الجمعة 10 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

وهم الكتلة الواحدة.. أسرار الشيعة فى إيران

حرف

تفصيلة تبدو للوهلة الأولى عابرة، لكنها، إذا ما أُعيد تأملها قليلًا، تكشف عن لحظة فاصلة، وتمنحنا مدخلًا أقرب لالتقاط مشهد كان يتشكل بهدوء قبل أكثر من ثلاثة عقود.

هناك، فى قلب التحولات التى رافقت الثورة الإيرانية، تبدأ حكاية إريك رولو رئيس تحرير صحفية «لوموند» الفرنسية مع روح الله الخمينى. حكاية تُروى عادة باعتبارها واقعة صحفية، غير أنها، عند الاقتراب منها، تتجاوز هذا الإطار الضيق، وتلمس ما هو أعمق من مجرد حوار عابر.

قبل انتصار الثورة، نجح رولو فى أن يمد خيط اتصال مباشر مع رجل يعيش فى المنفى. وفى تلك اللقاءات، كان الخمينى يتحدث العربية بطلاقة، كأنه يوجّه خطابه إلى ما يتجاوز الداخل الإيرانى، مستدعيًا فضاءً إسلاميًا أوسع من حدود الدولة.

ثم تغيّر كل شىء، أو هكذا بدا. عاد الخمينى إلى طهران، لا بوصفه معارضًا، وإنما كقائد استقرت الثورة بين يديه. اللقاء التالى جاء، فى ظاهره، امتدادًا طبيعيًا لما سبقه. كتب رولو أسئلته بالعربية، مستندًا إلى ما سمعه من قبل، وانتظر أن تأتيه الإجابات على الإيقاع ذاته.

غير أن التفاصيل، تلك التى تبدو هامشية، كانت تقول شيئًا آخر. الإجابات لم تُقدَّم مباشرة، جاءت عبر الترجمة، وبحضور مسئول من وزارة الإعلام، مع الإشارة إلى أن الأسئلة ينبغى نقلها إلى الفارسية أولًا.

لحظة قد تبدو إجرائية، لكنها تحمل دلالة أبعد: فإيران لا تطرح نفسها كدولة شيعية فقط، بل كمرجعية وحامية للشيعة فى الإقليم؛ صوت يتحدث باسمهم، ويعيد ترتيب حضورهم داخل معادلات السياسة. إلا أن هذه الصورة، فى اتساعها الظاهر، تكشف- عند وضعها إلى جوار تلك الواقعة- قدرًا من التباعد، وتطرح تساؤلات حول مدى تطابق هذا «التمثيل» مع واقع الشيعة خارج إيران. وأين يقف الشيعة العرب تحديدًا داخل هذا التصور؟

الشيعة كـ«كيان واحد».. كيف يُبنى الخطاب؟

منذ اللحظة التى خرج فيها خطاب الثورة الإيرانية إلى المجال العام، لم يكن موجّهًا إلى الداخل وحده، إذ حمل معه تصورًا يتجاوز حدود الدولة، ويعيد تعريف العلاقة بين الجماعة ومجالها.

غير أن ما يلفت الانتباه هنا لا يتعلق فقط باتساع هذا الخطاب، بقدر ما يتصل بطريقة بنائه؛ إذ يُقدَّم الشيعة فيه كجماعة قابلة للتجميع، يمكن الإشارة إليها بصيغة واحدة، والتحدث باسمها، والتحرك عبرها.

عندما نتأمل هذا الخطاب فى مراحله الأولى، سنجد أن مفردات بعينها تتكرر: «المستضعفون»، «الأمة»، «الامتداد»، وهى مفردات لا تصف واقعًا قائمًا بقدر ما تعيد ترتيبه، وتمنحه درجة من التماسك، تجعل الجماعات المتباينة تبدو أقرب إلى كيان واحد.

هذا التشكيل لا يقف عند حدود الخطاب الإيرانى، بل يجد امتداده داخل لغة دينية أوسع؛ حيث يُستدعى الشيعة، فى أكثر من سياق، بوصفهم جماعة لها تاريخ مشترك ومصير واحد، وهو ما يمنح الخطاب أرضية جاهزة يمكن البناء عليها سياسيًا.

فى أدبيات روح الله الخمينى، يظهر هذا المعنى بوضوح؛ إذ لا يُخاطَب الشيعة بوصفهم جماعات داخل دول، بل كامتداد يتجاوز الجغرافيا، ويتحرك داخل تصور جامع يسمح بإعادة ترتيب المجال وفق هذه الرؤية. يقول الخمينى: «نعتبر شيعة لبنان وإيران وجميع المسلمين فى العالم شيئًا واحدًا»، وهى صياغة لا تكتفى بالإشارة إلى رابطة دينية، بقدر ما تعيد تقديم هذه الجماعات ككيان متصل. ويأخذ هذا المعنى بعدًا أوضح حين يدعو إلى «الانضواء تحت راية حزب واحد»، ثم يتسع أكثر فى خطابه إلى «المستضعفين فى العالم»، قبل أن يتحول إلى مشروع عملى فى حديثه عن «تصدير الثورة إلى جميع البلدان الإسلامية».

ولا يتوقف هذا التصور عند لحظة التأسيس، بل يستمر فى خطابات لاحقة تعيد إنتاج الفكرة نفسها بصيغ مختلفة؛ ففى حديث على خامنئى، لا تُقدَّم إيران بوصفها دولة داخل حدودها، بل ككيان يمتد إلى «العالم الإسلامى»، وهى صياغة تُبقى على فكرة المجال المفتوح أكثر مما تحيل إلى حدود سياسية واضحة.

ومن ثم، تأتى التصريحات اللاحقة امتدادًا طبيعيًا لهذا البناء؛ فعندما يتحدث على يونسى عن أن «بغداد عاصمة الإمبراطورية الإيرانية»، تبدو العبارة كاشفة لطريقة النظر إلى المجال، حيث تُقرأ الجغرافيا من داخل تصور يمنح هذا الامتداد معنى سياسيًا.

