الإثنين 06 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

ضد المنطق.. إذا أردت أن تبنى وطنًا فعليك بالتعليم وإذا أردت أن تهدمه فعليك بالتعليم!

حرف

- هدف الوزير طارق شوقى بالأساس أن يصبح الطالب هو محور العملية التعليمية

- فشل الوزير طارق شوقى بجدارة رغم نواياه الحسنة ورؤاه الثاقبة

التفاصيل دائمًا تصنع الفارق، ولكنها فى نفس الوقت فخ، إما أن تقفز عليها قفزًا فتصل إلى النتائج المرجوة، أو تغرق فى دوامتها فلا تجد خلاصًا، والحقيقة أن محمد توفيق- مع حفظ ألقاب الكاتب والصحفى والباحث، ومع تقدير سمات الموهبة والاجتهاد والإبداع- يجيد ليس فقط الوقوف على التفاصيل- جمعها وتدقيقها وتوثيقها- وإنما يقفز عليها بمهارة فائقة- قراءتها وتحليلها ونسجها- وصولًا بقارئ، لا يفلت منه، إلى خلاصة ما يطرحه من رؤية ويرصده من ظاهرة، فجاء كتابه الـ17 «ضد المنطق.. قصة التعليم المصرى من محمد على باشا إلى إمبراطور الفيزياء» الصادر حديثًا عن «دار الشروق» ليشخص بكل بساطة ورشاقة أزمة التعليم المصرى التاريخية المتواصلة والمستمرة.

من الإهداء «إلى التلميذ الذى كان يكره المدرسة فصار وزيرًا للتعليم!» يشد محمد توفيق انتباه القارئ، فأنت أمام تناقض مدهش يكفيك دافعًا لقراءة الكتاب، حتى لمجرد أن تعرف من الوزير المقصود، ولا تأتيك الإجابة إلا فى الفصل السادس من الكتاب «قبل اختراع الثانوية» لتفاجأ أنه على باشا مبارك «1823- 1893م» مؤسس التعليم المصرى فى العصر الحديث، والذى لم تكن حكايته مع التعليم منذ طفولته فى كُتّاب القرية حتى صار أول وزير لوزارة المعارف «وزارة التربية والتعليم» فى عهد الخديو إسماعيل إلا دراما واقعية كاشفة لأحوال المجتمع المصرى فى هذا الوقت، وكيف أن رؤية دولة يمكن أن تصبح فاعلة فى حياة فرد.

دخول صادم ! 

أما مقدمة الكتاب «ليس فى مستوى الطالب المتوسط!» فقد أتت دخولًا صادمًا فى الموضوع، وحسمًا مبكرًا لمنهج محمد توفيق فى كتابه، فهو يعلم قبل أن يبدأ أن القصة طويلة ومتشعبة الأبعاد ومتشابكة الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلا بد وأن يملك لجامها من البداية ضمانًا لوصول الرسالة بكل وضوح وفى أسرع وقت ممكن، فالزمن فارق فى إصلاح منظومة التعليم المصرى، اقرأ معى:

«إذا أردت أن تبنى وطنًا فعليك أن تبدأ بالتعليم.. وإذا أردت أن تهدمه فلا سبيل أمامك سوى التعليم!

نعم، التعليم يمكن أن يكون سببًا فى هدم الأوطان، إذا تحول إلى تجهيل، وأسهم فى التكفير، وابتعد عن التفكير، وتركزت مهمته على الحفظ والتلقين، ونسى المتعلم كل ما تعلمه بمجرد أن يغادر لجنة الامتحان، ولم يؤثر فى سلوك الطالب، ولم يرتقِ بالمعلم، وبُنى على الغش، واعتمد على التسريب.. فالتعليم لا يعنى الذهاب إلى المدرسة، وكتابة الواجبات، ودفع المصروفات الدراسية، وارتداء الزى الرسمى، وحمل حقيبة ثقيلة على الظهر، والحصول على الدروس الخصوصية، وشراء الكتب الخارجية، واقتناء الأدوات المدرسية، والوقوف فى طابور الصباح، وأداء الامتحانات، والتحايل على المراقب، والحصول على أكبر مجموع، وتعليق الشهادة على جدران المنازل.. كلمة التعليم فى اللغة أصلها (علم)، والعلم هو الأثر، فإن لم يكن هناك أثر حقيقى للتعليم فى نفسك وعقلك وشخصيتك وسلوكك، فأنت لم تتعلم شيئًا حتى لو حصلت على أعلى الشهادات الدراسية.

