المحرر العام
محمد الباز

لماذا أسكتوه؟ خاص.. مذكرات الأنبا مكسيموس

حرف

- الأديان تعيش الآن فى محنة.. حيث يصدرها رجال الدين على أنها جاءت لسحق الإنسان رغم أنها جاءت لإنقاذه وسعادته.. أما استعباد رجال الدين للإنسان فهذا أمر يكرهه الله ولا يرضاه

- بدأت دراستى الأكاديمية بمسرحيتى سارتر «الذباب» و«الشيطان والله»

- الطائفية فى النهاية ليست إلا تعبيرًا عن ضيق الإنسان وأنانيته

- أطلب من المبشرين أو الدعاة أن يقدموا خبرتهم مع الله بالموعظة الحسنة

- معجب بما يفعله القمص زكريا بطرس.. فمنهجه ليس مسيحيًا

- إن الإنسان عدو ما يجهله.. والمسلمون لا يعرفون المسيحيين جيدًا

ثلاث سنوات من 2006 إلى 2009 كُنت تقريبًا ملازمًا للأنبا مكسيموس رئيس أساقفة كنائس القديس أثناسيوس الرسولى بالمقطم، لم يكن يمر أسبوع إلا وأزوره فى مقر كنيسته، نجلس بالساعات نتحدث ونتناقش ونتحاور ونتأمل فيما يقوم به وما يريده. 

وخلال السنوات التى فصلت بين عامى 2009 و2026 جمعتنى به جلسات عابرة واتصالات تليفونية كانت تتم بالصدفة. 

كانت أعرف حجم الخلاف بينه وبين الكنيسة الأرثوكسية، ورصدت عن قرب الحروب التى خاضها والمعارك التى فُرضت عليه، كنا نجلس سويًا نستعرض حملات التشويه التى تلاحقها، وكان يفكر فى طريقة مناسبة للرد عليها، لكنه كان فى النهاية يركن إلى عدم الرد.. فروح التسامح التى يحملها بين جنبيه جعلته قادرًا على أن يتسامح مع العالم كله وهو هادئ تمامًا، سعيد بما يفعله. 

كانت لديه أفكاره ومشروع روحى محدد، رفع به شأن الإنسان، كان يقول لى دائمًا لقد جعل الله الأديان فى خدمة الإنسان، لكننا خرقنا ناموس الله عندما جعلنا الإنسان فى خدمة الأديان. 

بسبب التضييق عليه ومطاردته فى المحاكم عاد مرة أخرى إلى الولايات المتحدة يمارس عمله من هناك، لكنه لم ينقطع أبدًا عن مصر ولا عن أهلها وناسها ومشاكلها وأزماتها، فلم يكن الأنبا مكسيموس مجرد رجل دين، ولكنه كان وطنيًا من الطراز الأول. 

حزنت بشدة عندما عرفت خبر وفاته، وزاد حزنى عندما ذهبت إلى عزائه فى كنيسته، عندما دخلت من البوابة الجديدة تذكرت أيامه فى القاهرة، عندما كان يرعى أفكاره ويحاول أن ينميها ويجعلها من أجل الإنسان، لكن هناك من قرر أن يحرمه من ذلك كله. 

لم يخب ظنى، فقد تجدد الهجوم على الأنبا مكسيموس، اتهموه بقاموس نرفضه وندينه، ألصقوا به ما يعانون منه، ولأن لهذا الرجل حقًا فى عنقى، فإننى أنشر هنا جانبًا من مذكراته.

كنت خلال جلساتنا معًا قد قمت بتسجيل ما يزيد على عشرين ساعة معه، حكى فيها كل شىء، وتحدث عن كل شىء، وكنت قد أعددت هذه المذكرات للنشر منذ سنوات، لكن كان يتأجل النشر لأسباب عديدة. 

الآن وقد مات الأنبا مكسيموس.. فإننى أنشر هنا بعضًا من هذه المذكرات، ليعرف من أخطأوا فى حق هذا الرجل مَن يكون.. وماذا كان يريد.

التقيت الأنبا شنودة لأول مرة فى حياتى وأنا طالب فى الثانوية العامة، كان لا يزال وقتها أسقفًا جديدًا للتعليم- كان ذلك حوالى سنة ١٩٦٦- كان يقوم بزيارة لكل الكنائس ودعا إلى كنيسة أبوسيفين بزفتى- وكانت زفتى هى مسقط رأسى، وكان أبى ضابط بوليس- وكما هو معروف، فضابط البوليس لا يستقر فى بلد واحد، جاء الأنبا شنودة إلى زفتى، وكونه أسقفًا جديدًا كان جميع الشباب يتهافتون عليه ويلتفون حوله للتصوير معه.. وكنت بطبيعتى لا أحب التهافت لا على الأشياء ولا على الأشخاص.. فوقفت بعيدًا حتى لا أزاحم أحدًا ولا يزاحمنى أحد. 

لاحظ الأنبا شنودة أن هناك شابًا صغيرًا يأخذ جانبًا ولم يتوجه إليه ليتصور معه مثل الآخرين فلفت نظره. 

سألنى: لماذا لا تتصور معى مثل زملائك؟

ولأننى كنت شابًا صغيرًا فلم أستطع أن أشرح له وجهة نظرى.

ووجدته يسألنى: ما اسمك؟

فقلت: ماكس ميشيل. 

فقال: وهل تعرف معنى الاسم؟ 

فقلت: لا. 

فقال: ماكس هو اختصار لماكسيموس باللاتينية أو مكسيموس باليونانية، وتعنى العظيم أو الأعظم.

كان هذا اللقاء بالنسبة لى- شاب صغير- لقاءً جميلًا ومثيرًا للإعجاب، وكان هو- ولا يزال- الأكثر لباقة فى الحديث؛ لدرجة لا توجد عند الآخرين الذين يعملون معه، ولأنه كان مدير الكلية الإكليريكية، فبمجرد انتهائى من دراسة الثانوية العامة التحقت بالكلية، لكننى عندما ذهبت إلى هناك وجدته يهمل القسم النهارى تمامًا- وهو القسم الذى يدرس فيه الطلبة الصغار الذين حصلوا على الثانوية العامة.. كان يرى أن هؤلاء الشباب لم ينضجوا بعد.. بينما الذين يدرسون فى القسم الليلى لديهم خلفية وكبار وسوف يتجاوبون معه بسرعة.. أما الصغار فإنهم يحتاجون لوقت أطول، وعطاؤهم سيكون أقل.