وتتكرر الفكرة فى حديث على رضا زاكانى عن حضور إيران فى أكثر من عاصمة عربية، حيث يطرح هذا الحضور بوصفه حركة داخل مجال متصل أكثر منه علاقات بين دول منفصلة. وإذا اقتربنا أكثر، ينعكس هذا البناء بشكل أوضح فى حديث حسن روحانى عن المفاوضات النووية، حيث يُقدَّم الحضور فى العراق وسوريا كعنصر قوة، وهو ما يكشف كيف يتحول هذا «الامتداد» إلى أداة تُستخدم داخل حسابات السياسة.

هذه النماذج، على اختلاف توقيتاتها الزمنية، تتحرك داخل فكرة واحدة؛ إعادة تقديم الشيعة كجماعة يمكن الحديث عنها بصيغة عامة، والتصرف باعتبارها مساحة قابلة للتوظيف.

وتكتسب هذه الصورة قوتها من التكرار، ومن اعتمادها على لغة دينية مألوفة، تمنحها قدرًا من القبول، وتجعلها تبدو أقرب إلى الواقع مما هى عليه. غير أن الاقتراب من التفاصيل يكشف طبقات أخرى؛ إذ يتشكل التشيّع عبر مسارات متعددة، تتداخل فيها المرجعيات، والتجارب المحلية، وطبيعة العلاقة مع الدولة فى كل سياق.

هنا، تبدو فكرة «الكتلة» أقرب إلى بناء لغوى مستقر، أكثر منها انعكاسًا مباشرًا لما يحدث على الأرض، حيث تعمل اللغة على جمع ما هو متفرق، وتقديمه فى صورة واحدة، يسهل التعامل معها، وتوظيفها داخل الخطاب.

ولكن حين ننتقل من مستوى اللغة إلى الواقع، تبدأ هذه الصورة فى فقدان تماسكها تدريجيًا؛ إذ تظهر الاختلافات فى تعريف الدور، وفى طبيعة العلاقة مع السلطة، وفى موقع كل جماعة شيعية داخل مجتمعها.

ولا يتوقف التباين عند حدود المرجعيات، إذ يتسع ليشمل طريقة فهم الدين، وصورة الجماعة عن نفسها، وموقعها داخل الدولة، وهى مستويات لا تنتظم فى مسار واحد، ولا تستقر على وتيرة واحدة.

وهو ما يجعل «الكتلة الواحدة» أقرب إلى صيغة يصوغها الخطاب، أكثر منها توصيفًا دقيقًا، ثم يعاد اختبارها فى الواقع. . حيث تأخذ مسارات متعددة، لا يجمعها اتجاه واحد.

الخطاب الإيرانى يقدم الشيعة كجماعة واحدة يمكن الحديث عنها بصيغة عامة والتصرف باعتبارها مساحة قابلة للتوظيف

النجف مقابل قم.. المرجعيات تكشف هشاشة الكتلة

إذا بدا الحديث عن «الشيعة» بوصفهم كتلة واحدة ممكنًا داخل بعض الخطابات، فإن الاقتراب من بنية المرجعيات يفتح مستوى مختلفًا؛ لا يتعلق بالسياسة وحدها، بقدر ما يرتبط بكيفية تعريف الدين نفسه، والدور الذى يمكن أن يلعبه داخل المجال العام.

ولعل ما يميز التشيّع، فى هذا السياق، أنه لم يتشكل تاريخيًا حول مؤسسة مركزية واحدة، أو سلطة دينية تحتكر تعريفه، وإنما عبر تقليد يقوم على تعدد الفقهاء، واختلاف مدارسهم، وحق كل مكلّف فى اختيار من يقلّده. بما يعنى أن المرجعية، فى أصلها، ليست سلطة تُفرض من أعلى، بقدر ما هى علاقة اختيار وثقة، تتشكل بين الفقيه وأتباعه، وهو ما يجعل التعدد جزءًا من البنية، لا استثناءً عليها.

فى النجف، تتضح ملامح هذا التصور بشكل أكثر تحديدًا، إذ تقوم المرجعية هناك على فكرة الاحتفاظ بمسافة من السلطة، بحيث يظل الفقيه حاضرًا بوصفه موجّهًا ومرشدًا، يتدخل فى اللحظات المفصلية، دون أن يتحول إلى حاكم مباشر. ويظهر هذا فى مفهوم «المرجعية غير المتصدّية»، حيث لا تسعى المرجعية إلى إدارة الدولة، بل إلى التأثير فى مسارها من خارجها.

فى هذا الإطار، تظل العلاقة بين الدين والسياسة علاقة تماس لا اندماج؛ الدين حاضر فى توجيه المجال العام، لكنه لا يبتلعه، ولا يعيد تعريفه بالكامل، حيث يصبح دور الفقيه أقرب إلى الضبط الأخلاقى، أو التوجيه العام، دون أن يمتد إلى تفاصيل الإدارة اليومية للدولة. وتقدم تجربة على السيستانى مثالًا واضحًا على هذا المسار؛ إذ يظهر تأثير المرجعية فى لحظات حاسمة، من الدعوة إلى المشاركة السياسية بعد ٢٠٠٣، إلى ضبط إيقاع الشارع فى أوقات الأزمات، من دون أن تتحول إلى سلطة تنفيذية تدير الدولة أو تحتكر قرارها.

على الجانب الآخر، فى قم، تتبلور رؤية مختلفة، أعادت تعريف العلاقة بين الدين والسلطة من جذورها، خاصة مع طرح روح الله الخمينى لفكرة «ولاية الفقيه». ففى هذا التصور، لا يبقى الفقيه خارج السلطة، بل يصبح جزءًا من بنيتها، وفى موقع أعلى منها، يملك حق الإشراف والتوجيه، وتحديد الإطار العام الذى تتحرك داخله الدولة. ومن ثم، لا تعود العلاقة بين الدين والسياسة علاقة تأثير، وإنما علاقة اندماج، يُعاد فيها تعريف الدولة نفسها بوصفها تعبيرًا عن المرجعية، وتكون السياسة أحد مجالات اشتغالها المباشر.

