جاذبية الوهم.. كيف سلمنا عقولنا لـ«خرافات الشاشات الزرقاء»؟
- تحول التفسير الدينى إلى إطار جاهز يُسقط على كل شىء
- العالم الذى يمر عبر الشاشات لا يُرى فى تعقيده الكامل بقدر ما يُعاد ترتيبه فى صورة أسرع وأكثر قابلية لتقبّل الوهم
- الخرافة الحديثة أكثر إقناعًا لأنها تتحدث بلغة العلم أو النفس أو الدين
- تبدو نظرية المؤامرة أحيانًا كشماعة أنيقة يُعلَّق عليها الفشل ويُعاد عبرها ترتيب الواقع بصورة أقل إيلامًا
العقل، فى جوهره، لا يطيق الفراغ. لا يحتمل أن تظل الأشياء بلا معنى، ولا أن تبقى الأسئلة معلّقة دون أن تستقر على تفسير، حتى لو كان هذا التفسير هشًا. إذ يبدو الغموض، فى كثير من الأحيان، أثقل من أن يُترك كما هو، فيبدأ العقل- بهدوء- فى نسج الحكاية، أى حكاية، تمنح ما يحدث شكلًا يمكن احتماله.
لكن ما يلفت النظر أن هذه الحكايات لا تُختار دائمًا لأنها الأصدق، بل لأنها الأقرب، والأسرع، والأكثر قدرة على تهدئة ذلك القلق الخفى الذى يصاحب ما لا نفهمه. كأن الإنسان، حين يضيق بالأسئلة، لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عمّا يُغلقها. وهنا تحديدًا، تتشكل ملامح ما يمكن تسميته بـ جاذبية الوهم؛ بوصفه ميلًا خافتًا نحو المعنى الذى يريح، حتى لو ظل ناقصًا أو غير مكتمل.
تلك الجاذبية ليست طارئة. عرفها الإنسان منذ زمن بعيد، فى صور متعددة؛، تنقلت بين الأسطورة والخرافة، و اليقين المغلق الذى لا يترك مساحة للشك. وفى كل مرة، كانت تقوم بالدور ذاته: أن تحاصر الفوضى بتفسير، وأن تمنح المجهول اسمًا، وأن تعيد ترتيب العالم فى صورة تبدو مفهومة، أو على الأقل أقل إرباكًا.
بيد أن ما تغيّر، ربما على نحو أكثر عمقًا، ليس الميل نفسه، إنما الطريقة التى يُقدَّم بها المعنى. ففى زمن الشاشات الزرقاء، لم نعد بحاجة للبحث عن التفسير، صار يُعرض باستمرار، جاهزًا، سريعًا، ومصقولًا. الإجابة تسبق السؤال، وتُطرح فى صيغة حاسمة، واثقة، لا تترك مساحة كبيرة للتردد. تتدفق التفسيرات عبر السوشيال ميديا، تتشابه فى يقينها، وتتنافس فى قدرتها على الإقناع.
لم يعد الوهم مجرد حكاية يلجأ إليها الفرد، صار جزءًا من إيقاع يومى، يتكرر مع كل تمريرة على الشاشة، ومع كل مقطع قصير يمنح العالم تفسيرًا كاملًا فى ثوانٍ. المؤامرة تُقدَّم كخيط خفى يربط كل شىء، والخرافة تمنح القلق اسمًا يمكن الإمساك به، واليَقين الزائف يُغلق باب الشك تمامًا.
وفى تلك المسافة، حيث يتلاقى قلق قديم مع منصات حديثة، تتكشف ملامح «جاذبية الوهم» فى صورتها الأوضح: كطريقة مستمرة لفهم عالم يزداد تعقيدًا.. بينما تزداد الحاجة إلى تبسيطه، وربما إلى تصديقه.

الجذر النفسى.. لماذا لا يحتمل العقل الفراغ؟
لا يرهق الإنسان من غياب الإجابة بقدر ما يرهقه انتظارها. فالسؤال، حين يظل مفتوحًا، يتحول من فكرة عابرة إلى حالة تمتد فى الذهن. يلاحقه، يعود فى أوقات غير متوقعة، ويترك أثرًا خفيفًا بعدم الاكتمال، كأن هناك شيئًا لم يُغلق بعد، أو تفصيلة ناقصة تمنع الصورة من الاستقرار.
لم يعد الوهم مجرد حكاية يلجأ إليها الفرد بل صار جزءًا من إيقاع يومى يتكرر مع كل تمريرة على الشاشة
وحين يطول التعليق، يتغير موقع السؤال داخل الوعى. لا يبقى طلبًا للفهم، ويتحول إلى ضغط مستمر، يبحث عن نهاية أكثر مما يبحث عن تفسير. إذ يبدو الغموض، فى ذاته، أوسع مما يُحتمل، فتظهر حاجة خافتة إلى تقليصه، إلى وضع حدّ له، أيًّا كان هذا الحد، حتى لو لم يكن دقيقًا أو نهائيًا.
يمكن ملاحظة ذلك فى أبسط المواقف اليومية. خبر مفاجئ ينتشر، التفاصيل غير مكتملة، ومع ذلك، خلال وقت قصير، تتكوّن روايات متماسكة. ليس لأن الصورة قد اكتملت، لكن لأن تركها مفتوحة يصبح أثقل من أن يُحتمل. فيُعاد ترتيب الحدث داخل معنى يبدو كافيًا، يربط بين عناصره، ويمنح شعورًا مؤقتًا بالوضوح، حتى لو ظل هذا الوضوح هشًّا.
ويتكرر المشهد فى تفاصيل أصغر. رسالة بلا رد تتحول إلى دلالة، وغياب بسيط يُعاد تفسيره، وواقعة عابرة تُبنى حولها قصة كاملة. فالعقل يتعامل مع الفراغ كمساحة تحتاج إلى ملء سريع، بغضّ النظر عن الدقة، ويميل إلى الإغلاق لأنه، فى حد ذاته، يمنح قدرًا من الراحة.
ربما مرّت هذه اللحظة على كلٍّ منا؛ حين بدا التفسير حاضرًا قبل التحقق، ليس لأنه الأصح، وإنما لكونه أنهى حالة معلّقة، ووضع حدًا لما كان ممتدًا بلا نهاية واضحة.
ويرتبط هذا الميل ببنية معرفية أعمق. فقد صاغ عالم النفس الاجتماعى آرى كروغلانسكى ما عُرف بـ«الحاجة إلى الإغلاق المعرفى»، حيث يميل الإنسان إلى الوصول إلى إجابة سريعة وحاسمة لتجنّب الغموض. وتمتد هذه النزعة إلى التمسك بأول تفسير متاح، لأنه أنهى حالة التردد ومنح الذهن نقطة استقرار مؤقتة.
ويتقاطع ذلك مع ما توضحه نظريات أخرى حول «عدم تحمّل عدم اليقين»، حيث يُظهر بعض الأفراد حساسية أعلى تجاه الحالات غير المحسومة، فيسعون إلى حسمها بسرعة، حتى لو جاء ذلك على حساب الدقة. فى هذه الحالة، يتحول التفسير إلى وسيلة لتقليل التوتر المصاحب للغموض، أكثر من كونه سعيًا إلى معرفة مكتملة.
