مجرد فقاعة.. ستيفن مارش يكتب: «AI» لن يحل محل البشر
- كل «نماذج الذكاء الاصطناعى» لا تنتج إلا الأفكار المستهلكة
- كلما كانت المهمة تعتمد على قوالب نمطية كان أداؤه أفضل
فى وقت تتصاعد فيه المخاوف من هيمنة الذكاء الاصطناعى على الكتابة، خاصة بعد سحب أعمال من النشر بسبب الاعتماد عليه، يطرح الكاتب والروائى الكندى ستيفن مارش فى مقاله بصحيفة «الجارديان» رؤية مختلفة.
فبدلًا من رفض الذكاء الاصطناعى أو التسليم الكامل له، يقدم «مارش» من خلال تجربته الطويلة مع هذه التقنية وجهة نظر أكثر توازنًا، تعيد التفكير فى دور الكاتب وحدود الإبداع الإنسانى فى عصر الآلة، وفيما يلى تنشر «حرف» ترجمة المقال:


سمعتُ مؤخرًا حوارًا فى أحد المتنزهات وأعتقد أن هذا الحوار يجب أن يُقلق مديرى شركات الذكاء الاصطناعى أكثر من أى توقعات اقتصادية. فقد كان هناك طفلان يتجادلان، فتاة تصرخ فى وجه فتى وتقول: «هذا ذكاء اصطناعى! هذا ذكاء اصطناعى!».
كانت تقصد بكلامها أن الفتى يتحدث بكلام فارغ من نوع جديد، فهو يقول كلمات مرتبة ومنطقية نعم، لكن فى الوقت نفسه لا علاقة لها بالواقع. وكعادتهم، فهم الأطفال طبيعة هذا العالم الجديد بسرعة كبيرة.
الحقيقة أن الذكاء الاصطناعى أصبح أمرًا واقعًا، فهو ليس كارثة ستقضى على البشرية، وليس حلًا سحريًا لكل مشاكلنا، بل مجرد أداة قوية تغير طريقة عملنا.
وما حدث مؤخرًا مع رواية Shy Girl للكاتبة ميا بالارد، يوضح لنا أمرين مهمين فيما حدث. فقد ألغت دار النشر «هاشيت» طباعة الكتاب بسبب اتهامات بأن الذكاء الاصطناعى هو من ألف الكتاب.
ورغم أن الكاتبة قالت إن المحرر هو من استخدم الذكاء الاصطناعى، إلا أن الأمر الأكثر أهمية هو أن الكتاب كان متاحًا للقراء من قبل ولم يلحظ أحد أو يمانع وجود بصمة الذكاء الاصطناعى فيه إلا بعدما كُشف الأمر علنًا.
فى الواقع، مجرد حقيقة أن الآلات تمتلك قدرة على صياغة معانٍ مفهومة هى فى حد ذاتها ظاهرة تثير الكثير من التساؤلات الوجودية. لكن بالنسبة للكُتّاب، خاصة الجيل الصاعد منهم، يمثل الذكاء الاصطناعى تحديًا عمليًا ومباشرًا. فقد أظهرت دراسة حديثة أن ٨٦٪ من طلاب الجامعات يستخدمون الذكاء الاصطناعى بانتظام. وأستطيع التأكيد أن الـ١٤٪ المتبقين ليسوا صادقين تمامًا فى إجاباتهم!.
هذا الواقع يعنى أن المهام اللغوية اليومية بدأت تتلاشى. فكتابة النصوص والمقالات الدراسية ورسائل البريد الإلكترونى والمراسلات الرسمية، وهى كلها مهام كانت بمثابة التدريب اليومى الذى يصقل موهبة الكاتب ويجعله يتقن حرفته جملة بجملة، باتت الآن تُنجز آليًا. لقد أصبح «إتقان الأسلوب» تلك الهبة التى كان الكاتب الماهر يبذل جهدًا شاقًا لامتلاكها، مجرد عملية حسابية تقوم بها الآلة.
إذن، كيف سيتعايش الكُتّاب مع هذه الآلات التى تولّد المعانى؟ وكيف يتستخدمونها؟ لقد كونت رأيًا فى هذا الأمر يختلف قليلًا عن الآخرين. والسبب ببساطة أننى بدأت التعامل مع الذكاء الاصطناعى قبل ظهور ChatGPT بوقت طويل.
ففى عام ٢٠١٧، نشرت أول قصة قصيرة باستخدام الخوارزميات فى مجلة Wired. وفى عام ٢٠٢٣، أصدرت رواية بعنوان «موت مؤلف»Death of an Author، وكانت أول رواية من إنتاج الذكاء الاصطناعى تقدم لها صحيفة نيويورك تايمز، مراجعة.
