السبت 11 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

اغتيال باحث مهم.. كيف قتل الإخوان أيمن عبدالرسول؟

حرف

-كان كاتبًا جريئًا وشجاعًا ومفكرًا مبشرًا بمشروع فكرى مهم لكن خطفه الموت بعد أن عجز عن تحمّل ما يراه

-ظل أيمن ولسنوات طويلة عبر مقالات وحوارات ولقاءات تليفزيونية يحارب جماعات الإسلام السياسى

كان الخبر مربكًا بقدر ما كان مفاجئًا.

القاهرة فى 14 أغسطس 2012 قبل ساعات قليلة من موعد الإفطار لليوم قبل الأخير من شهر رمضان، مكالمة لم تستغرق أكثر من 30 ثانية، من الصديق الصحفى محمد بربر: أيمن عبدالرسول مات.

نزل علىّ الخبر كالصاعقة، كنت قد اتفقت مع أيمن وأحمد لاشين على أن نلتقى مساء هذا اليوم على السحور كعادتنا السنوية، تواصلت مع أحمد فأكد الخبر، وقبل أقل من ساعة كنت أقف أمام جثمانه راقدًا بلا حراك، مستسلمًا على غير عادته المشاكسة لكل ما فى الحياة من متاعب وتحديات.

حملنا جثمانه لنصلى عليه، وبينما أتوضأ سمعت حديثًا بين اثنين من السلفيين، فقد كان المسجد مسجدهم.

سأل أحدهم الآخر: هل ستصلى عليه الجنازة؟

فقال بحسم: لا.. فنحن لا نعرفه.. وما يدرينا هل كان مسلمًا ملتزمًا أم مفرطًا؟

قلت لهما دون أن أنظر إليهما: الصلاة رحمة من الله.. فهل تستكثران على مسلم حتى لو كان مفرطًا أن يرحمه الله؟

التزما الصمت ولم يجيبا علىّ بشىء، وتخيلت أيمن وهو يسمع هذا الحوار العبثى، وهو الذى وهب عمره كله للكتابات التى من شأنها تجديد الخطاب الدينى وعصرنته وربطه بالحياة ومتطلباتها.

مؤكد أنه كان سيشعر بأن كل ما فعله راح هدرًا.

أيمن عبدالرسول

عرفت أيمن بعد صدور كتابه «فى نقد الإسلام الوضعى»، وهو الكتاب الذى أثار ضجة كبيرة فى أوساط المثقفين، وكان أيمن قد بدأ نشره فى حلقات فى مجلة «أدب ونقد» التى كانت ترأس تحريرها الكاتبة الكبيرة فريدة النقاش، ولم يكن وقتها تجاوز السابعة والعشرين من عمره، وتنبأت فريدة له بأن يكون واحدًا من المفكرين الكبار، يطاول حسن حنفى ونصر أبوزيد.

زارنى أيمن على غير معرفة فى جريدة صوت الأمة، أهدانى كتابه.

من بين فصول الكتاب توقفت عند دراسة «حد الردة» التى خلص فيها إلى أنه لا يوجد فى القرآن الكريم حد يسمى «حد الردة»، وقال إنه من مخلفات التراث السياسى، ونتاج صراعات سياسية ولا علاقة له بالدين، ويجب أن نرفضه ونشجبه مرتكزين على النتائج الآتية:

أولًا: الرسول لا يستقل بتشريع، ولا يفتى بقتل الناس لأنهم ارتدوا على دينه.

ثانيًا: أنه لو قال الرسول جدلًا الأحاديث التى تتحدث عن قتل المرتد فهى لا تنسخ نصوص القرآن الحريصة على حرية الاعتقاد.

ثالثًا: أن أبا بكر لم يذكر حديثًا منها فى حرب الردة.

رابعًا: أن حد الردة اخُترع غالبًا بعد أحداث الفتنة الكبرى، مع نشأة الفرق الإسلامية أو فى عصر الأمويين، وهو لعبة سياسية للقضاء على الخصوم السياسيين تحت اسم الدفاع عن الدين، وهو ما يتضمن اتهامًا ضمنيًا للعقيدة بأنها تنهار أمام أى هجوم خارجى، وأنه هو اعتراض من الناحية الدينية على حكمة الله فى التعددية، وأنه لو شاء لجعلنا أمة واحدة.

قدمت عرضًا لدراسة أيمن ونشرتها على صفحات جريدة «صوت الأمة»، وكان رد الفعل على ما نشرته مدويًا، فقد ألقى أيمن بحجر كبير فى بركة راكدة.

وجدته يسألنى عن سبب ما جرى، فقد سبق له ونشر هذا الفصل من دراسته فى مجلة «أدب ونقد»، ثم ضمها إلى الكتاب مرة أخرى، ولم ينتبه لها أحد، لكن عندما قدمت عرضًا للدراسة وجد مَن يحدثه عنها مؤيدًا أو معترضًا.

اضطر إلى أن يعمل أى شىء وكل شىء حتى يواجه متطلبات الحياة البسيطة

كنت أعرف سر ما جرى، فقد بسطت أفكار الدراسة فاستوعب الناس معانيها بسهولة، وهو لم يتوافر للدراسة بشكلها البحثى، هز أيمن رأسه وهو يجلس إلى جوارى، وقال: شكلى سأكتب هذا الكتاب من جديد بالأسلوب الذى تكتب به.. فالوصول إلى الناس لا بد أن يكون هدفنا.. نحن لا نكتب لأنفسنا.

 


كانت الدنيا قاسية على أيمن عبدالرسول خريج قسم الفلسفة من جامعة الإسكندرية، اضطر إلى أن يعمل أى شىء وكل شىء حتى يواجه متطلبات الحياة البسيطة.

من بين ما انتظم فيه كان عمله كفرد أمن فى أحد المصانع بمدينة السادس من أكتوبر، وبعد صدور كتابه الأول بدأ يجرب حظه فى الصحافة، لكنها لم تكن كريمة معه بما يكفى، فعمل فى بعض الصحف الصغيرة التى لم تكن تناسب أبدًا أفكاره ولا إمكانياته ولكنه كان راضيًا، لكنه كان يحاول، رأس تحرير موقع «الأزمة» الذى أسسه الزميل نبيل شرف الدين، وقبل وفاته أسس مشروعًا كنت أراه وقتها رائدًا وهو مشروع «آن» على اسمه ابنته، وكان يجرب فيه خبرته فى الإعلام الرقمى قبل أن ينتبه كثيرون له.

أوراق بخط يد أيمن عبدالرسول

كان أيمن مخلصًا لفكرته، وكان فى كتاباته حريصًا على السعى إلى تنقية الدين مما لحق به من شوائب.

عندما قدت حملة صحفية فى العام ٢٠٠٧ لتنقية كتب الصحاح من الأحاديث المكذوبة التى تم دسها مكذوبة باسم الرسول، وجدته يمدنى بكتاب محمود أبورية «أبوهريرة.. شيخ المضيرة»، وبعرضى له ضمن حلقات الحملة انقلبت الدنيا على رأسى، مازحته تليفونيًا على ما فعله بى، فقال لىّ وهو يضحك: أى خدمة.

وفاجأنى أيمن عندما كنت أحدثه عن الكاتب والمفكر نظمى لوقا وعن كتابه «محمد الرسالة والرسول»، فوجدت لديه نفس الاهتمام به، بل زاد على أنه بحث عن مسكنه وأقاربه عسى أن يجد أحدًا من أسرته، لكنه لم ينجح فى ذلك، وقد سجل تجربته كاملة فى كتابه الثانى والأخير «فى نقد المثقف والسلطة والإرهاب».

ما فعله الإخوان كان سببًا فى خنق روح أيمن عبدالرسول وحصارها فقرر أن يرحل مهزومًا

ظل أيمن ولسنوات طويلة عبر مقالات وحوارات ولقاءات تليفزيونية يحارب جماعات الإسلام السياسى، وعندما وصلت جماعة الإخوان إلى الحكم وجدته مكتئبًا.