ومن زاوية أخرى، يظل ما لم يُحسم حاضرًا داخل الذاكرة بشكل أكثر إلحاحًا. وهو ما لاحظته بلوما زيجارنيك فى «تأثير زيجارنيك»، حيث تبقى المهام والأسئلة غير المكتملة أكثر نشاطًا من تلك التى أُغلقت. كأن الذهن يحتفظ بما لم يُغلق، ويدفعه إلى الواجهة، فى محاولة مستمرة للوصول إلى اكتماله.
يُضاف إلى ذلك أن العقل لا يعمل دائمًا فى وضع التحليل المتأني. فقد ميّز دانيال كانيمان بين تفكير سريع، تلقائى، يعتمد على الاختصار، وتفكير أبطأ يتطلب جهدًا ووقتًا. وفى الإيقاع اليومى، يحضر الأول بشكل أكبر، فيسعى إلى تثبيت تفسير سريع، يختصر التعقيد، ويضع نهاية مؤقتة بدل إبقاء الاحتمالات مفتوحة.
يختار التفسير الذى يُنجز المهمة. يضع حدًا لحالة ممتدة، ويمنح شعورًا بالسيطرة، حتى لو كان هذا الشعور مبنيًا على تصور غير مكتمل. إذ يعمل الذهن وفق مبدأ «الاقتصاد المعرفى»، فيميل إلى تقليل الجهد، وتبنى أقرب تفسير متاح، بدل الانخراط فى تحليل طويل ومفتوح.
كما تلعب «الاستدلالات السريعة» دورًا مهمًا فى هذه العملية. فالعقل يعتمد على أنماط جاهزة وخبرات سابقة لتفسير ما يحدث بسرعة، وهو ما يجعل بعض التفسيرات تبدو مألوفة ومقنعة، فقط لأنها تشبه ما تم فهمه من قبل، لا لأنها الأكثر دقة.
الوهم ليس فكرة منفصلة لكنه أحد الأشكال التى يملأ بها العقل الفراغ لأن الاتساع نفسه يضغط حتى يُملأ
وبالتالى لا يعد ملء الفراغ قرارًا واعيًا، بقدر ماهو استجابة شبه تلقائية. محاولة لإعادة تشكيل ما يبدو بلا حدود، ووضعه داخل إطار يمكن التعامل معه. فالعقل لا يترك المساحات المفتوحة كما هى، ويسعى إلى احتوائها داخل معنى، حتى لو كان هذا المعنى مؤقتًا.
ولعل هذا ما يبرر أن أشكال التفسير تتغير، بينما تبقى الوظيفة ثابتة. من محاولات قديمة لاحتواء ما يبدو غامضًا، إلى أخرى جديدة، أكثر حداثة، يظل الهدف واحدًا: تقليص المساحة المفتوحة، ومنح ما يحدث نهاية يمكن الإمساك بها.
إذًا، الوهم ليس فكرة منفصلة، لكنه كأحد الأشكال التى يملأ بها العقل الفراغ، لأن الاتساع نفسه يضغط حتى يُملأ. وربما لهذا، لا يكون الوهم بحثًا عن معنى.. بل يكون هروبًا من فراغ لا يُحتمل.

نظرية المؤامرة.. العالم كـ«خطة» مدبرة
تبدأ نظرية المؤامرة من لحظة إدراك لا تُحتمل، يبدو فيها الواقع واضحًا أكثر مما ينبغى، أو صادمًا أكثر مما يمكن قبوله كما هو. فبعض الأحداث لا تُرهق لأنها غامضة، بل لأنها مكشوفة أكثر مما نريد، هزيمة سياسية، تراجع اقتصادى، فشل مهنى، أو حادث مفاجئ لا يحمل تفسيرًا بطوليًا.. كلها لحظات يضع فيها الواقع الإنسان أمام احتمال ثقيل: أن ما حدث ليس نتيجة خطة، بل نتيجة تعقيد، أو خطأ، أو حدود حقيقية.
فى تلك اللحظة يتبدل السؤال من ماذا حدث؟ إلى: كيف يمكن قبول ما حدث دون أن ينهار المعنى كله؟ فبعض الإجابات، رغم بساطتها، تفتح أبوابًا أثقل: مسئولية، تقصيرًا، تعقيدًا، أو حتى حدودًا لا يمكن تجاوزها. هنا، يتخطى العقل حدود التفسيرالأدق، نحو التبرير الأرحم.
وتظهر المؤامرة كحل جاهز، ومحاولة لإعادة كتابة للواقع، حيث تتحول الوقائع المتشابكة إلى قصة واحدة، واضحة، يمكن الإمساك بها. فبدل عالم مفتوح على احتمالات متعددة، يظهر فاعل خفى يربط كل شىء ببعضه. ليس لأنه موجود بالضرورة، لكن لأنه يقدّم ما يحتاجه الذهن: اكتمال سريع، ونهاية مغلقة للسؤال. إذ يعاد ترتيب وتتراجع شبكة الأسباب المتداخلة، ليحل محلها خيط واحد يمكن تتبّعه، وسبب واحد يمكن تسميته، وعدو واضح يمكن توجيه النظر إليه هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن البنية النفسية نفسها. فقد أشار آرى كروغلانسكى فى كتابه «السعى وراء الأهمية» إلى أن الإنسان يسعى إلى الفهم، ويبحث معه عن الشعور بالقيمة والتأثير. وحين يتراجع هذا الإحساس- بفعل أزمة، أو فشل، أو شعور عام بالتهميش- تزداد قابلية تبنّى سرديات تمنحه دورًا داخل الحكاية. هنا، لا تكون المؤامرة مجرد تفسير، إنما وسيلة لاستعادة موقع: أنا. أنا لست ضحية فشل، بل جزء من معركة أكبر وأفهم ما لا يفهمه الآخرون.
وينسجم ذلك مع ما لاحظته كارين دوغلاس فى دراساتها حول نظريات المؤامرة، حيث ربطت بينها وبين ثلاث حاجات أساسية: الفهم، والسيطرة، والانتماء. ففى عالم يبدو متفلتًا، تقدم المؤامرة إحساسًا بأن هناك نظامًا، حتى لو كان خفيًا. وفى لحظة يشعر فيها الإنسان بفقدان السيطرة، تمنحه تفسيرًا يعيد له وهم الإمساك بالخيط.
غير أن ما يلفت النظر، ربما، يتجاوز ما تشرحه هذه النظريات إلى ما ترفعه عن كاهلها. فهى تنقل مركز المسئولية من الداخل إلى الخارج، فيُعاد تأويل الفشل كتدبير،. ويُفهم التراجع باعتباره استهدافًا، وتُقرأ التعقيدات كخيوط متعمدة لا مجرد تراكمات. ومع هذا التحول، يتبدل موقع الألم. يغدو شيئًا وقع علينا، أقرب إلى الخارج منه إلى مساحة شاركنا- بدرجة ما- فى تشكيلها. ولعل هذا ما يجعلها مريحة، لأنها تعيد توزيع الأدوار داخل الحكاية. ومن مواجهة الذات إلى مواجهة «قوة أكبر». وهى مواجهة، رغم قسوتها، أقل إيلامًا من سؤال: ماذا لو كان الخلل فينا؟
لذلك تعد نظرية المؤامرة أداة تفسيرية جاهزة فى المجال السياسى. كلما تعقد الواقع، أو أصبح تفسيره الحقيقى مكلفًا، يظهر البديل الأبسط: هناك من يدير المشهد. صيغة تختصر ما لا يمكن الإحاطة به، تستخدم لتخفيف وطأة الإخفاق، أو لإعادة توجيه الغضب نحو الخارج بدل الداخل.
