الثلاثاء 19 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مقتطفات من إبداع جورج حنين.. المتمردُ الأبدى

حرف

عدم التدخل

ساحات القضاء تفيض بجثث رائعة

تنبجس من أعظم تمزقات إسبانيا

كم يتشابه كل هؤلاء الموتى الجدد

كم حوى موتهم كل ما هو جدير بالحياة

لم يتوافر قط

مثل هذا القدر من اللحم

للخطب والملفات والتقارير

دمعة من هنا وأخرى من هناك

لم يحدث قط أن سقط مثل هذا القدر من الضحايا

والضمير معدوم إلى هذا الحد

انظروا المدن فقدت شرايينها شريانًا بعد شريان

والقرى فتكت بها قُرَحٌ شرهة

والطرق ما عادت تُسلم

إلاَّ لسواد رعب مماثل

حيث لا يستطيع أحد أن يميز سماء من أرض

لأنه لم يبق فى المكان غير بعد واحد

هو بعد القتل

انظروا الضربات القاصمة

تستقر فى جوف الشعب

والملاك الجدد للشاطئ الأزرق

يخلقون فى اللحم- الهبة العظيمة للأحياء-

مساحات من العذاب كل يوم

الدبلوماسيون لحسن الحظ هناك

جدلهم ما عاد يزدهر إلاَّ فوق الحطام

فوق حداد مدريد وبرشلونة

العاصمتين المشدوفتين

أيتها الأحياء التى خرجت من ليل الحديد نارًا

فلتواصل صفاراتك الحادة صراخها

حتى تصاب بالصمم آذان الزمن

أيها الحطام الذى لا يغتفر

يتحدثون عنك فى وزارات الخارجية

عن نقالات الجرحى والتوابيت والمقابر

أيها الناس أيتها الحجارة عزاء

يا خرائب إسبانيا لن تكونى الأخيرة

هكذا تقرر أن يكون المصير

ثم لا تيأسوا من الآخرة

فها هى ذى تتقدم نحوكم

خيانات غيبية مبجلة

ساحة لمن استولوا على باداخوث

ساحة لمن ابتدعوا عذاب الجلجثة

إنهم سوف يقدمونكم قربانًا لخلودهم

سيرتبون لكم طقوس رحيلكم

على هيئة طوربيدات

حتى تكون فى النار راحتكم الأبدية!

معنى الحياة 

«لا معنى لوجه يشبه جميع الوجوه»

ج. جويس «عوليس»

فى اللحظة التى يوشك المرء فيها أن يباغت شيئًا ما- أن يقترب من الإجابات الشفافة العظيمة- أن يتمكن من إبطال الأصوات المتعادلة فى نفسه- أن ينتصر على قانون ثقل الروح- أن يمعن فى الاغتراب- أن يكبر من جميع الوجوه- أن يراوغ القدر- فى اللحظة التى يوشك فيها أن يكون ذلك كله قريب الحدوث- يصطدم المرء بعتامة حائط- هذا الغريب نحييه مع ذلك- تتهيأ للشرح نحو أى ثروات مجردة تدفعك سرعة داخلية غامضة– دون جدوى- كل كلام عند خروجه من فمك تقطع رقبته مقصلة حائط جديد- يأتى من بعيد جدًا- يسقط من عال جدًا- بيننا وبين الاكتشافات الشاغرة التى لن يعرف أحد عنها شيئًا- إمبراطورية الحوائط لا تنتهى- الويل لمن يساومها على وجبة الطوب والجبس المستحقة لها- إنها بعد نعاس طويل تنشر فى وضح النهار أشباحًا لا تطاق- تنفث الاضطرابات فى اضطراب الجماعات- من قال حائط فقد قال سُمك- وفى نهاية الحساب يدرك المرء أن كل شىء يجرى وفقًا لسُمك معين- فى البداية يكون المرء واحدًا- بلا سُمك تمامًا- مهملًا تمامًا- خَرْيَِة ضئيلة وحيدة- ثم يصبح خَرْيَتَيْن- أمام القانون أو من ورائه- وهكذا فورًا يصير أكبر سُمكًا- الناس الآن تريد أن تنظر إليك باهتمام واحترام- إنهم يراقبونك لكى يروا ما إذا كنت لن تنمو أكثر- ما إذا كنت لن تكون أشد إزحامًا- فما تقضى به قوانين الطبيعة- ووصايا الأخلاق- هو أن تملأ مكانك تحت الشمس- أن تسهم فى السُمك الجمعى- الأسرة تمثل سُمكًا مهمًا بما فيه الكفاية- يستحق التشجيع- من الصعب تخطيه- واثقًا من حقه فى الوضع النظامى- تبقى بعد ذلك طوابق أعلى للتخطى- على القمة تتربع الدولة- الدولة تكتب التاريخ- مسألة خطوط بسيطة- ومن حين إلى حين تعبئ الدولة مجموع خدمها- لكى تتحقق من درجة سُمك الأمة- لكى تُذِلَّ السُمك المنافس للأمم المجاورة- وعندما يُستهلك كثير من السُمك- يبدأون من جديد فى بناء الحوائط- وفى الحياة كحوائط- بالضجر نفسه- بالجمود نفسه- مع وجود الحوائط المعادية- مع مصير سميك عقيم مليء بالحوائط.

