نصير شمة: أرسم لأحمى جمالى الداخلى من الانكسار
- شعرت أن الموسيقى التى كانت دائمًا لغتى الأولى بحاجة إلى ظل يساندها
- أنا ابن المقام قبل كل شىء وليس اللون فقط
- المقام علّمنى أن الحقيقة لا يمكن إيصالها دفعة واحدة بل تتكشف تدريجيًا
- «ربع تون» أكثر من مجرد تقنية موسيقية إنما قاعدة أخلاقية للإصغاء والانتباه
«أؤمن أنّ الحياة تُفهم بالحبّ لا بالضجيج؛ وأنّ الموسيقى والرسم ليسا فنَّين منفصلين بل طريقٌ واحدٌ نحو المعنى: أعزف لأُنقّى الزمن، وأرسم لأُصالح الوجع، وفى الاثنين أبحث عن إنسانٍ أكثر رحمةً.. وعن وطنٍ أجمل فى داخله قبل حدوده»؛ بهذه الكلمات بدأ الموسيقار والفنان التشكيلى الكبير نصير شمة حديثه عن تجربته المتشابكة بين الموسيقى والرسم، مؤكدًا أن اللوحة ليست مجرد شكل، والمقام ليس مجرد صوت، بل كل منهما نافذة نحو فهم أعمق للحياة والوجود.
التقيت الفنان العراقى الكبير، وأستاذ العود العربى نصير شمة، للمرة الثانية، لكن هذا اللقاء يختلف عن سابقه؛ إذ لا ألتقيه هذه المرة كعازف عود وموسيقى بارع، بحث فى تاريخ الموسيقى، وترجم رحلته المعرفية فى حفلات لامست قلوب محبيه فى الشرق والغرب، بل التقيه كفنان تشكيلى شكّل عالمًا بصريًا منذ عام 1989 تحديدًا، عقب تعرّضه لحادث ترك أثره العميق فى حياته؛ حيث ظل لفترة طويلة غير قادر على ممارسة الموسيقى. ومن هنا لجأ إلى الألوان، لا ليكمل مسيرته الفنية فحسب، بل ليخرج نفسه من ظلال الحادث وتداعياته، محولًا الألم إلى فعل إبداعى، لتتحول المقامات الموسيقية إلى ألوان، ويتجسد الصوت فى صورة، ويصنع الفنان ما يمكن تسميته بـ«الصوت البصرى»، فى تجربة فنية تفتح نافذة جديدة على عالمه الإبداعى المتعدد.
فى حواره مع «حرف»، تناول نصير شمة علاقته بالمقامات و«ربع تون»، وتأثير الحوادث الشخصية على مساره الإبداعى، وتجربته فى تحويل الموسيقى إلى لغة بصرية، وصولًا إلى مشروعه التشكيلى فى معرضه الأخير بالقاهرة.

■ كيف انعكست خلفيتك الموسيقية و«ربع تون» على تكوينك البصرى وأسلوبك التجريدى؟
- أنا قبل كل شىء ابن المقام، وليس ابن اللون فقط. المقام علّمنى أن الحقيقة لا يمكن إيصالها دفعة واحدة، بل هى تتكشف تدريجيًا، خطوة بخطوة، مثل سُلّم من المشاعر والنغمات، حيث كل درجة تحمل إحساسًا خاصًا، وكل فجوة بين نغمة وأخرى تحمل معنى دقيقًا يحتاج إلى الانتباه والتأمل. هذه المسافات الدقيقة، بين السمع والسمع، بين لحظة وأخرى، هى التى صاغت حساسيتى البصرية وأسست لأسلوبى التجريدى، إذ إن اللوحة بالنسبة لى ليست مجرد توزيع ألوان أو خطوط، بل هى رحلة من المشاعر الدقيقة تتكشف أمام العين كما تتكشف النغمات أمام الأذن.