و لا يتشكل ذلك فقط فى لحظات الهزيمة الكبرى، إذ يتسلل إلى تفاصيل أصغر. حين يشعر الإنسان أن موقعه يتآكل، أو أن صوته غير مسموع، أو أن ما يعيشه لا يجد تفسيرًا عادلًا، يصبح أكثر استعدادًا لتبنّى سردية تعيد له مكانته. وهنا، لا تُقدَّم المؤامرة كفكرة خارجية، بل كإجابة داخلية على سؤال غير معلن: لماذا أشعر بأننى مهمّش؟
ثم يأتى بعد آخر لا يقل تأثيرًا، يتعلق بالإحساس بالتميّز. إذ لا تكتفى هذه السرديات بتفسير الواقع، بل تمنح من يتبناها شعورًا بأنه يمتلك معرفة مختلفة. وقد أشار مايكل بيليغ إلى أن نظرية المؤامرة تخلق هذا الإحساس بالخبرة الخاصة، حيث يبدو صاحبها كمن وصل إلى ما هو «خلف الظاهر»، لا مجرد متلقٍ لما يُقال.
لكن الإحساس لا يتوقف عند حدود المعرفة، ويمتد إلى الهوية. إذ يصبح الإيمان بالمؤامرة جزءًا من تعريف الذات، أكثر من كونه مجرد رأى عابر، حيث تُناقش الفكرة بوصفها موقعًا داخل العالم: إما أن تكون «فاهمًا»، أو تكون «مخدوعًا». هذا التقسيم الحاد يمنح راحة إضافية، لأنه يلغى المساحات الرمادية، ويُبسط المشهد إلى حدٍّ كبير. ولذلك تنتشر عبارات مثل:«الحقيقة التى لا يقولونها» «الإعلام بيخدعكم» «فيه حاجة أكبر من كده» هى جمل لا تقدم دليلًا، لكنها تمنح شعورًا فوريًا بالسيطرة، وكأن العالم- مهما كان معقدًا- يمكن اختزاله فى سر واحد.
ومع أن الاختزال نفسه مرتبط بطريقة عمل العقل. إذ يميز دانيال كانيمان فى كتابه «التفكير السريع والبطىء» بين نمطين من التفكير: أحدهما سريع، حدسى، يميل إلى الإجابات الجاهزة، والآخر أبطأ، تحليلى. غير أنه فى لحظات القلق أو الضغط، يهيمن التفكير السريع، فيبحث عن أقرب تفسير متاح. بما يعنى أن المؤامرة لا تختار لأنها الأكثر إقناعًا، بل لأنها الأقل تكلفة. إذ تُنهى السؤال بسرعة، وتُغلق الفراغ، وتُجنب الإنسان عناء التحليل الطويل. وهى ميزة نفسية بالأساس، لا معرفية.
ويتعزز النمط جماعيًا، خصوصًا فى البيئات الرقمية. إذ تُعاد إنتاج الفكرة نفسها داخل دوائر مغلقة، فيبدو التفسير أكثر رسوخًا مع كل تكرار. وقد وصف ديفيد غرايمز هذه الحالة بما يشبه «عوالم منفصلة»، يعيش فيها كل طرف داخل منظومة من الأفكار التى تؤكد نفسها. كما لا تُختبر الفكرة بقدر ما تُعاد صياغتها. أى محاولة لنقضها قد تُقرأ كدليل إضافى عليها، كما أشار ستيفان ليفاندوفسكى فى أبحاثه حول المعتقدات التآمرية، حيث تميل هذه السرديات إلى تحصين نفسها ضد التفكيك. وهنا، لا يعود النقاش ممكنًا بسهولة، لأن الفكرة لم تعد مجرد تفسير، بل إطار كامل لرؤية العالم.
لقد تحول النمط التآمرى إلى ما يشبه «الشماعة» تُعلّق عليها الإخفاقات
وتتضاعف هذه الآلية فى زمن السوشيال ميديا، حيث لا يُترك الحدث ليتشكل ببطء، يُملأ بسرعة. ففى قضية ضياء العوضى على سبيل المثال لا الحصر، لم يكن الانتشار قائمًا على معلومات مؤكدة بقدر ما كان قائمًا على سرعة إنتاج قصة مكتملة: «مافيا دواء»، «تصفية»، «جهات خلف المشهد». لم تنتظر هذه الروايات اكتمال الصورة، لأنها كانت تبحث عن إغلاق الفراغ فقط.
لقد تحول النمط التآمرى إلى ما يشبه «الشماعة»، تُعلّق عليها الإخفاقات، ويُعاد من خلالها تفسير الواقع بما يخفف وطأته. فبدل مواجهة الأسباب البنيوية أو القرارات الخاطئة، يتم اختصار كل شىء فى «فاعل خفى».
على الرغم من أن نظرية المؤامرة تُغرق العالم فى مساحة رمادية ويتزايد تحت وطأتها شعور الإنسان بالعجز، تظل جاذبيتها قائمة، لأن تقدم ما يبدو كأنه حقيقة.. بشكل أبسط، وأسرع، وأقل إيلامًا. وربما لهذا، لا نلجأ إليها لأننا نجهل، بل لأننا- فى لحظة ما- نفضّل قصة تُريحنا..على واقع يواجهنا.

الخرافة القديمة.. اللغة الأولى للغموض
لم يكن الغموض يومًا مساحة محايدة فى تجربة الإنسان. فالأشياء التى تستعصى على الفهم لا تبقى معلّقة طويلًا، تستدعى تفسيرًا، يضع لها حدودًا يمكن احتمالها.
لم تكن الخرافة مجرد حكاية بل استجابة منظمة لذلك القلق القديم: كيف نفسر ما يتجاوز قدرتنا على الفهم؟
وفى مجتمعات لم تكن تملك أدوات علمية لتفكيك الظواهر، استمر العقل فى إنتاج المعنى وتوجيهه. تحوّل السؤال من دقة التفسير إلى كفايته، من «هل هذا التفسير صحيح؟» إلى «هل يكفى ليجعل ما يحدث مفهومًا؟». ومن هذه الزاوية، تشكّلت منظومة كاملة من التأويلات عُرفت بالخرافة، لم تقف على الهامش، فقد اندمجت فى طريقة رؤية العالم.