قصة غارة 

الممر المرشوق بالمسامير يفضى إلى قلب الصحراء. أحاذى إذًا طريقًا خاليًا من الدم موشحًا بإعلانات صغيرة. لا شىء غير سيدات بين أعمار لا بأس بها يتقن إلى المحبة البريئة. بعيدًا يتنزه ببراءة دخان متموج. أستوقف حاجبًا ينبئنى. هناك يجلس الراعى الذى يعقد زيجات المصلحة. يشتغل على فحم الكوك. يبدو من جهة أخرى أنهم سوف يعينون راعيًا جديدًا تمامًا. راعيًا جديدًا لن يعقد قرانًا بعد الآن إلاَّ على المازوت.

بعد بضع ساعات من السير وحيدًا ألمح فجأة سيقان نساء يخرجن من ميدان شفاه رحيب ويلوحن مودعات بالوشاحات، أو بالنوارس أو بالثلوج. موسيقاهن تشبه الخرق الذى تحدثه فى الطبل المحموم صرخة قطار سريع يغيب فى نفق يعرف تمامًا أنه لن يخرج منه.

أسأل حيوانًا أليفًا- أخطبوطًا فى الغالب- يتشمم المشهد بمسحة مرتابة. يقول لى هذا الحيوان: «ما تظنه نساء ليس فى الواقع غير خطوط زوال طولية والإنسان الذى يحيينه بهذه الطريقة ليس سوى الحريق. الحريق يزور فى هذه اللحظة كل المنطقة على متن مُطفئه الخاص. السكان الأصليون يحسبون أن شرفًا عظيمًا أسدى إليهم لأن الحريق يسافر فى الغالب متنكرًا».

الحيوان الأليف الذى أوحيت إليه بشىء من التعاطف يستطرد: «لاحظ أن بين خطوط الزوال والشفاه سوء تفاهم كبير. كل قرن تحدث بينهما منازعات لا تنتهى. الجيران يفقدون فيها الحياة والحلم. تلك فضيحة يا سيدى، فضيحة خالصة، ومن المستحيل، مع ذلك، فهم دوافع هذه المنازعات. إنهم يصرحون فقط- وأنا أبلغك الرواية الرسمية للأحداث.. إنك فى نهاية الأمر لست سوى أجنبى- بأن خطوط الزوال تترصد بشكل خاص أسرة من الشفاه تكرر لها دون توقف قسمًا لا يتبدل: «أقسم لكِ بأننى لم أخدعكِ قط.. أقسم لكِ بأننى لم أخدعكِ قط» وهكذا دواليك. إذا كانت خطوط الزوال تهلل للحريق بهذه الطريقة فذلك لأنه يحرق كل التظلمات التى تقدمها له الشفاه. أنا أعتقد أنه قد آن الأوان لطرد خطوط الزوال هذه بإرسالها، مثلًا، لمغازلة أدوات الجراحة التى يحزنها أن تموت وحيدة فى علبتها».

قبل أن تنام خطوط الزوال تؤدى صلاتها وترسم فى رماد الفضاء إشارات سيمافور مديدة فى عشق الأفق. الإشارات تمكث طويلًا بعد مولدها بلا حركة ثم تحلق بأجنحة من رصاص صيد الطيور ولا تلبث أن تحط على جنبات الكثبان حيث تزدهر صفوف من الكوى المتآلفة تضىء بنور ثابت محطة محفورة فى قلب الماس.