وحاليًا، أعرض عملًا فنيًا فى معرض «بيلدموزيت» فى السويد بعنوان «صلاة لا تنتهى من أجل السلام». وهو عبارة عن صندوق نصى صممتُه ليقوم بكتابة «صلاة» مختلفة ومبتكرة كل دقيقة باستخدام الذكاء الاصطناعى.
هذا النوع من الإبداع اللغوى لم يكن ممكنًا من قبل وهو مدعوم كليًا بتقنيات الذكاء الاصطناعى المتطورة المعتمدة على تقنية المحولات.
حاليا، يبدو أن الكُتّاب يقفون أمام خيارين لا ثالث لهما. الأول هو الرفض التام لاستخدام الذكاء الاصطناعى، أو التظاهر بعدم استخدامه خوفًا من الانتقاد. وهو توجه يبدو رجعيًا ومبنيًا على الخوف من التغيير. أما الخيار الثانى، فهو الاعتماد الكلى على الآلة فى الكتابة وتحويل الإبداع إلى عملية آلية بحتة. وهذا خيار يغفل حقيقة أن الفن فى جوهره هو نشاط إنسانى بامتياز، يصنعه البشر من أجل البشر.
ولكن، بمجرد أن تبدأ بالفعل فى محاولة استخدام الذكاء الاصطناعى لإنتاج عمل فنى، ستكتشف أن حصر المسألة فى هذين الخيارين فقط هو فصل خاطئ وغير واقعى. فالحقيقة ليست مجرد أبيض أو أسود، إما استخدامه كليًا أو رفضه كليًا. فقد بدأت تظهر بالفعل مسارات وطرق جديدة وسط هذا الركام من المحتوى الآلى الضعيف، طرق تسمح للكاتب بالاستفادة من التكنولوجيا دون أن يفقد روحه الإنسانية.


إن المبتكرين الذين وضعوا حجر الأساس لتقنية التحويلات Transformer وهى حرف الـT فى ChatGPT، والركيزة التى يعتمد عليها كل ذكاء اصطناعى توليدى اليوم، كان لديهم اعتقاد راسخ خالفوا به كل الأبحاث السائدة فى ذلك الوقت، وهو أن «اللغة» هى المفتاح الحقيقى لفهم التجريد والذكاء، وليست الصور أو المعادلات الرياضية.
وقد أثبتت الأيام أنهم كانوا على صواب أكثر مما تخيلوا. ففى قلب هذا «السحر التقنى» الجديد تقبع اللغة. لقد أصبحت اللغة الآن هى «القوة» الحقيقية، وما نعيشه اليوم هو «انتقام العلوم الإنسانية» بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
حتى أباطرة التكنولوجيا Tech Lordsأصبحوا يرددون عبارة أصبحت الآن «كليشيه» وهى أننا فى المستقبل الذى يقوده الذكاء الاصطناعى سنحتاج بشدة إلى الذائقة Taste.
ولكن، كيف يمكن للمرء أن يطور ذائقته؟ الإجابة بسيطة وقديمة وهى من خلال القراءة والكتابة، والتدريب المستمر على كليهما.
ولعلَّ خير دليل على قوة اللغة هو ما اكتشفه باحثون فى إيطاليا. فقد وجدوا أنهم يستطيعون استخدام الشعر كوسيلة لكسر حمايةJailbreak نماذج اللغة الضخمة، وإجبارها على تقديم ارشادات حول كيفية صنع قنبلة نووية! هذه ليست مجرد استعارة مجازية، بل واقع حقيقى.
إن ما تبرع فيه نماذج اللغة الضخمة LLMs حقًا، خاصة تلك التى صُقلت بناءً على تقييمات البشر، هو قدرتها المذهلة على صياغة تعبيرات مقنعة للغة جامدة أو مكررة.
وكلما كانت المهمة تعتمد على قوالب نمطية جاهزة، كان أداء الذكاء الاصطناعى أفضل. ولهذا السبب نجد أن البرمجة هى مهارته الأساسية والأقوى. وبالمثل، حين يُطلب من طلاب الأدب كتابة مقالات تقليدية تتبع نمطًا معينًا، فمن الطبيعى أن يلجأوا للذكاء الاصطناعى، لأن المهمة أصبحت تشبه صياغة أكواد جامدة أكثر من كونها إبداعًا.