قلت له: المعركة الحقيقية تبدأ الآن، فهذه الجماعة لا يجب أن تستمر فى حكم مصر، هز رأسه مستهينًا بما قلت، وقال: أى معركة؟.. الحكاية خلصت، لن تخرج هذه الجماعة من حكم مصر إلا بالدم.

كنت متفائلًا وكان أيمن متشائمًا، وبدأ فى مناوشات على صفحته مع المنتمين إلى الجماعة، لكن قلبه لم يتحمل وجودهم، ما بدأوا فى فعله كان سببًا فى خنق روح أيمن وحصارها، وفى لحظة رأى أن كل ما كتبه لم يساعد فى إيقاظ الناس الذين بدأوا يستسلمون لحكم الإخوان، فقرر أن يرحل مهزومًا.

ونحن عائدين من جنازته، اقترب منى صديق مشترك وقال لىّ: الإخوان قتلوا أيمن؟.

كنت واثقًا من أن هذا ما حدث، فقد زاد وجودهم مرضه، وفى لحظة يأس تمرد عليه قلبه الذى رفضهم فمات، لكننى كنت أتمنى أن يبقى ليخوض مع مَن خاضوا معركة شريفة ضد الجماعة الإرهابية، وعندما غادر الإخوان حكم مصر وجدتنى أستعيد مشاهدنا معًا.. ورددت بينى وبين نفسى: تعجلت الرحيل يا أيمن.. اليوم يمكن أن تتأكد أن كل ما كتبته لم يضع سدى.

قد يكون من حق أيمن أن نذّكر به وبكتبه ودراساته وأبحاثه، وهو ما سنحاول أن نفعله هنا ولو بقدر يسير.

سأبدأ معكم من كتابه «فى نقد الإسلام الوضعى.. دراسات فى الخروج على النص الدينى».

فمن خلال تجربة الباحث، الممارسة، النجاح والإخفاق، تبلور اصطلاح الإسلام الوضعى، من أجل تحديد أكثر دقة للمصطلحات ومنهج علمى منفتح لنقد الفكر الإسلامى، أو الظاهرة الإسلامية بتجلياتها المختلفة.

لم يجد أيمن بدًا من وضع هذا الاصطلاح الخاص «الإسلام الوضعى»، حتى لا يقع فى جدل التفرقة بين الدين والفكر الدينى، ويحله من التذكير بهذه التفرقة عند التعرض بالنقد والتحليل لاجتهادات المفكرين الإسلاميين على مر العصور وفى كل الأمكنة.

حاول عبدالرسول التمييز وبدقة بين الإسلام النظرى/ النص، والإسلام الوضعى/ العلمى/ التطبيقى/ التاريخى/ التفاعلى.

«الإسلام الوضعى» بالنسبة له هو باختصار كل مدونات التراث الإسلامى التى دونت من جانب، البشر/ الفاعلين الاجتماعيين بمن فيهم النبى محمد على النص التأسيسى فى الإسلام «المدونة النصية الرسمية المغلقة» أو «المصحف العثمانى»، وقد حاول الكشف عن البنى التأسيسية لهذا التراث الوضعى، من خلال البحث فى علاقاته المتشابكة مع منظومة العلاقات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية فى سياق التاريخ المدون والمسكوت عنه، ذلك التاريخ الذى استوعب وساوق إنتاج هذه النصوص أو تلك.

من ناحية أخرى كان نحت اصطلاح «الإسلام الوضعى» عند أيمن لا يمت بصلة إلى المدونة النصية الرسمية الناجزة والمغلقة، لكنه يتجاوزها للبحث عن الدور الذى لعبته القوى الاجتماعية المتصارعة فى تشكيل النص النهائى الناجز/ الفاعل، وقد اجتهد فى نطاق تصفية المتناقضات بين الإسلام التأسيسى/ الميثولوجى/ المفارق الذى شكّل الخطاب القرآنى حتى وصلنا فى هيئته المكتوبة والمحفوظة حاليًا، وبين الفكر الذى ولده جدل التفاعل بين الذات الإنسانية واحتكاكها بهذا النص المنتسبة إلى حجيته وقدسيته وثبوته.

يعتمد مشروع نقد الإسلام الوضعى لدى أيمن عبدالرسول على بعض الآليات والمنطلقات المتجاوزة لمنتجات الحداثة الغربية، وعقل الأنوار الأوروبى، فيعتمد على نظريات مثل الشفاهية والكتابية، وعدد من المصطلحات المستعارة من حقول معرفية مختلفة مثل الأنثربولوجيا التطبيقية والتفكيكية، ونقد الحداثة وما بعدها وغيرها من أدوات نقد وتشريح العقل المعاصرة، فى محاولة جادة للانفلات من أزمة الفكر الإسلامى الذى لم يزل يدور حتى فى شقه المدعو مستنيرًا فى فلك نقد ما سلف نقده، أو هدم المهدوم بالفعل.

ويرى أيمن أن نقد الإسلام الوضعى، أحد أهم مداخل الكشف عن بنية الظاهرة الدينية بشكل عام، والظاهرة الإسلامية بشكل خاص، ومن خلال المسوغات السابقة يمكنه التعامل مع النص والتاريخ الإسلاميين بوصفهما منتجين لعدد كبير من الإسلاميات الوضعية «سنة- شيعة- خوارج- معتزلة.. إلخ».

كان أيمن يطمح من هذا المشروع إلى وضع الأسئلة «المستحيل التفكير فيها» موضع المناقشة والأشكلة «أى نزع البداهة عما فهم على أنه كذلك» لتقديم رؤية فلسفية علمية نقدية يتطلبها الانفتاح الفلسفى، ضد ضيق الأفق العقائدى، وذهب إلى أبعد من ذلك من خلال نقد العين ومراجعته لأجل إعادة صياغة الإسلام بشكله النهائى، وذلك بعد فرز وتصفية التناقضات الوضعية والتأسيسية على حد سواء.

شجع أيمن- أيضًا- على نحت هذا الاصطلاح، اجتهادات سابقة، عبدت الطريق لجيله لتناول الإسلام بمناهج علمية وفلسفية محكمة، بعيدًا عن التاريخية الانتقائية أو النفعية الشعبوية، أو الهجوم الإلحادى على الإسلام، فثمة التباسات بدأت فى الزوال حول منهج الباحث فى التعامل مع الإسلام، لفتح أفق هامشى لدراسة الإسلام بمنهجيات تتوخى الدقة والعلمية والعصرية.

من أهم اجتهادات أيمن فى كتابه «نقد الإسلام الوضعى» كان حديثه عن «محنة الإسلام اليوم»، وهنا أتركه معكم قليلًا ليتحدث إليكم بنفسه، يقول أيمن:

أرجو من القارئ أن يتأمل معى، ولو للحظة قصيرة وضع الباحث المسلم العربى الذى يحرص على تجديد الفكر الإسلامى وإثراء اللغة العربية بمعجم علمى حديث، ويجتهد حتى يصبح ما لم يمكن التفكير فيه منذ القرن الخامس عشر ممكنًا التفكير فيه، وما لم يفكر فيه بعد الفكر الإسلامى مفكرًا فيه ومفهومًا وملموسًا.

وعندما يتفرغ الباحث لهذا العمل بنية خالصة وتحمس لدعوة فكرية ثقافية، إذ به يجد أن عددًا من زملائه المثقفين يتجاهلون ما يصدر ويُنشر ويضربون صفحًا عما قرأوا أو قرروا ألا يقرؤوا، ولا يشيرون مرة واحدة لا بالقبول ولا بالرفض إلى اجتهاد يستحق التذكير والتأييد.

وإذا بفريق ثان من العلماء المرموقين يثورون ويهاجمون ويفترون كذبًا، ويحمّلون الكاتب ما لم يخطر بباله مرة واحدة وما لم يقصده البته، ويرددون ذلك فى المجلات والجرائد المغذية للمخيال الشعبوى، حتى إذا طغى ذلك المخيال واكتسب قوة سياسية، ينقلب المغذون والمؤيدون له إلى أعدائه ومشرديه ومبطليه.

