٥ عامًا بالمؤثرين فى قول الحقيقة، ما يجعلهم أقل المهن جدارة بالثقة. وخلصت دراسة أخرى، شملت أكثر من ٢٢ ألف شخص فى ١٦ دولة، إلى أن «مهنة المؤثر» من بين أقل المهن احترامًا، إذ احتلت المرتبة الـ٢٠ بين ٢٤ مهنة مصنفة عالميًا، ولم تتفوق عليها فى الترتيب سوى مهن عامل المصنع، وسائق الشاحنة، وعامل مركز الاتصال، وعامل المنجم.

ويُظهر استطلاع «سميث وبالارد» لعام ٢٠٢١ وجود خصائص خاصة بكل دولة فيما يتعلق بصورة المؤثرين. فهذه المهنة لا تحظى باحترام يُذكر فى إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة والدنمارك وألمانيا. وفى المكسيك والسويد والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، لا تحظى باحترام كبير أيضًا، وإن كان ذلك أقل من المجموعة الأولى. فى المقابل، تحظى مهنة المؤثرين باحترام كبير فى الإمارات العربية المتحدة وإندونيسيا والهند والصين وسنغافورة.

وتقول المؤلفة إن مهنة المؤثرين تبدو مشوبة بالعار فى بعض الدول، حيث يُشتبه فى لجوئهم إلى أساليب خادعة وسلوكيات مشكوك فى أخلاقيتها، مشيرة إلى أن المؤثرين يدركون البُعد الاجتماعى لعملهم، ويبحثون عن طرق للتعامل مع الضغوط الأخلاقية التى يشعرون بها.

وتتمثل إحدى الاستراتيجيات التى يستخدمها المؤثرون فى التركيز على جوانب عملهم الجذابة، مثل مزايا العمل الحر، وفرصة كسب المال بسرعة، والوصول إلى فعاليات وأشخاص مميزين، والحصول على منتجات مجانية، وإمكانية استخدام هذه الوظيفة كنقطة انطلاق لمسيرة مهنية مستقبلية، متجاهلين فى المقابل الجوانب السلبية.

وفى علم الاجتماع، يُستخدم مصطلح «العمل القذر» لوصف المهن التى تعانى المشاكل المتعلقة بالصورة العامة والسمعة السيئة، منذ أن صاغه عالم الاجتماع الأمريكى، إيفريت هيوز، فى خمسينيات القرن الماضى.