نصف قرن X ½ كلمة.. كيف وثّق أحمد رجب حياة المصريين؟
- «نص كلمة» وُلدت أثناء حرب الاستنزاف ووثّقت معاناة المصريين بعد 67 وعاصرت حرب أكتوبر واشتبكت مع عصر الانفتاح ووثقت الأزمات فى الثمانينيات والتسعينيات
- بدأ أحمد رجب كتابة «نص كلمة» عام 1968 فى غرفة العظماء التى سبقه إليها توفيق الحكيم وكامل الشناوى
- نحت أحمد رجب مصطلحات وأسماء فرضت نفسها على لغتنا المكتوبة والمنطوقة وعاشت معنا لسنوات طويلة حتى إننا نسينا أنه صاحبها
- «نص كلمة» لم تكن مجرد إفيه لحظى يزول كـ«الفوار» بعد ثوانٍ من قراءته لكنها صارت بمثابة تاريخ اجتماعى موازٍ يصعب أن تجد تفاصيله الدقيقة فى كتب التاريخ
- ربما يقول البعض إن هذا التأريخ تنقصه الدقة التاريخية لكن الأهم أنه لا ينقصه الصدق
- وزراء التموين والتعليم والصحة والكهرباء كانوا ضيوفًا دائمين على «نص كلمة»
- لم تكن كرة القدم بعيدة عن مرمى طلقات «نص كلمة»
بعض الكلمات كالفوار وبعضها كالحفار.
بعضها سريع الذوبان يزول أثره بعد ثوانٍ معدودة، والبعض الآخر يبقى أثره، وتُكتشف أصالته بمرور السنوات، والزمن وحده هو الحكم.
وعندما تعود بآلة الزمن، وتدقق النظر فى «نص كلمة» تدرك أنها لم تكن مجرد تعليق ساخر على حدث لحظى، وحين يُنسى الحدث، يزول الإيفيه، لكنها كانت بمثابة حفر على جدار التاريخ عَمقه الكاتب الكبير أحمد رجب على مدار 46 سنة منذ 1968 وحتى 2014.
وطوال تلك السنوات شهدت «نص كلمة» كل شىء جرى فى مصر، فقد ولدت أثناء حرب الاستنزاف، ووثقت معاناة المصريين فى الفترة من 1967 وحتى 1973، وعاصرت حرب أكتوبر، واشتبكت مع عصر الانفتاح، ووثقت أزمات السلع التى كانت تختفى من الأسواق فى الثمانينيات، ودخلت معارك مع كبار المسئولين فى التسعينيات، واشتبكت مع قضايا التعليم والتموين والصحة والإسكان والمواصلات، واستطاعت أن تكون بمثابة التاريخ الحقيقى كما عاشه الشعب المصرى، وليست كما يُذكر فى كتب التاريخ المدرسية.
واستطاع أحمد رجب أن يختزل بكلمات قليلة قضايا كبيرة، ومعقدة، وشائكة، وتصدى لمهمة صعبة، وهى التأريخ اليومى للأحداث، والصعوبة تزداد مع قلة عدد الكلمات، وتتضاعف حين يكون المؤرخ ساخرًا، وتكون أصدق حين لا يستهدف الكاتب أن يكون مؤرخًا.
وهذا ما فعله الكاتب الكبير أحمد رجب الذى لم تكن كلماته الساخرة مجرد إفيه لحظى، لكنها صارت بمثابة تاريخ اجتماعى موازٍ يصعب أن تجد تفاصيله الدقيقة فى كتب التاريخ.

أول نص كلمة
كل ما قرأته شىء.. والحقيقة شىء آخر!
فهناك صورة واحدة حاول كل من لم يعرفوه تصديرها لنا، وهى أنه رجل عبوس ينتج الضحك ولا يستهلكه، ويتحدث عن البسطاء ولا يقترب منهم.
وهذه الصورة لم تفارق خيالى، وأنا فى الطريق من بيتى إلى دار أخبار اليوم فى أكتوبر عام ٢٠١٠.
فقد ذهبت إليه وأنا أعرف أن دخول مكتبه حدث، والحديث معه انفراد، وتسجيل حوار له يدخل ضمن دائرة التسجيلات النادرة، لكن شيطان الصحافة احترق بمجرد أن وقفت عند باب مكتبه.
هناك وجدت عم محمود الزملكاوى فى انتظارى، وهو أول من يقرأ «نص كلمة» قبل أى شخص آخر باعتباره المسئول عن حملها يوميًا من مكتب الأستاذ أحمد رجب إلى سكرتير التحرير على مدار ٤٦ عامًا.
وجلست مع الكاتب الكبير أحمد رجب وتحدثنا عن كل شىء، بين الصحافة والسياسة والفن والثقافة والرياضة، وتوقفنا كثيرًا أمام ما فعله فى «نص كلمة» التى ظل يكتبها على مدار ٤٦ سنة.
وقد ظهرت «نص كلمة» لأول مرة يوم الخميس ١١ من يوليو عام ١٩٦٨.
فى هذا اليوم كانت مصر ثائرة، والناس تغلى، والمعارك تشتعل على خط القناة، واستطاعت قوات التحرير الشعبية تدمير دبابة إسرائيلية.
وأعلن الاتحاد السوفيتى تأييده لمصر ومعاونته لها فى جميع الميادين، وأكد ضرورة انسحاب إسرائيل إلى خطوط ما قبل ٥ يونيو ١٩٦٧.
بينما سافرت أم كلثوم إلى بيروت لإحياء حفلتين فى مهرجان بعلبك الدولى يخصص إيرادهما للمجهود الحربى.
ونشرت جريدة الأخبار أخطر جزء فى يوميات جيفارا التى يقول فيها «جيشنا يتضاعف حماسه دون أن يتزايد عدده».