تخرجت فى الكلية وبينى وبين البابا شنودة فجوة وجفوة.. وكنت أقرأ كتب الأب «متى المسكين»

كان هذا الموقف سببًا فى صدمة نفسية أحاطت بى، وردة مبكرة عن الأنبا شنودة، لدرجة أننى اكتأبت، وكان هناك طبيب من أبناء الأنبا شنودة متفرغ للخدمة، ذهبت إليه وحكيت له ما يدور بداخلى وقلت له: أنا مريض جدًا- دائمًا أنام ولا أريد أن أستيقظ.. نصحنى الطبيب وكان اسمه «إميل ماهر»، وقال لى: أنت مكتئب، ولما سألنى عن السبب.. قلت له: لقد جئت إلى هذا المكان وفى عقلى وقلبى أحلام كثيرة- لكنها تبددت جميعًا.

كان لدينا فى الكلية كل يوم سبت اجتماع يحضره الأنبا شنودة والأنبا غريغوريوس، كان الأول مديرًا للكلية، والثانى يعمل وكيلًا لها.. كان كل الطلبة يحضرون هذا الاجتماع من السنة الأولى حتى السنة الرابعة بالقسمين النهارى والليل- وكان هناك كذلك قسم متوسط لكن تم إلغاؤه لاحقًا، ولا يزال موجودًا بالصعيد، وهو عبارة عن خمس سنوات بعد المرحلة الإعدادية.

فى هذا الاجتماع كان الأنبا شنودة يؤم الطلبة فى الصلاة ويسألنا عن مطالبنا.. كنت وقتها فى السنة الأولى ووقفت وقلت له: إننى حزين لأنك تهتم بالقسم الليلى على حساب القسم النهارى، وكان ما قلته جريمة لا تُغتفر.. كنت أعتبر ما فعلته اندفاعًا من شاب صغير فى السن.. وقد رد بذكاء الرد الذى أراده، قال: يا ماكس لما تبقى إنت مكس ما تعريش الناس.. وبذلك لم يرد على كلامى، ولكنه قال ما شاءه هو.

البابا شنودة

أصابنى كسر رهيب فى نفسى من السنة الأولى- وكان الأنبا شنودة هو السبب لأننى التحقت بالكلية الإكليريكية بسبب الإعجاب بشخصه، وكانت هذه هى بداية الفجوة التى كبرت مع الأيام.. وقد قمت بعمل يُحسب علىَّ بسبب صغر سنى، فعندما كنت فى السنة الرابعة قمت بالخدمة فى الكنيسة بالظاهر دون أن أحصل على إذن من الأنبا شنودة، وكانت هذه بالنسبة له هى الطامة الكبرى.. وقد عرف المسألة- وفى هذه السنة عرفت من الصحف أن مجلس الكلية قرر أن يمنحنى سنة زيادة لأن الأبحاث التى قمت بها لم تنل إعجابهم.. ربما كانت الأبحاث أو المواقف.. وفوجئت عندما عُلقت نتيجة البكالوريوس أننى مفروض أن أعيد السنة ولم أفهم سبب ذلك، كنت أنا الوحيد الذى عاد السنة فى الدفعة.. ولم أعرف لذلك سببًا واضحًا.. لكن كان فى ذلك خيرًا لى.. فعندما جعلونى أعيد السنة تخرجت فى دفعة ١٩٧٣.. وكانت دفعة ١٩٧٢ التى تخرجت قبلى بعام قد تم تجنيد أفرادها كضباط احتياط.. بينما تم تجنيدى كعسكرى فقط.

 البابا شنودة أصابنى باكتئاب وظلمنى كثيرًا فى حياتى منذ شبابى

تخرجت فى الكلية وبينى وبين البابا شنودة فجوة وجفوة.. لكننى كنت أقرأ كتب الأب «متى المسكين».. كان يصدرها باسم بيت تكريس فى حلوان، لم أكن أعرف شيئًا عن الخلافات المشتعلة بين الأنبا شنودة والأب متى.. ركبت إلى رمسيس ومنه إلى حلوان- كان رقم الأتوبيس «٤٤٤» ما زلت أذكره حتى الآن، نزلت حلوان أبحث عن بيت التكريس حتى وجدته.

جورج حبيب بباوي

عندما عدت إلى الكلية رويت للمشرف علينا قصة ذهابى إلى حلوان.. فسألنى بعنف لماذا ذهبت؟ وبدأ يحذرنى أن يعرف أحد ما فعلته.. سألته عن السبب.. فبدأ يلقننى كلامًا سلبيًا عن أبونا متى.. وأنه يكتب كتابات فيها أخطاء كثيرة.. كنت وقتها صغيرًا ورأيت أننى لا يمكن أن أفهم أكثر من المشرف.. لم أذهب مرة ثانية إلى حلوان ولم أقرأ مرة أخرى أيًا من كتب الأب متى.. والتزمت بكل ما طُلب منى. ظللت هكذا حتى عاد جورج حبيب بباوى إلى الكلية، كان معيدًا مبعوثًا إلى جامعة كامبريدج.. كان يريد أن يتحدث مع أحد.. بدأ يلتقى الطلبة الكبار.. وكنت وقتها قد قاطعت كتابات متى المسكين منذ ٣ سنوات، لدرجة أننى ذهبت مع زملائى مرة لزيارة دير الأنبا مقار.. وعرضوا علىَّ وقتها زيارة الأب متى لكننى رفضت.. كنت ألتزم فى ذلك بالتعليمات التى صدرت لى.. تعجب كل من كان بالدير.. لأننى كنت قبل ذلك ألح على رؤية ومقابلة الأب متى.