لم تكن الخرافة مجرد حكاية، كانت استجابة منظمة لهذا القلق القديم: كيف نُفسر ما يتجاوز قدرتنا على الفهم؟ وجاء التفسير شديد القرب من الحياة اليومية. مرض مفاجئ دون مقدمات واضحة يُقال إن «حد عامله عمل»، أو «اتأذى من عين». تعثر مشروع كان يسير بشكل طبيعى يُقرأ بوصفه «حاجة مربوطة»، أو أن «الفرحة ما كملتش». تغير حال إنسان فجأة يتجاوز ظروفه ويُعاد إدخاله فى دائرة الحسد أو التأثير الخفى. حيث يُعاد بناء الحدث داخل شبكة من المعانى، تجعل ما حدث قابلًا للفهم. فالمرض ليس مجرد خلل، ولا التعثر مجرد نتيجة، يصبح لكل منهما سبب غير مرئى يمكن الإشارة إليه. ينتقل الغموض من حالة مفتوحة إلى قصة مغلقة.
ومع أن مفاهيم مثل الحسد أو السحر لها حضور فى القرآن، إلا أن استخدامها اليومى كثيرًا ما يتجاوز هذا الإطار، ليتحول من احتمال محدود إلى تفسير جاهز، يُستدعى تلقائيًا كلما غاب الفهم أو تأخر.
يمكن ملاحظة هذا الامتداد فى تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها كاشفة. انكسار شىء فى المنزل فجأة يُقرأ كأن فى المكان توترًا خفيًا. تعطل الأجهزة بشكل متكرر يُؤخذ بوصفه «إشارة» أو نمطًا غير مريح. تكرار حلم بعينه يُعامل كرسالة تحتاج إلى فكّ.
وفى العلاقات، يظهر المنطق نفسه بصيغة أكثر هدوءًا. صداقة تنتهى دون سبب واضح، فيُقال إن «النفوس اتغيرت»، وكأن التغير نفسه يحتاج إلى قوة خفيّة تفسره. نجاح يتبعه تعثر سريع يرتبط بأن «العين لحقت عليه»، فى تصور بعيد عن مسار طبيعى قد يتضمن صعودًا وهبوطًا. حتى المشاعر الداخلية تتجاوز إطارها النفسى، و يُعاد ربطها بما هو خارجى: ضيق مفاجئ يُنسب إلى تأثير، ويُفهم ضمن سياق أوسع من مجرد حالة عابرة.
فى كل هذه الأمثلة لا يكون التفسير قائمًا على دليل، إنما على حاجة إلى الربط، لتبدو الأحداث متصلة يجمعها خيط واحد، إذ تميل التجربة الإنسانية إلى هذا الترابط، وتسعى إليه داخل وقائع متناثرة، فتبحث عن هذا الخيط، حتى إن لم يكن حاضرًا بشكل واضح.
وهذا ما لاحظه باحثون فى الأنثروبولوجيا، حين أشاروا إلى أن المجتمعات التقليدية ترى العالم كنسيج مترابط، يحتاج إلى قراءة وتأويل، يتداخل فيه ما هو مادى مع ما هو خفى داخل تجربة واحدة، فتأتى الخرافة جزءًا من هذا النسيج، لا فكرة طارئة عليه.
هنا تحديدًا تظهر وظيفتها الحقيقية، فهى لا تشرح الحدث فقط، بل تحتوى القلق المصاحب له. وبدل أن يبقى الغموض مفتوحًا، يتم احتواؤه. وعوضًا عن أن يظل الخوف بلا شكل، يُمنح سببًا، حتى لو لم يكن هذا السبب قابلًا للتحقق.
وتتعزز تلك التفسيرات داخل الجماعة، حيث تنتقل عبر اللغة اليومية، وتستقر فى عبارات مألوفة تكتسب طابع البداهة. فحين يُقال «اتحسد»، أو «معمول له حاجة»، تُطرح الجملة كإجابة جاهزة تُغلق أبواب التساؤلات.
الأهم أن هذه الأنظمة تستمر مع مرور الوقت، لأنها تقوم على حضور الحاجة بقدر ما تتصل بالمعرفة؛ حاجة إلى معنى، وإلى تفسير، وإلى إحساس بأن العالم يمكن فهمه حتى فى لحظات ارتباكه.
لا تبدو الخرافة مجرد بقايا من زمن قديم، إنما انعكاس لميول راسخة فى الفهم؛ تسعى إلى ملء الفراغ، ومنح الأحداث خيطًا يربطها، ويحوّل الغموض إلى قصة، لذلك لم تختفِ هذه التفسيرات.. تغيّرت لغتها فقط.

حين ارتدى الوهم ثياب العلم
لم يختفِ الوهم حين تقدّم العلم، غيّر لغته، أصبح يقدم فى صورة أكثر حداثة وترتيبًا، وأكثر قدرة على الإقناع. يتحدث الآن بمفردات تبدو جذابة ولافتة: طاقة، ذبذبات، وعى، قانون جذب، ويستند إلى عبارات من قبيل «علم النفس يقول» و«الدراسات أثبتت».
بدّلُ الوهم ثيابه دون أن يغير موقعه، انتقلت الخرافة من صورتها التقليدية «السحر والعين» إلى صيغة أكثر نعومة، تمرّ عبر العقل بدل أن تصطدم به. تبدو منطقية ومنظمة، وأحيانًا مدعومة بمصطلحات علمية، بينما تؤدى الوظيفة نفسها: تقديم تفسير سريع ومريح لعالم معقد.
فى خطاب «الطاقة»، مثلًا، تتجه تفسيرات الأحداث إلى تدفقات غير مرئية: طاقة إيجابية وأخرى سلبية، انسجام أو اختلال، ذبذبات تتوافق أو تتصادم. يكفى هنا أن «يضبط» الإنسان طاقته دون تفكيك ما يمر به. يُعاد فهم الفشل كـ«طاقة منخفضة»، وليس نتيجة قرار أو ظرف، ويُرى التعثر كاختلال داخلى يحتاج فقط إلى إعادة توازن.
أما أدبيات «التنمية البشرية المطلقة» فتقدم صورة أكثر إغراءً، إذ يُعاد تقديم العالم كمساحة يمكن السيطرة عليها بالكامل، فكّر بشكل صحيح، تنجح. غيّر معتقداتك، يتغير واقعك. لا يُطرح هذا كاحتمال، بل كقانون. لا يُختزل التعقيد فقط، يُمحى. تختفى الظروف، الفروق، السياقات، ويصبح الإنسان وحده هو العامل الحاسم فى كل شىء.
إشكالية هذا النوع من الخطاب أنه يبدو عقلانيًا فى ظاهره، لكنه، فى جوهره، يعيد إنتاج الفكرة نفسها: تحويل العالم إلى نظام بسيط يمكن التحكم فيه، وإلغاء المساحات التى لا يمكن تفسيرها بسهولة. يضيق معه فضاء ما هو خارج السيطرة، ويتراجع الاعتراف بما لا يمكن التحكم فيه. وكأن العالم، بكل تشابكه، ينكمش فى فكرة واحدة: أنت السبب.
كما تمنح عبارة «العلم أثبت» الخطاب قوة إضافية، فهى جملة تُستخدم بكثرة، دون تحديد: أى علم؟ أى دراسة؟ أى سياق؟ لكنها تعمل كختم جاهز، يضفى على الفكرة مصداقية فورية، فالمتلقى غير مضطر للتساؤل لأن الإجابة تبدو محسومة مسبقًا.