وفى نفس اليوم، وفى بؤرة هذه الأحداث، بدأ أحمد رجب فى كتابة «نص كلمة» على صفحات جريدة الأخبار، وجاء فيها: «استمعت إلى مذيعات مطار روما تعلن عن مواعيد قيام ووصول الطائرات، وكأننى أستمع إلى صوت فيروز يشدو بنغم منساب.. وسمعت مذيعات مطار فيينا وكأنهن يغنين للمسافرين أغنية حالمة عذبة لطفل يوشك على النوم!.. وسمعت المذيعات فى مطار القاهرة فندمت ندمًا شديدًا لأننى أجريت عملية استئصال اللوزتين.. لا الأذنين!».
منذ يوليو ١٩٦٨ بدأت «نص كلمة» باقتراح من الكاتب الكبير على أمين، فقد كان يقوم بتدريب أحمد رجب على اختزال المقالات الطويلة فى كلمات قليلة، ويقول له: اكتب باختصار وتركيز، لا وقت عند القارئ «للت والعجن» هناك أدوات حضارية تنافسك كالراديو والتليفزيون، فكن على مستوى المنافسة عندما تكتب.. اكتب باختصار، وكأنك تكتب برقية ستدفع عن كل كلمة فيها قرشًا.
بهذه الطريقة خرجت «نص كلمة» مكثفة، وعميقة، وقوية تقف مع البسطاء، وتنبه ولا تزعج، وتكشف ولا تفضح، وتسخر ولا تجرح، إنها فلسفة أحمد رجب التى لا يستطيع أحد تطبيقها سواه، فهو يكتب كل يوم دون معونة من أحد رغم أن أغلب الساخرين فى العالم يعمل معهم فريق يضم عشرات المتخصصين فى كل المجالات، يبحثون وينقبون ويحللون، حتى يستطيعوا كتابة مقال ساخر واحد!.

سر الغرفة 53
بدأ أحمد رجب كتابة «نص كلمة» عندما دخل إلى الغرفة ٥٣ فى مبنى أخبار اليوم، ومنذ دخل تلك الغرفة حتى غادر الدنيا لم تتغير عاداته يومًا!
كان يمكنك أن تضبط ساعتك عند ظهور سيارته أمام المبنى القديم لدار أخبار اليوم بالضبط.. ففى تمام العاشرة ينزل من مقعده الأمامى المجاور للسائق ثم يمضى مباشرة إلى المدخل، إلى المصعد، إلى حجرته لا يلتفت يمينًا أو يسارًا، وإذا التقى به شخص ما فإنه يتحاور معه بسرعة، يجيب إجابات مقتضبة، وكأنه يعلن عن رغبته فى الانفراد.
يدخل حجرته التى لا يمكن أن تدخل إليها مباشرة، فهى مغلقة تمامًا، يضيئها نور خافت، غير مباشر مجرد مكتب ومكتبة ومقعدين فى مواجهة المكتب مباشرة، ومذياع وجهاز تسجيل تنبعث منه طوال النهار موسيقى كلاسيك يفضلها.
بمجرد دخوله يتقدم ليغلق الباب الخارجى بالمفتاح، لمدة ساعتين يظل بمفرده، بعدها، يدق الجرس على عم محمود الزملكاوى، ليحمل - فى الثانية عشرة ظهرًا- إلى سكرتارية تحرير الأخبار، ورقة بخطه تحتوى على سطرين أو ثلاثة أو أقل ربما سطر واحد، كلمات قليلة مكتوبة بخط كبير نسبيًا، منسق، منمق، تبدأ سطوره على مسافة من حافة الصفحة وتنتهى قبل حدها الأيسر، تتوسط الفراغ الأبيض، لا يوجد فيها حرف واحد مشطوب –على حد وصف الأديب الكبير جمال الغيطانى- إنها «نص كلمة» التى يكتبها يوميًا فى جريدة الأخبار.
هكذا يقضى أحمد رجب يومه داخل مكتبه بأخبار اليوم، سواء كان فى مكتبه الذى انتقل إليه منذ سنوات قليلة أو فى الغرفة ٥٣ التى يصفها بقوله: «أقيم - داخل أخبار اليوم- فى غرفة ذات موقع جغرافى نادر، يحدها شمالًا -عند السقف- ورشة حفر الروتو، وجنوبًا مطابع الأخبار، غربًا نافذة بعرض الحائط تطل على خمس ورش فى الشارع، شرقًا باب يقع على ممر كله زعيق.. زعيق.. زعيق مع صوت سوبرانو مجهول لم أستطع اكتشاف مصدره حتى اليوم لا يكف عن ترديد: ميتة أشوفك أشوفك يا غايب عن عينى! داخل الكارو!».
وفى كل صباح أجلس فى كرسى مكتبى وكأننى أجلس فى طيارة داكوتا قديمة، أو طيارة كارو، فكل شىء فى الغرفة يهتز، الأرض تهتز، السقف يهتز، الزجاج يهتز، فالسقف فى حالة زلزالية مستمرة من ورشة حفر الروتو التى تصدر صوتًا لا يفرق أبدًا عن صوت ألف آلة لحفر الأسنان فى وقت واحد!.
والأسطى حامد -فى الشارع- نازل خبط فى الحديد، وعزوز وعليوة فى الورشة المجاورة يتبادلان العزف على ألواح الصاج بالمطارق الضخمة، ومكنة خراطة فى الورشة الثالثة، وبرادة فى الورشة الرابعة، وكلاكسات.. كلاكسات.. كلاكسات، وسيارات تلقى أمام المطبعة ببوبينات ورق، كل بوبينة -من غير مبالغة- فى حجم الفيل، ومع كل بوبينة تسقط على الأرض ينط مقعدى لوحده على فوق من عنف الاهتزاز، ويدور رأسى فى الطيارة الكارو التى أجلس بداخلها، وأتهيأ لربط الأحزمة لأن الطيارة على وشك الوقوع، لم يتبين لى أن رأسى هو الذى وقع فعلًا، وأننى أصبت بجنون الهلاوس، وأننى -أنا أيضًا- أصدر أصواتًا غريبة كالصويت ورأسى بين يدى!.