بدأ جورج بباوى يتحدث معنا فى موضوعات مختلفة.. والمفاجأة أنه كان يقول نفس الكلام الذى يردده الأب متى.. وكانت تلك هى القشة التى قصمت ظهر البعير.. بل هى التى فجرت البعير نفسه.. إن جورج لم يتتلمذ على يد الأب متى.. ولم تكن بينهما علاقة أو لقاءات، بل تعرّفا على بعضهما العض بشكل سطحى.. ثم إن جورج حبيب تلميذ الأنبا «مينا المتوحد» البابا كيرلس فيما بعد، أى أنه سكة أخرى تمامًا.. كما أنه تتلمذ على يد البابا شنودة، والأب متى المسكين رجل درس فى الصحراء.. فكيف يقولان نفس الكلام بنفس الصيغة والأسلوب.

 التقيت الأنبا شنودة لأول مرة فى حياتى وأنا طالب فى الثانوية العامة

وبعد أن كانت هناك فجوة نفسية بينى وبين البابا شنودة بسبب إهماله لنا فى الكلية الإكليريكية، أصبحت بيننا فجوة فكرية بسبب آرائه فى أفكار وإنتاج الأب متى المسكين الفكرية والعلمية. بدأت أدرس بنفسى، وكلما تعمقت فى البحث والدراسة زادت هذه الفجوة واتسعت.

بعد أن تخرجت التحقت بالخدمة فى كنيسة مارى مينا بشبرا.. وهناك حدثت مشكلة إدارية بين القسيس الجديد الذى يريد أن يبسط نفوذه على المكان وأمين الخدمة بالكنيسة، كان الاثنان من أبناء البابا شنودة.. فوضعانى فى وجه المدفع وقررا تقديمى ككبش فداء.. رغم أننى كنت أحاول أن أقوم بدور حمامة السلام بينهما.

كان هذا الموقف هو بداية الظلم الإدارى الذى تعرضت له فى الكنيسة. 

لم يكن لى فى الأمر ناقة ولا جمل كما يقولون.. كنت مجرد خادم متفرغ.. أى شماس.. ووقفت أمام البابا شنودة لأرى بعينى ما معنى الظلم والافتراء.. فالرجل لا يريد سماع أى دفاع، لا يسمع إلا رأيه بتسلط غريب، كان يسمع لتلاميذه والمقربين منه والذين يثق فيهم ويصدق على ذلك بخاتم السلطة.. أما الطرف الآخر فهو مخطئ مهما كان دفاعه أو ما يحمله من مبررات، مضت الجلسة كلها معه وهو الذى يتكلم.. وكلما أنطق بتعليق ولو قصير على كلامه يجعل منه برهانًا على ما يقوله هو.. فكل كلامه حقائق.. ولما خرجت من عنده كنت مجروحًا.. وكان الجرح غائرًا.

الأنبا مينا المتوحد

لم تكن لدىّ فرصة لعمل أى شىء آخر.

لكن السماء أرسلت لى أبى الروحى الذى أصبح مطران طنطا ومن بلدى أيضًا، أخذنى لأعمل معه هناك لتنتهى المشكلة ويُبعدنى تمامًا عن شبرا.. كان هذا الرجل يحبنى بشدة، كان اسمه الأنبا يؤانس، وكان صديقًا لخالى ولعائلتى أيضًا.. وكان يدعونى لتناول الطعام معه فى الوجبات الثلاث.. كان كريمًا وجليلًا ويحترمنى بشدة، وكنت أحترمه بنفس القدر وربما أكثر، كانت حكمته أن لديه شابًا صغيرًا يريد أن يوقره ويرفعه إلى مكانته.

لكن دوام الحال من المحال.

فى ذات يوم جاءنى الخادم ودعانى لتناول العشاء مع سيدنا، وعندما نزلت وجدته غير مقبل على الأكل فتوقفت عن الطعام، سألته عن سبب ضيقه فوجدته يمسك بعدد من مجلة «مرقص» التى تصدر عن دير الأنبا مقار الذى يشرف عليه الأب متى المسكين. 

سألنى: هل كتبت هذا المقال؟

قلت له: نعم؛ رغم أننى لم أكن قد وقّعته باسمى، كان اسم المقال «اختبارات مسيحية معاصرة»، ويعنى أننا نحكى أحداثًا شخصية لا يمكن أن تتوقعها.. فمن مبادئ الأرثوذكسية وتقاليدها ألا تتكلم عن نفسك.

 

كانت فكرة المقال عن التغيير الذى حدث فى حياتى.. كنت أتحدث عن الروح القدس التى تحل فى الإنسان ولم نكن نستعمل هذا التعبير الصارخ، كنا نقوله بحدود.. وكان يمثل عقدة الخلاف بين الأب متى المسكين والبابا شنودة.. ولم أكن أعرف ذلك بالطبع.. فقد كان عمرى ٢٦ سنة ولم تكن المسائل قد تبلورت عندى بعد.

قلت للأنبا يؤانس: ما الخطأ فى المقال؟

فقال: لا تسألنى أنا واسأل الذى علمك اللاهوت.

أعطانى قرشين، وقال لى: توكل على الله وحل مشاكلك بعيد، ذهب والدى إليه لمقابلته من ورائى وراح يستعطفه فرفض، ولم أعرف ذلك إلا لاحقًا. 

قال الأنبا يؤانس لأبى: ليس لى من الأمر شىء.. المشكلة كلها عند الأنبا شنودة.

ذهبت إلى الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمى الذى علمنى اللاهوت. 

قلت له: الإنجيل يقول أنتم هيكل الله وروح الله اسمكم. 

ذهبت إليه وأنا خائف، فقد كان إمام المتشددين، لكننى أردت أن أعرف الحقيقة ولم يكن لدىّ أى مانع فى أن أصوّب نفسى.. كنت ما زلت صغيرًا فإذا به يقول لى: إذا استعملت مصطلحات الإنجيل فأنت لا تخطئ.. فالمحصلة واحدة. 

