عقل جيهان.. ملفات وزيرة الثقافة الجديدة.. أستاذة «المصريات» تبدأ المهمة الصعبة
التقيتُ بها مؤخرًا. جلسنا ما يقرب من ساعتين، نتناقش حول كتابها الأحدث «الدبلوماسية الثقافية بين الأصل والصورة».. ذلك المجال الذى يُعد أحد فنون الإدارة الحديثة، ومن أهم الاستراتيجيات المستخدمة فى ترسيخ دعائم السياسة الخارجية للدول. فالدبلوماسية الثقافية، خاصة فى أوقات الأزمات والصعوبات الحادة بين الدول، لم تعد ترفًا فى ساحة العلاقات الدولية، بل تحوّلت إلى أداة محورية للتعريف بمقومات الدول، ورؤيتها للعالم، وعمقها الحضارى، وحيوية شعوبها، من خلال إبداعات المثقفين والمفكرين ورواد الفنون وأعضاء البعثات الثقافية.
امتد الحديث إلى إدارة الملف الثقافى المصرى، ومنه إلى أرشيفها الواسع فى علم المصريات، وجولات عملها فى عشرات المواقع الأثرية داخل مصر وخارجها. عرضت لى على حاسوبها المحمول ما يقرب من ١٠٠٠ صورة توثّق هذه الرحلات، وراحت تروى بحماس لافت قصة كل صورة تقريبًا، حتى مرّ الوقت دون أن نشعر، لشغفها العميق بهذا العلم الذى ارتبطت به منذ سنوات بعيدة.
إنها أستاذة علم المصريات الدكتورة جيهان زكى، التى أُسندت إليها حقيبة وزارة الثقافة، خلفًا للدكتور أحمد فؤاد هنو، لتبدأ مرحلة جديدة فى إدارة الملف الثقافى المصرى، عنوانها الرهان على المعرفة العميقة، والخبرة الدولية، والدبلوماسية الثقافية بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة، فى لحظة تتماسّ فيها أسئلة الهوية مع تحولات العالم.
لا تأتى جيهان زكى إلى المنصب من بوابة السياسة وحدها، بل من مسار طويل تشكّل عند تقاطع علم المصريات، والإدارة الثقافية، والعمل الدولى؛ مسار يمنح تجربتها خصوصية نادرة فى المشهد الثقافى المصرى.

وُلدت الدكتورة جيهان زكى بالقاهرة، فى ٤ يوليو ١٩٦٦، فى بيتٍ يقوده بطل من أبطال القوات المسلحة، هو اللواء محمد زكى، الذى شارك فى حروب مصر منذ عام ١٩٤٨. فرضت الطبيعة العسكرية لحياته التزامًا وانضباطًا صارمين، بينما كان لوالدتها الدور الأكبر فى تنشئتها هى وإخوتها، إذ تحملت مسئولية الأسرة كاملة، لا سيما فى ظل الغياب المتكرر للوالد وهو على الجبهة.
بدأت رحلتها العلمية بكلية السياحة والفنادق جامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس علوم المصريات عام ١٩٨٧ بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، ثم واصلت دراستها العليا لتحصل على الماجستير عام ١٩٩٣، قبل أن تنال الدكتوراة من جامعة ليون بفرنسا عام ٢٠٠٠ عن أطروحتها: «أسوان والنوبة فى العصر اليونانى الرومانى»، وهو موضوع يكشف مبكرًا انشغالها بالعلاقة بين الجغرافيا والسلطة والثقافة.
ولم تكتفِ بالتخصص الأكاديمى الدقيق، بل وسّعت أدواتها بالحصول على ماجستير فى الإدارة الثقافية من جامعة سيينا الإيطالية عام ٢٠١٤، بعنوان «الدبلوماسية الثقافية والعولمة»، فى خطوة تعكس وعيًا مبكرًا بتحولات الدور الثقافى فى عالم متشابك.