هذه الغرفة التى تتوافر بها كل العناصر التى تجعل أى مبدع يعتزل الكتابة، اشتهرت بأن من يقيم فيها لابد أن يغادر دار أخبار اليوم، فقد تركها توفيق الحكيم ليعمل مديرًا لدار الكتب، وخرج منها جلال الحمامصى ليؤسس وكالة أنباء الشرق الأوسط، وغادرها كامل الشناوى ليرأس تحرير الجمهورية، وجلس فيها موسى صبرى فتم منعه من الكتابة مع إجازة مفتوحة، ثم صدرت الأوامر بنقله إلى الجمهورية، ثم دخل أنيس منصور الغرفة ٥٣ وخرج منها فى إجازة مفتوحة أيضًا، والإجازة المفتوحة كانت بلا مرتب أو معاش أو مكافأة، وذلك طبقًا للأوامر الصادرة من السلطات العليا، فكان مصطفى أمين يدفع مرتب صاحب الإجازة من جيبه الخاص حتى بعد تأميم أخبار اليوم!.
وجاء الدور على سعيد سنبل ليدخل الغرفة رقم ٥٣، فدخل يتفحصها كأنما يريد أن يستجلى سرها، وهداه تفكيره إلى أن يغير وضع المكتب فنقله من الحائط الشرقى المواجه للباب إلى الحائط الغربى المجاور للباب لعل ذلك يكسر نحس الغرفة، وبقى سعيد سنبل فى أخبار اليوم!.
وفى منتصف الستينيات جاء الدور على أحمد رجب الذى يروى ذكرياته مع غرفة العظماء بقوله: جاء دورى لأقيم فى الغرفة ٥٣ ورغم معرفتى بتاريخ الغرفة فإن عملى الدائم مع على أمين علمنى التفاؤل، بل لقد وصل تفاؤلى إلى أننى قررت إعادة المكتب إلى الوضع القديم، وجاء عمال الكهرباء والتليفونات ونقلوا الأسلاك من الحائط الغربى إلى الحائط الشرقى كما كان!.
ومر يومان، وذهبت لأقبض مرتبى فلم أجد اسمى فى كشف المرتبات، وسألت صراف الخزانة عن السبب فمط شفتيه علامة أنه لا يعلم، وهز مدير الحسابات كتفيه علامة أنه لا يدرى، وحرك موظف المستخدمين كفيه يمنة ويسرة علامة أنه لا يفهم، وكان حديث الثلاثة بالإشارة معى دليلًا على أن بركة الغرفة ٥٣ قد حلت على رأسى، وأننى أصبحت من المغضوب عليهم، وأن الكلام معى باللسان مكروه شرعًا!.
وإيمانًا بنظرية سعيد سنبل بدأت أغير من وضع المكتب لتكون النافذة من خلفى، وما أن استقر المكتب فى وضعه الجديد حتى دق جرس التليفون ليبلغونى أن اسمى سقط سهوًا من كشف المرتبات وعاد موظفو الإدارة يتحدثون معى باللسان بدلًا من لغة الإشارة علامة أنى غير مغضوب عليه والحمد لله.
وبقيت فى الغرفة ٥٣ وظل أول ساكن للغرفة توفيق الحكيم يذكرنى فى كل كتاب جديد يهديه إلى أننى أجلس فى غرفته «العزيزة» كما كان يصفها دائمًا، كأنما يطلب أن أصونها وأحرص عليها، وكانت آخر الكتب التى تلقيتها من عملاق الفن والفكر كتاب «يقظة الفكر»، الذى يقول فى مقدمته: «لا أريد من كتابى أن يريح القارئ، أريد أن يطوى القارئ كتابى فتبدأ متاعبه.. إن مهمتى هى تحريك الرءوس».
وقد حرك توفيق الحكيم رأسى وأنا أحملق فى أجواء الغرفة ٥٣ وأتساءل: كيف لم أحظَ من هذه الغرفة بإشعاعات الفكر والفن التى تركها توفيق الحكيم فى هذا المكان فأفكر مثله وأبدع مثله؟ وتبين لى أن السبب هو أننى غيرت موضع مكتبى من الغرفة حيث كان يجلس توفيق الحكيم ونقلته إلى الجانب الآخر حيث كان مربط حمار الحكيم!.
ضرب فى سيناء
فى السنوات الأولى لـ«نص كلمة» شهدت حرب الاستنزاف، واستشهاد القائد العظيم عبدالمنعم رياض، ورحيل الرئيس جمال عبدالناصر، ورصدت «نص كلمة» الأزمات الاجتماعية التى عانت منها مصر فى نهاية الستينيات، ومنها أزمة النظافة فى القاهرة التى علق عليها: أعلنت بلدية القاهرة أنها فى حاجة إلى ١١ ألف كناس لتنظيف شوارع العاصمة، وهو عدد مهول يدل على أن البلدية ليس فيها كناس واحد!.. ألف تهنئة للبلدية أنها سمعت عن ذلك الاختراع الجديد المدهش الذى اسمه الكناس!.
أجمل ما فى كتابات أحمد رجب أن صلاحيتها للنشر لا تنتهى فقد كتب فى الستينيات: إذا كان الطبيب- أو المهندس- المتخرج فى جامعة القاهرة يتساوى فى المرتب- بعد التخرج- مع خريج جامعات الإسكندرية وأسيوط وعين شمس.. فما هى الحكمة الفلسفية العليا من توزيع الطلبة على الجامعات حسب المجموع لا حسب المجموع الجغرافى! وإذا كان غير صحيح أن هناك جامعة خيار تطلب مجموعًا كبيرًا وجامعة فاقوس تطلب مجموعًا أقل، فما هى الحكمة العليا من شحططة طالب فقير ليعيش فى أسيوط بعيدًا عن أهله فى الإسكندرية فيزيد عبء نفقاته على الأب الفقير.. عندكم حل لهذه الفزورة الفلسفية العليا!.
وحين عبَر الجيش المصرى خط بارليف وثق أحمد رجب للنصر يومًا بيوم فكتب: «٢٥ سنة ونحن نحاول أن نقنع العالم بأن إسرائيل هى عصابة دموية مجردة من كل القيم والأخلاق.. ولعل نظرة واحدة إلى صور هذه الذئاب الجربانة الذين وقعوا أسرى فى أيدى أسد سيناء المصرى، تقنع كل إنسان فى الدنيا أنه أمام أفراد عصابة دموية، وأن كل واحد منهم لو مشى فى أية مدينة متحضرة فى العالم، فلابد من أخذه للشرطة لعمل محضر فى قسم الشرطة مع بيات فى التخشيبة».