أما «ربع تون»، فهو بالنسبة لى أكثر من مجرد تقنية موسيقية؛ إنه قاعدة أخلاقية للإصغاء والانتباه. كما يجب أن تمنح الأذن حقها فى سماع الفروق الدقيقة بين النغمات، يجب أن تمنح العين حقها فى التوقف عند التفاصيل الصغيرة، فى التقاط الدرجات البسيطة من الضوء والظل، ومن الكثافة إلى الفراغ، ومن الخدش إلى السطح.
هذه القدرة على ملاحظة الفروق الدقيقة هى التى تجعل اللوحة عندى تتكون من طبقات متراكمة، خدوش دقيقة، كثافات متعددة، ومساحات صمت تشبه الوقفات الموسيقية، حيث تتحرك العين داخل اللوحة كما تتحرك الأذن بين النغمات، فتشعر وكأنها جزء من معزوفة بصرية متكاملة.
باختصار، الموسيقى عندى ليست مجرد صوت، والفن البصرى ليس مجرد لون؛ إنهما لغة واحدة للتعبير عن الدقائق والظلال والمشاعر، حيث يتفاعل الصوت واللون، اللحن والضوء، لتكوين تجربة حسية متكاملة تعكس إحساسى العميق بالمقام و«ربع تون» داخل فضاء بصرى متجدد.
■ إلى أى مدى كان حادث عام ١٩٨٩ نقطة تحوّل دفعتك لاستخدام الرسم كبديل تعبيرى؟
- بعض المنعطفات فى حياتنا لا يمكن حصرها فى تفاصيل لحظية، بل تُفهم كأثر ممتد يترك بصماته العميقة على الروح. ما حدث فى تلك المرحلة كان موجعًا ليس فقط على مستوى العائلة، بل على مستوى نفسى ووجدانى، وطرح فى داخلى سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للإنسان أن يحمى جماله الداخلى من الانكسار وسط هذه الظروف؟
فى تلك اللحظات، شعرت أن الموسيقى، التى كانت دائمًا لغتى الأولى وأداة التعبير الأصدق عن ذاتى، بحاجة إلى ظل يساندها، كى لا تُستنزف وحدها تحت وطأة الوجع والألم. هنا جاءت الريشة لتصبح نافذة نجاة مؤقتة، ليست بديلًا عن العود، ولكنها تمنحنى مسارًا آخر يسمح لى بتصفية الألم وتحويله إلى معنى وتجربة خلاقة. ومع مرور الوقت، اكتشفت أن الرسم ليس مجرد محطة إسعاف عابرة، بل هو مسار موازٍ مكتمل يمتلك منطقه الخاص، يمنحنى حرية جديدة فى التعبير، ويكمل رحلتى الموسيقية بطريقة تتناغم فيها الروح والصمت واللون.

■ بعد معرضك الأول «رؤية وحياة».. ما الذى يميز تجربتك فى معرضك الثانى بالقاهرة من حيث النضج والرؤية؟
- فى أبوظبى، خلال معرضى الأول بعنوان «رؤية وحياة: أربعون عامًا من الألوان»، قدمت ما أسميه الخريطة: تراكم أربعين عامًا من التجريب الفنى، وأكثر من ستين عملًا تنوعت خاماتها وأساليبها، كمن يفتح أرشيف روحه على الملأ، ويعرض مسار رحلة طويلة من البحث والتجربة.
استضاف هذا المعرض جاليرى الاتحاد للفن الحديث خلال الفترة من ١١ فبراير إلى ٨ مارس ٢٠٢٤، وكان بمثابة تأمل فى مسار حياة فنى ممتد، حيث يمكن للمتلقى أن يلمس مراحل التحول والتطور التى شكلت رؤيتى البصرية والفنية.
أما فى القاهرة، فقد جاءت تجربتى فى معرض «ربع تون» فى قاعة الباب بدار الأوبرا المصرية كخطوة جديدة تتجاوز مرحلة الخريطة، لتصل إلى مرحلة تقديم اللغة الفنية بعد أن استقرت المكونات البصرية فى وعيى ووجدانى.
