الإثنين 11 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

عمر الشريف.. عندما اشتكى بوسطجية لندن من كثرة المراسيل لـ«الدكتور زيفاجو»

عمر الشريف
عمر الشريف

- عرض مسرحية جديدة عن النجم المصرى العالمى فى لندن.. 7 مايو

«البوسطجية اشتكو من كتر مراسيلى.. و عيونى لما بكوا دابت مناديلى.. روح يا قمر والنبى ع الحلو مسى لى».. من المؤكد أن موظفى مكتب بريد مدينة «تشيتشيستر» الواقعة فى مقاطعة غرب ساسكس، فى عام 1983، لم يكونوا على علم بأغنية رجاء عبده المُقدمة عام 1945، عندما قرروا إرسال شكاوى إلى رؤسائهم، لعدم قدرتهم على التعامل مع الكم الهائل من الرسائل التى أرسلها المعجبون من كل أنحاء العالم إلى عمر الشريف، وقت إن جاء إلى المدينة لتقديم عرض مسرحى على أكبر مسارحها باسم «الأمير النائم». هذه القصة وغيرها الكثير مما أحاط بتقديم المسرحية، ترويها هانا خليل، الكاتبة المسرحية الإيرلندية من أصول فلسطينية، فى مسرحية جديدة، من المقرر أن تُعرض على مسرح «Theatro Technis» فى العاصمة لندن، خلال الفترة من 7 مايو إلى 6 يونيو المقبلين، وذلك فى مقابلة خاصة مع صحيفة «الجارديان» البريطانية.

الأمير النائم

قبل بضع سنوات، كانت هانا خليل، وهى كاتبة مسرحية ودرامية بارزة إيرلندية من أصول فلسطينية، تقف فى طابور انتظار دورات المياه داخل «مسرح مهرجان تشيتشيستر»، الواقع فى مدينة تشيتشيستر الإنجليزية، عندما لمحت صورة للنجم المصرى العالمى عمر الشريف مرتديًا زى أمير، مُعلّقة على الحائط.

ما أن رأت الصورة المعلقة كجزء من معرض يضم نجومًا تألقوا على مسرح «تشيتشيستر»، قالت هانا خليل لنفسها، متسائلة باستغراب: «يا عمر، ما الذى تفعله فى تشيتشيستر؟!».

ولأنها كانت «متشوقة جدًا لمعرفة المزيد»، بدأت فى محاولة الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التى طرأت فى بالها: متى زار عمر الشريف مقاطعة «ساسكس» «التى تتبعها مدينة تشيتشيسيتر»؟ وكيف كان انطباع الجمهور المحلى عنه؟

لم تكتفِ الكاتبة المسرحية بالإجابة عن هذه التساؤلات، وقررت تقديم ما تتوصل إليه فى مسرحية بعنوان «Love Omar» أو «حب عمر»، من المقرر أن تُعرض فى «Theatro Technis» بالعاصمة لندن، خلال الفترة من ٧ مايو إلى ٦ يونيو المقبلين.

بدأت هانا خليل فى البحث عن إجابات لأسئلتها عن عمر الشريف، وأقرب إجابة إليها كانت مع زوجها المخرج كريس وايت، خاصة أنه ينحدر من «تشيتشيستر».

بدأت تسأل والدىّ زوجها، لأنهما يعيشان فى المدينة منذ فترة طويلة. ولحسن حظها كانا يتذكران –إلى حد ما- مجىء عمر الشريف لتقديم العرض. وبحسب ما توصلت إليه، من والدىّ زوجها وآخرين، ذهب عمر الشريف إلى «تشيتشيستر»، فى عام ١٩٨٣، ليؤدى الدور الرئيسى فى مسرحية «The Sleeping Prince» أو «الأمير النائم» للكاتب البريطانى تيرنس راتيجان، والتى انتقلت لاحقًا إلى مسارح «ويست إند».

وتعتقد «هانا» أن مشاركة «الشريف» فى هذه المسرحية كان من أوائل أمثلة الاستعانة بالنجوم فى المسرح لجذب الجمهور، خاصة أن المسرح وقتها قد فقد راعيه «شركة Martini»، وكان بحاجة إلى المال.

أزمة الشارب

عندما وصل النجم المصرى إلى مكان تقديم المسرحية، كان الموقف الضخم خارج المسرح ممتلئًا بالناس، من المعجبين المتحمسين، والنساء الراغبات بشدة فى رؤية «دكتور زيفاجو».

وانتشرت قصص عن أكياس مليئة برسائل المعجبين المقبلة من مختلف أنحاء العالم، بل وحتى «شكاوى من مكتب البريد، لأنهم لم يعتادوا على التعامل مع هذا الكم الهائل من الرسائل»، وفق «هانا».

وتُظهر مسرحية «Love Omar» النجم المصرى داخل غرفة ملابسه، وهو يستعد للصعود إلى خشبة المسرح لتقديم مسرحية «The Sleeping Prince». وتقدّمه كشخصية معقّدة: متقلّب بين الغرور والجاذبية، وانعدام الأمان والسحر. كما تشير إلى عادته المزعومة فى القمار، من لعب «البريدج» إلى سباقات الخيل، إلى جانب صورته كفتى أحلام، وسمعته المعروفة بالكرم.

