الكنز المخفى فى هيئة الكتاب.. مليون نسخة من «المرتجعات» فى المخازن.. والموظفون لمؤلفيها: «نفدت!»
- التراكم بدأ فى عهد سمير سرحان وتفاقم فى فترة ناصر الأنصارى
فتح الاجتماع الأخير الذى عقدته الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة لتطوير قطاع النشر، ملفًا شائكًا ظلّ منسيًا لعقود طويلة داخل أروقة الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهو ملف تراكم الكتب والإصدارات القديمة فى المخازن، الذى تسبب فى خسائر كبيرة وأثار تساؤلات حول سياسات النشر والتوزيع فى مصر.
الاجتماع، الذى جاء فى إطار خطة الوزارة لإعادة تطوير الهيئة وقطاع النشر، أعاد إلى الواجهة قضية «المخازن الممتلئة» التى تحوّلت إلى رمز لأزمة إدارة الكتاب فى المؤسسات الثقافية الرسمية.
فأمس الأول الإثنين 4 مايو، اجتمعت الوزيرة بعدد من كبار الشخصيات الثقافية والفكرية الذين لعبوا دورًا بارزًا فى تشكيل المشهد الثقافى المصرى على مدار عقود، من بينهم الفنان التشكيلى الكبير الدكتور أحمد نوار، والكاتب محمد سلماوى، والشاعر أحمد الشهاوى، إلى جانب ممثلين عن وزارة الثقافة والهيئات المعنية بالنشر والطباعة والمكتبات.
وناقش الحضور تفاصيل خطة الوزارة لتحديث منظومة سياسات النشر، بما يضمن وصول الكتاب إلى كل مواطن، ويضع حدًا لتراكم الإصدارات فى المخازن عبر هدف رئيسى هو الوصول إلى «صفر مخازن».
وأكدت الدكتورة جيهان زكى أن الوزارة بصدد إعداد رؤية شاملة لتطوير كل من الهيئة المصرية العامة للكتاب ودار الكتب والوثائق القومية، بحيث تتناول مختلف مراحل صناعة الكتاب، بدءًا من التعاقد مع الكُتاب، مرورًا بعمليات النشر، وصولًا إلى التوزيع.
فى الملف التالى، ترصد «حرف» تفاصيل أزمة المخازن وتراكم الكتب داخل الهيئة العامة للكتاب منذ تأسيسها فى سبعينيات القرن الماضى، وهى الأزمة التى تفاقمت عبر العقود لتتحول إلى واحدة من أبرز التحديات التى تواجه صناعة الكتاب فى مصر، بعدما وصلت أعداد النسخ المتكدسة إلى أرقام ضخمة، وأصبحت رمزًا لإشكالية الإدارة والتوزيع فى المؤسسات الثقافية الرسمية.

ثروات مدفونة فى «البدروم» منذ 53 عامًا
تعود أزمة تكدّس الكتب فى مخازن الهيئة العامة للكتاب إلى ما بعد تأسيسها، وتحديدًا منذ عام ١٩٧٣ وحتى عام ٢٠١٠، وهى الفترة التى شهدت تراجعًا ملحوظًا فى مبيعات الإصدارات، ما أدى إلى تراكم أكثر من مليون نسخة داخل المخازن.
وتعاقب على رئاسة الهيئة عدد من الكُتّاب والمثقفين خلال تلك العقود، لكن المبيعات ظلّت فى حالة انحدار، ففى فترة رئاسة محمود الشنيطى «١٩٧٢ - ١٩٧٨» خلفًا للدكتورة سهير القلماوى، لم تتجاوز بعض الإصدارات عشرات النسخ المرتجعة، وهو ما تكرر فى عهد صلاح عبدالصبور «١٩٨٠ - ١٩٨١» وعزالدين إسماعيل «١٩٨٢ - ١٩٨٥».
ومع تولى الدكتور سمير سرحان «١٩٨٥ - ٢٠٠٤» رئاسة الهيئة، تفاقمت الأزمة بشكل أوضح، إذ وصلت المرتجعات إلى آلاف النسخ، منها ٧٨٢٧ نسخة لأحد الإصدارات، كما ظهر ذلك فى كتاب «زمن الشاوية» للكاتب شعيب حليفى عام ١٩٩٩.
ولم تتوقف المرتجعات خلال فترة رئاسة الدكتور ناصر الأنصارى «٢٠٠٥ – ٢٠٠٩»، حيث تراوحت بين ٥٠٠ و٢٦٠٠ نسخة تقريبًا، لتؤكد استمرار الأزمة وتحوّلها إلى عبء ثقيل على الهيئة، انعكس فى النهاية على صورة الكتاب المصرى فى السوقين المحلية والعربية.
ومن المفارقات أنه خلال فترة تولى الدكتور ناصر الأنصارى رئاسة الهيئة، صدر له كتاب بعنوان «تسويق الكتب» عام ٢٠٠٨ بسعر ٨ جنيهات للنسخة، وهو كتاب يتناول أهمية وآليات تسويق الكتاب، لكنه نفسه واجه أزمة المرتجعات إذ أُعيد منه نحو ٢٥٠ نسخة.
وحصلت «حرف» على قائمة كاملة بإصدارات الهيئة العامة للكتاب المخزّنة منذ عام ١٩٧٣ وحتى عام ٢٠١٠، والتى يُقدّر عددها بنحو ١٤٨٣ كتابًا، تجاوزت مرتجعاتها أكثر من مليون نسخة، وتتراوح أسعار هذه الإصدارات بين جنيه واحد وأقل من ١٥ جنيهًا للنسخة.