هذا الكلام جعلنى أصمم على رأيى وموقفى وأقول إن ما أفعله صحيح.. كانت كلمات الأنبا غريغوريوس نقطة تغيير فى حياتى.. صافحته وشكرته وخرجت لدىّ قناعة بأنه لا فائدة، وعلىّ أن أبتعد بشكل كامل عن الكنيسة، حاولت أن أقابل البابا شنودة لكن كعادته كان يسوّف فى اللقاء ولم يحدث أن التقيت به، فخرجت نهائيًا من الكنيسة وأصبحت مجرد مصلٍ مؤمن.. كان الخيط الذى يربطنى بالكنيسة هو الصلاة فقط.

دخلت بيت تكريس أبونا متى المسكين فى حلوان.. قضيت هناك بعض الوقت حتى قررت إنشاء مؤسستى الدينية المستقلة بعيدًا عن بيت التكريس والكنيسة.. لم أتجه إلى أى كنيسة أخرى.. فقد أردت أن أبنى كنيستى.. وبالفعل بدأت فى تأسيس مؤسستى الدينية.. استأجرت بيتًا فى مصر الجديدة وكان أصحابى من تلاميذى وأقمت فيه.. بدأت أعمل اجتماعات وجاءنى الناس من كل حدب وصوب، ولما ضاق البيت بزائريه والمترددين عليه.. انتقلت إلى بيوت تلاميذى.

هنا بدأت المضايقات التى وقفت وراءها الكنيسة بالإبلاغ عن نشاطى وما كنت أقوم به.. كانت أجهزة الأمن تسير خلفى وتضع فى طريقى العراقيل بحجة أننى أمارس نشاطًا غير مرخص به، وفى مرة سألنى ضابط لطيف عن السبب فى عدم إقامة جمعية أمارس منها وفيها نشاطى بدل وجع الدماغ هذا لى ولهم.. كانت هذه هى الشرارة الأولى التى أنتجت فى النهاية مؤسسة القديس أثناسيوس.. وقد استغرقت وقتًا طويلًا حتى وصلت إلى هذه المرحلة.. حيث وصلت بى الأحداث إلى عام ١٩٨٢.

كان مصدر دخلى الوحيد فى هذه الفترة من بيت التكريس وبعض المساعدات التى كانت تأتينى من أهلى.. كانت الحياة بسيطة والالتزامات قليلة كشاب لم يتزوج بعد.. ركزت على الكتابة وقدمت مجموعة من الكتب الصغيرة التى وزعتها مع بعض الصحف.. وكانت تمثل جانبًا من مصدر رزقى.. كما كنت أوزعها على بعض الجمعيات والكنائس سرًا.. كنت أُصدر كل شهر كتابًا صغيرًا.. هذا غير بعض اللقاءات فى البيوت.. وامتد هذا النشاط طوال الفترة ما قبل عام ١٩٨٢.

بعد سنة ١٩٨٢ قررت الاستقلال بمؤسستى الخاصة.. فانفصلت نهائيًا عن بيت التكريس والكنيسة القبطية.. كانت كل أنواع العبادة والوعظ تمارس فى بيتى الذى استأجرته.. اعتبرنا أنفسنا كنيسة مستقلة.. لم تكن لدينا مقومات كلمة كنيسة إداريًا.. ولكن اعتبرنا أنفسنا مستقلين لا أرثوذكس ولا كاثوليك ولا بروتستانت.. كنت أرى أننا كنيسة لا طائفية ولكن نحن متعبدون عاديون نعبد الله مثل القدامى الذين عبدوه قبل تقسيم الكنيسة.

كنت أعرف الأمور الطائفية والدينية واللاهوتية جيدًا.. وكنت أعرف ماذا وكيف كان يعبد الله فى العصور الأولى.. استحضرت بأسس علمية الإجراءات التى كانت تمارس بها العبادة المسيحية فى عصور الاضطهاد، وكيف كانت الصلاة تقام فى المعابد خارج البلاد.. استحضرت الصورة القديمة وحاولت أن نصبح جماعة مستقلة غير متحيزة لأحد.. كنا فقط عبادًا لله.

ازدادت المجموعات التى كانت تتردد علينا.. وأصبحت لنا فروع فى المحافظات المختلفة، وعندما استقرت بى الأمور اشتريت قطعة أرض فى المقطم وبنيت عليها مؤسسة القديس أثناسيوس وقد حصلت على ترخيصها عام ١٩٩٢.. كنت خلال العشر سنوات التى فصلت ٨٢ عن ٩٢ أطوف فيما بين البيوت.. من بيتى فى مصر الجديدة إلى مختلف بيوت القطر المصرى أدعو وأعظ وأصلى.

أصبح لدينا غطاء قانونى.. كان يمكننى أن أذهب إلى كنيسة كاثوليكية أو أرثوذكسية عند أى قسيس صديق لى، لكننى قررت العمل بمفردى.. تزوجت وبعد أن هدأت الدنيا حولى قليلًا فكرت أن أواصل دراستى العلمية.

اتجهت فى البداية إلى اليونان- أرسلت أخى إلى القنصلية اليونانية وجاء لى بالأوراق وعمل الاتصالات، لكن كان الرد أن الأنبا بيشوى قام باتصالاته مع القنصلية اليونانية واتفق معهم على عدم إرسال أى بعثات إلى اليونان إلا بموافقته مباشرة.. بدأت أبحث عن وجهة أخرى لمعرفتى أن الأنبا بيشوى لا يمكن أن يوافق على إرسالى لليونان، كلفت أحد أصدقائى بالبحث على النت عن فرص دراسية.. وكنت أعرف سيدة تعمل فى السفارة الأمريكية بإحدى الدول الخليجية.. كلفتها بالبحث هى الأخرى ووجدتها ترسل لى بأنها وجدت مكانًا مناسبًا فى ولاية «نبراسكا».. بدأت الاتصالات وبدأت الدراسة التى استمرت ٣ سنوات.