إن النماذج التوليدية هى فى جوهرها آلات لإنتاج الأفكار المستهلكة Cliche Machines، فإذا طلبت من الذكاء الاصطناعى كتابة سيناريو لفيلم، فسينتج لك فيلمًا متوسط المستوى بمنتهى الإتقان. وإذا طلبت منه كتابة مقال، فسيقدم لك مقالًا «عاديًا» بمنتهى الاحترافية.
فى الماضى، كان مجرد إتقان الكتابة التقليدية أوالمبتذلة كافيًا لإثبات جدارة الكاتب. كان يكفى أن تبرهن على قدرتك على صياغة الجمل لتُعتبر كاتبًا. أما اليوم، فلم يعد لهذه المهارة جدوى حقيقية لأنها ببساطة أصبحت «مؤتمتة» ويمكن للآلة القيام بها. من الآن فصاعدًا، ستتجلى المهارة الحقيقية فى «الغاية من وراء العمل» فالسؤال الذى سيحدد قيمتك هو، ما هو الأثر الفريد الذى يمكنك أنت وحدك أن تحققه باستخدام اللغة؟

تُعد لعبة الشطرنج نموذجًا مثاليًا لأى شخص يحاول فهم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعى. فقد أحدثت هذه التقنية تحولًا جذريًا فى عالم الشطرنج قبل وقت طويل من دخولها أى مجال آخر.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعى طبيعة اللعبة تمامًا وطرق التدريب والتحليل، بل حتى الظروف الكاملة التى تُلعب فيها المنافسات. واليوم، لا يوجد أستاذ كبيرgrandmaster أو بطل فى لعبة الشطرنج على قيد الحياة إلا وقد تدرّب باستخدام الذكاء الاصطناعى.
لكن بطل العالم الحالى جوكيش دوماراجو، سلك طريقًا غير معتاد. عندما شجعه مدربه، الأستاذ الكبير فيشنو براسانا على تجنب الذكاء الاصطناعى تمامًا حتى تكتمل مهاراته كلاعب.
وبفضل ذلك، استطاع «جوكيش» أن يصقل مهاراته ويُنمى قدراته الإبداعية، ويحمى موهبته من اكتساب العادات الذهنية السيئة التى قد تفرضها الآلة. وفقط بعد أن اشتد عوده الفنى، لجأ إلى محركات الذكاء الاصطناعى وكانت النتيجة مبهرة. لقد نجحت الخطة. السرّ هنا يكمن فى أن تسيطر أنت على الآلة، بدلًا من أن تترك الآلة تسيطر عليك.
لماذا يجب أن يكون الخوف هو رد الفعل الوحيد تجاه الذكاء الاصطناعى؟ لقد بدأ يتضح لنا على أرض الواقع أن هذه التكنولوجيا ليست بارعة فى استبدال البشر كما يُشاع. لقد كتبتُ روايتى موت مؤلف Death of an Author باستخدام الأوامر النصية Prompts لكن التجربة لم تكن أسهل أبدًا من الكتابة التقليدية. فإتقان صياغة اللغة يتطلب سيطرة حقيقية على أدواتها، سواء كنت تستخدم الذكاء الاصطناعى أو قلم حبرٍ جاف. لقد استغرق الأمر منى سنوات لأبتكر عملًا توليديًا حقيقيًا، شيئًا لا يستطيع أى إنسان فعله بمفرده، هى قصيدة تعيد صياغة نفسها كل دقيقة.
تذكروا السرياليين فى أوائل القرن العشرين. عندما واجهوا نظريات اللا وعى التى زعزعت استقرار اللغة، لم يسألوا أنفسهم حينها هل نحن أسياد اللغة؟، ولم يقارنوا أنفسهم بـشكسبير أو كيتس.
بدلًا من ذلك، اخترعوا ألعابًا لغوية وانطلقوا فى التعبير بلا قيود، وقرروا استخدام الفن لتغيير طبيعة التجربة الإنسانية. لقد صنعوا فنًا من أجل الحياة. هنا مكمن البهجة الحقيقية وهنا توجد الفرص الجديدة والمساحات الخضرا.
بالنسبة للفنانين والكُتّاب على مدار الخمسين عامًا الماضية، كان التكيف المستمر مع الوسائل الجديدة فى الإنتاج والنشر هو الثمن الذى يدفعونه مقابل حريتهم. إنه أمر مرهق بلا شك، ولكن من ناحية أخرى، فإن الصراع الذى نواجهه اليوم لا يختلف كثيرًا عما كان عليه الحال دائمًا.