وبحساب متوسط أسعار هذه الإصدارات «١ + ١٥» ÷ ٢ = نحو ٨ جنيهات، فإن القيمة الإجمالية للمرتجعات تصل إلى ما يقارب ٨ ملايين جنيه، مع تقديرات تتراوح بين مليون جنيه كحد أدنى و١٥ مليون جنيه كحد أقصى، وهذه الأرقام تكشف عن حجم الخسائر التى تكبّدتها الهيئة نتيجة تراكم الكتب فى المخازن لعقود طويلة.
ويثير ذلك تساؤلات حول مسئولية رؤساء الهيئة الذين شهدت فتراتهم أكبر نسب من المرتجعات، خاصة فى عهد الدكتور سمير سرحان «١٩٨٥ - ٢٠٠٤» والدكتور ناصر الأنصارى «٢٠٠٥ - ٢٠٠٩»، حيث تحوّل كنز الوزارة المخفى إلى عبء مالى ضخم.
وإذا ما قورنت هذه الخسائر بسعر صرف الجنيه أمام الدولار فى تلك الفترات - أقل من نصف جنيه فى ١٩٧٣، نحو ٢ جنيه فى ١٩٩٠، ٣.٥ جنيه فى ٢٠٠٠، و٥.٥ جنيه فى ٢٠١٠، فإن القيمة الحقيقية لهذه المرتجعات تبدو أكثر فداحة. واليوم، مع تجاوز سعر الدولار ٥٢ جنيهًا، ما زالت المخازن تحتفظ بأكثر من مليون نسخة مرتجعة، لتظل الأزمة قائمة حتى اللحظة.
فى الوقت نفسه، يظل السؤال مطروحًا: لماذا التزم عدد من رؤساء الهيئة المصرية العامة للكتاب بعد عام ٢٠١٠ الصمت تجاه إيجاد حلول جذرية لهذه الإشكالية، مثل الدكتور أحمد مجاهد «٢٠١١ – ٢٠١٥»، والدكتور هيثم الحاج على «٢٠١٥ - ٢٠٢٢»، والدكتور أحمد بهى الدين العساسى «٢٠٢٢»؟
وزيرة الثقافة فى اجتماع مع عدد من كبار الشخصيات الثقافية

مجاهد يواجه الأزمة بـ«كُتب بجنيه»
خلال فترة رئاسة أحمد مجاهد «٢٠١١ - ٢٠١٥»، أصدرت هيئة الكتاب العديد من الأعمال الكاملة لعدد من الأعلام البارزين مثل ثروت عكاشة، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين، وهى أعمال حظيت باهتمام خاص وحققت مبيعات كبيرة.
وبينت المصادر أن الدكتور مجاهد أطلق مشروع «كُتب بجنيه»، خلال معرض فيصل للكتاب فى دورته الأولى، بعدما قام بجرد دقيق للمخازن، ما حقق مبيعات ضخمة من الكتب المتراكمة، كما كان يعكف على إعادة طباعة الأجزاء الناقصة من بعض السلاسل لاستكمالها وضمان توافرها كاملة للقارئ.
وعقب انتهاء فترة انتداب الدكتور أحمد مجاهد لرئاسة الهيئة، أصدر الدكتور عبدالواحد النبوى وزير الثقافة آنذاك، قرارًا بتكليف الكاتب حلمى النمنم، رئيس دار الكتب والوثائق، قائمًا بأعمال رئيس الهيئة العامة للكتاب، إلى أن تولى الدكتور هيثم الحاج على رئاسة الهيئة فى العام نفسه.