من العلامات الفارقة فى تاريخ «نص كلمة» أنها شهدت على حرب أكتوبر، وسجل أحمد رجب يوميات النصر العظيم فعندما بدأ قادة إسرائيل يعترفون بالهزيمة، واضطرت القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى تغيير قادة الجيش فى جبهة سيناء وفى قيادة الجيش والطيران الإسرائيلى بصفة عامة، وذلك بعد أيام من القتال فى سيناء والجولان، وأعلن المتحدث العسكرى الإسرائيلى أن إسرائيل استدعت عددًا كبيرًا من جنرالات حرب ١٩٦٧ إلى الخدمة العامة، فعلق أحمد رجب: عملة إسرائيل وعليها صورة موشى ديان.
وبعد أقل من أسبوع من بدء المعركة أصبحت صور الأسرى الإسرائيليين صورة ثابتة تتصدر الصفحات الأولى من الصحف بفضل بسالة الجندى المصرى البطل لذلك كتب أحمد رجب يقول: إعلان من رئيس الأركان الإسرائيلى إلى قادة اللواءات المدرعة:
أيها القائد الإسرائيلى
هل تتمنى أن تحقق لنفسك الشهرة فى معركتنا المريرة ضد المصريين؟ هل تتمنى
أن تتجه إليك الأنظار وتسلط عليك الأضواء والكاميرات؟.. إذن اركب دبابتك وهاجم المصريين وبعدها ستظهر فى تليفزيون القاهرة وتصبح فرجة.
وفى اليوم التالى كانت المانشيتات الرئيسية فى الصحف المصرية أفواج جديدة من الأسرى ومعها صور لجنود عصابة تل أبيب وهم أذلاء فى سيناء، فعلق أحمد رجب على كثرة الأسرى: من المراجع اللغوية الحديثة
أسر، جمع تكسير فى مدرعاتهم وطائراتهم ولفظه أسرى مشتقة من اسم المنطقة التى تورد الأسرى يوميًا.
ووضع أحمد رجب تصورًا للامتحانات فى مدارس تل أبيب بعد هزيمة إسرائيل جاء فيها:
من امتحانات اللغة فى إسرائيل بعد ٦ أكتوبر
أولًا: قواعد اللغة
ثانيًا: الإنشاء
عدت من الحرب دون أن تقتل أو تظهر فى أى تليفزيون عربى اكتب أسباب
هجرتك من إسرائيل.
هب أنك موشى ديان اكتب استقالتك.
أحمد رجب واحد من قليلين لا يمسكون العصا من الوسط، فهو يرى أن إسرائيل ليست سوى جماعة من مجرمى الحرب، لذلك يحرص دائمًا أن يذكر بالمفاهيم التى نتوارثها دون وعى مغزاها فيقول: لاحظت أثناء دراستى للغة العبرية أن الفعل الشائع فى تصريف الأفعال هو الفعل «قتل» مثل زرع وحصد عندنا، وهو مؤشر له دلالته، ومن ناحية أخرى لاحظت أننا نستعمل اسمى زيد وعمرو فى دراسة قواعد اللغة مع الفعل «ضرب» فنقول ضرب عمرو زيدًا، وهو أيضًا مؤشر على العلاقة بين الإخوة العرب، ففى كتب النحو عمرو يضرب زيدًا من عشرات السنين ولم يفكر عمرو مرة واحدة أن يضرب «كوهين»!
وبعد سنوات طويلة من انتهاء الحرب ظل أحمد رجب على موقفه يوثق ويعلق ساخرًا على ما ترتكبه إسرائيل من جرائم، مما جعل السفير الإسرائيلى بالقاهرة يتهمه بمعاداة السامية وطالب بوضعه فى السجن، وحين منحت نقابة الصحفيين جائزتها التقديرية لأحمد رجب هاجمه السفير الإسرائيلى: «إن أحمد رجب يجب أن يكون فى السجن الآن»، مشيرًا إلى معاداته للسامية وإشادته بموقف هتلر من اليهود.
هذه العاصفة العاتية قامت على أحمد رجب بسبب «نص كلمة» جاء فيها: «شكرًا للمرحوم هتلر الذى انتقم مقدمًا للفلسطينيين من أحقر مجرمى الأرض، وإن كنا نلوم هتلر لأن انتقامه منهم لم يكن كافيًا».

إلى من لا يهمه الأمر
فى مسيرة «نص كلمة» علامات فارقة صنعت شعبيتها بين ملايين المصريين، ومن أبرز تلك العلامات هو اشتباك أحمد رجب مع عدد كبير من كبار المسئولين، ومن بينهم الدكتور عاطف صدقى- رئيس الوزراء الأسبق- الذى رغم كثرة النقد الذى تعرض له على مدى عشر سنوات قضاها فى السلطة إلا أنه لم يرد على ما يكتب عنه، فعلق أحمد رجب: الحكومة لا ترد على ما ننشره، وزمان كنا نكتب هذه العبارة: إلى من يهمه الأمر، فأصبحنا نكتب إلى من لا يهمه الأمر: د. عاطف صدقى.
كانت أبرز صفة فى الدكتور صدقى انه لا يتحدث لوسائل الإعلام إلا نادرًا، فعلق أحمد رجب على قلة ظهوره: «الدكتور عاطف صدقى يرأس وزارة المهمات الصعبة، فوقته ضيق جدًا ومشحون، ثم إنه - كما علمت- يرفض الظهور فى التليفزيون إلا إذا كان سيقول خبرًا سارًا، ولهذا لم يتحدث فى التليفزيون منذ تولية الوزارة!».
وكان الدكتور عاطف صدقى أول رئيس للوزارة يجلس مع فلاح كفر الهنادوة، ورغم نقد الفلاح له فإنه كان سعيدًا به، ويصفه بأنه أذكى سياسى فى مصر وأنه لم يسبق أن وصل الكاريكاتير السياسى إلى هذا المستوى الرفيع.