وتظهر الخرافة فى الاستخدام المبسّط لعلم النفس، فى صورة أكثر هدوءًا، لكنها مؤثرة. مفاهيم عميقة تُختزل فى جمل قصيرة: أنت تعانى لأنك لا تحب نفسك كفاية، لأنك لم تضع حدودًا، لأنك لم تفكر بإيجابية. تفسيرات تبدو صحيحة فى ظاهرها، بينما تتجاوز طبقات أعمق من التجربة الإنسانية: السياق، التاريخ، التعقيد، والتداخل بين العوامل. هنا يتحول علم النفس إلى بديل سريع للفهم. يضيق المجال أمام التعقيد، ويستقر التفسير فى صيغة واحدة. تُضغط التجربة الإنسانية بكل طبقاتها فى قالب يسهل تداوله.
ثم يأتى دور «الكوتش لايف» ليعيد صياغة هذه الأفكار فى شكل أكثر جاذبية. يقدّم يقينًا أكثر مما يقدّم معرفة. جمل قصيرة، نبرة حاسمة، ووعود واضحة: يمكنك أن تصبح ما تريد، إذا عرفت كيف تفكر. تضيق مساحة التردد، ويتراجع الاعتراف بما هو خارج السيطرة. يبدو كل شىء ممكنًا، لأن الخطاب نفسه يتجاوز فكرة الحدود.
أما فى الطرح الدينى فالمسألة أكثر تركيبًا، لأن التفسير هنا يرتبط بالحاجة إلى الفهم، وبالرغبة فى اليقين. إذ يتحول بعض الطرح- فى صوره المتداولة على السوشيال ميديا- من مساحة للتأمل فى المعنى، إلى آلية لإغلاقه. فالحدث يُحسم سريعًا: ما حدث عقاب، أو ابتلاء مباشر، أو رسالة محددة يجب قراءتها بهذه الطريقة دون غيرها. لا مجال للاحتمال، أو للاجتهاد.
يتحول التفسير الدينى إلى إطار جاهز يُسقط على كل شىء. الفشل يُفهم كاختبار محسوم الدلالة، والألم يُعاد اختزاله فى سبب واحد واضح. وكأن التجربة الإنسانية، بكل ما فيها من تداخل، تنتهى إلى قاعدة واحدة. لكن اللافت هنا أن هذا النمط لا يكتفى بالتفسير، إذ يمنح شعورًا بالطمأنينة ناتجًا عن الحسم. لأن التردد فى الأسئلة أصعب من اليقين، حتى لو كان هذا اليقين مبسطًا.
لعل ما يجمع كل هذه الأشكال أنها لا تقدم معرفة بقدر ما تقدم راحة. راحة ناتجة عن الوضوح، الإجابة السريعة، وعن الإحساس بأن كل شىء يمكن تفسيره بسهولة. وهى راحة تشبه ما كانت تقدمه الخرافة القديمة، لكنها الآن أكثر إقناعًا، لأنها تتحدث بلغة العلم، أو النفس، أو الدين.
غير أن الفارق بين الخرافة فى هيئتها الحديثة ونظيرتها القديمة ليس فى الوظيفة، بل فى الشكل، فهى تُقدَّم كحقيقة، وتُطرح كقاعدة لا تعتمد على الموروث، تستند- فى ظاهرها- إلى العلم، حتى لو كان هذا الاستناد جزئيًا أو مشوّهًا.
وفى زمن السوشيال ميديا تتضاعف هذه القوة، إذ تتحول هذه الأفكار إلى محتوى سريع، مكثف، قابل للمشاركة. جمل قصيرة، تفسيرات جاهزة، ويقين لا يتردد. كل شىء يبدو واضحًا، وكل شىء قابل للفهم، وكل مشكلة لها حل.
لكن هذا الوضوح نفسه يحمل مفارقة، إذ كلما بدا العالم أبسط فى هذه التفسيرات، أصبح أكثر تعقيدًا فى الواقع. وكلما شعر الإنسان بأنه فهم، ابتعد أكثر عن الأسئلة الحقيقية.

الجهل المركّب.. حين يُغلق العقل أبوابه
يبدأ اليقين الزائف من شعور مكتمل بالفهم. حالة يبدو فيها الإنسان مطمئنًا إلى ما يعرفه، فيتعامل مع أفكاره بوصفها حقائق مستقرة أكثر من كونها أسئلة قابلة للمراجعة. ومع هذا الإحساس، يضيق حضور الشك تدريجيًا، ويتحوّل الفهم إلى صيغة مغلقة يصعب الاقتراب منها.
فى هذا النمط، يتجه الإنسان إلى تثبيت ما يعتقد أنه يعرفه بالفعل. الأسئلة تفقد اتساعها، والإجابات تأتى مسبقًا، وكأن العقل يتحول إلى إطار مغلق يعيد تفسير كل ما يمر به بما يتوافق ما استقر داخله.
هنا تحديدًا يتشكل ما يمكن تسميته بـ«الجهل المركّب»: أن يجهل الإنسان، وأن يجهل أنه يجهل. وهو نمط يمنح صاحبه ثقة عالية لا تأتى من عمق الفهم، إنما من غياب التردد. إذ يبدو الشك، فى هذه الحالة، ضعفًا، بينما الحسم قوة.
بَيد أن ما يميز هذا النوع من اليقين، أنه يرفض ما سواه. لا يترك مساحة للاحتمال، ولا يعترف بتعدد الزوايا. كل حدث يُقرأ من زاوية واحدة، وكل فكرة تُقاس بمعيار واحد تم اعتماده حتى يبدو الاختلاف أقرب إلى خلل يحتاج إلى تصحيح.
وقد أشار عالما النفس ديفيد دانينغ وجاستن كروجر إلى هذه الظاهرة، حيث أكدا أن الأفراد ذوى المعرفة المحدودة يميلون إلى المبالغة فى تقدير فهمهم، لأنهم يفتقرون- فى الوقت نفسه- إلى الأدوات التى تكشف لهم حدود هذا الفهم.
وتتجاوز المسألة حدود القدرة الفردية، إلى سياق كامل يعزز هذا النمط. إذ تتغذى هذه الثقة من بيئة تفضل الحسم ومن محتوى يُقدَّم بثقة، ويُعاد تكراره حتى يبدو بديهيًا، ومن دوائر مغلقة يتشابه فيها الخطاب، فيتأكد داخليًا دون احتكاك حقيقى بما يختلف عنه. وهو ما يقترب من طرح «تفكير الجماعة» عند إرفينغ جانيس، حيث تتعزز القناعات داخل المجموعات المتشابهة، بينما تتراجع المساحات التى قد تربك هذا التماسك.
هنا تحديدًا تتقاطع أطراف الخيوط وتكتمل الفكرة. ففى نظرية المؤامرة، يُقدَّم العالم كخطة مكتملة، لا تحتاج إلى مراجعة. وفى الخرافة، يُعاد تفسير الغموض عبر أسباب جاهزة. وفى سوق اليقين، تُباع الإجابات السريعة بوصفها حقائق. أما فى هذه المرحلة فيحدث التحول الأعمق: لم يعد الإنسان يكتفى بتلقى هذه التفسيرات، بل يبدأ فى الدفاع عنها، بوصفها الفهم الوحيد الممكن.
