الأربعاء 25 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا يكتب العالم؟

النص لا يزال الملك.. لماذا لن تموت الكلمة المكتوبة أبدًا؟

حرف

- صمدت القراءة أمام العديد من الغزوات الكبرى ما يشير إلى أنها أكثر جاذبية مما كنا نظن

- إنهاء كتاب واقعى رائع يُشبه رفع عبء ثقيل عن صدرك.. أما إنهاء رواية عظيمة فيُشبه ترك أمة بأكملها خلفك

النظرية الرائجة على الإنترنت هى أن القراءة قد اندثرت، وبالتالى فإن الحضارة فى طريقها إلى الزوال. لقد أدى انتشار التقنيات الرقمية شديدة الإدمان إلى تشتيت انتباهنا وإخماد رغبتنا فى النصوص. الكتب تتلاشى من ثقافتنا، وكذلك قدراتنا على التفكير المعقد والعقلانى.

نحن نتجه نحو مجتمع ما بعد القراءة والكتابة، حيث تحل الأسطورة والحدس والعاطفة محل المنطق والأدلة والعلم. لا حاجة لأحد أن يعيدنا إلى العصر الحجرى؛ فقد قررنا أن نسلك هذا الطريق بأنفسنا.

أنا متشكك فى هذه الفرضية. بصفتى عالم نفس، كنت أدرس مثل هذه الادعاءات لكسب رزقى، لذا أعرف أن العقل مهيأ لتصديق روايات الانحدار. لدينا معيار أدلة أقل بكثير لتفسير «ازدهار الأمور السيئة» مقارنة بتفسير «انحسارها».

لذا، ليس من المستغرب أن تتجاهل القصص التى تتحدث عن نهاية القراءة بعض البيانات غير المريحة. على سبيل المثال، كانت مبيعات الكتب فى عام ٢٠٢٥ أعلى مما كانت عليه فى عام ٢٠١٩، ولم تكن أقل بكثير من ذروتها خلال فترة الجائحة.

كما تشهد المكتبات المستقلة ازدهارًا ملحوظًا، لا تراجعًا؛ فقد افتتح ما لا يقل عن ٤٢٢ متجرًا مستقلًا جديدًا فى الولايات المتحدة وحدها العام الماضى؛ حتى إن سلسلة مكتبات «بارنز أند نوبل» عادت لتحظى بشعبية متجددة.

فى الوقت نفسه، لا تبدو البيانات الفعلية المتعلقة بالقراءة كارثية كما توحى العناوين الرئيسية. تشير استطلاعات جالوب إلى أن بعض القراء النهمين «أكثر من ١١ كتابا سنويًا» أصبحوا قراء معتدلين «من كتاب إلى ٥ كتب سنويًا»، لكنها لا تجد أى اتجاهات رئيسية أخرى على مدى العقود الثلاثة الماضية.

وتوثق استطلاعات أخرى انخفاضات معتدلة مماثلة، على سبيل المثال، تُظهر بيانات الصندوق الوطنى للفنون انخفاضًا طفيفًا فى نسبة البالغين الأمريكيين الذين قرأوا أى كتاب فى عام ٢٠٢٢ «٤٩٪» مقارنة بعام ٢٠١٢ «٥٥٪»، ويوضح مسح استخدام الوقت الأمريكى انخفاضًا فى وقت القراءة من عام ٢٠٠٣ إلى عام ٢٠٢٣.

فى نهاية المطاف، يتوقف مدى مصداقية فرضية «موت القراءة» على تقديرين أساسيين.

أولًا، هل تبدو هذه التأثيرات كبيرة أم صغيرة؟ يبدو أن الكثيرين يرون هذه الأرقام وكأنها حالة طارئة. لكن ينبغى أن نخضع كل أزمة محتملة لهذا السؤال الافتراضى: كيف نصف حجم التأثير لو كنا نقيس اتجاهًا مشجعًا بدلًا من اتجاه مقلق؟

تخيل أن الرسم البيانى لاستخدام الوقت يقيس تدخين السجائر بدلا من قراءة الكتب. هل ستقول إن التدخين «انخفض بشكل حاد» بين عامى ٢٠٠٣ و٢٠٢٣؟ لو كنا ننفق مليار دولار سنويًا على حملة ضخمة لمكافحة التدخين طوال تلك الفترة، هل كنا سنقول إنها نجحت؟ 

نوعًا ما، أقول، لكن فى أغلب الأحيان لا يتغير الوضع. لن أرفع أى لافتات «تم إنجاز المهمة»، ولهذا السبب لا أرفع حاليًا أى لافتات «فشل المهمة».