وإذا بطائفة ثالثة تشكو من صعوبة المعجم وتعقد التركيب وغريب النزعة وثقل أسلوب الترجمة، هكذا يتلقى المجتمع العربى المعاصر جهود أبنائه الذين لا يستطيعون أن يتحملوا تأثير العوامل السلبية فيه وانتشار الجهل وعدم التسامح، وهكذا تتجدد سوسولوجية الفشل التى همشت ابن رشد وأمثاله وأزالت نفوذهم الفكرى والثقافى وقضت عليه.

ثمة تحديات عديدة تواجه المثقف العربى المسلم فيما يخص علاقته بالدين والمجتمعات التى تموضع فيها.

فمن ناحية هناك التحدى الذى ذكرناه مبدئيًا، وهناك تحدى الصورة الأسطورية/ اللا تاريخية المرتسمة فى ذهن الجماهير المسلمة عن الإسلام فى عصره الذهبى «أسطورة العصر الذهبى»، تلك الصورة التى تدشن للأصول المتوهمة التى تورط مثقفين كبار بحجم روجيه جارودى ونصر حامد أبوزيد فى رفض الأصولية الماضوية المنحفرة فى بنية الوعى الأصولى المعاصر، فيناهض كل منهما الأصولية، فى محاولة للتجاوز وصولًا إلى أصولية إسلامية نقية، باختصار إشكال البحث عن أصول.

الإسلام اليوم فى محنة حقيقية، فهو يعانى من تشويش انتهاكى وتعد أيديولوجى، من كل مدعى الأسلمة، فكل داعية يقدم إسلامًا يدّعى أنه ذو الأرثوذكسية والصحة المطلقة، وخلافه كفر، أو تجديف لا طائل من ورائه، ومع تشكيل هذه الخصوصية- هى فى الحق خصوصية- لا يعترف صاحب كل تصور بأن إسلامه شأن شخصى.

إذا أضفنا إلى ما سلف ذكره صعوبة إن لم تكن استحالة التواصل بين المثقف المعلمن/ المتسلح بالوعى النقدى وبين الجماهير العريضة، المعتمدة على ثقافة شفهية مستقاة من خطب الجمع ودروس المساء.

هذا عن الجماهير التى تعتمد فى فهم إسلامها على آليات عمل العقل الإيمانى/ العملى/ الاعتقادى، بعيدًا عن المسلم الذى يحاول الاطلاع على اجتهادات بعض مفكريه، فيقبل القدماء ويرفض المحدثين مثلًا مسلحًا باستراتيجية الرفض.

فالقارئ- كل قارئ- يتصف بما يسميه علماء النفس والألسنيون باستراتيجية الرفض، وذلك لأن كل قارئ أو مستمع لخطاب ما هو ذات مشكلة بواسطة عقائد ومبادئ يقينية ومقدمات أيديولوجية ومقاييس موروثة، وكلها راسخة فى العقل والمخيال ومكونة للوجدان وموجهة ومكيفة للإدراك، وهذه العوامل المركبة تكون نسق الذات.

وعندما يطرأ على هذا النسق المجهز القوى مفهوم غير مألوف ونظرة للعقل غير متلائمة مع «المورووث والمعتاد» يلتجئ القارئ أو المستمع إلى وسيلة من وسائل الرفض لحماية نسق ذاته حتى لا ينحل ويتفتت، فتنحل بذلك الشخصية، وهكذا تبطل وتستحيل المواصلة بين العقول والضمائر، وتبقى البنيات الفردية على ما هى عليه، ويستمر المجتمع مكررًا لتقاليده ومولدًا للأساق الذاتية نفسها.

لعل هذه باختصار محنة الإسلام اليوم.

عندما كتب أيمن دراسته عن «الظاهرة القرآنية» وذهب لنشرها فى مجلة «أدب ونقد» قبل صدور الكتاب، رأت رئيسة تحرير المجلة الكاتبة الكبيرة فريدة النقاش ضرورة تغيير العنوان، لأنه بدا مثيرًا كما اعتقدت، وتعرضت الدراسة نفسها إلى حذف رقابى لذات السبب، فتم تحويل العنوان من «الظاهرة القرآنية» إلى «النص القرآنى.. محاولة للفهم».

يقول أيمن: على الرغم من الفارق الجوهرى بين الظاهرة والنص، وكذلك بالرغم من قدم مصطلح الظاهرة القرآنية حيث عنون به المفكر الإسلامى الجزائرى مالك بن نبى أحد أهم كتبه، ولم يتهمه أحد بالكفر، فبدوت وكأنى جاهل أمام قارئى، لأنى لا أعرف الفرق بين النص والظاهرة والخطاب.

كان محور هذه الدراسة الفرق بين الصوت والنص.

فالصوت/ الكلام المسموع يمثل الثقافة الطبيعية والشفيهة التى تشكل فيها القرآن كخطاب نبوى تلفظ به النبى كوسيط عن الله أو جبريل عليه السلام، والفارق بين الصوت والنص لم يستفد منه نظريًا على مستوى الفكر العربى، ولم يحظ باهتمام أغلب باحثى الإسلاميات.

ويرى أيمن أنه ثمة أهمية كبرى لهذه الدراسة فى مناقشة تشكل الرواية الحفصية «حفص عن عاصم» والنفعية «ورش عن نافع» وتثبيتهما مقابل الأحرف السبعة أو العشرة/ اللهجات القبلية لقراءة وترتيل القرآن، فمن منا يمكنه قراءة المصحف العثمانى بشكله الراهن قراءة سليمة دون الاستعانة بالذاكرة السمعية؟

فالصوت فى الثقافة العربية هو النص الأصلى التأسيسى، وليست القراءة/ الدلالة البصرية المتواطأ عليه باصطلاح اللغويين، ولعل هذا يبرر كونها- أى الثقافة العربية- ثقافة رجال لا مقال، ثقافة رواية لا دراية، ليست ثقافة مدونات نصية، هى ثقافة تعتمد فى أصولها القريبة على نقد الرجال/ الرواة وتصديق الفحول الثقات.

وينتهى أيمن إلى أن الثقافة العربية عرفت التدوين اليدوى فى مرحلة متأخرة نسبيًا، مع الأخذ فى الاعتبار التطورات والتغيرات التى طرأت على الخط العربى، شكله، تنقيطه، أسلوب كتابته، إضافة إلى كون التدوين وسيلة لحفظ وتثبيت الذاكرة السمعية بذاكرة بصرية، مع ملاحظة دور أمية النبى- غير المقطوع بها- وأثرها على التلقين الحى المباشر.

ويشير أيمن إلى أن استخدام مناهج الدراسة المقارنة بين الشفاهية والكتابية من شأنه تعديل العديد من أيقنتنا الزائفة.

ويحدثنا أيمن عن حجية الحديث، يقول:

من العام إلى الخاص تدور جدلية تعامل الباحث مع الإسلام، فمن محاولة البحث عن الجذور المعرفية للإسلام إلى محاولة نقد حجية الحديث النبوى الأحادى، أو استقلال الحديث الأحادى بالتشريع فى الفقه الإسلامى.

ففى ساحة الجدل الفقهى وجدنا بعض المغالطات الدائرة حول السُنة، حجيتها، وإلزاميتها، حتى اعتقدت أن قضية السنة ستحتل مساحة كبيرة من تفكيرى، وكشف الجدل المذكور اللبس القائم حول الفرق بين السنة الفعلية «الصلاة، تقسيم أنصبة الزكاة وخلافه» وبين الحديث «الكلام الذى صدر عن النبى وانتقل مرويًا وتم تدوينه نقلًا عن رجال سمعوه لأول مرة من النبى».

بدأت المصطلحات تتحدد أكثر، فنقول حجية الحديث بدلًا من السنة، والمدهش أن الحديث النبوى مثير لعدد كبير من الإشكالات، فمن السهل نقده وتمحيصه من خلال النموذج السلفى لنقد الرجال/ الرواة/ السند أو النص/ الرواية/ المتن، ومن السهل إنكاره حيال تعارضه مع صريح النصوص المقطوع بها فى بعض قضايا التشريع «مثل رجم الزانى، الاستمتاع بالجوارى»، فالحديث أحادى السند لا قطعى الثبوت ولا قطعى الدلالة.