لكن لم تمنع العلاقة الودية بين الدكتور عاطف صدقى وأحمد رجب من أن يوثق أحمد رجب ما حدث للجنيه المصرى فى حقبة الثمانينيات: «زمان كان الجنيه المصرى مكتوبًا عليه أتعهد لحامل هذا السند بدفع جنيه ذهب واحد، فقد كان الذهب هو غطاء العملة وقيمة الجنيه هى قيمة الذهب، أما الآن فقد أصبح الغطاء النقدى للعملة هو اللحمة.. كل واحد يبرر رفع سعر سلعة يقول شوف كيلو اللحمة وصل كام، فاللحمة أصبحت فى مقام الذهب ومن المنتظر إنشاء بنك مركزى للحمة كما ستصدر الورقة فئة العشرين جنيهًا مكتوبًا عليها: أتعهد لحامل هذا السند بدفع كيلو لحمة».
وعندما صار الدكتور عاطف عبيد رئيسًا للوزراء، وزادت معاناة المواطن من الأوضاع الاقتصادية كتب أحمد رجب: «سمعت أن أسرة مواطن اسمه عبدالله المصرى رفعت دعوى تعويض على رئيس الوزراء والسبب أن د. عبيد كان يتحدث أمام اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب مؤكدًا متانة الاقتصاد المصرى وصموده أمام الهزات، وما إن سمع المواطن عبدالله المصرى هذا الكلام حتى مات من الضحك رحمه الله!».
لكن رغم كثرة الأزمات المتلاحقة التى توالت فى فترة الدكتور عاطف عبيد فقد ظل محتفظًا بابتسامته لذلك علق أحمد رجب: «صار الاكتئاب دوليًا بالإضافة إلى اكتئابنا المحلى.. ولا بد من أن تعداد المكتئبين زاد عما قدره د. أحمد عكاشة وهو ٣٠ مليون مكتئب، واختفت الابتسامة من السوق السوداء، ولم يبقَ من الناجين من الاكتئاب إلا د. عاطف عبيد وحده الذى يحتفظ بمخزون استراتيجى وافر من الابتسام يحرق به دمنا صباحًا ومساء».
ووثق أحمد رجب لظهور السحابة السوداء فى عصر وزارة الدكتور عبيد سنة ١٩٩٩، لكنها استمرت فى عهد الدكتور أحمد نظيف، وظهرت أزمات جديدة مثل استشهاد المصريين فى طوابير العيش، وكثرة من يلقون بأنفسهم فى البحر عن طريق الهجرة غير الشرعية، لذلك كتب أحمد رجب: «من قصص الفلكلور: وقف الرجل على كوبرى الجلاء ضمن صيادى العصارى وما لبث أن سحب السنارة من الماء وقد علقت بها سمكة كبيرة فقال لزوجته بجواره: سمكة محترمة نقليها للعشا، قالت الزوجة: وفين الزيت اللى سعره ولع؟ قال الرجل: نشويها يا ست قالت: مفيش رَدّة فى السوق كله، قال لها: اعمليها بالصلصة.. قالت كيلو الطماطم بخمسة جنيه، فغضب الرجل وانتزع السمكة من السنارة ورماها فى النيل.. فهتفت السمكة: يعيش الدكتور نظيف!».

مطفى الديار المصرية
أحمد رجب يظل دائمًا بمثابة الشاهد على كل العصور التى عاشها، وتظل كتاباته تأريخًا لمشاكل الشعب المصرى مع الحكومات المختلفة، واستطاع أن يكون صوتًا للبسطاء، فحمل همومهم ومس أوجاعهم واقترب من معاناتهم وذهب بها عبر قلمه إلى المسئولين، ويظهر ذلك من خلال مئات الأعمدة التى كتبها على مدى سنوات طويلة، ولم تكن هذه الأعمدة سوى صورة من معاناة المواطن مع الحكومة التى يقول عنها: «يتهمون الحكومة بالإسراف والسفه وهى تهمة ظالمة بدليل القرارات الحكومية التى تنشرها الجريدة الرسمية أحيانًا، كهذا القرار مثلًا عن مواطن قتل وهو يؤدى عملًا تم تكليفه به، فأرسلت الحكومة إلى والده تعويضًا مقداره ٢٥٠ قرشًا (ملحوظة: لا توجد غلطة مطبعية)».
أهم ما فعلته «نص كلمة» هى توثيق معاناة البسطاء لذلك تجد أغلب المقالات عن وزراء التعليم والكهرباء والمالية والنقل والإسكان.
لكن أكثر الوزارات التى حظيت باهتمام أحمد رجب هى وزارة التموين، فكتب عن وزيرها: تأثر الجميع بعدم وجوده، واعتقد البعض أنه شخصية وهمية، ويقول البعض الآخر إنهم رأوه رأى العين، وأقسم آخرون أنهم صافحوه وجلسوا معه، ومع ذلك فلا أحد يعرف الحقيقة ولم يصدر بيان رسمى من الحكومة يؤكد وجود أو عدم وجود وزير التموين!
وعلق الإعلامى الكبير مفيد فوزى على ما جاء فى نص كلمة:
عزيزى أحمد رجب
وزير التموين موجود، ولكن البطون القنوعة غائبة.
الإمضاء: ضمير.
فرد عليه أحمد رجب:
عزيزى مفيد فوزى
أعتقد أن غلطة مطبعية قد وقعت فى عبارتك وصحتها: البطون القنوعة موجودة ووزير التموين غائب..
الإمضاء: ضمير حى.
وعندما كثرت كوارث رغيف العيش وظهرت أعواد الثقاب والمسامير بداخله علق أحمد رجب: «هناك محاولات لرفع سعر رغيف الفقراء ويقال إن متحدثًا باسم وزير الطوابير والدندرمة صرح قائلًا فى غضب: قبل أن تلومونا على رفع سعر الرغيف اسألوا أولًا كم يبلغ سعر كيلو المسامير؟».