يُضاف إلى ذلك أن هذا الاختلاف لا يقف عند حدود النظرية، ويمتد إلى آليات العمل نفسها. فى النجف، لا توجد بنية مركزية تُلزم الجميع بمرجع واحد، ويختار الأفراد من يقلّدونه، وهو ما يُبقى المجال مفتوحًا لتعدد الأصوات، واختلاف القراءات. أما فى النموذج المرتبط بقم، فتتجه الأمور نحو قدر أكبر من المركزية، حيث يتداخل الدينى مع المؤسسى، وتصبح هناك بنية أكثر تحديدًا لتنظيم العلاقة بين المرجعية والدولة.

عند وُضع هذين النموذجين جنبًا إلى جنب، بدت الفروق أعمق من مجرد اختلاف فى المواقف السياسية؛ إذ نحن أمام تصورين مختلفين لطبيعة السلطة نفسها: فى أحدهما، تُترك الدولة لتُدار بأدواتها، مع حضور دينى موجّه من الخارج.

وفى الآخر، يُعاد تعريف الدولة من داخل المرجعية، بحيث تغدو السياسة امتدادًا لها.

بيد أن ما يمنح هذا التباين وزنه الحقيقى أنه لا يبقى فى حدود الاختلاف النظرى، لكنه يتحول، بهدوء، إلى ما يشبه التنافس على تعريف الدور نفسه. إذ لا يقدم كل نموذج نفسه بوصفه مجرد احتمال بين احتمالات، وإنما كصيغة أقرب إلى تمثيل الدين فى المجال العام.

السؤال الآن لم يعد متعلقًا بكيفية إدارة العلاقة بين الدين والسياسة فقط، بل بمن يملك حق تعريف هذه العلاقة. فى النجف، تُطرح المرجعية بوصفها حارسة للتوازن، تقترب حين يلزم الأمر، وتبتعد حين يكون الاقتراب خطرًا على طبيعة دورها.

أما فى قم، فيُعاد تقديم المرجعية باعتبارها قادرة على قيادة المجال السياسى، لا الاكتفاء بتوجيهه، وهو ما يمنحها موقعًا مختلفًا داخل بنية السلطة.

بما يكشف أن كل نموذج لا يكتفى بتقديم نفسه، إنما يعيد، ضمنيًا، تعريف النموذج الآخر. ومن ثم، لا يكون الاختلاف قائمًا فقط فى الإجابة، بل فى صياغة السؤال ذاته: هل الدين موجّه.. أم قائد؟ هل يكتفى بالضبط.. أم يتولى الإدارة؟

وإذا نظرنا إلى هذا التباين من زاوية أوسع، بدت فكرة «الكتلة الواحدة» أكثر هشاشة مما توحى به بعض الخطابات. إذ لا يمكن لكيان يُفترض أنه متماسك أن يحتوى على تعريفين مختلفين للدين، دون أن ينعكس ذلك على مساراته المختلفة. ولا يكون تفكك تصور «الكتلة الواحدة» نتيجة لعوامل خارجية فقط، بقدر ما يظهر كحقيقة كامنة داخل البنى ذاتها. كما لا يفترض الحديث عن وحدة سياسية، فى ظل هذا التباين فى فهم السلطة نفسها. لم يقتصر أثر الاختلاف بين المرجعيات على قدرة الانتماء المذهبى على إنتاج مسار واحد للكتلة، بل امتد ليُسهم فى تحديد موقع الشيعة العرب منه، وطبيعة العلاقة مع إيران.

لحظات انكسار «الوهم».. الشيعة العرب هوية لا تذوب

إذا كان اختلاف المرجعيات قد كشف عن تعدد فى تعريف الدين نفسه، فإن الاقتراب من الشيعة العرب يفتح مستوى آخر من التعقيد؛ تتحرك فيه الجماعات داخل دولها، وتعيد صياغة انتمائها المذهبى فى ضوء سياقات وطنية، لا يمكن اختزالها فى إطار واحد.

ما يلفت الانتباه هنا أن الانتماء المذهبى، رغم حضوره، لا يعمل بوصفه المحدد الوحيد للسلوك السياسى أو الاجتماعى، وإنما يدخل فى علاقة مركبة مع عناصر أخرى، تتقدم أحيانًا وتتراجع أحيانًا، وفق ما تفرضه التجربة المحلية لكل مجتمع ما يجعل فكرة المسار الواحد أقل قدرة على تفسير ما يحدث على الأرض.

لا يمكن لكيان يُفترض أنه متماسك أن يحتوى على تعريفين مختلفين للدين

فى العراق، حيث يشكّل الشيعة من ٦٠٪ إلى ٦٥٪ من السكان، لا تتحرك الجماعة داخل إطار واحد، بل عبر تيارات متعددة، تتباين فى رؤيتها للدولة، وفى طبيعة علاقتها بالخارج.

ويظهر ذلك بوضوح فى التداخل بين مرجعية النجف، بما تحمله من تصور يوازن بين الدين والدولة، وبين قوى سياسية تشكّلت داخل سياق ما بعد ٢٠٠٣، لكل منها مسار مختلف.

فمن جهة، برزت أحزاب مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى الإسلامى العراقى، وهى قوى شاركت فى بناء النظام السياسى بعد ٢٠٠٣، وتحركت داخل توازنات معقدة، جمعت بين البعد المذهبى وحسابات الدولة.

ومن زاوية أخرى، ظهر التيار الصدرى بوصفه تعبيرًا مختلفًا؛ إذ لم يقدّم نفسه كامتداد لمركز خارجى، بقدر ما استند إلى قاعدة اجتماعية داخلية، وتحرك داخل خطاب يميل إلى التأكيد على الاستقلال الوطنى، وهو ما انعكس فى مواقفه المتغيرة من النفوذ الإيرانى، بين التقارب أحيانًا، والاحتكاك فى لحظات أخرى.