هناك مجموعة ضخمة من الأحاديث التى تحتاج إلى غربلة وتصفية

لكن الإشكال الذى واجهنى هو: لماذا يقتنع الناس بحجية الحديث إلى هذه الدرجة؟

هنا يبرز دور الفقهاء والدعاة الذين وجدوا فيه مسلكًا سهلًا لتلوين مقولاتهم والاعتماد عليه فيما ليس فيه نص قرآنى ملزم، إن زحزحة علمية لمكانة الحديث لازمة وضرورية، لكنها ضد الوعى المؤدلج لدى بعض الباحثين الذين يدافعون عن نسبية النص القرآنى وأسباب النزول- الناسخ والمنسوخ- يعتمدون أساسًا على الحديث فى هذه الأمور حيث إثباتها مرتهن بثبات حجية الحديث، رغم أن أغلب هذه الأحاديث الموضوعة.

فالحديث النبوى يحظى بوصفه المرجع الثانى فى الأدلة الفقهية التى تنبنى عليها الأحكام باهتمام كبير من غالبية الباحثين، لكن الاهتمام الأكبر من وجهة نظرى ينبغى وأن يكون بتحديد مكانته المعرفية، ليس حسب الصحة أو الضعف، ولكن بحسب معقوليته وتوافق دلالته مع النص القرآنى، لأن القارئ لكتابات المحتفين بالسُنة سيكتشف أنه عرضة سهلة لكمية كبيرة وضخمة من الأحاديث التى تحتاج إلى غربلة وتصفية، لأنه غالبًا ما يتخلى عن استراتيجية الرفض لصالح الوعى الدينى المترسب فى بنية ذاته الواعية، بوصفه كائنًا متدينًا.

يجب الخروج من السياق المغلق الذى يجد ضالته فى حجية الحديث النبوى
 

وهو أمر غاية فى الخطورة مع اعتبارات كالوضع والانتحال، فالأمر لا يتعلق بإنكار أو إثبات حجية الحديث قدر ما يتعلق بنصف هذا الدين، لذا فالحاجة ملحة لمراجعة مكانته الآن لوضع حد للتشويش الأيديولوجى الذى يقوم به مستخدمو الأحاديث النبوية خارج سياقاتها الطبيعية، اعتمادًا على إهدار السياق لصالح خصوص السبب وعموم الدلالة، كما أن مراجعة كتلك التى ننشدها شأنها حسم العديد من قضايا الاختلاف فى الفكر الإسلامى السنى أو الشيعى على السواء، لصالح الخروج من السياق المغلق، الذى يجد ضالته فى حجية الحديث النبوى الشريف.

وتحت عنوان «نقد الاجتهاد» يبدأ أيمن بمقولة لجاك دريدا يقول فيها «لا توجد نصوص قتلت بحثًا، ولا نصوص منهكة»، وفى هذا الطرح يحدثنا على النحو التالى:

نقد الإسلام الوضعى يشمل فى النهاية نقد الاجتهاد بوصفه فاعلية ذهنية فى فهم النص والواقع معًا، يتجاوز جمود النص فى حركة الواقع، وبالتالى فإن أحد أهم محاور هذا النقد على مستوى الفقه، أى نقد مفهوم الاجتهاد الكلاسيكى بوضع تصورات لا تأصيلية أقرب إلينا من التصورات القديمة عن القانون والدولة والمواطنة والشريعة، إنها إعادة الصياغة التى ندعو إليها.

فى سياق جدل الباحث مع فكرة إعجاز القرآن، مثلًا وجدنا بعض الأسئلة التى قد تدور فى ذهن المسلم، ويخشى الإفصاح عنها مع معقوليتها مثل: ما الصفات الواجب توفرها فى نص ما حتى يكون مقدسًا، معجزًا؟ ثم ما هى أسس الإعجاز فى النص القرآنى، لنصل إلى مفتاح مركزى للقضية، إن أهم شروط الإعجاز والقدسية هو الجهل/ الغيب كمفهوم تأسيسى فى الأديان.

تمامًا كما أن السحر علم مجهول المصدر بالنسبة للمتلقى المندهش، لكنه معلوم للساحر/ صانع الألعاب، أو الجهل أو الغيب الذى يحتل مكانة معرفية مرموقة فى الأوساط الدينية، أصل الإعجاز المفترض، فالإعجاز هو قدرة الآخر على إخفاء سر ما يقدمه لى، وهو أيضًا عجز الأنا عن فهم الآخر، والمعجز لنا مثلًا قد يكون عاديًا جدًا لغيرنا.

لنتخذ سر الهرم الأكبر كمثال، فهو إذ تم بالفعل بناؤه لا يعد معجزًا لمهندسه، ولكنه بالنسبة لنا إحدى أكثر عجائب العالم القديم إعجازًا من حيث أسراره التى لا تكتنه.

ثم مَن الذى سيحكم على نص ما بأنه معجز؟

تذكرنا هذه الفكرة بآيات التحدى الواردة فى النص القرآنى، للكفار بأن يأتوا بمثله، بسورة منه، بآية، من الذى سيحكم على النص النقيض المختلف؟ أليس هو الوعى البشرى القاصر على إدراك أسرار الإعجاز، أو ليس هو الوعى المشحون دلاليًا بعجزه عن إدراك السر، بل هو فى النهاية مؤسس الإعجاز بعجزه.

ثمة أفكار كثيرة تدور فى ذهن الباحث، تحتاج إلى مباشرة فى الطرح، وجرأة لا متناهية فى التناول، سنحاول الإفصاح عنها من خلال كتابات تدور حول طرح مفهوم فلسفى جديد لتجاوز تراث الآخرين عربًا وغربًا، من أجل نقض الثنائيات المتخلفة الحاكمة لتصوراتنا عن العالم التى ليست بالضرورة متطابقة معه.

وفى إطار وضعه للتصورات النظرية لمنهجه فى «نقد الإسلام الوضعى» يحدثنا أيمن عن «الأنا- الآخر نحو مفهوم جديد»، يقول:

لقد أنتج تاريخ احتكاكنا بالغرب عددًا لا يستهان به من العداوات التى شُحِنّا بها فى سياق تقسيم العالم إلى ثنائيات، فنصوغ مصطلحات مثل الإيمان/ الكفر، الذكر/ الأنثى، الله/ الشيطان، الروح/ الجسد، وهكذا تقف ثنائية الأنا والآخر كالواو المفصلية، منتصبة لإعلان عدم إمكان التواصل، لتتحول الأنا إلى ذات مثقلة بكل هموم تراثها ويصبح الآخر كائنًا مختلفًا، غالبًا ما يصبح عدوًا.

ولكن الباحث يحاول طرح مفهوم جديد لكل من الأنا والآخر منتميًا إلى تزمين الأنا- إلحاقها بزمنها- وآنيتها، وإلحاق الآخر بكل ما يميزه عنى، فالأنا الآن هى همومى، ومن ضمنها تراثى، ولكننى أتعامل معه بشكل مختلف، بوصفى ذاتًا مستقلة عن موضوع دراستى.

لعلنا من خلال هذا الطرح، والذى نلحّ عليه فى إشكالية المنهج أو تراث الوهم ووهم التراث، نتجاوز حروب التكفير الدائرة دفاعًا، أو الفهم الحيوى المنتج لتراث مختلف، من شأنه زلزلة اليقين المفترض والمريح على الأصعدة المعرفية كافة، إن فكرة نقد اليقين هى فكرة الأنا/ الآن، وليس الأنا الممتدة فى التاريخ التخيلى عند الآخرين، الأنا فى القرن الحادى والعشرين، تحاول دراسة إشكاليات معرفية تنتمى إلى ما يجاوز عشرات القرون من التاريخ المدون، لا بد وأننا سنفهم العالم بشكل يبدو مختلفًا، لتجاوز ما يجب تسميته آخر.