كان وزير التموين ضيفًا دائمًا على «نص كلمة» فقد كتب عنه أحمد رجب: «قال حكيم إسبرطة: أهم من أن تكتب كتبًا هو أن يكتبوا عنك الكتب، ووزير التموين لم يؤلف كتبًا ولكنهم يكتبون عنه، إذ يظهر فى المكتبات قريبًا كتاب بعنوان (نوادر وزير التموين)».
علاقة أحمد رجب بالوزراء طوال الوقت فيها شد وجذب؛ لأنه لا ينتظر مدحًا من أحد ولا يخشى المسئول مهما بلغ نفوذه، لكنه ظل محافظًا على علاقته بالقارئ. فعندما قررت وزارة النقل إلغاء الدرجة الثالثة فى القطار وإحلال الدرجة الثانية مكانها علق: «هذا المشروع نبيل ولن يكلف الهيئة إلا وضع لافتة (الدرجة الثانية) مكان لافتة (الدرجة الثالثة)، والأرجح أن هذا المشروع مقتبس من عربة قمامة بحمارين كانت تجوب شوارع الدقى وقد كتب صاحبها على ظهرها ٥٦٩ جمرك السلوم!».
أغلب وزراء النقل لا يخرجون من الوزارة إلا بحادث مروع، وأغلب هذه الحوادث تكون فى القطارات لدرجة جعلت الناس تظن أنها وسائل نقل للآخرة، لذلك كتب أحمد رجب: «نفى وزير النقل الاتجاه إلى تحويل السكك الحديدية إلى شركة قابضة رغم أن السكك الحديدية أصبحت بالفعل قابضة للأرواح».
نقد أحمد رجب لوزراء النقل أقل بكثير من نقده لوزراء المالية الذين كان أحمد رجب يقف لهم بالمرصاد، ومن أكثر وزراء المالية تعرضًا للنقد الدكتور «الرزاز» وقد رصدت «نص كلمة» شكاوى كثيرة لملايين الموطنين، لكن الوزير لم يستجب لكتابات أحمد رجب فكتب عنه: «الدكتور الرزاز لا يقرأ ما يكتب فى هذا المكان، لأن هذا المربع مخالف وليست عليه طوابع دمغة».
ومثلما وثق أحمد رجب لأزمات البسطاء مع وزير المالية، سجل أيضًا لأزماتهم مع وزير الكهرباء لكثرة انقطاع النور بقوله: «احتفل ماهر أباظة وزير الكهرباء بعيد ميلاده الخمسين وأطفأ خمسة أحياء فى القاهرة».
الغريب أن الوزير ماهر أباظة بعد أن قرأ هذه العبارة اتصل بالأستاذ أحمد رجب وصار صديقًا له، ورغم ذلك لم تؤثر روابط الصداقة على جرأة النقد فكتب أحمد رجب: «هناك فكرة لتغيير اسم منصب وزير الكهرباء إلى مُطفى الديار المصرية».
وبالطبع لم يكن وزراء التعليم بعيدين عن مرمى نيران «نص كلمة» ومن بين الوزراء الذين انتقدهم أحمد رجب ووثق لحقبتهم الوزارية الدكتور أحمد فتحى سرور الذى كان وزيرًا للتربية والتعليم فى نهاية الثمانينيات، فقد وصف أحمد رجب حال التعليم أيام الدكتور سرور قائلًا: «أصبحت مهمة وزير التعليم عمل فرقعات بين وقت وآخر تجعله حديث كل بيت فى مصر، ثم يظهر بعدها فى التليفزيون والراديو والتليفون والجرامفون ليزيد الناس متاعب ومعاناة وما دام هو محور الحديث فلا شىء يهم، ولو كان ذلك على حساب تلاميذ صغار يقاسون العذاب النفسى بقراراته وبلبلاته وامتحاناته وتناقضاته وإضافة مقررات وإلغاء مقررات ليلة الامتحان، ومع ذلك نحن لا ننكر مجهوده العظيم فى تطوير التعليم والذى انحصر فى تغيير اسم التعليم إلى العملية التعليمية، وكان يمكن أن يكون التطوير أعظم لو غيّر اسم التعليم إلى العملية فقط، ليصبح لقبه أكثر تطورًا: معالى وزير العملية!».
وبعد نجاح الدكتور فتحى سرور فى الانتخابات واختياره رئيسًا لمجلس الشعب علق أحمد رجب: «الدكتور سرور أصبح فى مكانه المناسب كرئيس لمجلس الشعب، فهو أستاذ كبير من أساتذة القانون، وهو جدير بالمنصب والمنصب جدير به، وإذا كانت مئات البرقيات قد هنأته لانتخابه رئيسًا لمجلس الشعب فإن برقيات التهانى تبادلها - لنفس السبب - أولياء أمور مصر».
وحين كثر الحديث عن تعيين أبناء الأساتذة فى الكليات علق أحمد رجب: «تخرج أبناء الأساتذة من كليات الطب بتفوق مسألة نبوغ ولا علاقة لها بالغش العلنى الذى تكافحه الدولة الآن. ولهذا لن تثار هذه المسألة لأنها مشروعة وأصبحت تقليدًا راسخًا، بل إن أبناء أساتذة الطب من الخريجين يكتسبون ثقة الزبائن بفضل أسماء آبائهم، ولذلك نجد زبائنهم دائمًا من القادرين على نفقات العلاج وعمر مكرم».
كانت قضايا التعليم حاضرة دائمًا فى «نص كلمة» لتوثق الظواهر المختلفة من غش جماعى إلى دروس خصوصية إلى مجانية التعليم لذلك كتب أحمد رجب: «مجانية التعليم فى بلادنا تجربة فريدة لا وجود لها فى أى دولة رأسمالية أو اشتراكية، وقد قام خبراء التعليم من مختلف دول العالم بدراسة مجانية التعليم عندنا حتى يتجنبوا تطبيقها فى بلادهم».