فى وقت الدراسة كنت أعمل من أجل تأسيس كنيسة.. وهو أمر ليس سهلًا علىَّ إطلاقًا.. لكنه يختلف من ولاية إلى ولاية فى أمريكا- فولاية نيفادا مثلًا ولاية ساحلية والدين ليس متمكنًا فيها.. ولذلك فإجراءات تأسيس كنيسة هناك سهلة جدًا، فأعطونا الموافقة.. رويت لمدير الكلية التى كنت أدرس فيها فكرة الكنيسة.. قلت له: لقد تعلمتم على أيديكم التعاليم والأصول.. وهذه الكنيسة التى أسسستها غير أرثوذكسية ولا تتبعها.. فما رأيك وما الحل؟

عرض علىَّ أن أكون أسقفًا مساعدًا له على نيفادا.. وعندما أعود إلى بلدى هنا فى مصر أعود بنفس الوظيفة، ولذلك فقد تم ترسيمى على مقاطعة نيفادا، بحيث أستطيع أن أرعى مصالحى فى مصر بهذه الوظيفة وهذا اللقب.. وعندما عدت وأعلنت عما أنا قادم به قامت الدنيا ولم تقعد.. كان يجب أن يكون وضعى قانونيًا.. تكلمت مع مجمعى، فوافقوا على ترسيمى أسقفًا.. اجتمع الأساقفة على ذلك.. وكان لا بد من إرسال الخبر إلى بطريرك مصر الأنبا شنودة.. جاءه الخبر بشكل رسمى لتشتعل النار فى ثوبى دون أن تريد أن تنطفئ.

ذهبت الأوراق إلى البابا شنودة من خلال وزارة الداخلية.. وقد رد البابا على هذا الورق بأنه لا يعرف هذا المجمع أو محتواه ولا توجد أى علاقة تربطه به.. تحدثت معى وزارة الداخلية فى الأمر.. أطلعونى على رد البابا شنودة وكانت النصيحة هى أن أقوم بتوفيق أوضاعى.. سألت المحامى عن دلالة هذه الكلمة، فقال لى: لا بد أن تذهب إلى المحكمة.. وهو ما فعلته، فقد رفعت قضية أمام مجلس الدولة.

ورغم أننى أسير بشكل قانونى لكننى فوجئت بعاصفة من الرفض والحرب التى استخدمت فيها كل الأسلحة.. ولذلك أسبابه التاريخية.. لم تنظر الكنيسة المصرية لى على أننى شخص منتمٍ لكنيسة يونانية وينتهى الأمر.. لكنهم قالوا إننى قبطى ولست يونانيًا.. وإننى ماكس ميشيل ابنهم.. وظلوا يتعاملون معى وأنا عندى الآن ٥٨ سنة.. مثلما كانوا يتعاملون مع الشاب الذى كان عمره ٢٨ سنة، وكأن ٣٠ سنة من العمر لم تمض.. ولم يتغير فيها أى شىء.

بدأت الكنيسة هجومها علىَّ من خلال قناة «أغابى» والشتائم فى الصحف والتهكم غير اللائق

فوجئت بمن جاءنى بـCD عليه تسجيل من قناة «أغابى»، وفيها الأنبا بيشوى يجلس مع الأنبا موسى يهاجمنى بصراحة وبالاسم، ويردد عنى معلومات كلها مغلوطة، وساعتها أدركت أن رجال الكنيسة تعدوا مرحلة ظلم الناس إلى مرحلة الافتراء عليهم.

قال الأنبا بيشوى إننى كنت طالبًا فى طنطا، وإن الأنبا يؤانس هو الذى طردنى لأننى سببت له الكثير من المشاكل، والحقيقة أن مَن فعل ذلك معى لم يكن الأنبا يؤانس، بل كان البطريرك نفسه.. وقدجعلنى هذا الهجوم المباشر أفكر.. كيف أتصرف مع هؤلاء القوم؟ ابتعدت عن الخطأ.. أرسلت إلى مجمعى لكى أستشيره وبعثت إليهم برأيى، وهو أن نؤسس مجمعًا مقدسًا حتى نثبت أقدامنا من خلاله.. وافقوا على اقتراحى بعد مناقشته وأصدروا قرارهم بإنشاء المجمع ومنحنى رتبة رئيس الأساقفة.

بالفعل أسسنا المجمع وأصبحت لى صلاحيات، فقمت بترسيم وتعيين أساقفة مساعدين..وعندما أعلنت عن المجمع قامت الدنيا مرة أخرى لتتجدد المعارك والاشتباكات.

كان موقف البابا شنودة أن هذه الرسامة غير معترف بها، وأنه فيما حدث خروج عن الأرثوذكسية.. وهو بذلك يوظف نفس سياسة الظلم التى ابتدأها معى منذ ٣٠ سنة، حيث جعل من نفسه صاحب الحق المطلق، وقام بتهميشنا وتحدث فى الصحف عما قمت به لينفى قانونية الرسامة وينفى عنى أرثوذكسيتى.

لم يكن مناسبًا فى هذه اللحظة أن أسكت، لأن السكوت معناه أن كل ما قاله صحيح، ولكن وبما أن ما قاله ليس صحيحًا بالمرة، فكان لا بد أن أرد عليه وبقوة وأن أفتح ملفات الظلم والمحاكمات القائمة فى كنيسته بأسس غير قانونية.

كتبت ما عندى فى جريدة «الجوهر» التى تصدر عن كنيستى، ولم يكن ما فيه مواجهة مباشرة مع البابا.. ولكنه كان رد فعل عن اتجاه تحليل فكرى لما يحدث، وقد أخذ اتجاه الإجابة اللاهوتية والإصلاحية دون إنكار لأنه كان يتضمن الرد والرد المقابل عليه.

بدأت الكنيسة هجومها علىَّ من خلال قناة «أغابى» والشتائم فى الصحف والتهكم غير اللائق.. لهذا كان لا بد من الرد القوى وبطريقة واضحة.. ولذلك فقد ركزت على أسباب تأسيس مجمعى وكانت من خلال أربعة محاور:

أولًا: هناك مشكلة قومية بين المسلمين والمسيحيين وطريقة علاج الكنيسة لهذه المشكلة أسهمت فى تعقيد القضية وليس حلها.