التقدير الثانى: هل تتوقع استمرار هذه الاتجاهات، أم استقرارها، أم حتى انعكاسها؟ من المتوقع أن تزداد التكنولوجيا تشتيتًا للانتباه عامًا بعد عام. ويبدو أن انخفاض معدلات القراءة أكبر بين طلاب الجامعات، لذا نتوقع استمرار انخفاض الأرقام مع استبدال عشاق القراءة الأكبر سنًا بعشاق الهواتف الأصغر سنًا.

كلا التوقعين منطقيان، لكن هناك حقيقتين تجعلاننى أكثر تشككًا. 

الحقيقة الأولى: ثمة مؤشرات على أن الغزو الرقمى لانتباهنا بدأ يتباطأ. يبدو أننا تجاوزنا ذروة استخدام وسائل التواصل الاجتماعى، فقد بدأ الوقت الذى نقضيه على التطبيقات بالتراجع.

يجد مطورو التطبيقات صعوبة متزايدة فى جذب انتباهنا، ويبدو أن التعرض لضغط هائل على أعيننا أمر مزعج، لذا لا يبقى الناس منخرطين فيه. لا عجب إذن أن يدفع الناس، بعد إنفاق ألف دولار على هاتف جديد، خمسين دولارًا إضافية مقابل جهاز يقلل من كفاءة هواتفهم.

الحقيقة الثانية: لقد صمدت القراءة أمام العديد من الغزوات الكبرى، ما يشير إلى أنها أكثر جاذبية مما كنا نظن. الراديو، والتليفزيون، والاتصال الهاتفى، والواى فاى، وتيك توك- لم يكن أى منها كافيًا لإخماد رغبة الإنسان فى توجيه نظره نحو الكلمات المكتوبة. 

يبدو أن الكتب هى ما يسميه بعض رواد الإنترنت «ليندى»: لقد صمدت لفترة طويلة، لذا يجب أن نتوقع أن تدوم لفترة أطول.

من المثير للدهشة، بل المعجزة، أن يختار من يمتلكون أكثر الأجهزة إدمانًا على الإطلاق، بين الحين والآخر، إطفاء تلك الأجهزة والانشغال بقراءة كتاب. لو كنت عالمًا مجنونًا مصممًا على منع الناس من القراءة، لربما اخترعت شيئًا مثل الآيفون. 

وبعد أن أطلق اختراعى الخبيث للعالم، سأنتهى مثل جرينش صباح عيد الميلاد، مذهولا لأن خطتى لم تنجح: لقد منحتهم كل مقاطع الفيديو القصيرة على يوتيوب التى قد يرغبون بها، وما زالوا... يقرؤون!؟

ربما هناك حدود للإدمان الرقمى لم نصل إليها بعد. ربما فى يوم من الأيام، سنمتلك جميعًا وصلات عصبية ترسل مقاطع فيديو «إنستجرام» مباشرة إلى قشرة الدماغ البصرية، وحينها ستختفى القراءة تمامًا.

ربما. لكن ثبتت صعوبة إشباع حتى أبسط المتع الإنسانية بشكل مصطنع. من يرغب فى كعكة عيد ميلاد مصنوعة من الأسبارتام؟ من يفضل سرير التسمير على يوم مشمس؟ 

من يفضل مشاهدة برامج آلية تلعب الشطرنج؟ يمكنك مشاهدة صور عالية الدقة للموناليزا وقتما تشاء، ومع ذلك لا يزال الناس يدفعون للسفر إلى باريس ويتدافعون بين الحشود لمجرد إلقاء نظرة خاطفة على اللوحة الأصلية.

أعتقد أن هناك حقيقة عميقة هنا: رغبات الإنسان معقدة ومتعددة الأبعاد، وهذا ما يجعل إشباعها صعبًا، وكذلك التلاعب بها. ذلك الشعور الطفيف بالسخط الذى يطارد حتى أسعد الناس، ذلك التعطش الذى لا ينضب للمزيد حتى فى ظل الوفرة- تلك آليات دفاعية تطورية.

آدم ماستروياني

لو كنا أسهل إرضاء، لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. لكنا أفرطنا فى تناول الطعام حتى الموت بمجرد أن اكتشفنا كيفية زراعة قصب السكر.

لهذا السبب أشك فى الفرضية الأساسية لنظرية «موت القراءة». تفترض هذه النظرية ضمنيًا أن الأشخاص الذين كانوا قراء نهمين أصبحوا الآن مجرد متصفحين بلا هدف، لأن هذا ما كانوا يتمنونه دائمًا. لم يقدروا قيمة الحياة الفكرية قط، بل كانوا يملؤون أوقاتهم بأعمال أدبية عظيمة حتى ظهور تطبيق تيك توك. 