لحظات الاختبار كشفت عن حدود الانتماء المذهبى حين يُطرح بوصفه محددًا وحيدًا. ففى موجات الاحتجاج التى شهدها العراق منذ ٢٠١٩، خرجت قطاعات واسعة من الشباب الشيعى فى مواجهة قوى سياسية يفترض أنها تمثلهم وشاركت فى السلطة بعد ٢٠٠٣، إلى جانب فصائل مسلحة ارتبطت بالنفوذ الإيرانى، حيث امتد الرفض ليشمل النفوذ الإيرانى نفسه وتتقدم أولويات تتصل بالدولة والفساد وطبيعة النظام السياسى، فى مشهد يصعب تفسيره داخل فكرة «الكتلة» أو الامتداد الواحد. إذ تكشف اللحظة عن أن ما يبدو متماسكًا فى اللغة يتفكك عند أول احتكاك مباشر بالواقع.

ويزداد هذا التباين وضوحًا إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن النجف لا تمثل فقط مركزًا دينيًا، بل تحمل ثقلًا تاريخيًا أقدم وأعمق فى بنية التشيّع، وهو ما يمنحها حضورًا خاصًا فى وعى الجماعات الشيعية العربية. ومن ثم، لا يبدو الانتقال إلى نموذج آخر للمرجعية أمرًا تلقائيًا، إذ يرتبط هذا الحضور بتاريخ طويل من الاستقلال النسبى عن السلطة، وهو ما يجعل كثيرًا من هذه الجماعات أكثر ميلًا إلى هذا النمط، وأقل تقبلًا لصيغة تدمج المرجعية داخل بنية الدولة بشكل مباشر.

إذًا لا يمكن قراءة الموقف الشيعى فى العراق بوصفه امتدادًا مباشرًا لأى مركز خارجى أو كتلة خارجية، بقدر ما يتشكل داخل معادلة محلية معقدة، تتداخل فيها السلطة، والهوية، والصراع على المجال العام.

وتتخذ الصورة فى لبنان شكلًا مختلفًا، لكنها لا تقل تعقيدًا. إذ يتحرك الشيعة داخل نظام سياسى قائم على التوازنات الطائفية، حيث يصبح الانتماء جزءًا من توزيع السلطة داخل الدولة، لا مجرد هوية دينية منفصلة عنها. ومع ذلك، لا تختزل هذه البنية المجتمع الشيعى فى اتجاه واحد، وتظهر داخله تباينات اجتماعية وسياسية، تعكس اختلاف المواقع داخل الدولة، واختلاف الرهانات المرتبطة بها.

وقد أكدت احتجاجات ٢٠١٩ بدورها لحظة مشابهة، حيث برزت مسافة بين الشارع الشيعى والقوى التى تمثله، وظهرت مطالب تتصل بالوضع الاقتصادى وبنية الدولة، دون أن تتحرك بالضرورة داخل الإطار الطائفى التقليدى. بما يعنى أن الانتماء، رغم حضوره، لا يمنع تشكّل مواقف تتجاوزه، حين تتغير طبيعة الأولويات.

كما يكشف النظر إلى الشيعة العرب خارج هذين النموذجين عن تنوع لا يقل أهمية. فى السعودية، على سبيل المثال، تتحرك الجماعات الشيعية داخل إطار دولة ذات بنية مختلفة، حيث تتقدم قضايا المواطنة والاندماج، وتتراجع فكرة الارتباط الخارجى بوصفها المحدد الأساسى. ومن ثم، تتشكل العلاقة مع الدولة ومع المجال العام داخل سياق وطنى بالدرجة الأولى، لا داخل امتداد مذهبى عابر للحدود.

وعند وضع هذا التنوع فى سياق واحد، تغدو الصورة أبعد ما تكون عن فكرة الكتلة المتماسكة، إذ لا ينتج الانتماء المذهبى، فى حد ذاته، مسارًا سياسيًا واحدًا، ولا يفرض على الجماعات اتجاهًا محددًا، بقدر ما يدخل فى تفاعل مع بيئات مختلفة، تعيد تشكيله وفق شروطها الخاصة، ولعل ما يكشفه هذا التباين لا يتعلق فقط باختلاف المواقف، بل بطبيعة الهوية نفسها، إذ لا يتحرك الشيعة العرب بوصفهم امتدادًا مذهبيًا جاهزًا، بقدر ما يعيدون تعريف أنفسهم داخل دولهم، وفى ضوء تجاربهم الخاصة، وهو ما يجعل العلاقة مع أى مركز خارجى علاقة قابلة لإعادة التفاوض، وليست ثابتة أو محسومة.

غير أن ما يمنح هذا المشهد عمقه الحقيقى، لا يتوقف عند حدود الدولة أو السياسة فقط، ويمتد إلى مستوى آخر، تتقدم فيه الهوية القومية بوصفها عاملًا لا يمكن تجاهله، حيث لا ينغلق الشيعة العرب داخل انتماء مذهبى خالص، بقدر ما يتشكل وعيهم داخل انتماء عربى، يفرض حضوره حين تتقاطع المصالح، ويعيد ترتيب العلاقة مع أى مشروع ذى طابع مختلف.

هنا، لا يبدو التباين مجرد اختلاف فى المواقف، بقدر ما يعكس توترًا أعمق، يتصل بالمسافة بين هوية عربية وأخرى فارسية، تظهر أحيانًا فى شكل خلاف سياسى، وأحيانًا فى صورة حساسية تجاه الهيمنة أو التوجيه الخارجى.

إن ما يجعل فكرة «الكتلة الواحدة» أقل قدرة على الصمود خارج الخطاب؛ أنها لا تتفكك فقط بفعل اختلاف المصالح، بل أيضًا بفعل اختلاف ما هو أعمق.. اللغة، والانتماء، والتاريخ المرجعى نفسه. فلا يكون عدم الذوبان استثناءً، بقدر ما يصبح القاعدة؛ حيث لا تذيب العقيدة ما تشكّله الهوية، ولا يكفى الانتماء وحده لإنتاج مسار واحد، فى واقع تتعدد فيه الانتماءات بقدر ما تتنوع التجارب.