يتحول اليقين من نتيجة، إلى نقطة بداية. تتراجع المسافة بين الفكرة وصاحبها، فيصبح أى نقاش تهديدًا، وأى سؤال تشكيكًا، وأى محاولة للفهم المختلف خروجًا عن «الحقيقة».
وينعكس ذلك بوضوح فى طريقة التعامل مع الرأى المختلف. فبدل النظر إليه كاحتمال قابل للفحص، يُستقبل بوصفه خطأ يحتاج إلى تصحيح. وكأن وجود أكثر من تفسير يربك هذا اليقين المغلق.
لكن ما يعمّق هذا النمط، أن اليقين يمنح راحة نفسية لا يوفرها الشك. العالم يبدو واضحًا، والأدوار محددة، والإجابات جاهزة، وهو ما يجعله جاذبًا، رغم محدوديته.
غير أن هذه الراحة تحمل ثمنًا غير مرئى. إذ يُغلق العقل الباب أمام ما لا يتوافق مع ما يعرفه، فيتوقف عن التعلم دون أن يشعر وتتراجع قدرته على المراجعة بما يعنى أن الجهل فى هذه الحالة ليس نتاجًا لغياب المعرفة بقدر ما هو توقف عنها.
ولعل ما يعمّق هذا النمط، أن اليقين يمنح راحة نفسية لا يوفرها الشك. إذ لا يحتاج صاحبه إلى إعادة التفكير، ولا إلى مراجعة مستمرة. العالم يبدو واضحًا، والأدوار محددة، والإجابات جاهزة. وهو ما يجعل هذا النمط جاذبًا، رغم محدوديته.
ومع الوقت، يزداد هذا اليقين رسوخًا، لأنه يتحرك داخل دائرة تعيد تأكيد نفسها باستمرار. فالإنسان يبحث غالبًا عما يؤكد أفكاره، بينما يبتعد عن المعلومات التى تربكها، كما يميل العقل إلى تفضيل التفكير السريع، الحدسى، الذى يمنح إجابات فورية، على التفكير البطىء الذى يتطلب جهدًا ومراجعة
شيئًا فشيئًا، يصبح اليقين الزائف أقرب إلى اختصار مريح، يتحول إلى نقطة استقرار مغلقة، مساحة يهدأ فيها السؤال تدريجيًا، لأن الإجابة تبدو مكتملة سلفًا
لذلك قد يكون التحدى الأكبر فى استعادة مساحة الشك نفسها. تلك المساحة التى تمنح الفهم قدرته على الحركة. لأن العقل، حين يُغلق الباب تمامًا.. لا يمنع الخطأ فقط، ويمنع الحقيقة أيضًا.
الشاشات الزرقاء.. كيف صنعت بيئة مثالية للوهم؟

من الخرافة إلى سوق اليقين الزائف
فى فضاء الشاشات الزرقاء.. لم يعد الوهم مجرد تفسير يتداوله الناس فى الهامش، أصبح جزءًا من اقتصاد كامل يعمل بكفاءة. والمنصات تجاوزت حدود دورها كوسيط ينقل المعرفة، فقد أعيد تشكيلها وفق منطق محدد: ما الذى يلفت الانتباه؟ ما الذى يُقنع بسرعة؟ وما الذى يُباع؟
تُباع المعلومة بوصفها إحساسًا حيث يبحث المتلقى عن شعور فورى بالوضوح، عن لحظة قصيرة يتوقف فيها القلق، ويبدو فيها العالم قابلًا للفهم. يتقدم سؤال: هل هذا مريح؟ هل ينهى حالة التردد؟ وهو ما يتقاطع مع ما وصفه عالم النفس الاجتماعى «آرى كروغلانسكى» بالحاجة إلى الإغلاق المعرفى، حيث يميل الإنسان إلى تفضيل الإجابة السريعة على بقاء السؤال مفتوحًا.
هنا، يتحول المحتوى إلى ما يشبه «سوقًا لليقين». كل فكرة تُقدَّم فى صورة نهائية، مكتملة، تتضاءل معها مساحة الأسئلة. وتتراجع عبارات مثل «ربما» و«قد يكون»، لأن هذه المساحات لا تنتشر بسهولة. والسوق تفضل ما يبدو محسومًا، لأن الحسم أسرع فى الانتشار، وأكثر قدرة على جذب الانتباه.
النبرة نفسها تصبح جزءًا من المنتج. الثقة العالية، الجملة القصيرة، اليقين الظاهر، كلها أدوات تمنح الفكرة قوة إضافية، حتى لو لم تكن دقيقة. إذ يميل الإنسان، فى لحظات القلق أو الغموض، إلى تصديق ما يُقال بثقة، أكثر مما يميل إلى ما يُقال بتحفظ. وكأن طريقة القول تصبح أحيانًا أهم من مضمون ما يُقال.
ويزداد هذا الميل قوة مع طبيعة الخوارزميات التى تحكم هذه المنصات. فهى لا تكافئ الأكثر صحة، بل الأكثر تفاعلًا. المحتوى الذى يثير دهشة، أو غضبًا، أو إحساسًا سريعًا بالفهم، هو الذى ينتشر. هنا، تصبح التفسيرات الحاسمة أكثر ملاءمة لهذا الإيقاع، لأنها تختصر الطريق بين الحدث ورد الفعل. فالأخبار الزائفة تنتشر أسرع من الصحيحة، لأنها تقدم روايات مكتملة وسهلة التداول.
تتحول المعرفة من عملية تراكمية تحتاج إلى وقت، إلى وحدات صغيرة قابلة للاستهلاك. جملة واحدة قد تبدو كافية لتفسير تجربة معقدة، ومقطع قصير قد يقدّم «مفتاحًا» لفهم الحياة. وكل مايُطلب من المتلقى أن يلتقط، أن يشارك، أن يشعر بأنه فهم.
لذلك تُنشر إلى جانب نظريات المؤامرة والخرافات التقليدية أشكال أكثر حداثة من التبسيط: قواعد نفسية جاهزة، نصائح شاملة، تفسيرات تبدو عامة بما يكفى لتناسب الجميع. كلها تعمل وفق المنطق نفسه: تقليل التعقيد إلى الحد الأدنى، وتقديم معنى مكتمل لا يحتاج إلى مراجعة.
غير أن ما يتغير هنا ليس فقط طبيعة المحتوى، إنما طبيعة التلقى نفسه. إذ يتدرّب الذهن، مع الوقت، على تفضيل الإجابة السريعة على السؤال المفتوح. يصبح الانتظار عبئًا، والتفكير المطوّل مجهدًا، بينما يبدو التفسير الجاهز كحل عملى. ويتجه الإنسان من حالة البحث عن الفهم، إلى الإحساس المصاحب له: السيطرة، أو الطمأنينة، أو حتى الغضب الواضح.