فالتعليم هو التغيير الذى يطرأ على حياتك فيبدلها من حال إلى حال، وهو أيضًا طبيب يعالجك ولا يصف لك الدواء الخاطئ، وكهربائى لا يجعل النار تلتهم منزلك، ومهندس يبنى بناية لا تقع فوق رءوس سكانها، وميكانيكى يُصلح السيارة فلا يطير إطارها فى الهواء وأنت تقودها، وفنان يعرف أن دوره لا يقف عند حدود التسلية، وسباك يُصلح مواسير المياه فلا تضرب فى وجهك وتُغرق الشقة.

هذه الرؤية تبناها محمد على باشا فى مطلع القرن التاسع عشر، فقرر أن يستثمر فى النوابغ من المتعلمين ليقودوا البلد فى كل المجالات، من الجيش إلى مدرسة الألسن، ومن الهندسة إلى المزرعة، ومن الطباعة إلى التجارة، ومن الطب إلى المصنع، لكن بعد سنوات طويلة تحول التعليم إلى مجرد ورقة صغيرة يحصل عليها الطالب بعد إتمام دراسته حتى لو صار نصف متعلم».

أعتقد أن استهلال محمد توفيق بمقدمة كتابه يجيب باختصار عن أسئلة عديدة لطالما شغلت ولا تزال العقل الجمعى المصرى، والذى أصابه بدوره من التشوه ما أصابه على مدى سنوات طويلة، بخلاف ما أتى على منظومة القيم فى مجتمعنا من انحدار زاد تباعًا حتى استشرى وباء نقص المناعة الحضارية، فالسبب هو التعليم، والحل هو التعليم.

شاهد عيان

١٠ فصول تحمل عناوين جاذبة ذوات شجون، تعزف على وتر الوجدان بقدر ما تضغط على جرح الوعى.. «الشهادة الكبيرة».. «المفهماتى».. «خُلاصة الخُلاصة».. «شقق مفروشة للغش».. «ما صنع الحداد».. «قبل اختراع الثانوية».. «أرجو أن تسامحنى».. «المادة بخمسة جنيه.. والحسابة بتحسب!».. «السرعة غير مراقبة بالرادار».. وأخيرًا «بين اللجنة والمخبأ».. بانوراما حية شيقة وممتعة وكاشفة لا تملك إلا أن تستعيد معها تجاربك وخبراتك الشخصية مع التعليم المصرى، سواء فى مختلف مراحلك الدراسية وأنت طالب، أو فيما بعد كولى أمر له أبناء أعمارهم متقاربة ومع ذلك تباينت منظومة التعليم التى خضعوا لها، وخاصة فى الشهادات حقل تجارب كل وزير تربية وتعليم فى مختلف الحكومات على مدى سنوات طويلة ماضية.

كانت ميولى واهتماماتى كلها فى طفولتى وصباى ما بين الفنية والأدبية، جذبتنى الموسيقى وحاز انتباهى الرسم وغوتنى القراءة، وبدأت أخط على الورق كلمات تجاور بعضها لتشكل ما تصورته شعرًا أو نثرًا أو قصة أو حدوتة، وفى المرحلتين الابتدائية والإعدادية صادفت ما ينمى داخلى هذه الملكات، رؤى وجهودًا فردية من كوادر إدارية وتعليمية أدركت دورها فى مسار ومصير طلاب وجدوهم أمانة بين أيديهم فى ظل سياسات مضطربة غير واضحة المعالم أو الأهداف، فاختاروا أداء الأمانة قدر وسعهم فى اكتشاف مواهب الطلاب وتطوير قدراتهم، آملين أن تمثل جهودهم حجر أساس فى بناء المستقبل، فلما دخلت المرحلة الثانوية، وجدت أبى- رحمة الله عليه- وكان من خبراء التربية والتعليم وله دور فى تكوينى أحترمه وأقدره وأجله فهو الملهم والقائد والمعلم الأول فى حياتى، وجدته يختار لى- وأنا القارئ الكاتب الفنان فى نفسى- الالتحاق بشعبة العلمى مع بداية الصف الثانى الثانوى، وبعدها شعبة الرياضيات فى الثانوية العامة، أرادنى مهندسًا ولم يكن لى رأى، فكان أن رسبت فى الثانوية العامة قبل أن أنجح فى العام التالى نجاحًا واقيًا جعل أبى يمنحنى لأول مرة حرية الاختيار، فاخترت كلية الحقوق، لم أكن أعرف وقتها مما أريد سوى أن اتجاهى ليس علميًا بأى حال من الأحوال، وأذكر أن سنة رسوبى فى الثانوية العامة كانت من أكثر سنوات قراءاتى فى المعارف العامة، علق أبى وقتها مندهشًا مستنكرًا قبل أن يسلم أمره لله حينما عقبت بأن هذه الكتب تعلمنى وتلهمنى أكثر مما تفعل كتب المناهج الدراسية العقيمة!