وتؤكد هانا خليل أن معظم الحكايات الواردة فى العرض المسرحى حقيقية، مستندة إلى سنوات من البحث فى هذه المرحلة من حياة عمر الشريف بمقاطعة «ساسكس». وتعلق على ذلك بقولها: «أنا أحب جدًا الغوص فى الأرشيف وإجراء مقابلات مع الناس».

هانا خليل

كانت من بين من قابلتهم الممثلة ديبى أرنولد، التى شاركت عمر الشريف بطولة مسرحية «الأمير النائم»، والتى نقلت عنها الحكاية الطريفة التالية: 

كنت أنا و«عمر» على وفاق جيد حتى ليلة العرض الأولى، حين لم يكن أحد يعلم أنه صبغ- أو وضع شيئًا- على شاربه ليجعله أغمق لونًا. هناك لحظة نُقبِل فيها بعضنا البعض، ثم ابتعد عنه. وما أن فعلت ذلك حتى انفجر الجمهور ضاحكًا. لم أكن أعرف السبب، والذى كان هناك علامة سوداء ظهرت على وجهى بسبب «صبغة الشارب»! حدث بعض التوتر بيننا لأننى أردت منه التوقف عن صبغه، لكنه كان ينكر أنه يفعل ذلك!

لم تكن ديبى أرنولد المصدر الوحيد الذى ألتقته هانا خليل، وضمت قائمة من حاورتهم أيضًا جون شاليس، المدير الفنى الراحل لـ«مسرح مهرجان تشيتشيستر»، المعروف بدور «بويسى» فى مسلسل «Only Fools and Horses»، وكان متزوجًا من «ديبى».

ومن قبيل المصادفة أن الممثلة إيشيا بنيسون، التى تؤدى دور «دافنى»، مُساعدة عمر الشريف فى المسرحية، كانت إحدى جارات «ديبى» و«جون». وبحسب ما حكته لها: «ذهبت إلى حفل ليلة الافتتاح، وهناك قبّل الشريف يدها وأخبرها بأنها جميلة».

10 طاولة

اكتشفت الكاتبة المسرحية أيضًا أن الممثلة فرانسيس رافيل، كانت قد أدّت دورًا صغيرًا فى المسرحية، و«قضت ساعات ممتعة فى غرفة الممثلين، تتعلم لعب الطاولة على يد النجم المصرى».

وفى حديثها لـ«الجارديان»، قالت هانا خليل إن مسرحيتها، التى يخرجها زوجها كريس وايت، بمثابة «رسالة حب إلى المسرح نفسه». كما أنها «تحية جزئية لمسرحية The Dresser للكاتب رونالد هاروود، لأنها تكشف الستار عن معنى أن تكون نجمًا على خشبة المسرح وخارجها»، مع «استكشاف جانب أكثر خصوصية وشخصية فى حياة عمر الشريف».

وتذكرت كذلك حب والدتها للنجم المصرى، قائلة: «أمى جاءت إلى المملكة المتحدة وهى فى السادسة عشرة لتتدرب على التمريض. كانت من مزرعة فى ريف أيرلندا، ولم تكن قد التقت من قبل بأى شخص غير أبيض. وعندما عُرض فيلم Doctor Zhivago، شاهدته مرات كثيرة، وبالطبع وقعت فى حب عمر الشريف».

وتضيف: «تعرّف والداى على بعضهما فى حفلة. كان والدى يعمل حمالًا فى فندق، وقد طُرد من سكنه لسبب ما، وكان يسأل الناس: (هل يعرف أحدكم مكانًا يمكننى الإقامة فيه؟) فقالت أمى: (أعتقد أن الغرفة فوقنا شاغرة)». واللافت، كما تقول، إنه كان «يشبه عمر الشريف إلى حدٍّ كبير».

وتنبه إلى جزئية مهمة فى مسرحيتها الجديدة عن عمر الشريف، قائلة: «فى المسرحية تظهر شخصية من أصول مختلطة تُدعى (ماج)، تبحث عن شخص يساعدها على فهم هويتها. تمثلنى هذه الشخصية إلى حد ما». وتواصل: «جزء كبير من المسرحية يدور حول معنى أن تكون من أصول مختلطة فى المملكة المتحدة، وكيف تحافظ على هويتك وتراثك. هذا شىء أُعانى منه. أنا فلسطينية أيرلندية، لكننى أُواجَه دائمًا بتشكيك: (لا)، أنتِ لستِ عربية أو فلسطينية، ولا يمكنكِ أن تكونى أيرلندية».

وتُكمل: «مسرحية (Love Omar)، فى كثير من الجوانب، انتهت لتصبح عنى وعن والدى».

وُلدت هانا خليل فى المملكة المتحدة لأم أيرلندية وأب فلسطينى، ونشأت فى دبى قبل أن تعود مراهِقة للدراسة. وبحسب ما تقول: «لم يكن لدىّ احتكاك كبير بالمسرح قبل ذلك، لكن عندما ذهبت إليه، استحوذ تمامًا على خيالى». وتضيف: «أنا مهتمة بكل ما يتعلق بما وراء الكواليس. هذا جزء من السبب الذى دفعنى لدخول عالم المسرح، لأننى أحب فكرة (الصنعة)، وضع المكياج وارتداء الأزياء، وكيف تبدو الكواليس فوضوية مقارنة بقاعة العرض الجميلة. كل شىء يبدو آمنًا ورائعًا من الأمام، ثم تذهب إلى الخلف لترى كيف تعمل الأمور من الداخل. لطالما وجدت ذلك مثيرًا للغاية».