قفز أيمن فى كتابه الثانى «فى نقد المثقف والسلطة والإرهاب» قفزة هائلة فى مشروعه وأفكاره.

اعترف هو فى مقدمته بأنه لم يكن ينوى أن يتخلى عن دور الباحث كما مارسه فى كتابه الأول «فى نقد الإسلام الوضعى» ليمارس دورًا لا يختلف كثيرًا، وإن كان أكثر تحررًا من دور الباحث، ففى كتابه الجديد يتحرر فى بعض مقالاته من قيود البحث الرصين، ويمارس كتابة قد تبدو مختلفة، ولكنها ليست متخارجة عن سياق خطابه العام، إن كان ثمة خطاب يتشكل فى أنواع أخرى من الكتابة غير البحث أو الدراسة المنهجية.

يعتبر أيمن أن كتابه الثانى مشاركة إيجابية فى صنع مستقبل الثقافة فى مصر والعالم العربى والإسلامى.

يقول: نحن لم نزل متورطين فى الدفاع عن قيم لا تكاد تترسخ حتى تهتز، ولا نكاد نطمئن لاتفاقنا عليها حتى تعصف بنا عواصف الاختلاف حولها، ولا نكاد نريح عقولنا من عناء جدل طويل، نظنه لا يجتهد سوى فى العقم، ولا نقول جدلًا عقيمًا حتى نقع فريسة لجدل أطول، أكثر حدة وفجاجة، إنه قدرنا فيما يبدو، ألا نكف عن الدوران فى حلقات جنونية مغلقة دوننا، لا تمنحنا فرصة لالتقاط الأنفاس ومعاودة الالتفات إلى ذواتنا.

من بين الإسهامات الفكرية العبقرية التى نشرها أيمن فى كتابه كان مقال «ذهنية القطيع».

يقول إن هذا المقال كان فى الأصل ثلاثة مقالات متصلة منفصلة، فشل الكاتب فى نشرها سواء داخل مصر أو خارجها، فرأى دمجها وتهذيبها لتصلح للنشر، خصوصًا أن الهم واحد، والسؤال مشترك، فكلها وغيرها محاولات للبحث عن بداية جديدة لبناء فكرى جديد، ربما ننجح معًا فى تأسيسه.

يبدأ أيمن بمقولة لـ«جون ستيوارت ميل» يقول فيها: لو أن إجماع البشرية انعقد على رأى، وخالفها فى هذا الرأى فرد واحد، لما كان للبشرية حق فى إسكات هذا الفرد، بأعظم من حقه فى إسكات البشرية، إذا تهيأت له القوة التى تمكنه من ذلك.

وبعد حديث مطول عن ذهنية السماح الديمقراطى، وذهنية الروبابيكا، يدخل أيمن عبدالرسول إلى مناقشة ذهنية القطيع من خلال قصة «خراف بانورج»، وهو شخصية مهمة من شخصيات «بنتاجربول» لرابليه، وهى قصة تصور مدى الانسياق للجماعة تحت تأثير التقليد الأعمى والاتباع بلا أسئلة.

ملخص القصة أن «بانورج» اشتبك فى مشاجرة مع أحد التجار، أهين فيها إهانة بالغة، أراد بعدها أن يثأر لنفسه من التاجر، ومن ثم فقد ابتاعه خروفًا وأطلقه فى الهواء، وسرعان ما ألقت سائر الخراف بنفسها فى الماء وراء ذلك الخروف واحدًا بعد الآخر، ولما أبصر ذلك أخذ يعدو وراء آخر خروف من الخرفان محاولًا أن يمسك به، فلما ألقى الخروف بنفسه فى الماء، قفز التاجر نفسه وراء الخراف.

أليس هذا ما يعيشه العالم العربى حاليًا، وهذه هى صورة الرأى العام الواحدى الدوجمائى الديماجوجى فيه، فأصحاب المصلحة هم من يوجهون القطيع إلى حيث يشاؤون والقطيع ينطلق بلا هدف سوى المرسوم فى مخطط صاحب المصلحة، على استعداد أن يفدى السلطان بالروح أو بالدم.

ولكن ماذا عن الشخص المفرد، الإنسان المستقل فى مواجهة القطيع، إن القطيع كما يقول «نيتشه» يصرخ به قائلًا: إن من يفتش ويبحث يضل الطريق، وينحرف عن سواء السبيل، وكل وحدة تفرد ما هى إلا خطيئة فى حد ذاتها، ولكن الفرد المتميز لا بد أن يسد أذنيه عن سماع صوت القطيع، فإنه يعلم فى قرارة نفسه أن صوته نداء العبودية يستصرخه فى أن يبقى، وصوت الوحدة نداء الحرية يستصرخه فى أن ينطلق.

أجل ما خُلق الإنسان المتميز لكى يسير وراء القطيع، بل خُلق ليكون ثورة دائمة على القطيع «نيتشه- هكذا تكلم زرادشت».

ولكن الإنسان بطبعه يعيش فى مجتمع، وللمجتمع عليه حقوق وعليه نحو مجتمعه واجبات، متى تتوقف حدود المجتمع القطيع، ويبدأ دور الفرد المتميز فى إعلان رأيه الحر، المغاير لما ألفه الناس، وما معايير الصراع بين المثقف والقطيع؟

يشهدنا التاريخ أن القطيع قد ينتصر على المدى القصير، لكن على المدى البعيد أو الطويل فإن الرأى الفردى يكون سلطة مؤسسة لتغيير المجتمع، فقد حكم على سقراط بتجرع السم، وتجرعه رضوخًا للقانون الذى فشل فى تغييره، رغم أنه كان مغايرًا له وللمجتمع الذى أنتجه وظل سقراط باقٍ ليومنا هذا.

وتعرض جاليليو للإعدام حرقًا، ولكنه اعتذر واحتال، فأصبحت فكرته هى الحقيقة، واعتذرت له الكنيسة- مؤخرًا- عن خطئها فى حقه، وكثير من رواد الثورات الفكرية فى التاريخ البشرى لم يعترف بهم القطيع فى عصرهم، ولكنهم الآن، وبانتصار التاريخ، هم أعلام الفكر الإنسانى ودافعو ثمن الحرية التى نعيشها الآن.

إن الخضوع لذهنية القطيع قضاء مسبق على الإبداع والتقدم، والأقسى من ذلك الأمر أن تشكل ذهنية القطيع ردعًا باطنيًا لكل من يفكر فى التغيير والثورة على الأوضاع القائمة.

وأول من يواجه المثقف الساعى للثورة هو القطيع الذى غالبًا ما يثور من أجله، ولو عقلوا لفطنوا، علينا أولًا أن نقف لنتأمل ونتفهم ماذا يقول هذا الجديد ثم نقف منه أى موقف، ولكن فى عصرنا الحديث يمكن لمذيعة تليفزيوينة ترتدى ملابس استهلاكية أن تمحو فى خمس دقائق من ذهن القطيع كل ما تقوله صحف المعارضة فى عام كامل، فهل يعقل هذا؟

والثورات الثقافية فى العالم لا تتأتى إلا بالتمرد على ذهنية القطيع، وتحويل مسارها، ولكن المأساة أنه عندما تستقر الأحوال لأصحاب الثورة تتجمد، وتصبح عائقًا لكل محاولة جديدة، يبذلها الآخرون فى التغيير.

لِمَ لا نترك التجريب فى حياتنا يأخذ حقه، ونهمل المبدعين الجدد لمجرد أنهم ليسوا مشهورين، ربما كانوا أفضل مما اعتادت عليهم ذهنية القطيع؟، إن ذهنية القطيع وعدم احترام الاختلاف، والحرية، ولغة الخطاب العنيفة بين المثقفين أنفسهم، من أهم العوائق التى قُدّر على المفكر العربى اجتيازها، فظل يعمل كسيزيف فى الأسطورة القديمة، كلما رفع الحجر عاود الحجر النزول من قمة الجبل، وكل سيزيف جديد يعتقد أنه أدى دوره، ولكننا ندور فى حلقة مفرغة من البدايات الهدمية دون بناء، خوفًا من لعنة الآلهة التى نالت برومثيوس سارق النار.