إن الأفكار المستهلكة أو الكليشيه. هى القاعدة السائدة تاريخيًا. فالعالم كان دومًا مليئًا بالرسائل التى تبدأ بعبارات نمطية مثل «عزيزى الساكن» أو «أنت أحد عملائنا المميزين». مثل هذه الكتابات كان يمكن للآلات أن تؤديها منذ زمن بعيد. لذا، إذا كنت تشعر أن عملك ككاتب يشبه «السباحة عكس التيار»، فأنت محق تمامًا. فالجميع يسبحون عكس التيار منذ الأزل.
وكما كتب الشاعر «تى إس إليوت» منذ حوالى مائة عام «ليس هناك سوى الكفاح لاستعادة ما فُقد ثم وُجد، ثم فُقد ووُجد مرة أخرى، مرات عدة، والآن يتم ذلك فى ظل ظروف تبدو غير مواتية».

إن اللغة بطبيعتها تميل إلى الجمود والموت. لذا، فإما أن تزرع لغة جديدة فوق ركام القديم أو أن تعيد الحياة إلى اللغة القديمة بصدمة إبداعية. إن مهمة الكتابة فى عصر الذكاء الاصطناعى هى نفس المهمة التى كانت دائمًا، أن ترى الحقيقة وسط هوس الصيحات والولاءات العمياء. وأيضا لتفكك الآليات التى تُحرك العالم وتقرع الأجراس التى لا تزال قادرة على الرنين.
دعونا نحتكم للمنطق والعقل فربما يكون المنطق السليم هو المنجى الوحيد هنا. فقد كتب نوربرت فينر، الأب الروحى لعلم السيبرانيات «أعطوا ما للإنسان للإنسان، وما للحاسوب للحاسوب. فربما تكون هذه هى السياسة الذكية التى يجب تبنيها عندما يعمل البشر والآلات معًا فى مهمة مشتركة».
إنها رؤية وسطية، تبتعد تمامًا عن أولئك الذين يقدسون الأجهزة وعُبّاد التكنولوجيا، كما تبتعد عن أولئك الذين يرون فى استخدام أى أداة ميكانيكية لمساعدة الفكر البشرى إهانةً وانحطاطًا لقيمة الإنسان.
من المهم أن نتذكر دومًا أن أغلب الأعمال الفنية عبر التاريخ كانت مجرد حشو أو أعمال رديئة. حين كنتُ أحضر الدكتوراه فى الدراما الحديثة المبكرة، أجبرنى مشرفى على قراءة كل مسرحية تراجيدية كُتبت بالإنجليزية حتى عام ١٦٤٠. كانت تجربة شاقة لكنها علمتنى الكثير. فمعظم تلك الأعمال، رغم أنها نتاج العصر الذهبى للأدب الإنجليزى، كانت مجرد نفايات أدبية. وإذا أردتم مثالًا أقرب لواقعنا، انظروا إلى ما كان يُعرض فى التلفاز خلال الثمانينيات!.
هناك أخبار جيدة للمهتمين بالعلوم الإنسانية مع وصول الذكاء الاصطناعي. فوفقًا لبيانات البنك الاحتياطى الفيدرالى فى نيويورك، تبلغ نسبة البطالة بين خريجى علوم الحاسوب ٦.١٪، بينما تنخفض هذه النسبة لتصل إلى٣٪ فقط بين المتخصصين فى «تاريخ الفن».
هذا يعنى أن «التعليم التقنى الصرف» ستكون قيمته محدودة فى المستقبل الذى يقوده الذكاء الاصطناعي. فإذا جعلت نفسك مجرد «أداة تقنية» مفيدة لشركة أو صناعة ما، فأنت تضع نفسك فى موقف ضعيف وتجعل استبدالك بالآلة ممكنًا فى أى لحظة. أما التفكير والإبداع والفهم العميق. فهذه أمور لا يمكن استبدالها وبالتأكيد ليس بواسطة الذكاء الاصطناعى، صدقونى، لقد جربت ذلك بنفسى.
أدرك الأطفال الذين كانوا يتجادلون فى المتنزه جيدًا، الفرق بين «لغة تبدو ذات معنى» و«لغة تملك معنى حقيقيًا». فهل تدركون أنتم ذلك؟ وهل يدرك المجتمع الأدبى هذا الفرق؟.
إننا اليوم أمام طريقين يفترقان وسط غابة متشابكة ومضطربة. طريق يسلك ما تستطيع الآلات فعله، وطريق آخر يمر عبر ما لا يستطيع فعله إلا البشر. إن الكتابة فى وقتنا الحالى تعنى خوض حرب ضد «الأفكار المستهلكة أو الكليشيه» كما كان الحال دائمًا، لكن الفرق هذه المرة هو أننا نخوض هذه الحرب بالاستعانة بالذكاء الاصطناعى وضدَّ سيطرته فى آنٍ واحد.