«العرب» فى المناهج.. حدود التناقض بين الخطاب والصورة

بينما يقدّم الخطاب الإيرانى الشيعة بوصفهم كتلة واحدة تتجاوز الفروق القومية، تذهب صورة العربى فى المناهج الإيرانية فى اتجاه مغاير تمامًا، يكشف حدود التناقض ما بين صوت يوحّد فى الظاهر، وبناء ذهنى يُرسّخ الفارق منذ البدايات.

ولأن صورة «الآخر» فى الوعى العام لا تبدأ من لحظة الصراع، بل تتشكل مبكرًا، فى المدرسة، حيث تُغرس التصورات الأولى، وتُعاد صياغتها تدريجيًا، حتى تصبح جزءًا من الإدراك الطبيعى للعالم. فإن صورة العرب فى المناهج الإيرانية لا تعد انعكاسًا مباشرًا لسياسة راهنة، بقدر ما تظهر كنتاج بناء طويل، يتدرج من البساطة إلى التعقيد، ومن الإيحاء إلى التثبيت.

ويكشف كتاب صورة العرب فى الكتب المدرسية الإيرانية للباحث نبيل العتوم أن العربى لا يُقدَّم داخل هذه المناهج بوصفه عنصرًا ضمن فضاء حضارى مشترك، بل داخل إطار مقارن، تُبنى فيه الهوية الإيرانية على أساس التمايز، لا التداخل.

فى المرحلة الابتدائية، تبدأ الصورة فى شكلها الأكثر بساطة، لكنها تحمل دلالة عميقة، العربى يُختزل فى نموذج واحد: بدوى يعيش فى الصحراء، مرتبط بالجمل والخيمة، وهى صورة تبدو بريئة فى ظاهرها، إلا أنها تؤسس لنمط ذهنى ثابت، يحصر مجتمعًا كاملًا فى حالة بدائية، ويضعه خارج مسار التطور.

ثم تأخذ الصورة فى المرحلة الإعدادية سياق أكثر حدة، حيث لا يعود العربى مجرد بدوى، بل يمثل قبائل متناحرة، تعيش على السلب والنهب، تحتكم إلى القوة، وتفتقد إلى التنظيم، وهى صورة لا تكتفى بوصف الواقع، بل تعيد تشكيله داخل إطار يعزز فكرة الفوضى مقابل النظام.

فى المقابل، تظهر الشخصية الإيرانية داخل هذه المناهج فى صورة مغايرة تمامًا، مزارع، تاجر، عالم، أو محارب منظم، يملك القدرة على البناء، وهو ما يخلق ثنائية واضحة: العربى يساوى الفوضى والبداوة بينما الإيرانى يعكس النظام والحضارة.

ولا تُبنى هذه الثنائية عبر النصوص فقط، إنما أيضًا من خلال الرسوم المصاحبة، وطبيعة الأمثلة، والأدوار التى تُسند لكل طرف، وهو ما يجعلها أكثر رسوخًا فى الوعى، لأنها لا تُقرأ فقط، ولكن تُرى وتُتخيل.

أما فى المرحلة الثانوية، فتصل السردية إلى مستوى أكثر وضوحًا، إذ لا يُقدَّم العربى فقط كأقل تطورًا، إنما كمجتمع يعانى التخلف الأخلاقى والاجتماعى، فى مقابل صورة إيرانية تُبنى بوصفها أكثر نقاءً وتماسكًا مما يجعل المقارنة ليست مجرد اختلاف، بل تتحول إلى تراتبية ضمنية، تضع الفارسى فى موقع أعلى.

ويكتسب هذا الطرح بعدًا أكثر حساسية فى كتب التاريخ، لا سيما فى تناول الفتح الإسلامى، حيث يُعاد تقديم الحدث بوصفه لحظة تراجع للحضارة الفارسية، لا تحولًا تاريخيًا مركبًا. ومن ثم يظهر الفتح الإسلامى بوصفه «اجتياحًا واحتلالًا»، مع تقديم العرب كـ«غزاة طامعين» وهو ما يعيد تثبيت فكرة أن الآخر كان سببًا فى فقدان مجد سابق.

فى حين لا يظهر العالم العربى فى كتب الجغرافيا بوصفه إطارًا طبيعيًا للانتماء، تميل هذه المناهج إلى إعادة ترتيب المجال الجغرافى عبر التركيز على دوائر بديلة، مثل آسيا الوسطى والقوقاز، مع تغييب شبه كامل لفكرة «العالم العربى» كوحدة جغرافية قائمة بذاتها، وهو ما يعيد، بشكل غير مباشر، تعريف موقع إيران خارج هذا الامتداد.

المفارقة هنا أن هذه الصورة لا تُطرح فى مواجهة مباشرة مع الانتماء الدينى، بل تتحرك بجواره، إذ يمكن أن يتعلم الطالب أنه ينتمى إلى مذهب مشترك مع العرب، وفى الوقت نفسه يتلقى صورة ذهنية تضع هذا «المشترك» فى مرتبة أدنى من الانتماء القومى. لذلك، لا يبدو الحديث عن «كيان واحد» قادرًا على الصمود أمام هذا التكوين، إذ كيف يمكن لوعى يتشكل منذ الطفولة على فكرة الفارق والتفوق، أن ينتج شعورًا بوحدة حقيقية؟

السرديات الشعبية تصور العربى فى الصحراء يأكل الجراد مثلما يشرب كلب أصفهان المياه المثلجة

 

وفى الأدب.. «الآخر» الذى يُحمَّل عبء السقوط

إذا كانت المناهج تبنى الصورة الأولى، فإن الأدب يكشفها دون حذر، حيث لا تبقى الفكرة ضمنية، وتظهر فى نصوص صريحة وسرديات متكررة، تُحمّل «العربى» موقعًا محددًا داخل الخيال الثقافى الإيرانى: ليس شريكًا... بل «آخر» تُبنى الذات الفارسية فى مواجهته.