هيثم الحاج على يبيع رُبع مليون نسخة
قال الدكتور هيثم الحاج على، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب خلال الفترة من ٢٠١٥ إلى ٢٠٢٢، إن جائحة فيروس «كورونا» أتاحت لمسئولى الهيئة وقتها إعادة ترتيب وتنظيم المخازن، ثم إدراج محتواها على قاعدة البيانات، بالتزامن مع تنفيذ مجموعة مبادرات لتسويق هذه الإصدارات.
وأضاف «الحاج على»: «تم طرح الكتب الراكدة بأسعارها الأصلية، كما هى مدرجة فى الدفاتر، ضمن مبادرة لاقت رواجًا كبيرًا عند تنفيذها لأول مرة فى معرض الكتاب، حتى إنه تم بيع ٢٥٠ ألف نسخة، وتحديدًا فى دورة يونيو ٢٠٢٢».
وواصل: «الدكتور سمير سرحان اعتمد على فكرة بيع (شنطة كُتب) بسعر مخفض، لكن كانت هناك كتب لا يحتاجها الناس، فلم يقبلوا عليها، لذا قررت عرض الكتب كتابًا كتابًا بالأسعار الأصلية، ما ساعد فى تسويق المخزون».
وإلى جانب بيع الكتب، بعد إعادة تنظيمها وترتيبها فى فترة «كورونا»، تم استحداث بيع الكتب الموجودة فى المخازن عبر البريد، فى عام ٢٠٢٣، وذلك من خلال إنشاء «وحدة» لتسليم الكتب من المخازن إلى البريد.

كُتَّاب: مستعدون لشراء كل نسخ كتبنا من المخازن
تواصلت «حرف» مع عدد من الكُتّاب والكاتبات الذين ما زالت «مرتجعات» كتبهم فى مخازن هيئة الكتاب، ويتجاوز بعضها ١٥٠٠ نسخة، خاصة أنهم كلما سألوا عنها، يأتيهم الرد سريعًا من الموظفين: «لقد نفدت» على خلاف الحقيقة.
البداية مع الروائية سلوى بكر، التى صدر لها «مختارات من مؤلفات سلوى بكر.. نونة الشعنونة» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فى ٢٠٠٨، بسعر ١٧.٥ جنيه للنسخة الواحدة، والذى يبلغ عدد النسخ المرتجعة منه فى مخازن الهيئة ٢٧٩ نسخة.
وقالت الروائية الكبيرة: «هناك غياب لسياسات النشر فى كل جهات نشر الكتب التابعة لوزارة الثقافة، وهى سياسات غير مدروسة وغير واضحة، إلى جانب عدم وجود قاعدة بيانات فى الهيئة، واحتفاظها بالكتب طوال الوقت، والذهاب بها إلى المعارض، دون أن يكون هناك تدفق لهذه الكتب إلى منافذ البيع».
وأضافت: «أنا شخصيًا أذهب وأسأل عن كتبى، فيقولون لى إنها غير موجودة. وعندما تنفد النسخ الخمس المتوافرة فى المنافذ، لا يتم تزويدها بها من جديد. والأغرب من ذلك أن بعض الكتب يتم الترويج لها، بينما لا يُروّج للبعض الآخر».
وواصلت: «لقد سافرت مع الهيئة إلى أكثر من معرض خارج مصر، ولم يحملوا كتابًا واحدًا لاسم له قيمة فى عالم الثقافة المصرية، بل يختارون كُتب (المحاسيب) وأصحاب العلاقات الخاصة»، وفق قولها.
وتساءلت: «لماذا لا يتم الترويج لإصدارات هيئة الكتاب على غرار دور النشر الخاصة؟»، مضيفة: «لديك كتب قيّمة، ولوجستيات تتيح لك إقامة ندوات لكل كتاب فى منافذك، فلماذا لا تفعل ذلك؟».
وأشارت إلى مشكلة أخرى قديمة، تتعلق بموظفين يحصلون على كميات من هذه الكتب، ثم يعيدون بيعها بـ«طرقهم الخاصة»، وبأسعار مبالغ فيها، مضيفة: «من واقع تجربتى كقاصة وروائية، لا أملك أى نسخة من كتبى، وأنا مستعدة لشراء كل كتبى الموجودة فى المخازن».
الأمر ذاته حدث مع الدكتورة سهير المصادفة، التى صدر لها ديوان «هجوم وديع» عن هيئة الكتاب، فى ١٩٩٨، وتوجد فى المخازن ٤٤٠ نسخة منه.
وقالت الروائية والشاعرة والمترجمة: «قضيت عشرات السنين أبحث عن نسخة من هذا الديوان، ولم أتمكن من العثور عليها. الرد على أى شخص يسأل عن كتابه هو (النسخ نفدت)، رغم أنها موجودة فى المخازن»، معتبرة أن سياسات التسويق الخاطئة هى ما تسبب فى هذه الأزمة.