ثانيًا: هناك مشكلة كبيرة فى وجود المحاكمات الظالمة فهى مشكلة كنسية خاصة، ولذلك وصفت عهد البابا شنودة بأنه أسوأ عهد مر على الكنيسة.. لأن هناك مظالم كثيرة ومحاكمات غير قانونية بالمرة أودت بحياة ومستقبل ٢٠٠ رجل من خيرة رجال الكنيسة.

هناك من ينتحر بسبب إغلاق باب الطلاق فى وجوههم

ثالثًا: لدينا مشكلة فى التعليم الدينى داخل الكنيسة.. فهو تعليم يتبنى قضايا ومشكلات العصور الوسطى، حيث تجاهلت الكنيسة القبطية تعاليم الآباء.

رابعًا: لدينا كذلك مشكلة اجتماعية ضخمة، فالناس لا تترك الديانة والطائفة فقط، بل هناك من ينتحر بسبب إغلاق باب الطلاق فى وجوههم.

فالمسيح لم يقل بذلك، وعندما سُئل.. كان السؤال ليس عن الطلاق فى حد ذاته، ولكن عن حق الرجل فى أن يطلق، أى بالإرادة المنفردة، وهو الحق الموجود للرجل فى الشريعتين اليهودية والإسلامية دون المرأة.. كان السؤال إذن عن حق الرجل فى أن يطلق امرأته لأى سبب، وجميع المجامع الأرثوذكسية تؤمن بأن الكنيسة فقط هى التى لها الحق فى فسخ زواج منهار، وهذا قرار الكنيسة، وليس حق الرجل دون المرأة، ولا حق المرأة دون الرجل.. وكان رد المسيح بأنه ليس للرجل الحق فى أن يطلق بالإرادة المنفردة إلا إذا قامت المرأة بالزنا، كما أن المبادئ الأرثوذكسية تتضمن أن هناك أسبابًا لفسخ الزواج الذى يسمى فى العصر الحديث التطليق، وليس الطلاق للضرر.

هذه إذن أربع مشاكل دينية وقومية وتعليمية واجتماعية.. وهى مشاكل مدمرة فى كل اتجاه ولا يجب السكوت عنها.. فكان لا بد أن يأتى مَن يتصدى لها.

لقد وصلت إلىّ هذه الأفكار لأننى أفكر بعقل مفتوح.

الأنبا يؤانس

أما الكنيسة فلا تفعل ذلك.. لقد أرسل البابا شنودة رسالة إلى الأنبا يؤانس بصفته مدير الكلية الإكليريكية فى طنطا يشكو فيها د. جورج حبيب بباوى، الذى كان يدرس فى الكلية، وكان ينتقد فيها جورج لأنه يطلب من الطلبة أن يقرأوا روايات نجيب محفوظ.أما أنا فكنت - وما زلت - أقرأ فى الفلسفة العالمية.. وفى شبابى كانت الفلسفة الوجودية هى البضاعة الرائجة فى العالم.. وقد يتعجب البعض بأن الذى قادنى إلى اليقين هو مسرحيات سارتر الإلحادية، خاصة مسرحيتى «الذباب» و«الشيطان والله». 

 فى الإنجيل ترى أن ما كان يفعله المسيح هو ترميم الإنسان حتى يكتمل الإيمان

بعد ذلك ظهر دور اللاهوت فى حياتى.. فقد رجعت إلى أقوال وتعاليم الآباء، بدأت بالإنسان مفكرًا.. فأنا أفكر إذن أنا موجود.. وطالما أن الإنسان يفكر فهو مؤمن، ولذلك فاللحظة عندى دائمًا فكرة.. أحلل الفكرة وأصيغها من الوجهة الإيمانية.. ولذلك تجدنى دائمًا أركز على الإنسان وفكره، ثم ألحق ذلك كله باللاهوت.

لقد فهمت ذلك كله من الإنجيل.. ففيه أن المسيح شفا رجلًا يوم السبت، ويوم السبت ممنوع العمل فيه.. فرد عليهم بأن السبت من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل السبت.. وبصياغة أخرى.. فالشريعة من أجل الإنسان، وليس الإنسان من أجل الشريعة، وفى الإنجيل ترى أن ما كان يفعله المسيح هو ترميم الإنسان حتى يكتمل الإيمان.. واحد أبرص خارج عن المجتمع يشفيه ليعود مرة ثانية إلى المجتمع فلا يكون منبوذًا.. واحدة أرملة يعيد إليها ابنها المفقود.. فهو يسعى ليسعد الإنسان.. لأن الغاية هى الإنسان.. وقد خرجت من ذلك كله بأن هذه رسالة المسيح الذى جاء ليسترد ويرد ما قد هلك.

إن الأديان تعيش الآن فى محنة.. حيث يصدرها رجال الدين على أنها جاءت لسحق الإنسان رغم أنها جاءت لإنقاذه وسعادته.. أما استعباد رجال الدين للإنسان فهذا أمر يكرهه الله ولا يرضاه.. بل يدفع الناس إلى أن يكرهوا الله.. وإذا سألتنى لماذا انتشر الإلحاد فى أوروبا؟ سأقول لك.. الكنيسة كانت السبب.. فبدلًا من أن تكون الشرائع لترقية البشر وتعليمهم.. تصبح أداة فى يد رجال الدين يفرضون سيطرتهم عليهم من خلالها.

أحاول قدر طاقتى أن أفكر بطريقة علمية.. أدرس اللاهوت أو الدين بطريقة موضوعية.. وهذا ما يجعلنى أرى نواحى جمالية فى الديانات الأخرى.. وهذا أمر ليس له علاقة بإيمانى.. فكل دين له مواطن جماله.

ولذا لا يزعجنى أن يأتى باحث ويقول إن بعض المزامير الموجودة فى الكتاب المقدس الذى نؤمن به والتى هى وحى من الله وكلمته هى نفسها مزامير إخناتون.. لأن مزامير إخناتون فى النهاية كانت موجهة لمن؟ كانت موجهة لإله واحد.. فلماذا نهدم حق الإخناتونية بأنها ديانة توحيد. وإذا كانت ديانة توحيد فما الذى يضرنا بأن تكون مزامير داود هى نفسها أناشيد إخناتون أو التى نترنم بها من الكتاب المقدس.