ولكن الأخطر أن هذه السوق لا تفرض نفسها بالقوة، بل بالملاءمة. فهى تستجيب لحاجة حقيقية داخل الإنسان: الحاجة إلى المعنى، إلى الوضوح، إلى نهاية للسؤال. لكنها، فى الوقت نفسه، تعيد تشكيل هذه الحاجة، فتجعلها أكثر استعجالًا، وأقل قدرة على تحمّل التعقيد.
ومن ثم يتحول الوهم من فكرة يمكن نقدها، إلى إيقاع يصعب مقاومته لأن المسألة تمتد إلى طريقة إنتاج المعنى نفسها؛ وهى طريقة تميل إلى الحسم، وتقدّم الإجابة السريعة، وتمنح اليقين حتى- لو كان زائفًا- أفضلية على حقيقة تحتاج وقتًا لتُفهم.
لذلك، لم يعد التحدى فى التمييز بين ما هو صحيح وما هو خاطئ فقط، لكن أيضًا فى القدرة على البقاء داخل السؤال قليلًا.. دون استعجال الإجابة.

عالم الخوارزميات.. حين صار الوهم أكثر قابلية للحياة
تجاوزت الشاشات دورها كوسيط ينقل العالم، لتتغدو بيئة تعيد تشكيله: كيف يُفهم، وبأى سرعة، وبأى درجة من اليقين. ومع هذا التحول، لم يعد الواقع يُرى فى صورته الخام، بل كما يُعاد ترتيبه داخل منظومة تقنية واجتماعية معقدة، تعمل فى صمت، لكنها تؤثر فى كل ما يمر عبرها.
الخوارزميات لا تُنتج الحقيقة بقدر ما تُنتج ما يشبهها فى الإيقاع والانتشار
داخل تلك البيئة. لا يظهر الوهم كاستثناء، بقدر ما يبدو أكثر توافقًا مع طبيعة المشهد الرقمى وأكثر انسجامًا مع شروط الانتشار داخله. إذ تمنحه المنظومة الظروف المثالية كى يتشكل، وينتشر، ويبدو مقنعًا دون حاجة إلى جهد كبير.
المدخل الأول لفهم ذلك يبدأ من الخوارزميات. حيث تعمل الأنظمة وفق معيار الانتباه مقارنة بالحقيقة. ما يُشاهَد أكثر، يُعرض أكثر. ما يثير تفاعلًا، يُعاد تدويره. ما يُبقى المستخدم داخل المنصة، يُدفع إلى الواجهة. فالخوارزميات تُنتج فقط ما يُشبهها: محتوى يبدو مهمًا لأنه حاضر بكثافة.
وهنا يتكوّن الشرط الأول لبيئة مثالية للوهم: الظهور المكثف أهم من الدقة. ما يتكرر يصبح حاضرًا، وما يحضر كثيرًا يبدو وكأنه يستحق التصديق لأن البيئة تعيد عرضه بما يكفى ليأخذ مكان الحقيقة.
وهذا ما يجعل الوهم مرشحًا مثاليًا للانتشار. لأنه غالبًا ما يُقدَّم فى صورة جذابة: تفسير واضح، قصة مكتملة، سبب محدد. لا يترك فراغًا، ولا يحتاج إلى وقت. وفى بيئة تقيس النجاح بالثوانى، يصبح هذا النوع من المحتوى أكثر كفاءة.
لذلك تنتشر الأخبار الزائفة بشكل أسرع وأوسع من الصحيحة، لأنها تقدم سرديات أكثر إثارة واكتمالًا.. ليست أكثر دقة، لكنها أكثر «قابلية للحياة» داخل هذه البيئة. فهى مصممة— بشكل واعٍ أو غير واعٍ— لتناسب منطق المنصة.
العامل الثانى هو السرعة. تدفق مستمر لا يترك مجالًا للتوقف. المستخدم لا ينتقل من فكرة إلى أخرى بوعى، يُدفع دفعًا عبر سلسلة لا تنتهى من المحتوى. وهنا، لا يُمنح العقل وقتًا للتحقق أو المراجعة، فيلجأ تلقائيًا إلى أقصر الطرق: القبول السريع.
ليتشكل شرط ثانٍ: غياب الزمن الكافى للفحص. فالوهم يزدهر داخل إيقاع سريع، يضيق معه الوقت المتاح للتفكيك والمراجعة. ومع كل تمريرة، تتراجع فرصة التفكير، ويزداد حضور الانطباع.. وفى بيئة رقمية سريعة، يصبح هذا النمط هو الأكثر حضورًا.
ويأتى اقتصاد الانتباه كثالث العناصر تأثيرًا فالمحتوى يتنافس على لفت النظر قبل أى شىء. وهنا، تتغير طريقة بناء الرسائل نفسها. الجملة الحاسمة تتفوق على التحليل، الصورة الصادمة على التفسير الهادئ، واليقين على التردد. لأن ما يمسك بالانتباه أسرع، يملك فرصة أكبر للبقاء.
داخل هذا المناخ يتشكل عنصر ثالث: أولوية ما يبدو واضحًا على ما هو صحيح. فالمحتوى الذى يقدّم إجابة مكتملة يبدو أكثر «اكتمالًا»، حتى حين يكون ناقصًا. أما التفسير المتردد، فرغم دقته، يفقد جزءًا من جاذبيته لأنه يترك المعنى مفتوحًا.
ويقترب الوهم من التحول إلى منتج قوى داخل البيئة الرقمية، لأنه يقدم إجابة بدل سؤال، ويقينًا سريعًا بدل تعقيد يحتاج إلى وقت وكلها عناصر تزيد من فرص انتشاره.
أما البُعد الرابع فهو التكرار داخل دوائر مغلقة. إذ لا يرى المستخدم محتوى عشوائيًا، بل ما يشبه ما تفاعل معه سابقًا. ومع الوقت، تتشكل «فقاعة» معرفية، يُعاد داخلها إنتاج الأفكار نفسها بصيغ مختلفة. ومع هذا التكرار، يكتسب الوهم قوة إضافية، لأن الألفة نفسها تبدأ فى أداء وظيفة الإقناع وتُنتج شعورًا بالصدق.
وهنا يظهر شرط رابع: التحقق يُستبدل بالألفة ومع كل تكرار. فالمعلومة تبدو مألوفة أكثر مما تبدو دقيقة، ومع كل إعادة عرض يقلّ حضور السؤال، ويزداد الإحساس بأنها «معروفة مسبقًا».
العامل الخامس هو اختصار التجربة الإنسانية نفسها. ففى ثقافة الفيديو القصير، لا يُختزل الوقت فقط، بل يُختزل المعنى. فكرة معقدة تُقدَّم فى ٣٠ ثانية، تجربة نفسية عميقة تُلخّص فى «نصيحة»، حدث سياسى مركب يتحول إلى رواية واحدة.
ليبدو استبعاد التعقيد من الأصل كظرف خامس ملائم. ليس لأن الواقع بسيط، بل لأنه لا يتناسب مع شكل العرض. فيبدو العالم واضحًا بينما هو فى الحقيقة مبسّط إلى حد الإخلال.