حتى وقت اختيارى كلية الحقوق لم تكن مراحل التعليم الأساسى- الابتدائية والإعدادية والثانوية- فى حياتى سوى تكريسًا لمفاهيم الشهادة والتفوق سعيًا لحجز مقعد بإحدى كليتى القمة، الطب أو الهندسة، ولا سبيل إلا الدروس الخصوصية ومع أفضل المدرسين فى كل مرحلة، سواء فى مجموعات منزلية أو فى مراكز الدروس الخصوصية، كانت هذه ثقافة المجتمع بأسره ومع الأسف لا تزال.

مرت سنوات وصرت أبًا ولى أمر الطالبين عالية وعلى، بينهما ثلاث سنوات لصالح عالية، ومع ذلك خضعا لنظامى تعليم مختلفين كليًا ومع نفس الوزير، طارق شوقى، عالية دفعة الثانوية العامة التقليدية ٢٠٢٠ الشهيرة بدفعة «كورونا» بكل أبعادها الصحية المرعبة ونتائجها السياسية المرتفعة حد انتظار ابنتى المجتهدة المتفوقة شهرين تحت ضغط عصبى مرضى حتى اطمأنت لدخول كلية طب الأسنان، الكلية التى توافق ملكاتها وقدراتها وتحلم بها وهى بعد فى أولى ثانوى، أما على فحرفيًا لم يتعلم شيئًا فى الصفين الأول والثانى الثانوى بعدما أصبحت الدراسة «أونلاين» ضمن توابع انتشار الفيروس اللعين، ثم خضع لتجربة نظام امتحانات الثانوية العامة الجديد- دفعة ٢٠٢٢- تابلت وبوكليت وخلافه، واكتسب خبراته أيضًا فى مراكز الدروس الخصوصية، حتى نجح فى الشعبة الأدبية بمجموع سبعينى صُنِف متفوقًا وقتها وأهله لدراسة إدارة الأعمال.

لم أخرج بك عن موضوع كتاب محمد توفيق، فقط اصطحبتك كشاهد عيان- جميعكم شهود عيان فقط اقرأوا الكتاب- أسقط ما قرأه فى «ضد المنطق» على تجاربه وخبراته الشخصية مع نفسه وأولاده، ليؤكد أمامك حقيقة مؤلمة تعلمها جيدًا، أنه لا جديد حتى الآن طوال ٥٠ عامًا مضت هى عمر رحلتى وأولادى مع التعليم، اختلفت الأجيال والمأساة واحدة متواصلة ومستمرة! 

طارق شوقى 

طارق شوقى

طوال قرنين من الزمان استعرض فيهما محمد توفيق قصة التعليم المصرى لم يفته رصد أداء عدد من وزراء التعليم، وكيف أن منهجهم اختلف كلٌ فى زمنه باختلاف شخص الوزير ومؤهلاته وخبراته والظروف التى أتت به وعمل فيها، وأيضًا الأجواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة، وفى تقديرى كان الوزير طارق شوقى صاحب رؤية مبشرة فى إصلاح منظومة التعليم المصرى، فقد أتى الرجل يحمل خبرات عملية فاعلة فى عدد كبير من الدول على مستوى العالم، بالبلدى لم يكن يجرب فينا كعدد كبير من أسلافه، خطأه الوحيد- فى تقديرى أيضًا- أنه بدأ التطوير بالتوازى بين أجيال تدرس بالفعل وأخرى تلتحق برياض الأطفال، كان الأصوب أن يبدأ نظامه الجديد بجيل جديد يلتحق برياض الأطفال ويسير معه طريق الإصلاح تاركًا من يدرس بالفعل يكمل طريقه على ما هو عليه.