ولكن علينا كما قلنا من قبل أن نسعى، وعلى غيرنا، إن قدّر له ذلك، أن يدرك النجاح، المهم أن نستمر فى سعينا الدءوب فى مواجهة كل هذه الخرابات الذهنية، فى عقلنا العربى ومشتقاته فى محاولات دائمة لخلق جديد، وإبداع جاوز ذهنية القطيع، مؤمن بالعقل، مدافع عن العدل، رافض لأى سلطة تحد من حرية الإنسان.

إن تأسيس هذه المبادئ من وجهة نظرى المتواضعة بداية لازمة لأى بناء جديد.

التجديد هو إعادة قراءة ما أنتج سلفًا بعيون عقلانية متزامنة مع معاناة الأمة المسلمة وقضاياها

وفى خطوة مهمة يضع أيمن ما يمكننا اعتباره خطوة ناضجة وتقدمية جدًا لتجديد الخطاب الدينى.

تحت عنوان «تجديد الخطاب الدينى.. وذهنية الالتباس» يذهب إلى أن إشكالية التجديد أخطر من فهمها بسطحية، فالناس فى شوارعنا لا تعرف تمامًا ماذا نعنى بالتجديد.

ويعرّف هو التجديد بأنه إعادة قراءة ما أنتج سلفًا بعيون عقلانية متزامنة مع معاناة الأمة المسلمة وقضاياها، فالعقل الإسلامى عندما يطرح قضية التجديد فهو يطرح قضية حياة أو موت، لا هزل فيها، فعندما يقرر نبينا الكريم أن الله يبعث على رأس كل مائة من يجدد لهذه الأمة دينها، فهو يقصد مواءمة الإسلام للعصر لا ملاءمة العصر للإسلام، وإلا فما جدوى مفهوم التجديد.

ويرى أن الثابت أن إلهنا واحد، وأن صلواتنا خمس، وصيام رمضان وزكاتنا فريضة، وحجنا أمانة على من استطاع أداءه، وأن نبينا محمد، فيما عدا أركان الإسلام ومن بعدها الإيمان، فكل شىء قابل للنقاش، وليس المفاوضة، الحوار لا الشجار، التجديد لا التبديد، لذلك فتجديد الخطاب الإسلامى فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلًا، إذا تحصنا بفهم واعٍ لتيارات العقل الإسلامى وروافد تشكيله وأهدافه وغاياته النبيلة، كان من حقنا أن نمارس حق النقد فى مراجعة كل معارفنا حول الإسلام من حيث إن الفكر الدينى ليس تنزيلًا من التنزيل وإنما أحد أنماط التأويل، فهل ثمة ثابت فى علاقتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ويضع «عبدالرسول» المهمة التى ينبغى علينا أن نقوم بها، فلزامًا علينا ممارسة قراءات أكثر تحررًا، وأكثر تعقلًا ممن سبقونا، فإذا كان بعضنا مؤمنًا حقًا بضرورة تجديد الخطاب الدينى، أى تجاوز مرحلة نقده إلى مرحلة اقتراح بدائل معقولة للسائد والمهمين، فعلينا إعلان تلك البدائل بدلًا من المجادلات حول من يجدد، ولأى غرض، وأن نحرص على نفى التفكير، وإشاعة المنهج النقدى من أجل التغيير، والعودة إلى إسلامنا أكثر وعيًا بقدرته غير النمطية على قبول الاختلاف، فى الفروع وربما فى الأصول، لِمَ لا، إن كان هدفنا الوصول فى النهاية هو الوصول لصيغة إسلامية تحتفى بالتسامح وتشجع الاختلاف، وتنتقد ذهنية الاتباع، من أجل إعلاء قيم الإبداع، تدعم الحرية بدلًا من دعم القهر، ترعى حقوق المواطن، بدلًا من إقصاء الذميين، تدافع عن حق العقل فى السؤال، بدلًا من حبسه فى مظلة الإجماع.

تجديد الخطاب الإسلامى مهمة كل مسلم ومسلمة- كما يرى أيمن- على مستوى النظر والعمل، وفقه التيسير رافد من روافد التجديد على مستوى الفقه، وعلى مستوى العمل ومحاربة الانغلاق والوصاية على العقل الإسلامى من أمريكا وغيرها، أيضًا، مهمة كل مسلم ومسلمة حتى نخرج من دوائر الفعل إلى دوائر خلق الفعل.

ويقول: غلبنى الحزن عندما قرأت فى إحدى الصحف الرسمية ترحيب مجددى الخطاب الدينى بالأوامر العليا، فتفعيل العقل لم يكن بحاجة إلى توجيهات، وتجديد الخطاب الدينى ليس موضة يخوضها أصحاب النفوس المريضة والعقول المنحلة، وليس حكرًا على مرتدى الجبة والقفطان، ولا يخدعنا من خلعهما من الخارج وعبدهما من الداخل، فليس شرطًا أن يكون تفكير العمامة رجعيًا، ولا أن يكون تفكير البدلة الشيك تقدميًا، ولا يغرنك رواد الفضائيات الذين يفتون بما لا يفقهون ويتكلمون فى كل شأن وهم لا يعلمون، فالتجديد مهمة أفراد قبل أن يكون مهمة مؤسسات، والكتب التى تجدد الفكر الدينى متاحة وكثيرة قبل أن يصبح مطلبًا رسميًا.

وأهم ما يجب الوقوف عنده قبل تجديد الخطاب الإسلامى هو تحديد المفاهيم بدقة وعلمية، بدلًا من غلبة الالتباس على كل قضايا العقل الإسلامى، الالتباس الذى يسمى الشىء بغير اسمه، ويعطى النتائج قبل المقدمات ويستخدم الإسلام استخدامًا نفعيًا رخيصًا، يخرجه من دوائر العقل إلى النقل ومن الحرية إلى الاستبداد ومن العدل إلى الاستعباد.

إن أهم مهام تجديد الخطاب الدينى قتل القديم بحثًا وتساؤلًا ومساءلة حتى نتحرر من أوهام التقليد والتبعية

ويجب أن نحذر من الاستهانة بعقول الناس، فالشعب المصرى عقلانى، لكنه متساهل مع التخاريف، وهو إذ يقدّر قيمة العقل يقدّر أيضًا قيمه الدينية التى ورثها من أيام إخناتون إلى دخول الإسلام، ويعلى من شأن التسامح، الذى حاول أتباع الوهابية اغتياله بتشددهم المقيت، فيجب نقد الوهابية والوقوف فى وجهها البدوى، من أجل تجديد الخطاب الإسلامى بروح مصرية، تحتفى بأبنائها الباحثين عن الحقيقة وتقدّر عقولهم.

إن أهم مهام تجديد الخطاب الدينى- بحسب أيمن- قتل القديم بحثًا وتساؤلًا ومساءلة حتى نتحرر من أوهام التقليد والتبعية، تقليد القدماء منا، أو أتباع مجددى الخطاب الدينى تبعًا لأحدث صيحات الموضة الأمريكية، التى تسهم ذهنية الالتباس فى توحيد معارفنا معهم، فلم يعد كافيًا ترديد الشعارات عن الاعتدال والاستنارة والحرية والوسطية، فإذا كنا نحب إسلامنا ونخاف عليه، فلا بد من مساءلة أنفسنا عما قدمنا له، هل حاولنا تجديده، أم تركنا أنفسنا عرضة سهلة لكل من يبدده وهو يدعى التجديد؟.

وتأتى وصية أيمن الأخيرة فى هذا الاتجاه على النحو التالى: ليتجه كل منا إلى مصحفه، ليفهم كلام ربه كما أنزله على نبيه الكريم، وليراجع تفاسيره، وليقبل منها ما يتفق مع العقل ويرفض ما دون ذلك، ويغربل كتب التراث بحثًا عن الصالح والعقلانى والمنطقى الجميل، ويرفض كل ما هو فاسد أو خرافى أو ساذج وقبيح.