شعرت أننى أصبحت أكثر وعيًا بمفرداتى البصرية، وأكثر دقة فى توزيع الصمت والكتلة، وأكثر جرأة فى أن تترك اللوحة موسيقاها الداخلية تتحدث دون الحاجة لشرح إضافى. وكان افتتاح المعرض برعاية رسمية من وزارة الثقافة المصرية بمثابة تأكيد أن المشروع التشكيلى لم يعد هامشًا أو تجربة فردية، بل أصبح خطابًا فنيًا قائمًا بذاته، يحمل رسالة واضحة ويستطيع أن يتواصل مع المتلقى بلغته الخاصة.
■ تبدو اللوحات كأنها معزوفات بصرية.. كيف تترجم اللحن والإيقاع إلى لون وخط ومساحة؟
- أنا لا أرسم ما أسمع بشكل حرفى، بل أبحث عن طريقة لتجسيد روح الموسيقى فى قوانين التكوين البصرى. الإيقاع، على سبيل المثال، يتحول عندى إلى تكرار محسوب، يظهر فى نبضات لونية متتابعة، أو وحدات شكلية، أو خدوش متكررة تشبه لازمة موسيقية تعيد نفسها بتوازن متناغم.
أما اللحن فيتخذ شكل مسار بصرى متحرك: خطوط تصعد وتهبط، أو كتل تتوسع ثم تنكمش، كما لو أن الصوت نفسه أصبح مادة صلبة يمكن للعين أن تراها وتلمسها بالحواس.
أما الهارمونى، فيتحول إلى توافق خامات، حيث تتلاقى الطبقات وتتشابك السماكات، وأحيانًا أدمج مواد من عالم العود ذاته، مستفيدًا من خبرة ورشة صناعته وحساسية ملمسه، لتصبح اللوحة متناغمة داخليًا، قادرة على أن تعكس إحساس الموسيقى بصورها ولونها ومساحاتها.
■ تحدثت عن رغبتك فى تحويل الموسيقى نفسها إلى لون.. ما الآليات الجمالية والفكرية؟
- أشتغل على ثلاثة مفاتيح أساسية توجه تجربتى البصرية: أولًا: الذاكرة الحسية، فلكل مقام عندى حرارة وظل خاص، أختار من خلاله طيفًا لونيًا يحاكى مزاجه الداخلى، لا مجرد شكله الخارجى. أريد للون أن يحمل نفس الإحساس الذى تولده النغمة فى الأذن، كى تصبح اللوحة تجربة حسية متكاملة، موسيقى تُرى بعين المشاهد قبل أن تُسمع بالأذن.
ثانيًا: الطبقات
الموسيقى ليست سطحًا واحدًا، بل هى طبقات زمنية تتداخل وتتراكب، وهذا ما أُحاول نقله بصريًا. أعمد إلى تكثيف السطح وإضفاء تضاريس عليه، لتصبح اللوحة غنية ومليئة بالأبعاد التى تمنح المشاهد فرصة استكشاف تفاصيلها بعمق. وقد لاحظ النقاد هذا البعد فى أعمالى، ووصفوها بأنها سطوح كثيفة ومتشابكة، تعكس التدرج والتناغم الداخلى للموسيقى.
ثالثًا: الصمت
اللون يحتاج إلى فراغ كى يُسمَع بالعين كما يُسمع الصوت فى الأذن. لذلك أترك مساحات تنفس فى اللوحة، مثل السكتات الموسيقية، تمنح العين فرصة الاستراحة وتتيح للمشاهد أن يختبر التوازن بين الحركة والهدوء، بين الامتلاء والفراغ، لتصبح اللوحة أكثر توازنًا وتفاعلًا مع الحس الموسيقى الداخلى.

■ كيف أثّرت دراساتك حول تأثير الموسيقى على الرسامين فى بناء وعيك التشكيلى؟
- كنتُ دائمًا مفتونًا بالسؤال: لماذا يرى بعض الرسامين الموسيقى كأشكال ملموسة، بينما يسمع بعض الموسيقيين اللون كصوت حى؟ هذه الظاهرة أثارت فضولى، ودفعنى للغوص فى تجارب فنانين مثل كاندينسكى وبول كلى، اللذين أظهرا أن العلاقة بين الموسيقى والفن التشكيلى ليست مجرد زخرفة بين فنّين مختلفين، بل هى قانون إحساس واحد يتخذ أشكالًا مختلفة حسب قناعه.