ويكتسب كتاب «صورة العرب فى الأدب الفارسى» للباحثة جويا بلندل سعد أهمية خاصة، إذ لا يتوقف عند حدود رصد حضور العربى داخل النص، بقدر ما يكشف عن تحوّله إلى أداة تعريف، يُعاد من خلالها تشكيل الوعى بالذات الإيرانية وحدودها الرمزية. فالعربى يُستدعى بوصفه مرآة معكوسة، تُرى فيها الذات الفارسية وهى تعيد ترتيب صورتها عبر نفى الآخر أو تقليصه.

العربى فى الأدب الإيرانى ليس شريكًا... بل «آخر» تُبنى الذات الفارسية فى مواجهته

هذه الفكرة تتخطى حدود التنظير لتتجسد فى المتن الأدبى ذاته، قديمه وحديثه، حيث تتكرر صورة العربى فى هيئة نمطية تُثقلها دلالات النقص أو البدائية، فى مقابل ذات فارسية تُصاغ على نحو متعالٍ، أقرب إلى الاكتمال الثقافى والحضارى.

فى الأدب الكلاسيكى، كما فى ملحمة الشاهنامة، تنتهى الحكاية بسقوط الدولة الساسانية على يد العرب، وهو ما يرسّخ سردية فقدان حضارى، يُحمَّل للعربى داخلها دور مركزى. وفى نصوص أخرى يظهر العربى بوصفه أقل مدنية وأقل ثراءً، فى مقابل الإيرانى «المتحضر»، وهى ثنائية تتكرر فى أكثر من عمل.

وتأخذ شكلًا أكثر حدّة فى بعض الكتابات التى تعود إلى صعود النزعة القومية، حيث يُوصف العرب بأنهم: «بدو متوحشون... حفاة عراة» جاءوا من الصحراء ودمروا الحضارة الفارسية.هذا التوصيف لا يبدو استثناءً، بل يعكس اتجاهًا أوسع، يربط بين حضور العربى وبين فكرة «الانحدار»، فى مقابل تمجيد الماضى الفارسى السابق على الإسلام.

أما فى الأدب الحديث، فتستمر السردية، ولكن بصيغ أكثر وضوحًا. حيث لا يخفى الروائى محمد على جمال زاده سخرية من العربى، ويصف شخصية «الملا العربى» فى أحد نصوصه بصورة تهكمية لافتة، قائلًا إنه يشبه: «قطة بيضاء تقعد ملتوية على كيس من غبار الفحم».

كما يورد مثلًا شعبيًا ينتقص من العرب بشكل مباشر: «العربى فى الصحراء يأكل الجراد مثلما يشرب كلب أصفهان المياه المثلجة».

أما صادق هدايت، فتبدو الصورة لديه أكثر حدّة، إذ لا تكتفى بوصف العربى، وتمتد إلى اللغة نفسها، ساخرًا من العربية بوصفها لغة مليئة بـ«الضرب»، ويستحضر مشهدًا طفوليًا يقول فيه: بات شغلنا الشاغل ليلًا ونهارًا: صفع وضرب كل من اسمه زيد وعمرو... ثم يرسم صورة للعربيات وهن «يضربن بوحشية وقسوة»، فى مشهد يعكس تصورًا مشحونًا بالعنف.

فى حين يذهب صادق جوباك إلى مستوى أكثر صراحة، إذ يصف العربى بأنه: «منافق ودميـم ومتوحش» ويتجاوز ذلك إلى تحميله مسئولية ضياع التراث الفارسى، متسائلًا: «أين الكتابات الساسانية؟... لم يأتنا العرب بأى شىء، لقد دمروا كل ما لنا».

كما يتكرر الحضور نفسه فى الشعر بشكل أكثر كثافة، حيث يربط الشاعر مهدى أخوان بين سقوط الحضارة الإيرانية وظهور العرب، معتبرًا أن كل ما يرتبط بإيران القديمة «طاهر ونقى ومتألق»، فى مقابل طرح سلبى للعرب. أما نادر نادربور، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يقدم العرب بوصفهم «وحوشًا وغرباء متطفلين دمروا الحضارة الإيرانية».

وفى مستوى آخر، تُظهر السرديات الشعبية نفس الفكرة بشكل أكثر مباشرة، ففى سيرة «فيروز شاه»، يُقدَّم الملك الفارسى فى صورة المنتصر المتفوق، الذى يهزم العرب ويعلو عليهم، فى تأكيد رمزى لفكرة التفوق الفارسى، لا مجرد حكاية تاريخية.

ومع ذلك، لا تبدو هذه الرؤية مطلقة تمامًا، فبعض الأصوات، مثل الشاعرة طاهرة سفر زاده، تقدم معالجة مختلفة، ترى فيها العرب من خلال الإسلام، لا من خلال الصراع القومى، معتبرة أن الفتح الإسلامى كان «تحررًا»، وهو ما يكشف عن وجود اتجاه آخر، وإن ظل أقل حضورًا. لكن حضور هذه الاستثناءات لا يغير من الاتجاه العام، بقدر ما يؤكد أن السردية السائدة تميل إلى إعادة إنتاج التفوق الفارسى، سواء بشكل مباشر أو ضمنى.

ولعل المفارقة هنا أن تلك الصورة لا تُطرح فى مواجهة التشيّع، لكنها تتحرك بجواره، إذ يمكن أن يجتمع الانتماء المذهبى مع تصور ثقافى يرى فى الفارسية مركزًا، وفى العربى «آخر» أقل شأنًا.

أمام هذا التكوين، تتراجع مرة أخرى مزاعم «الكتلة الشيعية الواحدة»، فوعى يتشكّل عبر النصوص والخيال والتاريخ على ترسيخ الفارق لا يميل، مطلقًا، إلى إنتاج إحساس بوحدة متماسكة..