داخل جامعة حلوان، تدرّجت أكاديميًا من معيدة عام ١٩٨٨ إلى أستاذ علوم المصريات عام ٢٠١٠، فى مسار أكاديمى منتظم، توازيه أدوار تنفيذية مؤثرة داخل قطاعى الآثار والثقافة. فقد عملت ممثلةً عن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار لدى منظمة اليونسكو بباريس، وتولت مناصب عدة، من بينها مدير عام آثار الوجه البحرى، ومدير عام إدارة شئون المنظمات الدولية واليونسكو، فضلًا عن الإشراف على إدارة الآثار المستردة، وإدارة صندوق إنقاذ آثار النوبة، والعمل مستشارةً للشئون الخارجية والمنظمات الدولية.
يُعد توليها رئاسة الأكاديمية المصرية للفنون بروما «٢٠١٢-٢٠١٩» إحدى المحطات المفصلية فى مسيرتها؛ إذ كانت أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس الأكاديمية، وأول من جرى اختيارها عبر مسابقة رسمية معلنة. وخلال هذه الفترة، استعادت الأكاديمية حضورها المؤسسى، ورسّخت موقعها بين الأكاديميات الأجنبية فى إيطاليا، وأسهمت فى إدراج مقرها ضمن المزارات السياحية، وتسجيله كأحد الطرز المعمارية المتميزة، إلى جانب تنظيم معارض كبرى، أبرزها «توت عنخ آمون واللغز المفقود»، وتفعيل دور المكتبة والبرامج الموجهة للشباب والأطفال، فى سياق ثقافى حمل رسائل دبلوماسية دقيقة.
امتد حضورها الأكاديمى إلى جامعات ومؤسسات دولية مرموقة، من السوربون وليون ولاسابينزا روما إلى واسيدا طوكيو، فضلًا عن جامعات مصرية ومعهد الدراسات الدبلوماسية. كما شاركت فى لجان علمية ووطنية معنية باسترداد الآثار، وتنظيم المعارض الخارجية، ومشروعات تراثية متصلة بالإسكندرية وفنارات المتوسط.

للدكتورة جيهان زكى إنتاج علمى وثقافى متنوع باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية، فى مجالات المصريات والتاريخ والإدارة الثقافية، من بينها كتابها اللافت «كوكو شانيل.. وقت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين»، إلى جانب كتابها «الدبلوماسية الثقافية بين الأصل والصورة».
وحصدت خلال مسيرتها عددًا من الأوسمة والتكريمات الدولية، من بينها وسام فارس من الطبقة الوطنية الفرنسية، والوردة البرونزية الإيطالية، وتكريم منظمة اليونسكو ضمن ٧٠ امرأة مؤثرة حول العالم، فضلًا عن وسام شجرة الإنسانية.
ومع تعيينها عضوًا بمجلس النواب منذ عام ٢٠٢١، تدخل جيهان زكى وزارة الثقافة محمّلة بتجربة تجمع بين المعرفة الأكاديمية، والحس المؤسسى، والخبرة الدولية، فى لحظة تبدو فيها الثقافة مطالَبة باستعادة دورها بوصفها حارسًا للوعى، وجسرًا بين الماضى والحاضر، وأداة لصياغة المستقبل.
إنها عالِمة حضارة لا تقف عند حدود التاريخ، بل تسعى إلى جعله فاعلًا فى إدارة الحاضر.
ماذا نريد من سيادة الوزيرة؟
ينتظر الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، عدد من الملفات على رأسها العدالة الثقافية فى ظل التفاوت الواضح بين المركز والأقاليم فى إتاحة الأنشطة والخدمات الثقافية.
ورغم التوسع فى إنشاء قصور الثقافة والمكتبات خلال السنوات الماضية، فإن هذا الملف ينتظر إعادة تقييم لخريطة المؤسسات الثقافية بالمحافظات، وتطوير مضمون الأنشطة لتكون أكثر اتصالًا بحياة الناس، ودعم الفنون المجتمعية واكتشاف المواهب فى القرى والمناطق الحدودية.
ويشكل التراث الثقافى أحد أعمدة القوة الناعمة المصرية، لكنه فى الوقت نفسه من أكثر الملفات حساسية، فإلى جانب قضايا تهريب الآثار واسترداد القطع الأثرية، يبرز ملف التراث غير المادى، مثل الفنون الشعبية والحرف التقليدية، التى تواجه خطر الاندثار.
ويفرض هذا الملف تعزيز التعاون الدولى فى حماية واسترداد الممتلكات الثقافية، ودعم تسجيل عناصر التراث غير المادى لدى اليونسكو، وربط التراث بالحياة المعاصرة عبر التعليم والأنشطة الثقافية.
وتضم وزارة الثقافة عددًا كبيرًا من الهيئات والقطاعات، من بينها الهيئة العامة للكتاب، وقصور الثقافة، ودار الأوبرا، والمجلس الأعلى للثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، وغيرها.
ويتمثل التحدى الحقيقى فى تحقيق التكامل بينها، وينتظر هذا الملف مراجعة آليات العمل داخل المؤسسات الثقافية، وتحديث اللوائح الإدارية والمالية، وتمكين الكوادر الشابة وضخ دماء جديدة فى مواقع القيادة الثقافية.
كما يبرز ملف الدبلوماسية الثقافية كأحد الملفات المنتظر تفعيلها بقوة، فالثقافة لم تعد نشاطًا داخليًا فقط، بل أداة استراتيجية لتحسين صورة الدولة وبناء جسور التواصل مع العالم.
ويشمل هذا الملف تفعيل دور المراكز الثقافية المصرية بالخارج، والمشاركة المنتظمة فى الفعاليات والمعارض الدولية، وتوظيف المشروعات الكبرى، وعلى رأسها المتحف المصرى الكبير، فى تعزيز الحضور الثقافى العالمى لمصر.