لا أقتنع بهذا. الجميع، حتى من لا يحملون شهادات فى العلوم الإنسانية، يدرك الفرق بين المتع السطحية والمتع العميقة. لا أحد يتباهى بقضاء ساعة فى مشاهدة فيديوهات تناول الطعام، ولا أحد يتباهى بوقته أمام الشاشة وكأنه يحقق رقمًا قياسيًا، ولا أحد يشعر بالفخر لأن يده تتجه لا إراديا نحو هاتفه كلما ساد الصمت فى الحديث.

إنهاء كتاب رائعٍ فى مجال الأدب الواقعى يُشبه رفع عبء ثقيل عن صدرك. أما إنهاء رواية عظيمة فيُشبه ترك أمة بأكملها خلفك. لا بديل عن هذه المشاعر. قد تثيرك الفيديوهات، وقد تفيدك المدونات الصوتية، لكن السبيل الوحيد للشعور بتمدد عقلك وانفتاح روحك هو أن تمرر عينيك على النص.

هنا تحديدًا أتفق مع المتحمسين للكتابة: فكل عمل فكرى جاد ينجز على الورق، ولا ينبغى لنا أن نتظاهر بغير ذلك. إذا أردت المساهمة فى عالم الأفكار، إذا أردت الاستمتاع بالأفكار المعقدة والتأثير فيها، فعليك القراءة والكتابة.

ووفقا لإحدى النظريات، هذا هو سبب نشأة الكتابة: لتثبيت الحقائق. فى البداية، كانت تلك الحقائق أشياء مثل «هيرين مدين لموشين بأربعة مكاييل من القمح»، ولكن بمجرد أن تدرك أن المعرفة يمكن ترسيخها وحفظها من خلال ترميزها برموز صغيرة، فإنك تفتح آفاقًا جديدة تمامًا من المنطق والاستدلال.

لا يعنى هذا أن كل نص نثرى رائع، بل يعنى فقط أنه قد يكون كذلك. وعندما يبلغ تلك المستويات، يمتلك قوة لا مثيل لها.

لم أكن أؤمن بهذا دائمًا. اقتنعت بهذه الفكرة مؤخرًا عندما التقيت بمحررة صوتية تدعى جوليا بارتون، كانت تؤلف كتابًا عن تاريخ الإذاعة. استغربت الأمر- ألا يفترض أن يروى تاريخ الإذاعة على شكل بودكاست؟

قالت لا، لأن الكتب هى كل ما يهم على المدى البعيد. صحيح أن البودكاست والأفلام ومقاطع تيك توك تجذب الانتباه، لكنها فى عالم الأفكار لا تؤثر بالقدر الكافى. فالأفكار لا تبقى إلا إذا طبعت ووضعت فى كتاب.

أعتقد أن فرضية بارتون صحيحة. ففى قلب كل حركة طويلة الأمد، ستجد دائمًا كتابًا. لكل دين رئيسى نصه المقدس، بالطبع، ولكن لا وجود للشيوعية بدون البيان الشيوعى، ولا للحركة البيئية دون الربيع الصامت، ولا للثورة الأمريكية بدون الحس السليم.

ويبقى هذا صحيحًا حتى فى عصرنا الذى يفترض أنه عصر ما بعد القراءة والكتابة- انظر فقط إلى كتاب عزرا كلاين وديريك طومسون «الوفرة»، الذى ألهم إنشاء كتلة برلمانية. لم يحدث ذلك بسبب بودكاست «الوفرة» أو سلسلة «الوفرة» المكونة من سبعة أجزاء على يوتيوب، بل بسبب كتاب «الوفرة» نفسه.

أعلم أن ما كنا نسميه «وسائل التواصل الاجتماعى» أصبح الآن مجرد تليفزيون نشاهده على هواتفنا. أعلم أن الناس يرغبون فى قضاء أوقات فراغهم بمشاهدة غرباء يضعون المكياج، ويعدون السلطات، ويصلحون غسالات الأطباق. 

أعلم أنهم يريدون رؤية هذا الرجل يرقص فى حمامه المتسخ، ويريدون مشاهدة مستر بيست وهو يدفن نفسه حيًا. هذه هى تفضيلاتهم، والويل لمن يحاول أن يريهم أى شىء آخر، خاصة- لا سمح الله- الكلمة المكتوبة.

لكننى أعلم أيضًا أن لدى البشر جوعًا لا يمكن لأى فيديو أن يشبعه. حتى فى خضم هذا الكم الهائل من وسائل الترفيه الإدمانية، لا يزال بعض الناس يرغبون فى القراءة.

بل الكثير منهم. فبعد ٥٠٠٠ عام من بدء السومريين بنقش الكتابة المسمارية على الطين، و٦٠٠ عام من بدء جوتنبرج بطباعة قوالب الحبر على الورق، لا يزال النص هو الملك. فليدم هذا الملك.