ومن هنا، أصبحت أقرأ اللوحة كما أقرأ قطعة موسيقية: أبحث عن نقطة البداية، وأتابع أماكن التوتر والانفراج، وأستشعر لحظات الراحة، وأحدد مركز الثقل الذى يجذب العين ويوازن المشهد البصرى، تمامًا كما يوازن اللحن النغمة والإيقاع فى قطعة موسيقية متقنة.
■ ما طبيعة العلاقة بين الشعر والموسيقى والفن التشكيلى.. وكيف تجسدت فى أعمالك الأخيرة؟
- الشعر عندى يمثل الأسم، الموسيقى هى النَفَس، أما التشكيل فهو الأثر.
أحيانًا تبدأ اللوحة بجملة شعرية داخلية، صورة واحدة تكفى لتختصر الكون بأسره، ثم تتسع هذه الصورة مع امتداد اللون، حتى تُختتم بصمت يشبه نهاية بيت شعرى متقن.
فى معرض «ربع تون»، شعرتُ أن هذه الثلاثية أصبحت أوضح وأكثر تجليًا: فاللوحة لم تعد مجرد زينة للعين، بل صارت سؤالًا يطرح نفسه كما تفعل القصيدة، و«زمنًا» يمكن أن يُسمع كما تُسمع الموسيقى، فهى تجربة متكاملة تجمع بين الرؤية البصرية والإحساس الشعورى، لتصبح كل لوحة رحلة لاكتشاف المعنى والوجود.
■ البعد الصوفى والروحى امتداد للرؤية الموسيقية أم انفصال؟
- إنه امتداد طبيعى، فالمقام العربى نفسه يحمل ظلًا روحيًا لا يُقاس بالاسم، بل يُحس فى النفس؛ فليس مهمًا أن نطلق عليه صوفيًا، بل أن نشعر به فى أعماقنا.
أما اقتراب اللوحات من النقش الأثرى، فأراه عودة إلى الجذر، تذكيرًا لى بأن الحضارات كانت تسجل موسيقاها على الحجر قبل أن تسطرها على المدرّجات، وكأن كل خط وكل طبقة لونية تحمل صدى التاريخ وروحه.

■ كيف توازن بين الفوضى والانسجام وبين الصمت والمقام الداخلى؟
- أنا أبدأ بالفوضى كى أصدق، ثم أبحث عن الانسجام كى أكون واضحًا.
الفوضى هى لحظة الولادة: اندفاع، مادة، خدش، طبقة.
والانسجام هو لحظة المسئولية: توزيع الكتل، تنظيف الضجيج، وإبقاء ما يكفى من الصمت البصرى حتى لا تختنق اللوحة.
أحيانًا أتعامل مع اللوحة كما أتعامل مع الارتجال: أترك اليد تقترح، ثم يتدخل العقل مثل قائد أوركسترا ليعيد ترتيب المشهد دون قتل الروح.
■ هل التجربة التشكيلية تعبير موازٍ للموسيقى أم مشروع مستقل يعيد تعريف هويتك؟
- هى موازية ومتكاملة فى آنٍ واحد. أنا لا أهرب من اسمى كموسيقى؛ أنا أوسّعه. الموسيقى عندى ستبقى المركز الذى يعلّمنى الانضباط، لكن التشكيل يمنحنى حرية المادة والصدفة والملمس. لهذا شاركتُ فى السنوات الأخيرة فى «أبوظبى آرت» بأعمال تُقدَّم ضمن أطر عرض دولية، وهو ما عزّز قناعتى بأن المشروع التشكيلى قادر على الوقوف بثقة داخل المشهد الفنى المعاصر. وفى الوقت نفسه، أنا أرتّب لمعارض قادمة بروحٍ لا تُنافس العروض الموسيقية بل تُغنيها.