كان هدف الوزير طارق شوقى بالأساس أن يصبح الطالب هو محور العملية التعليمية، باعتباره النواة الأمثل لإحداث تغيير حقيقى ومستدام فى هيكل هذه العملية، وكان ذلك يستدعى- خلال المراحل المبكرة من التطبيق- تقليل درجة الاعتماد على حدوث تغيير سريع وملموس على مستوى المعلم أو المدرسة لما يتطلبه ذلك من وقت وجهد وتكلفة، فمثلت إتاحة المقرر إلكترونيًا وبطريقة معيارية وتفاعلية من خلال «بنك المعرفة المصرى» نقطة انطلاق ترفع سقف التوقعات لدى الطالب، فيصبح عقلية ناقدة ديناميكية مرنة بدلًا من عقليته الناقلة الساكنة الجامدة، وهو الأمر الذى من شأنه خلق حراك مؤثر ينعكس على تطوير المنظومة التعليمية وفى نفس الوقت يحقق أهدافًا ملموسة على المدى القريب، فيذهب الطالب إلى المعلم والمدرسة يسأل ويناقش بعدما اطلع وبحث فى موضوع المادة على موقع بنك المعرفة المصرى، ومن خلال «تابلت أو جهاز حاسوب محمول» أتاحه مجانًا لكل طالب، وساعده فى هذا كله توجه الدولة نحو الدراسة «أونلاين» فى ظل أجواء انتشار «كورونا» الكارثية.

فشل الوزير طارق شوقى بجدارة رغم نواياه الحسنة ورؤاه الثاقبة ومؤهلاته وخبراته العملية الفاعلة، فلم يكن سياسيًا فى مواجهة الرأى العام، ألف باء تغيير أى نظام مشاركة المشمولين به فوائد التغيير، كما أنه لم يلقَ الدعم الكافى من وزراء حكومته ذوى الصلة كلٌ فيما يخصه، وتكاتف عليه أصحاب المصالح من استمرار الأوضاع بالية كما هى من داخل الوزارة وخارجها، وأخيرًا لم يكن تيار «جروبات الماميز» إلا فاعلًا رئيسيًا فى فشله.

مشروع محمد توفيق

محمد توفيق

من خاتمة «ضد المنطق» فى الفصل العاشر «بين اللجنة والمخبأ» اقرأ معى:

«فى نهاية التسعينيات لم يعد غالبية الطلاب يفكرون فى ما يحبون أو ما تسمح به قدراتهم، وصارت الكليات الأعلى مجموعًا هى الهدف الوحيد أمام الجميع، بغض النظر عما يحدث عقب الوصول إليها. ذلك الهدف تسبب فى هزة نفسية لعدد كبير من الطلاب فى الكليات، حتى وصل الأمر إلى رسوب ما يزيد على ٥٠٪ من طلاب الفرقة الأولى بكليات الطب والهندسة. فعقب انتهاء المرحلة الثانوية بضغوطها النفسية والعصبية يرفع بعض الطلاب شعار «لا مذاكرة بعد اليوم» ويسيطر عليهم شعور الاكتفاء بما حققوه- رغم أن الطريق ما زال فى بدايته- والمباهاة بالمجموع الكبير، ويتحصنون بفرحة التفوق فى الثانوية العامة التى لا تعادلها فرحة أخرى لديهم، وصار مجموعهم بمنزلة بطاقة تعريف لهم بين الأصدقاء الجدد. وقد يفقد بعضهم اتزانه كلاعب انتقل من أحد أندية الدرجة الثانية إلى نادٍ لا تغيب عنه البطولات، والمكافآت، فشعر بأنه صار نموذجًا رفيعًا، فالجميع يعرفون اسمه، ويرون صورته فى الصحف وعلى شاشات التليفزيون، ويُدعى إلى كل الحفلات، وينال ما يشاء من التكريمات.

