الجمعة 27 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

لغة الإعلانات

حرف

ربما من المشروع الآن التساؤل عن أسباب تراجع اللغة الجميلة المنطوقة على ألسنة الناس والتى اعتدنا عليها منذ زمن بعيد، ولماذا تضعف وتبهت هذه اللغة المهذبة اللينة، المفعمة بالبلاغة الأدبية والتى لا تغيب عنها الاستعارة والتشبيه والمجاز الدال، لغة صباح الفل، صباح الورد، صباح القشطة.. نهارك سعيد، نهارك أبيض... إلخ.

التقيت مرة بائعة خضرة فى الطريق، وبينما أشترى منها، حكت لى مشكلة تتعلق بها وقالت: «ونمت وأنا أدق الهم وأطحنه». أما أمى فكانت تقول: «سنخرج فى البدرية بعد أن تطير الشمس الندى».

هذه كانت لغة الجميع فى كل الطبقات والمستويات الاجتماعية، بما فى ذلك أولئك الذين لم يتعلموا ولم يذهبوا إلى المدارس ليتعرفوا على البلاغة اللغوية.

منذ فترة شاعت تعبيرات خشنة، عنيفة، مبتذلة، ولم تكن متداولة فى القاموس اللغوى اليومى للمصريين، وهى تعبيرات من نوع: فشخ، طحن، روش، نغش، مُز.. مزة... إلخ. وصارت هذه المفردات وأخرى عديدة غيرها، سائدة بين الشباب والأجيال الجديدة فى كل الطبقات، بما فى ذلك أعلى الطبقات الاجتماعية ثقافةً وتعليمًا.

حاول البعض تفسير ظاهرة التعبيرات الجديدة والمفردات الفجة، من منظور تراجع التعليم عمومًا، وانحطاط الثقافة خصوصًا، إضافة إلى الانقلابات التى طالت الهرم الاجتماعى وتلاشى الطبقة الوسطى تدريجيًا بسبب الهجرة إلى بلدان النفط وهيمنة قيم الاقتصاد الريعى، ولكن هل هناك دراسة واحدة قام بها واحد من أهل علم الاجتماع تتعلق بلغة الإعلانات وتأثيرها على اللغة المنطوقة على ألسنة الناس وخصوصًا الشباب؟.

لا أظن أن هناك دراسة تتعلق بهذا الأمر، وأتمنى أن توجد، فلغة الإعلانات عمومًا ولغة إعلانات التليفزيون خصوصًا ووسائل التواصل الاجتماعى أدت إلى تخليق طرائق تعبيرية، ومفردات لغوية رديئة وفجة لم تكن موجودة من قبل، لكنها قوية التأثير وفاعلة بسبب ارتباطها بقوة الصورة، فمثلًا كلام من نوع «مش حتقدر تغمض عينك» وهو إعلان ترويجى شائع لبرامج قنوات التسلية، إنما هو كلام يتضمن نوعًا من العنف المبطن، إذ إنه يعنى الجبر والأسر، وانتفاء القدرة على الفعل، حتى ذلك الفعل الفيزيقى اللا إرادى وهو إغماض العين عند الرغبة فى النوم.

ألا يمكن أن نربط ذلك الإعلان بتعبير متداول من نوع فشخ، فيقال مثلاً: حلو فشخ، ألا تعنى مفردة فشخ عنفًا شديدًا يتناقض مع الحلاوة والجمال؟.

ثم هناك تعبير إعلانى متداول يقول: «حياخدك فى حتة تانية» ولا أحد يدرى ما هى «الحتة التانية» هذه، ولكن الجملة تؤكد فكرة أساسية، وهى أن المستهدف من الإعلان هو بالضرورة ليس فى أفضل وضع وأفضل حتة حاليًا، أى أن المشاهد عليه اللهث وراء تلك «الحتة» دومًا، فمثلًا لو أضفنا الكريمة المُعلن عنها إلى المكرونة البشاميل، فلسوف تأخذنا الكريمة والمكرونة إلى مكان آخر قد يكون الجنة!!.

اللغة العنيفة الخشنة المبتذلة لا تبعد كثيرًا عن العنف الحقيقى الذى بات متداولًا فى حياتنا بين الشباب وصغار السن، وحتى فى مدارس اللغات وبين البنات، ولنفتش عن كل ذلك فى لغة الإعلانات التى باتت ملمحًا من ملامح الحياة التى نحياها الآن.