إيران.. مذهب يتكلم.. أم مصالح تتحرك؟

لا يتوقف التناقض فى الخطاب الإيرانى عند حدود الصورة الذهنية التى تُبنى فى المناهج أو الأدب، إذ يتسع إلى مستوى أكثر وضوحًا، حيث يظهر الفارق بين ما يُقال وما يُمارس على الأرض.

وبينما يُقدَّم الشيعة فى الخطاب بوصفهم امتدادًا واحدًا، تتحرك السياسة فى اتجاه آخر، يعيد تعريف الحضور وفق حسابات الدولة، لا وفق وحدة المذهب. حيث يترك هذا التباين أثره فى صياغة السؤال نفسه، فلا يعود متعلقًا بكيف يُصاغ الخطاب، بقدر ما ينصرف إلى كيفية توظيفه، وتلك اللحظة التى يتراجع فيها أمام منطق مختلف.

فى سوريا، خلال فترة حكم بشار الأسد، كان يصعب فهم الحضور الإيرانى بوصفه امتدادًا مذهبيًا خالصًا، إذ ارتبط بطبيعة التحالف مع النظام السياسى القائم آنذاك، وبموقع هذا التحالف داخل توازنات إقليمية معقدة. فقد تشكّل الحضور، حينها، داخل معادلة اتصلت بالنفوذ وإدارة المجال الإقليمى، بما جعل المصلحة السياسية عنصرًا حاضرًا بقوة فى تفسير هذا الدور.

وعندما ننتقل إلى اليمن، تتكرر الصورة نفسها، ولكن فى سياق مختلف، إذ لا يتحرك الدعم داخل إطار «حماية جماعة شيعية» بقدر ما يرتبط بطبيعة الصراع، وبما يمكن أن يمثله الفاعل المحلى داخل هذه المعادلة. ومن ثم، لا يبدو الانتماء المذهبى كافيًا لتفسير العلاقة، بقدر ما يدخل كعنصر ضمن عناصر متعددة، تتقدم أو تتراجع وفق السياق.

أما فى لبنان، فتبدو العلاقة أكثر استقرارًا، لكنها لا تخرج عن هذا الإطار، حيث تُقرأ بوصفها جزءًا من بنية سياسية أوسع، ترتبط بموقع البلد داخل صراع إقليمى ممتد، أكثر من كونها دعمًا لجماعة تشترك فى المذهب وهو ما يجعل العلاقة أقرب إلى تحالف سياسى منها إلى امتداد مذهبى مباشر.

ربما ما يجمع هذه الحالات لا يكمن فى اختلافها، بقدر ما يكشف عن نمط واضح: الخطاب يتحدث بلغة عامة عن امتداد وحماية، بينما يتحرك الفعل داخل حسابات دقيقة، تتصل بالدولة، وبالقدرة على التأثير، وبإدارة التوازنات.

لذلك، لا يبدو التناقض بين الخطاب والممارسة عرضيًا، بقدر ما يعكس طبيعة العلاقة بينهما، إذ يُستخدم الخطاب لتوسيع المجال، ومنح الفعل غطاءً معنويًا، بينما تُعاد صياغة هذا المجال حين تتحرك السياسة على الأرض.

لكن ما يلفت الانتباه أن هذا النمط يظهر فى طريقة التعامل مع الفاعلين أنفسهم، حيث لا يكون القرب أو الدعم مرتبطًا بالانتماء المذهبى وحده، بل بموقع كل طرف فى معادلة القوة والصراع، وهو ما يجعل العلاقة قابلة لإعادة التعريف فى كل مرحلة. ومن ثم، يتراجع الحديث عن «حامية الشيعة» من كونه توصيفًا دقيقًا، ليقترب من لغة تُستدعى حين تخدم الدور، وتخفت مع تغيّر الحسابات.

ولعل هذا ما يفتح الباب أمام سؤال أكثر حدة: إذا كان الخطاب يبنى صورة لكتلة واحدة، فمتى يظهر الحد الذى يتوقف عنده هذا الخطاب... وتبدأ الدولة فى التحرك وفق منطقها الخاص؟ الإجابة لا تأتى من اللغة وحدها، بل من تلك اللحظة التى تتعارض فيها المصلحة مع الانتماء المذهبى.. وهناك تحديدًا، تميل الصورة إلى قدر أكبر من الوضوح.

أذربيجان وأرمينيا.. اختبار المذهب أمام حسابات الدولة

إذا كان التناقض بين الخطاب والممارسة يظهر فى أكثر من ساحة، فإن لحظة أذربيجان وأرمينيا تكشفه بأوضح صورة ممكنة، هنا لا يتعلق الأمر بتحليل خطاب، أو بتأويل سلوك، ولكن بواقعة مباشرة، يصعب تجاوز دلالتها.

فى هذه الحالة، تقف إيران أمام معادلة تبدو، فى ظاهرها، بسيطة: دولة ذات أغلبية شيعية، هى أذربيجان، فى مواجهة دولة مسيحية، هى أرمينيا. وفق منطق «الكتلة الواحدة» الذى يطرحه الخطاب، تكون الإجابة محسومة سلفًا.

لكن ما يحدث على الأرض يسير على نحو مغاير تمامًا. فقد تحركت إيران كدولة تعيد حساباتها داخل معادلة إقليمية أكثر تعقيدًا، وتراجع خطاب «حامية الشيعة» أمام اعتبارات أخرى.

المشهد لايحتاج إلى تأويل طويل، أو قراءة مركبة، هنا تسقط الفكرة ببساطة، وبشكل مباشر، دولة شيعية، هى إيران، لا تنحاز إلى دولة شيعية مثل أذربيجان، وتميل إلى دعم دولة مسيحية، هى أرمينيا.

كما أن المفارقة هنا ليست عابرة، لكنها لحظة كاشفة، تضع الخطاب كله أمام اختبار الواقع.فأذربيجان، على المستوى المذهبى، تمثل واحدة من أكبر الدول الشيعية فى العالم، وتشترك مع إيران فى نفس الجذر التاريخى للتشيّع، ومع ذلك، لم يتحول الاشتراك إلى أساس للتحالف.