ربما من هنا تجلى عديدٌ من الظواهر الفريدة، من بينها فشل الفائقين فى الثانوية فى الجامعة، فقد رأيت عددًا كبيرًا من الطلاب الذين تغيرت مساراتهم عقب دخول كليات الطب والهندسة والصيدلة، ومن بينهم محمد الطالب فى فصول الفائقين، والذى عرفته عن قرب، وكان بمنزلة المقياس الذى يقيس عليه زملاؤه أنفسهم، فإذا قال إن الامتحان صعب أدركوا أنه تعجيزى، وإذا قال إنه تافه عرفوا أنه متوسط، فدائمًا هو يسبقهم بخطوة قى القدرات. وظل تفوقه كما هو حتى التحق بكلية الهندسة جامعة عين شمس بمجموع ٩٩٪، وحينها قرر أن يعتبر السنة الأولى فى الكلية بمنزلة استراحة بعد عناء الثانوية، وظن أن بإمكانه أن يذاكر المواد فى ليلة الامتحان فقط، فحدث ما لم يكن متوقعًا، ورسب، وصار عليه أن يعيد السنة، ولكن ما هون عليه هو أن عددًا كبيرًا من الأصدقاء المقربين والفائقين رسبوا أيضًا فى السنة الأولى فى كلية الهندسة.

لكنه قرر أن يعود للجدية ويستعيد اجتهاده، وصبره، ومثابرته، وجلده، وتفوقه، لينجح فى العام التالى، وبالفعل ذاكر، واجتهد، وفعل كل ما عليه، وذهب إلى الامتحان بعد أن ترك ثقته على باب اللجنة، لكن صادفته مسائل لم يستطع الجواب عليها، وخانه التوفيق، وخرج محبطًا مكتئبًا لكنه ظل ينتظر النتيجة على أمل أن يرأف به الأساتذة، لكن حدث العكس، ووجد نفسه راسبًا للعام الثانى على التوالى. وصار عليه أن يترك الكلية، ويلتحق بكلية أخرى، واختار كلية الآداب، لكن حين أتى موعد الامتحان تملكته الرهبة، ولم يدخل إلى اللجنة، وجلس فى بيته منقطعًا عن العالم لفترة.

ومرت سنوات طويلة، وكنت عائدًا إلى بيتى حاملًا صحف اليوم التالى بين يدى، وصعدت إلى ميكروباص، وجلست فى المقعد الواقع خلف السائق، ومددت يدى لأعطيه الأجرة، فبدت عليه وعلى كل علامات الدهشة... معقول؟!.. وبادرته: إزيك يا محمد؟.. فصمت وبهت، ووضع شريط عمرو دياب، مطربه المفضل منذ أيام الدراسة، وكان يغنى: ما بلاش نتكلم فى الماضى.. ففهمت الرسالة، وسكت». 

صعب أن تقرأ «ضد المنطق» بعيدًا عن مشروع محمد توفيق فى مجموعه، نعم هو صاحب مشروع، وفرق كبير بين كاتب وكاتب صاحب مشروع، محمد توفيق يعيد قراءة التاريخ من خلال أرشيف صاحبة الجلالة الصحافة وأيضًا «كُتب مُلهِمة» على حد تعبيره، ويستطيع بسلاسة فائقة إسقاط قراءته على الواقع، من خلال خلطة سحرية تواكب تمامًا ملامح العصر ومزاجه، فكرة خلاقة ورؤية شاملة وطرح لافت، أسلوب خاص جدًا فى الكتابة يحمل سحر حدوتة الحكواتى، إيقاع سريع لاهث، لغة ثرية سلسة دون إخلال، مشاهد درامية حية، وثائق وصور داعمة، حس فنى عالٍ، الفن- سينما ومسرح وتليفزيون وخلافه- حاضر طوال الوقت فى نسيج الحكى، وحس ساخر عالٍ كذلك يخفف من وقع آلام ما تقرأه، فأن تصل بمضمون جاد من خلال طرح ساخر هو عمل عظيم بكل معنى الكلمة.