 

ومبكرًا، بحث أيمن عبدالرسول عن مستقبل التدين فى مصر، ووضع قراءته لهذا المستقبل بين ثنائية واضحة وهى الدروشة والروشنة، ومرة أخيرة أتركه معكم، ليتحدث إليكم مباشرة، يقول:

ترددت كثيرًا فى كتابة هذه السطور، إلى أن حُسم الأمر بدعوة وُجهت لى من الجمعية المصرية للتنوير لإلقاء محاضرة اخترت موضوعها بعنوان «مستقبل التدين فى مصر».

وفى أقل من نصف الساعة لخصت فكرة موضوعى وتركت المساحة للردود والتعقيبات، ونجحت فى توريط الحضور معى فى مناقشة المسألة من أكثر من زاوية، ولكن بعد الانتهاء من المحاضرة والمناقشات رأيت أننى لم أستوفِ الأمر حقه، ولم أقل كل ما فى نفسى، فعاودنى الإلحاح على الكتابة عن مستقبل الخطاب الإسلامى فى مصر بين الدروشة والروشنة، فالأمر بالفعل يحتاج الآن للمناقشة والجدل، وهل أهم من مستقبل هذا الوطن؟! من التزيد والمزايدة فى التأكيد على أن الإسلام، دين الله الخاتم، حاصل على صلاحية مطلقة لكل زمان ومكان، فلا مجال هنا لمناقشة هذه الصلاحية، ولكن كيف يفهم دعاتها هذه الصلاحية، إن الإسلام صالح لكل عصر وأوان؟!.

تلك هى المشكلة الحقيقية، إن فهم قدرة الإسلام على التطور والتجديد فهم فضفاض يحتمل أن يظنه كل ظان على هواه، فهناك من يرى أن هذه الصلاحية توجد فى الحل الإسلامى لمشكلات العصر، وأن كل داء له دواء فى القرآن الكريم وأن أى مشكلة يمكن حلها باللجوء إلى القرآن، بلا فهم واعٍ حقيقى لطبيعة مشكلات العصر، أو لطبيعة القرآن الكريم، إنما هى الثقة المؤمنة المطمئنة إلى فهم حرفى لقوله تعالى: «ما فرطنا فى الكتاب من شىء».

لن ندخل فى جدل حول معانى الآيات، وقابليتها للتأويل، ولكننا سنتخذ مثالًا واحدًا على التزيد فى الإيمان والمزايدة به.

بحسن نية، وثقة لا تجد من يحسد صاحبها عليها، أصحاب فكرة الإعجاز العلمى فى القرآن مثلًا يدّعون أن القرآن كتاب فى الفلك والكيمياء والفيزياء والأحياء وكل ما يخص العلم من تخصصات، حتى علوم الفضاء، وما إن تظهر نظرية علمية حصيلة جهد سنوات وسنوات فى معامل مغلقة، أو فى الفضاء، حتى يتوصل إليها فريق من الباحثين والعلماء، ثم يأتى أحد مفكرى الإعجاز وهو مستريح فى مكتبه المكيف ويقول إن هذا وجه من وجوه الإعجاز أيضًا ليضرب الغرب الكافر فى مقتل، وليثبت لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه النظرية لها أصل فى القرآن، ودونك استشهاد أحدهم على الفضائيات وعالم الستالايت بقوله تعالى: «لتركبن طبقًا عن طبق»، ولا تعليق!.

ثم تأتى المفارقة بعد ذلك أن هذه النظرية العلمية، التى أثبت صاحبها أنها ذات مصدر قرآنى، أثبتت فشلها نظرية أخرى، فينقل المفكر «العطا» على النظرية الجديدة مثبتًا أنها تطور للنظرية الأولى ولها أصل قرآنى أيضًا، وتسهم ذهنية الالتباس وغياب الوعى الدينى النقدى فى قبول هذه المهاترات.

إن العلم عند هؤلاء تحول إلى دجل وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، وأنهم يخدمون القرآن، والقرآن غنى عن خدماتهم، والإسلام لا يحتاج إلى دلائل لإثبات صحته، فهذا تفكير قاصر.

وتحضرنى هنا تلك الطرفة التى ألقتها امرأة من عامة الشعب عندما خرج الآلاف يستقبلون عالمًا جليلًا، فسألت واحدًا منهم: إيش يكون؟ فقال لها: العالم الجليل الذى ألّف مائة كتاب لإثبات وجود الله.

فضحكت المرأة وقالت: وهل وجود الله يحتاج إلى تأليف مائة كتاب لإثباته؟!.

ونعود إلى فكرة كيف نفهم صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان حتى نضع حدًا للفوضى الدلالية، والتشتت المعرفى، وصعوبات التواصل بين الضمائر.

كنا وما زلنا ننادى بتجديد الخطاب الدينى قبل «١١ سبتمبر» بزمن طويل منذ جرجرة المفكرين للمحاكم؛ لأنهم قالوا ما أسىء فهمه، أو تأويله، عن عمد وقصد وسوء طوية، أو عن جهل وغباء، وحسن نية.

لا يهم، المهم أن دعوتنا لتجديد الخطاب الدينى هى شكل من أشكال إيماننا بقابلية الإسلام للتطور، والتجديد، وكانت معاركنا بين الحرص التقليدى للدين الإسلامى «المؤسسات الرسمية، وبعض وعاظ المنابر الساخنة» والحرس الثورى «الجماعات المتطرفة» تدور حول أننا نريد عصرنة الإسلام، وهم يريدون أسلمة العصر، أى صبغه بصبغة إسلامية، نحن نريد أن نصبغ الدعوة بصبغة عصرية، وأن نستخدم التقنية الحديثة فى التواصل مع الناس، لدرجة أن مشكلة بعض المفكرين الإسلاميين مع الجمهور كانت تتجلى فى أن الداعية لا بد وأن يرتدى عباءة تقليدية فوق البدلة الأنيقة ليقترب شكليًا من التصور الذهنى لرجل الدين الواعظ المسلم أو الداعية، وكان أستاذنا وشيخنا، غفر له الله، محمد الغزالى، يرفض أى محاولة للخروج على الشكل التقليدى للداعية!.

نقول ذلك لأننا بالفعل مع التجديد، بل ومن أقدم دعاته، إن جاز هذا التوصيف، ولكننا أثناء انشغالنا بتأسيس وعى علمى بالتراث الإسلامى، والانهماك فى أبحاث ودراسات ومناقشات حادة، متخيلين أننا، وأقصد مجموعة المتهمين «بتجديد الخطاب الدينى»، نجدد الخطاب الدينى- وجدنا الساحة قد أفرزت دعاة جددًا، لا هم مشايخ، ولا باحثون، ولكن اهتموا بتجديد الخطاب الدينى على مستوى الشكل، وإن كان المضمون لا يختلف كثيرًا عن الخطاب القديم.

التجديد كان فى الملابس، فلقد استبدلت العباءة بالبدلة الشيك، واللحية التى كانت عنوان الداعية القديم أصبحت خفيفة لامعة، واختفى التشدق اللفظى العربى القديم، وأصبحت العامية هى الوسيط المناسب لجمهور مختلف من الشباب الذى رغب عن القديم، رغب فى الجديد الذى يتماشى مع ذهنه، وثقافة الإنترنت وغيرها من مظاهر العصرنة، ودخل الإسلام والحمد لله حلبة العصرنة، وكم كنا سعداء بهذا التحول، بل وبلغ بنا التفاؤل مداه حتى إننا شبهنا الدعاة الجدد بالبروتستانت الغربيين، وأنهم- أو هكذا هُيئ لنا- فى صراع مع الدعاة القدامى «الكاثوليك»، إلى أن اكتشفنا أن الخطاب المدعو جديد، جديد فقط فى الأساليب الدعوية، أما المضمون فلم يتجاوز المفاهيم القديمة وأن التجديد لم يتعد تحويل الفصيح إلى عامى والعميق إلى سطحى والجد إلى هزل.