فإذا ما اقتربنا من التفسير، تتكشف طبقة أعمق، ليست لها علاقة بالمذهب بقدر ما ترتبط بما هو أخطرالقومية، والأمن، والجغرافيا.

أول هذه العوامل يتصل بالخوف من الداخل، إذ يعيش داخل إيران ملايين من الأذريين، يشكلون كتلة بشرية كبيرة، مرتبطة لغويًا وثقافيًا بأذربيجان المجاورة.

ومن ثم، فإن صعود دولة أذربيجان قوية، أو انتصارها فى صراع إقليمى، لا يُقرأ فى طهران بوصفه حدثًا خارجيًا فقط، بل كاحتمال قد ينعكس داخل الحدود، ويعيد طرح سؤال الهوية والانتماء. ولهذا، لم يكن غريبًا أن تميل إيران إلى موازنة هذا الصعود.

يُضاف إلى ذلك عنصر آخر، أكثر أهمية، أذربيجان ليست مجرد دولة شيعية، بل دولة تتحرك داخل تحالفات بعيدة عن إيران، علاقات وثيقة مع تركيا، انفتاح على الغرب، وتعاون أمنى مع إسرائيل، وهو ما تنظر إليه طهران باعتباره تهديدًا مباشرًا.

هنا، لا يصبح الانتماء المذهبى عنصرًا حاسمًا، بقدر ما يتراجع أمام شبكة علاقات تُعيد تعريف موقع الدولة داخل الإقليم.

فى المقابل، تمثل أرمينيا، رغم اختلافها الدينى، شريكًا أكثر قابلية للاحتواء، دولة لا تشكل تهديدًا قوميًّا، وتفتح لإيران منفذًا جغرافيًا مهمًا، كما تمثل ممرًا اقتصاديًا واستراتيجيًا فى ظل العزلة والعقوبات.

العلاقة بين الطرفين تجاوزت التنسيق السياسى، وامتدت إلى تعاون اقتصادى وأمنى، وتدريبات عسكرية مشتركة فى بعض الفترات، وهو ما يكشف أن المسألة صارت خيارًا مستقرًا أكثر من كونها موقفًا عابرًا

إن ما يمنح هذه الحالة ثقلها لا يكمن فقط فى طبيعة القرار، لكن فى وضوح منطقه، فإيران لم تتصرف كمرجعية دينية تبحث عن امتداد مذهبى، إنما كدولة تحسب حدودها، وتدير مخاوفها، وتوازن علاقاتها.

هنا، لا يبدو المشهد استثناءً، بقدر ما يكشف القاعدة، فعندما يتقاطع المذهب مع القومية، تتقدم الثانية، وحين تتعارض العقيدة مع الأمن، يُعاد ترتيب الأولويات.

حدود اللحظة لا تهدم الخطاب بالكامل، لكنها تضعه فى حجمه الحقيقى، كأداة يمكن استخدامها وتوظيفها وتكشف أن ما يسمى «بالكتلة الشيعية» غير قابلة للتماسك، إذ تتفكك عند أول اختبار حقيقى، حين تتحرك الدولة وفق ما تراه مصلحة.

ما يتبقى بعد انفضاض الخطاب

لا تنكشف الفكرة دفعة واحدة، ولا تسقط بصخب. هى فقط تتراجع قليلًا، كل مرة، أمام تفصيلة لم تكن فى الحسبان، قرار لا يشبه ما قيل، صورة لا تنتمى لما رُوّج، أو مسار يتخذ اتجاهًا لا يمكن تفسيره داخل الرواية الأصلية.

ومع تراكم الحالات من اختلاف المرجعيات بين النجف وقم، إلى مواقف الشيعة العرب الرافضة، وصولًا إلى أذربيجان، حيث لا يصمد المذهب أمام حسابات الدولة يتشكل مشهد لا يستقر على صورة واحدة، تتحرك فيه الجماعات فى اتجاهات متباينة، بينما تعيد الدول ترتيب مواقعها وفق ما تفرضه حساباتها، فيبتعد الواقع تدريجيًا عن الإطار الذى حاول الخطاب تثبيته. ولا يبقى فيه الانتماء المذهبى وحده كافيًا لتفسير ما يحدث.

بهذا الإيقاع، لا يتكسر تصور «الكتلة الواحدة» فى لحظة فاصلة، بقدر ما يتآكل بهدوء، كلما اقتربنا من التفاصيل، وكلما حاولنا قراءة ما يجرى خارج اللغة التى صيغ بها الخطاب، تبدأ الصورة فى فقدان تماسكها، ليس لأنها كانت خاطئة بالكامل، وإنما لأنها لم تكن كافية.

لعل المشكلة لا تكمن فى وجود هذا الخطاب، بل فى التعامل معه بوصفه تفسيرًا كافيًا. إذ يمنح صورة مكتملة، بينما يترك خارجها ما لا يمكن احتواؤه: الدولة حين تحسب مصالحها، الجماعات حين تعيد تعريف نفسها، والهويات حين تتقدم على ما سواها.

فى هذه المسافة تحديدًا يتغير موقع المذهب، إذ لم يعد المحدد الوحيد، بل عنصر ضمن عوامل أخرى، وبالتالى تفقد «الكتلة» صلابتها، وتتحول من تفسير شامل إلى فكرة تحتاج دائمًا إلى إثبات.. ولا تجده كاملًا.

لذلك، لا يكون السؤال: أين اختفت الوحدة؟ إنما هل كانت موجودة أصلًا بهذا الشكل؟ إذ ما يظهر فى النهاية، لا يشبه ما قيل فى البداية. وما بدا كامتداد واحد، ينكشف كمسارات متوازية، تتقاطع أحيانًا... وتتباعد أكثر مما يُظن. وفى هذا الفارق تحديدًا، يتهاوى الخطاب.