هذه واحدة.

أما الجانب الثانى من نظرتى للأديان، فأنا أتصرف بوجه تصوفى مع الله.. فبقدر ما أنا شخص موضوعى وأفكر بهذه الحرية بقدر ما أنا شخصية صوفية.. وعلى قدر ما أنا عابد بدرجة كبيرة.. أقضى أوقاتًا طويلة فى العبادة.. أستيقظ فى الفجر على صوت الأذان وعائلتى كلها نائمة وأستغرق فى الصلاة حتى التاسعة ثم أتناول إفطارى مع بناتى.. هذا النمط من العبادة جعل لدىّ خبرة صوفية عميقة تظهر فى اختبارات الشفاء.

ولا يزعجنى أن أصرح بأننى بدأت دراستى الأكاديمية بمسرحيتى سارتر «الذباب» و«الشيطان والله» وذلك:

أولًا: لكى أكون موضوعيًا، فسارتر ذكى ومبدع بطريقة رائعة ليست لها علاقة بأنه ملحد، استهوتنى كتاباته.. وأعجبت بأن ينقل فكرة أن الله فاشل لأن الشيطان وأتباعه نجحوا فى أن يتمردوا عليه.

ثانيًا: قوله إن للندم رائحة خاصة فى خياشيم الآلهة، وأن الله يسعده أن يخطئ البشر كى يقولوا له: ارحمنا.. وبذلك يظلون فى حاجة إليه.. كان يرى أن الخلاص قبيح فى لغته.. وأن الذى حمل النجاة للبشر هو المرأة الساقطة التى تمتلك الموهبة الساحرة، وهى قدرتها على منح اللذة والسعادة لهؤلاء القوم، كما يسب المسيح بطريقة ساخرة.. ثم فى النهاية الإله عنده شخص قاسٍ.. وأظن أن سارتر كان يجسد بطريقة حقيقية صورة الله التى رآها فى وجوه رجال الدين.. ولذلك جاءت الثورة التى قمت بها كمخزون لهذا الرفض العميق الذى جسده سارتر لصورة الله التى صاغها رجال الدين.

ثالثًا: خرجت لأرى الله فى صورة الفاشل الذى لم يستطع أن يحجّم الشيطان الذى كان ملاكًا ضمن الملائكة.. كما خرجت بفكرة أن الله يريد أن يقول له البشر.. ارحمنا.. ولم أجد أن الله لم يرحم أحدًا حتى الآن.. بعد ذلك فالقضية محسومة.. فالبشر جميعًا سيكون مصيرهم إلى النار.

لكن كان هناك مفكر لبنانى وفيلسوف اسمه كوستا بندارى، لم أكن أعرف أن له ردًا على مسرحيتى سارتر، وقع فى يدى كتاب له نجح من خلاله أن يؤسس لجذور الثورة عندى، فكوستا أثبت بتحليله أن الصورة التى يهاجمها سارتر هى الصورة التى صنعها هؤلاء الأشرار رجال الدين لله، أما الصورة الحقيقية لله فهى صورة الخير التى لا شر فيها.. والحب الذى لا كراهية فيه.. والنور الذى لا ظلمة فيه.

هنا بدأت أستيقظ وأنا فى بداية العشرينيات من عمرى على معرفة ماهية صورة الله، فرجال الدين يصنعون صورة سيئة لله، ولذلك كان لا بد أن أثور عليهم، كنت صغيرًا وقتها ولا أعرف إلى من أوجه ثورتى.. قررت أن أبحث من جديد عن صورة الله الحقيقية.. غيرت منهج دراستى وقراءتى وبدأت الأوهام والخرافات التى صنعها البشر تتساقط أمام عينى.. قررت أن أعيد قراءة الإنجيل من جديد كما هو وكأننى لست مسيحيًا.. بدأت أقترب أكثر من المسيح ومن شخصيته وأفهم وصايا الإنجيل بكلماتها السلسة والتلقائية.. علمتنى هذه القراءة الدراسة الموضوعية والحيادية.. وانتقل هذا المنهج معى إلى كل الدراسات الأخرى اللاهوتية والحياتية الدنيوية، وأدى ذلك بى إلى اتساع الأفق ورؤية الجمال وتمييز الخير من الشر.

كان موضوع رسالة الدكتوراه هو «مقارنة بين القديس أثناسيوس الرسولى والنظريات المعاصرة فى موضوع الفداء».. واجهت فيها ورصدت نظريات الفداء وشروحاتها فى الكتب القديمة والحديثة.. وكان أبرز من وضعوا هذه الشروحات أثناسيوس.. وكان يقابله فى المقارنة من الوجهة المعاصرة دوسر ورئيس الكاثوليكية «إنسانت» فى القرن السادس عشر وعندهم تبرز نظرية «البديل العقابى» وتقول إن آدم أخطأ وتحمل المسيح العقوبة.. والبديل العقابى غير معروف من الذى وضع أصوله وقواعده.

وخرجت بأن هناك تصورًا عامًا بأن العلم نقيض للدين.. واستخدام العلم يقود إلى التشكيك فى الدين، فهناك أمور دينية لا يستطيع العقل أن يستوعبها، فهل يمكن أن يقودنا العلم إلى اليقين؟ الإجابة صعبة بالطبع.. فالعلم هو نقيض للخرافات.. كنت أرى أن هذه الخرافات ليست من الدين.. بل حملت عليه، وعليه فالعلم لا يتناقض مع جوهر الدين.. وهذا تحديدًا هو الذى قادنى إلى أن أكون موضوعيًا عندما أصدر أحكامى، فأصحاب الديانات الثلاث يقولون إن الهداية جاءت على يد كتبهم الثلاثة، لكن الكتاب المقدس يشهد بوجود مؤمنين بالإله الواحد خارج الديانات الثلاث، وهناك قصة محددة فى سفر التكوين تقول إن ملك السلام خرج لمباركة إبراهيم أى أنه كان أقدم من إبراهيم.. وكان يقود شعبه إلى عبادة الإله الواحد.