شعب يحب الضحك
لم تعرف مصر على مدى تاريخها كاتبًا رصد مشاكل مجلس الشعب، وعرف نوابه وتابع جلساته، من خلال الصحف والتليفزيون مثل أحمد رجب، ولو لم يكن المجلس مرتبطًا بالشعب لما أنفق عليه كل هذا الوقت، لكن أطرف ما علق عليه الساخر الكبير هو إذاعة جلسات المجلس عبر شاشة التليفزيون بقوله: «لماذا لا تذاع جلسات مجلس الشعب فى التليفزيون كاملة من غير حذف خصوصًا أننا شعب يحب الضحك؟».
وقد لاحظ أحمد رجب حرص النواب على الظهور فى التليفزيون من خلال البرلمان فطلب وضع شروط لظهور النائب بقوله: «بعض أعضاء مجلس الشعب ليس عندهم ما يقال ومع ذلك يقولون أملًا فى الظهور على شاشة التليفزيون، ولا مانع أبدًا من أن يتكلم هؤلاء البعض بشرطين: الأول أن تحدد مكالمة العضو فى ميكروفون المجلس بست دقائق ترشيدًا لاستهلاك الكهرباء والشرط الثانى هو أن يفكر قبل أن يتكلم».
لم يترك أحمد رجب شيئًا داخل المجلس إلا وعلق عليه، وكشف عن حقيقته أمام الرأى العام، فعندما انتشرت قضية النواب الذين ثبت اتجارهم فى المخدارت كتب: «فى مجلس الشعب أربعة أعضاء كل منهم مسجل خطر بوصفه تاجر مخدرات، فإذا كان هؤلاء الأعضاء أبرياء فلماذا لا يعلن رئيس المجلس ذلك؟ وإذا كانوا تجار مخدرات فعلًا، فلماذا لا يوكلون المحامى الجنائى الكبير د. فتحى سرور ليقنعنا ببراءتهم ما دام ساكتًا لاقتناعه ببراءتهم؟».

كمبورة والكحيت
لم يؤرخ أحمد رجب لحياة المصريين على مدار قرابة نصف قرن من خلال «نص كلمة» فقط، وإنما وثق أيضًا بالكاريكاتير بالتعاون مع صديق عمره الفنان الكبير مصطفى حسين لكثير من الشخصيات الموجودة فى حياتنا، لكنها غير موجودة فى كتب التاريخ لأنها ليست بالشهرة الكافية.
وقد نحت أحمد رجب مصطلحات وأسماء فرضت نفسها على لغتنا المكتوبة والمنطوقة، وعاشت معنا لسنوات طويلة حتى إننا نسينا أنه صاحبها.
فعندما تذهب إلى مصلحة حكومية لا بد أن تقابل «عبد الروتين» وحين تفتح التليفزيون تجد «كمبورة» و«مطرب الأخبار» وعندما تذهب إلى الاستاد ترى «كابتن أوزو» وعندما تنزل إلى الشارع تصطدم بـ«الكُحّيت» و«قاسم السماوى» و«عزيز بك الأليت» و«على الكومندة» و«عبده العايق» و«جنجح»، وإذا ذهبت إلى قريتك وجدت «فلاح كفر الهنادوة» فى انتظارك.

«عبد الروتين»، هو موظف الحكومة الذى يتفنن فى تعطيل مصالح الناس، فهو مثل «ختم النسر» تجده فى كل زمان ولو عدنا إلى كاريكاتير أخبار اليوم عام ٧٤ لوجدنا أنه يصلح لنشره الآن دون أى تعديل.
ونفس الشىء ينطبق على «كمبورة» الشخص الذى وُلد فى عصر الانفتاح، وكان يتاجر فى كل شىء، فمرة تجده تاجرًا للأغذية الفاسدة وأخرى تراه يبيع أفلامًا رخيصة وأحيانًا يتحول إلى سمسار أراضٍ مسروقة، فهو رجل يتحدث لغة «الجنيه غلب الكارنيه» ويتعامل مع المرأة بنفس الطريقة التى يستخدمها فى تجارته غير المشروعة.
والطريف أن هذه الشخصية ليست من وحى خيال أحمد رجب، لكنه قابلها فى حى بولاق عندما كان - كمبورة الأصلى- مرشحًا نفسه فى انتخابات مجلس الشعب، وكانت دعايته تغطى كل مكان وكان يصرف أموالًا لا حصر لها، رغم أنه يرفع شعارات «الحق والعدل والوطنية»، وبهذه الطريقة اكتسح الدائرة واتضح أن هدفه الحقيقى من هذه الدعاية هو الوصول إلى «الحصانة» ونجح «كمبورة» فيما أراد!
وفى ظل نجومية «كمبورة» كانت هناك شخصيات أخرى على الساحة، لكنها تفضل أن تكون بعيدة عن المجتمع، مثل «عزيز بك الأليت» وهو رجل ثرى، مُرفه، لا يعرف شيئًا عما يحدث حوله، وقد وقعت عين أحمد رجب ومصطفى حسين عليه، وقررا أن يقفا أمام هذا النموذج الذى يمثل فئة من الناس تعيش فى مجتمع لا تعرفه، فما أغضبه بعد هزيمة ١٩٦٧ أن استيراد خرطوش الصيد توقف، ولن يستطيع أن يمارس هوايته فى صيد البط.
وعلى النقيض ابتكر الثنائى شخصية «الكُحّيت» هذا الرجل الذى ينطبق عليه المثل الشعبى «أقرع.. ونُزهى»، فهو فقير بل يكاد يكون معدمًا لكنه متعالٍ ويرى نفسه وكأنه «عزيز بك الأليت».
ومثلما انتشر نموذج «الكُحّيت» انتشرت شخصية «أبوالعريف» الرجل الذى يدعى مقدرته على حل كل الأزمات لكن كانت حلوله دائمًا سببًا فى مزيد من المشاكل، فأطلق عليه أحمد رجب اسم «على الكومندة» وهو مدير كبير يدعى مقدرته على حل المشاكل لكنه يزيد «الطين بلة» وعلى الجانب الآخر كانت شخصية «قاسم السماوى» الذى يحقد على الجميع.