ومن ثم تبدأ عملية إعادة تشكيل الإدراك نفسه. فالباب السادس، وربما الأعمق، يتعلق بطريقة الرؤية ذاتها. إذ لا يتغير فقط ما نراه، بل كيف نراه. يتدرب العقل على استقبال العالم كتدفق سريع، لا كصورة تحتاج إلى بناء وتحليل.
وفى بيئة تختصر كل شىء، تصبح الأفكار السهلة هى الأكثر قبولًا، حتى لو كانت أقل دقة، يظهر الشرط الأخير: إعادة تعريف الفهم نفسه. فالفهم لم يعد مرتبطًا بما تم التحقق منه، بقدر ارتباطه بما أُدرك بسرعة وأعطى إحساسًا فوريًا بالوضوح.
تدريجيًا، تبدأ هذه العوامل فى التشابك: الخوارزمية تدفع، السرعة تختصر، التكرار يثبت، الشكل يُبسّط، والإدراك يتكيف. وفى هذه المنظومة، يبدو الوهم نتيجة طبيعية أكثر من كونه عنصرًا دخيلًا. لأنه يلبى كل شروط البيئة: سريع، واضح، قابل للتكرار، ولا يحتاج إلى جهد كبير لفهمه.
أما الحقيقة، فتأتى غالبًا بإيقاع مختلف: أبطأ، وأكثر ترددًا، ومتعددة الزوايا، وتحتاج إلى وقت كى تتكشف. وهو وقت لا تمنحه هذه البيئة بسهولة.. لكن الأخطر أن هذه البيئة لا تُشعر الإنسان بأنه يخطئ. وتمنحه إحساسًا دائمًا بالفهم.
مع هذا التراكم، يقترب الوهم من أن يصبح جزءًا من طريقة رؤية العالم نفسها. فالعالم الذى يمر عبر الشاشات لا يُرى فى تعقيده الكامل، بقدر ما يُعاد ترتيبه فى صورة أسرع، أكثر وضوحًا، وأكثر قابلية لتقبّل الوهم داخله.

لماذا نُفضّل الوهم؟
لا يتوقف الأمر عند تصديق الوهم، ويمتد إلى ما هو أعمق: التمسك به. فالفكرة، فى لحظة ما، تتحول من مجرد تفسير عابر، وتدخل تدريجيًا فى طريقة فهم العالم، ثم تقترب— بهدوء— من صورة الإنسان عن نفسه. ومع هذا التداخل، يصبح التراجع أكثر تعقيدًا من مجرد تعديل رأى.
لذلك، لا يُقابل الدليل دائمًا بالمراجعة، بقدر ما يُستقبل أحيانًا بالمقاومة. لأن الاعتراف بالخطأ لا يفتح بابًا معرفيًا فقط، بل يوقظ أسئلة أثقل: كيف صدّقت؟ لماذا تمسّكت؟ ماذا تجاهلت؟
ولأنها أسئلة لا تتعلق بالفكرة وحدها، بل بصورة الإنسان عن نفسه أيضًا. يتحول الخطأ من مسألة فكرية إلى تجربة شخصية. ويرتبط الأمر بالإحساس المصاحب لها، إحساس بأن الصورة التى استقر عليها الإنسان قد تهتز، وأن ما بدا واضحًا لم يكن كذلك تمامًا.
يبدو التمسك بالوهم أحيانًا أكثر راحة من التراجع عنه، لأنه يحافظ على تماسك ما بُنى بالفعل، ويُبقى الصورة مستقرة دون الحاجة إلى تفكيكها وإعادة ترتيبها من جديد.
ويظهر ذلك بوضوح فى النقاشات اليومية. فكرة يتم الدفاع عنها، لا لأنها الأكثر دقة، لكن لأنها تحولت مع الوقت إلى «موقف». ومع هذا التحول، يتحرك السؤال بهدوء من «ما الصحيح؟» إلى «من على صواب؟»
لتتداخل الفكرة مع الهوية نفسها. فيتحول التفسير من مجرد رأى يمكن مراجعته، ليصبح جزءًا من صورة الإنسان عن ذاته. ومع هذا التداخل، يبدو التراجع أقرب إلى التنازل منه إلى التصحيح.
غير أن هذا التمسك لا ينشأ من الفراغ. فالإنسان لا يتعلق بشىء لا يمنحه شيئًا فى المقابل. ومع الوقت، يتغير السؤال بهدوء: لماذا نتمسك؟.. إلى: ماذا يمنحنا هذا التمسك؟
فالتمسك بالوهم ليس فقط خوفًا من التراجع، أحيانًا يكون راحة فى البقاء. لأن الوهم، فى صورته الهادئة، لا يربك، ولا يفتح أسئلة لا نهاية لها. يمنح معنى جاهزًا، وإحساسًا سريعًا بالوضوح.
فى حين تأتى الحقيقة، بإيقاع مختلف. لا تُغلق الباب تمامًا، تترك احتمالات، وتفتح زوايا متعددة، وتؤجل الإجابة أحيانًا. ومع هذا الاتساع، يصبح اليقين أقل راحة، حتى لو كان أكثر صدقًا.
كما ترتبط المسألة أيضًا بقدرتنا على احتمال ما نعرفه. لأن المعرفة، حين تكتمل، لا تأتى دائمًا بالطمأنينة. أحيانًا توسّع مساحة الأسئلة، وتضع الإنسان أمام تعقيد لا يملك له اختصارًا.
لهذا، لا يتحرك الإنسان نحو الحقيقة فى خط مستقيم. يقترب منها بقدر، ويتراجع بقدر، ويختار— فى لحظات كثيرة— القدر الذى يمكنه احتماله منها دون أن يختل توازنه.
وينعكس ذلك فى تفاصيل صغيرة، لكنها كاشفة. فكرة نفهمها، ثم نؤجل النظر فيها. حقيقة نعرفها، لكننا نختار ألا نتوقف عندها طويلًا. تفسير يبدو مقنعًا، فنكتفى بجزء منه، ونترك الباقى معلّقًا. كأن الفهم نفسه يحتاج إلى مساحة يتدرج داخلها، لا إلى اكتمال يأتى دفعة واحدة.
هنا لا تكون المشكلة فى المعرفة، بل فى توقيتها، فى كثافتها، فى قدرتنا على استقبالها. فليس كل وضوح مريحًا، وليس كل كشف مطمئنًا. وبعض ما نعرفه، لو تُرك كاملًا، قد يغيّر أكثر مما نرغب فى تغييره
وفى هذه المسافة، يقترب الوهم كمساحة فاصلة. منطقة بين المعرفة الكاملة والجهل الكامل، تسمح للإنسان أن يبقى، دون أن يواجه كل شىء دفعة واحدة.. فضاء يخفف حدة التعقيد، ويمنح الإنسان قدرًا من الاتزان أمام عالم لا يأتى دائمًا فى صورة يمكن احتمالها بسهولة.
ربما هذا ما يجعل التراجع صعبًا. لأن ما يُترك خلفه ليس فكرة فقط، بل هو إحساس كامل بالوضوح، وبالقدرة على الإمساك بالعالم، حتى لو كان هذا الإمساك هشًا. فبعض الحقائق لا يُربك لأنه غامض.. بل لأنه واضح أكثر مما نحتمل.