الأخطبوط يشرح لى، وقد اتضح بشكل قاطع أنه أخطبوط: «هذه المحطة لا تفيد فى شىء على الإطلاق. لا فى القيام ولا فى الوصول. ولا فى أى شىء. بل إنها لا تؤكل. لهذا يحترمها الجميع».

القضبان سواعد عذارى، من اللحم المشغول، تُهَدْهَدُ على رصة السكة، شبيهة بأطفال متعَبين مسهدين لا يجرؤ أى قطار على سحقهم.

ناظر المحطة قط سيامى يحمله على الأكتاف مقعد من الزمرد. ناظر المحطة لا يتعجل. إنه لا يبالى. ربما لأنه على موعد مع المستقبل. العلم فى بلُّورة عينيه.

انتحارٌ مؤقت.. إلى «المنتحر» أنجيلو دى رى

فى أعماق الأدراج الزرقاء

التى رحلت مفاتيحها صوب الأقفال المتوحشة

وتاهت خطاباتها فى سوق الاعترافات

فى أعماق الأدراج الملونة بلون التلميذة

بين سيجارة ذابلة وصفعتين

يرجع تاريخهما إلى الفضيحة الأخيرة

يحدث أحيانًا أن تلتقط

شفاه مرة

تتلو كلمات قريبة

تهبط كالحصى

منحدر الصوت

شفاه نادرة مختصرة

تنفتح لتدع جاسوسًا يمر

متخفيًا فى فرقة عازفة

لا أعرف بعد أى سيمفونية

تتشبث بطوق من اللهيب

والآن تقف النافذة

بلا عمر ولا نور

شقيقة الشفاه المهيبة

منها تدخل الأعصاب الهائجة

متلبسة بأيدٍ بشرية

تقطع رءوس النساء

بعد الحب

على مائدة ما

شىء يبتسم خلال كل نعاس العالم

إنه وجه

لا يُلمح أبدًا

لا يُنسى أبدًا

وجه يؤرجحه

ثلجُ الذكرى الذى لا ينتهي

منظورات.. إلى أندريه بروتون

لِمَ لا نصادف على قنطرة تنتصب فجأة بين كارثتين امرأة ذات عينين خفاقتين تخبرانك باسمها فيبدو أجمل من شفا هاوية مكسوة بغلالات سوداء؟

لِمَ لا نجسم على مسرح الأفق المقفر دائمًا غروبات مهيبة لشعور متعددة الألوان؟

لِمَ لا لا نُجَسِّمُ غروبات مهيبة لشعور ذات فروج راديومية تتحد بالمناظر الطبيعية وتشعلها عند كل عناق وتبقى وحدها فى ألقٍ مُدَوِّخ؟

لِمَ لا ننقذ بضربة واحدة حشد المرايا المرشوقة على فراش الأرض؟

لِمَ لا نجعل الحياة أهلًا للسكنى؟

لِمَ لا نهرب من المقاعد المألوفة والمصائر المعيشة بما يكفى؟

لِمَ لا نُبعد الجفون عن الطرق الملعونة ونختفى فى الليل الأكثر غموضًا حاملين بأقصى سرعة جثة لمجهولة مزق أوصالها حلمٌ يحتدمُ دون خطرٍ من يقظة؟

فى مستوى الغياب

أكداس من منتصفات الليالى ذابلة فى عينيك

وبرك من خمر مُرَوَّعة

يردها أشقياء منكسرون

ينكشفون متلبسين باقتراف البراءة

والذاكرة نفسها بين كابوسين

فى منتصفات لياليك أرغنات حامية

تطيل دموعها الشمعية

الأصابع المحمومة لأغنية

تخنق الاستصراخات المبحوحة للحيوانات الضالة واحدة فواحدة

على جبين حياتك

كل الغضون المهينة للشباب

والتوقيع الذى تطبعه شفتاك

أسفل صفحة من الخمر

يحوى كل ضروب الحكايات الحقيقية

الجالسة على فراش طريق يكاد يكون مقفرًا

لا تزال تطوف به جلجلات ضحك صاخبة

وغربانٌ ضخمةٌ تَبَرَّأَتْ منها سماؤها

فى صوتك أكداس وداع

وحين تنكسين رأسك

لكى تسعلى ما شئت

يبدو كما لو كنت تحفظين الموت عن ظهر قلب

وحين ترحلين للِّحاق بصمتك الأثير

يخلو المكان كله مما ليس أنت

ويتركنا وحدنا مع غيابك الخصب أبدًا

الخصب كإعلان انتحار

أو كالوجه الآخر لمحيط.