وفى ظل موجة عاتية من أنصاف المطربين ظهر «مطرب الأخبار» وهو شخص يتصور أنه فنان موهوب، رغم أنه لا علاقة له بالغناء، لذلك كان يتعرض للضرب فى كل الحفلات، لكن الغريب أن هذا المطرب لم يتعرض للضرب فى الواقع، بل انتشر كالنار فى الهشيم وأصبح فى غفلة من الزمن علامة هذا العصر الفارقة.
لكن الشخصية الكاريكاتيرية الأشهر والأهم والأطول عمرًا على صفحات أخبار اليوم ظهرت فى فترة الدكتور عاطف صدقى - رئيس مجلس الوزراء الأسبق- وهى شخصية «فلاح كفر الهنادوة» هذا الفلاح الفصيح الذى يجلس كل يوم «سبت» مع كبار المسئولين وينقل له هموم الناس.
و«فلاح كفر الهنادوة» شخصية حقيقية، قابله أحمد رجب فى قرية الهنادوة التابعة لمركز إمبابة، ليصبح «هنداوى» أشهر فلاح فى مصر.
لكن مع وجود شخصية «فلاح كفر الهنادوة» كان هناك أيضًا «كابتن أوزو» وهو لاعب كرة يسهر ويشرب ويستنزف نفسه ويذهب إلى المباريات فى حالة انعدام وزن لكنه يصر على اللعب مهما كانت النتيجة.
أما «عبده العايق» فهو رئيس حى ينطبق عليه المثل القائل «فاقد الشىء لا يعطيه»، فرغم أن هيئته تثير السخرية وربما يقف على وجهه الذباب ولا «ينشّه» إلا أنه يصر على أنه «عبده العايق».
لكن هناك «عبده» آخر ابتكره الثنائى أحمد رجب ومصطفى حسين وهو «عبده مشتاق» وهو موظف كبير وصولى كلنا نعرفه، ونحفظ طريقته، ونراه فى أماكن كثيرة وهو ينتظر دوره فى أن يصبح فى مكانة كبرى، وبجانب «عبده مشتاق» ظهر أيضًا «عبده بالنفر» سائق التاكسى الذى يهوى تعذيب الركاب ويسير فى الطريق وكأنه بمفرده.

بلاغ إلى مكتب مكافحة النصب
بالطبع لم تكن كرة القدم بعيدة عن مرمى طلقات «نص كلمة»، فقد كتب أحمد رجب فى عام ٢٠٠٠: «فى مونديال المكسيك ١٩٨٦ كتبت أننى شاهدت فى التليفزيون لعبة لطيفة اسمها كرة القدم ويا ريت ندخلها فى بلادنا، وبعد متابعة مباريات كأس الأمم الأوروبية ٢٠٠٠ والانبهار بفن الكرة الممتع، فكرت فى القائمين على شئون الكرة فى بلدنا وملايين الدولارات التى أنفقوها هدرًا، وعدلت فى آخر لحظة عن تقديم بلاغ لمكتب مكافحة النصب».
لذلك كل الفرق المصرية على اختلاف مستوياتها لا ترضى طموح أحمد رجب، لأنهم لا يستطيعون الجرى ٩٠ دقيقة.. وينتظرون نهاية المباراة بفارغ الصبر لذلك كتب يقول: «بعد مشاهدة مباريات يورو البرتغال فى التليفزيون، قررت إهداء جهاز التليفزيون لمصلحة السجون للانتفاع به كعقوبة فى زنازين الحبس الانفرادى».
وانتقل أحمد رجب من الحديث عن كرة القدم إلى الحديث عن المسلسلات فكتب: «لا بد أن نلتمس العذر للمشرفين على التليفزيون فى بلادنا، لأنهم لا يملكون أدوات تحقيق النجاح المنشود، فالقانون البريطانى مثلًا - بعكس القانون عندنا- يشترط فى مؤلف الدراما معرفة القراءة والكتابة».
وما فعلته «نص كلمة» مع الفن والكُرة فعلت أكثر منه مع التليفزيون، فإذا أردت أن تعرف تاريخ التليفزيون فى مصر فأمامك أحد طريقين، الأول: أن تذهب إلى مبناه الضخم على النيل، وغالبًا لن تصل إلى شىء، أما الطريق الثانى فهو أن تقرأ ما كتبه أحمد رجب عن التليفزيون منذ الستينيات، وهذا هو الطريق الأسهل والأمتع والأكثر سخرية.
فسخرية أحمد رجب من التليفزيون تعتبر تأريخًا موازيًا لهذا الجهاز، فالتليفزيون بالنسبة لأحمد رجب بمثابة الملهم الذى يحرك حاسة الساخر بداخله، فكل برنامج ساذج كان هدفه الرئيسى جعل المشاهد يصاب بالتخلف العقلى شاهده وكتب عنه قائلًا: «نحن لا نريد أن نظلم التليفزيون فنكتفى بما يشكو منه الناس من ملل وكآبة، بل يجب أن نقول ما للتليفزيون وما عليه، وقد سمعت من مصدر ثقة أن خبيرًا أجنبيًا درس برامج التليفزيون عندنا وانتهى إلى أنها تحمل كل المواصفات الناجحة للبرامج التى تبث للمتخلفين عقليًا!».
لكن رغم ما حققه أحمد رجب عبر «نص كلمة» من شهرة كبيرة وتأثير الضخم إلا أن كل من يعمل بالكتابة تأتى عليه لحظة يشعر فيها بأنه لا جدوى مما يكتبه، ولا أمل فى الإصلاح لكن عندما أرسل «مواطن زهقان» رسالة إلى أحمد رجب جاء فيها: «إن رجلًا اسمه على الملطاوى يعمل مؤذنًا بجزيرة مالطة أرسل إليه يسأل إن كان أحمد رجب يرغب فى العمل معه مؤذنًا فى مالطة؟».
رد عليه أحمد رجب: «عزيزى المواطن الزهقان: أنا لسه مازهقتش، ولا أتوقع ذلك، ولمعلوماتك أنا الذى دربت على الملطاوى على الأذان فى مالطة!».