عندما تستمع إلى الدعاة لن تجد إلا خطابًا روائيًا يعمل على محور السرد القصصى المثير

ومن خلال استماعنا لـ«ألبومات» الكاسيت الدينية ومشاهدتنا الفضائيات، وجدنا أن من هؤلاء الدعاة من استطاعوا بأسلوبهم العصرى جذب عدد كبير من الشباب إليهم، الشباب الحائر الباحث عن هدى إسلامى، بينما الخطر كل الخطر فى هذه الظاهرة، هو أن من أولئك الدعاة من لا يحمل علمًا تقوم عليه عقيدة راسخة، أو فهمًا عميقًا وسليمًا لدين الله تعالى، ومن ناحية أخرى لا يحمل معظم الأتباع من الشباب وغيرهم من الثقافة الدينية ما يمكنهم من تفنيد أو مراجعة ونقد ما يلقى عليهم من مواعظ وحكم، أو معرفة الحد الفاصل بين الحق والباطل.

وإذا استمعت لهؤلاء الدعاة فلن تجد إلا خطابًا روائيًا يعمل على محور السرد القصصى المثير، والممتع، والمشوق، ومعظمه مبنى على روايات متناقضة، وتناقضات ملتبسة تجذب إليها النفوس الحائرة بمؤثرات نفسية، تلعب النجومية ووسائل الإعلام دورًا كبيرًا فيها، خطابًا بعيدًا عن الفهم القرآنى السليم. والقضية ليست فى نجاح تأثير الخطاب الدينى على نفس المستمع أو المشاهد، إنما القضية فى مدى ما يحمله هذا الخطاب من علم حق، وفهم سديد لدين الله جل جلاله.

هذا الجو خلق شكلًا من أشكال الدروشة، التوهان الدينى خاصة وهو يحرر الشباب العصرى من قيود ملامح الإيمان التقليدى، فلا لحية ولا جلباب ولا خروج فى سبيل الله ولا أعباء إضافية، مع ملاحظة مهمة خرجت بها من مناقشات مع شباب متدين حديثًا، وهى غياب محور القراءة من محاور تشكيل الثقافة الدينية، فالسماع وثقافة النقل الشفاهى هى الأصل.. وأن الكتب التى يعدها أولئك الدعاة هى فى الأصل شرائط كاسيت أو حلقات تليفزيونية تم تفريغها وطبعها فى كتيبات أو كتب.

هذه الدروشة اختلطت عند الشباب- الهاى- بالروشنة.

والروشنة لغة: من المصدر روش، يعنى الشاب المعتنى بنفسه واللى فى نفسه بيعمله، ومش حارم نفسه من أى حاجة، روش يعنى روش، كيف تنطبق هذه الروشنة على فهم الإسلام؟، وهل هى الشكل المابعد حداثى للفهلوة مثلًا؟!.

ليست هذه الأسئلة موضوعنا، ولكننا نتساءل بجدية وإخلاص، هل هذا الفهم للصلاحية الزمانية والمكانية للإسلام، فهم يستقيم ودين الله العظيم والقرآن الكريم؟، فلسنا بحاجة إلى حكايات الصالحين والصالحات، ولن يقوى إيماننا سرد القصص المعادة والمكررة التى حفظناها ولكن بشكل جديد، فلا هذا يثبت أن الإسلام تمت عصرنته، ولا تلك تقيم عقيدة قويمة، فماذا نريد؟!.

نريد باختصار ألا تورطنا دعوة التجديد فى التبديد، والتنوير فى التزوير، وألا يختلط الحق بالباطل، ونعود لنحاول إنقاذ الخطاب الدينى من الدروشة أو الروشنة التى جعلت أحد المتحدثين الشباب فى إحدى الفضائيات يقول: «إحنا مش هنخش الجنة بلطجة، الواحد طول ما بيصلى ويصوم ويعبد ربنا ويؤدى الفروض اللى عليه ويعيش حياته بعد كده ربنا يدخله الجنة على طول، الحكاية مش عافية؟!».

هذا أحد ملامح الخطاب التجديدى، التبديدى، التفليسى، التهليسى، الذى يجمع بين الدروشة فى لا عقلانيتها الواضحة والروشنة فى سطحيتها وأسلوبها فى العرض الساذج لقضايا ساخنة!.

بينما هذا هو الخطاب الأوسع انتشارًا، لا يقرأ أحد اجتهادات باحثين أجلاء، وإن قرأوا لم يفهموا، وإن فهموا تحصنوا بالرفض؛ لأن ما فهموه مخالف لما ألفوه، وما ارتاحوا إليه، لأن الناس ليس لديهم وقت للقراءة ولا للفهم فى سياق بحثهم عن لقمة العيش.

وفى هذا السياق تختفى خطابات من قبيل أعمال كبار المفكرين الإسلاميين أيًا كان موقفنا منهم أو معهم، لتملأ العيون صور الدعاة الفارغين من المضمون أصحاب الابتسامات الواسعة والخطابات الفارغة واستعادة آليات التأثير القديمة، التأثير العاطفى الانفعالى، بينما ينفى أصحاب الخطاب العلمى الجاد والنقدى، ينفى البعض، ويهمش الآخر، ويكفّر الجميع ولا حياة لمن تنادى.

وكأن حوار الطرشان كان ينتظر أن يدخله آخرون، ويحدد المتلقى من يسمعه بناء على ثقافته التى غالبًا ما تكون منعدمة.

يذكرنى الأمر برأى طلبة الثانوى فى مدرسيهم، فـ«الطلبة» هم من يحددون صلاحية الأستاذ، وليس العكس، والكارثة أن الأستاذ فى النهاية وهو يحاول النجاح لا يملك إلا مجاراة الطلبة، والظهور كيفما يحبونه أن يظهر.

فهل عصرنة الإسلام هى أن «الجمهور عايز كده» والداعية «تاجر شاطر» يقدم البضاعة التى يريدها الجمهور، فالأمر إذن تجارة، والإسلام هنا يصبح سلعة، تلف كيف يريدها الزبون وتباع له كما تخيلها.. فكيف الحال والزبون- أقصد المتلقى- لا يعرف أصلًا ماذا يريد؟!.

فهل ننتظر معشر الباحثين أكثر من ذلك لنضع حدًا لهذه الفوضى، وهذا القهر الذى يتعرض له الخطاب الإسلامى من قِبل دعاة الدروشة ومريدى الروشنة؟

لا بد أن نتحرك، لأننا لن ندخل الجنة بلطجة.. فهل ندخلها بناء على توصيات من الدعاة الجدد.. ألا قد بلغت، اللهم فاشهد.

 

هذه بعض أفكار أيمن عبدالرسول، كان كاتبًا جريئًا وشجاعًا، ومفكرًا مبشرًا بمشروع فكرى مهم، لكن خطفه الموت بعد أن عجز عن تحمّل ما يراه من انهيارات لأحلامه بوصول الإخوان إلى الحكم.

فى أرشيف أيمن عبدالرسول، غير كتابيه «فى نقد الإسلام الوضعى» و«فى نقد المثقف والسلطة والإرهاب»، مئات المقالات المهمة المبعثرة فى المواقع الإلكترونية والصحف الورقية، وأعتقد أن جمعها وإعادة إصدارها من جديد أمر مهم، ليس من باب الوفاء لأيمن فقط، ولكن من أجل إثراء النقاش حول قضية لا تزال ملغزة ومراوغة وهى قضية تجديد الخطاب الدينى.

لقد رحل أيمن وهو يشعر بظلم شديد، يحس بأنه أضاع عمره فى اللا شىء.

لكن ها هى الأيام تثبت عكس ما كان يقوله من أنه «مفيش فايدة»، يحزننى أنه لن يطّلع على ذلك ولن يستفيد منه بشىء، لكن من يدرى فقد تكون روحه راضية، لأن ما يحلم به من تراجع جماعات الإسلام السياسى وانكشافها أمام الناس قد حدث.. وأعتقد أننا لن نعود إلى الوراء أبدًا.