أما الشاعر والناقد الأدبى شعبان يوسف فقال إن ديوانه «تظهر فى منامى كثيرًا»، الصادر عن هيئة الكتاب، فى عام ١٩٩٩، بسعر جنيه واحد للنسخة، يبلغ عدد النسخ المرتجعة منه ١٥٠٧ نسخ من إجمالى ٣٠٠٠ نسخة، مضيفًا: «ليس لدىّ نسخ من هذا الديوان والعديد من الكتب التى طُبعت لى فى هيئة الكتاب، وربما تكون فى المخازن».
وواصل: «لدىّ أكثر من ديوان وكتاب فى الهيئة، وكنت أعتقد أنها انتهت، لكن فى الواقع كانت هناك مشاكل فى العرض والتوزيع، وعندما نسأل يقولون لنا: (لقد نفدت)، رغم أن الهيئة تخزنها»، مشيرًا إلى أنه «فيما سبق كانوا يأتون بالكتب القديمة لبيعها فى معرض الكتاب».
وأكمل: «كنت بحاجة إلى بعض الكتب، ولم أتمكن من العثور عليها فى جميع فروع هيئة الكتاب، فأضطر إلى سؤال موظف مخازن، وكان يأتى بها لى بسعر أعلى، مثل (مقامات الوهرانى) و(فقه اللغة العربية)».
وتابع: «هناك كتب يتم استبعادها بشكل عام مثل (مفهوم النص) لنصر حامد أبوزيد، وربما تم إعدامها، إلى جانب سحب كتابات إبداعية مثل (الصقار) لسمير غريب، و(السيقان الرفيعة الكاذبة) لعفاف السيد».
وأشار إلى أن المجلات التابعة للهيئة، مثل «إبداع» و«فنون» لا توزع بشكل جيد، حتى إن الدكتور أحمد بهى الدين قال إن المرتجع منها أكثر مما يتم توزيعه، وطالب بتخفيض المطبوع.
ولم يختلف الأمر بالنسبة لكتاب «حدائق الشيطان» للمؤلف محمد على السيد، الذى تمت طباعته فى هيئة الكتاب، عام ٢٠٠٢، بسعر ٣.٥ جنيه، قبل إعادة ١٧٩٠ نسخة مرتجعة منه إلى مخازن الهيئة، وعندما سأل مؤلفه عنه فى المنافذ قيل له: «كل النسخ قد نفدت».
ومما يستدعى الذكر أيضًا أنه تمت إعادة نشر بعض الكتب مرة أخرى، رغم وجود كمية كبيرة منها ضمن «المرتجعات» فى مخازن هيئة الكتاب، ومن بينها كتاب «صائد الدبابات» للمؤلف أحمد على عطية الله، الذى طُبع فى هيئة الكتاب، عام ٢٠٠٩، وأُعيدت ٥٦٥ نسخة منه إلى المخازن، إلا أنه أُعيدت طباعته فى قصور الثقافة بنفس العنوان، فى العدد ٢٦ من سلسلة «العبور» لعام ٢٠٢٥.

أحمد بهى الدين يرفض التعليق
تواصلت «حرف» كذلك مع الدكتور أحمد بهى الدين العساسى، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب خلال الفترة من ٢٠٢٢ إلى ٢٠٢٥، لكنه رفض تمامًا الحديث عن الأزمة.