البشر خارج الديانات الثلاث كانوا يبحثون عن الله.. وكانوا يفكرون بصور متشابهة خارج الوحى المكتوب الذى نمتلكه.. فكيف يتخيل أصحاب الديانات أن الله تجلى لهم وحدهم دون بقية البشر.

وهناك قصة وردت فى العهد الجديد تقول: أرسل الله ملاكًا إلى رجل يدعى كريميليوس وكان وثنيًا، قال له الملاك إن بطرس تلميذ المسيح موجود فى مكان معين.. اذهب إليه وسوف يشرح لك تفاصيل الإيمان، وعندما ذهب إليه وجد أنه يعرف الله، فقال بطرس كلمته الشهيرة: حقًا إنه فى كل أمة من يصنع البر. 

قال عنه ذلك وهو وثنى.

القصة إنجيلية وتتحدث عن الإنجيل، فكيف نفهم مثل هذه القصة من خلال كل مواد التحريم والتجريم والهرطقة التى يصدرها رجال الدين على كل من يخالفهم الرأى ولا أقول المعتقد.

الذين يفعلون ذلك يقللون من قدرة الله على الوصول إلى البشر.. أنتم تحبون الله فيما وصل إليكم.. لكن الله أكبر من ذلك.. فالله يحب كل البشر، ويتعامل معهم على اتساع الأجيال والدهور بوسائل وأدوات لا تخطر لرجال الدين على بال.. وهنا فقط يصل بك العلم إلى الله وإلى الحقيقة.

كلامى بالطبع ليس ضد الأديان، فأنا رجل دين مسيحى والمسألة ليست تقليلًا من شأن الرسالات السماوية.. ولكن أريد أن نرى الآخرين الذين لا ينتمون إلى الديانات.. أريد أن نخرج عن دائرة القوالب الجامدة والحادة.

ولذلك فأنا أرى أن الطائفية حركة انحسار بالذات.. فهى تبدأ من نقطة أن قومى أفضل قوم.. ومن ثم فإن دينى هو أفضل دين.. وعليه فإن مذهبى هو أفضل مذهب، ثم إن طائفتى أفضل طائفة.. ولا بد أن يقودنى ذلك كله إلى أننى أفضل البشر جميعًا والدليل أنهم جعلونى رئيس الطائفة الذى هو أكثر منهم علمًا.. وعليه فالعبادة ينبغى أن يقدمها رئيس الطائفة.. والذى أعلمه من شخص لا يأتى إلا بتفويض من الله.

الطائفية فى النهاية ليست إلا تعبيرًا عن ضيق الإنسان وأنانيته.. فهى توظف الدين لصالح رجال الدين.. مثله تمامًا مثل الفخر القومى «المصريين أهمه.. وإحنا أحسن ناس».. ولو أننى ذكى وشاطر لم أكن ضمن هذا الدين الذى هو الأفضل، لأن الدين منسوب لى وأنا منسوب له.. والإعلاء من شأنه بالضرورة هو إعلاء من شأنى.

الأمر الأخطر أن الطائفية لا تتأكد ولا تأتى من الأساس إلا على أنقاض الآخر، بمعنى لكى أكون حلو فلا بد أن تكون أنت سيئ.. ولكى أكون كبيرًا فلا بد أن تكون أنت صغيرًا.. فالطائفية تمجيد للإنسان من نفسه.. لأنه لا يمتلك المجد الحقيقى فى ذاته.

والذى يعمل لحساب مجد الله لا يمكن أن يكون طائفيًا.. فالله عظيم جدًا وليس بحاجة لإظهار مجده وليس بحاجة لتحقير مجد الآخرين.. لكن ما يحدث ليس إلا تعبيرًا عن هواء وضعف الإنسان الطائفى.

فلماذا أحرص على أن أقول إن اللمبات التى عندك ضعيفة طالما أن اللمبات التى عندى قوية.. لا يحدث هذا إلا انعكاسًا للشعور الإنسانى بالخواء، وما يحدث أننى أسقطه على الدين وعلى الله.. رغم أن الله ليس محتاجًا لذلك أبدًا.

الطائفية إذن محاولة ترميم الخواء الذى يوجد بالنفس الإنسانية.. ولذلك فهناك حاجة للحوار بين المسلمين والمسيحيين، لا يوجد حوار لأن هناك خوفًا من الآخر، ولو كان هناك حوار لوصلنا إلى نتائج مهمة وخطيرة.. لكن ماذا نفعل وكلنا يخاف من بعضنا البعض.

تجد مثلًا قسيسًا يمسك صليبًا ويقول الكاثوليكية هى المسيحية الوحيدة، وشيخًا يمسك الهلال ويقول إن الشيعة هى الإسلام الوحيد، هذا إذن منطق المعركة، الشيعة تريد أن تدمر السنة.. والكاثوليكية تدمرنى، وأعتقد أن من يفعلون ذلك لا يملكون الإيمان الناضج ليجعلهم يمتلكون الوعى الكامل بإيمانهم.

كل ذلك جعلنى غير معجب بما يفعله القمص زكريا بطرس.. فمنهجه ليس مسيحيًا، لأن المسيح لم يفعل ذلك.. فطالما أنت متمكن إلى هذه الدرجة من مجد المسيح ومعرفة الحقيقة فلماذا تهاجم ديانتى أو تسخر من مذهبى؟.. ولطالما أنت قوى بهذه الدرجة فلماذا تريد هدمى؟.. أعتقد أن من يفعلون ذلك ضعاف الإيمان ولم يصلوا إلى حالة الاستقرار فى علاقتهم مع الله.. لأنك إذا وصلت إلى مرحلة الاستقرار مع الله فلن يزعجك شخص آخر.. سيكون هدفك النبيل هو أن تظهر خبرتك الإيمانية مع الله فقط.

ليس معنى كلامى أن أطلب من المبشرين أو الدعاة أن يكفوا عن عملهم.. ولكن أهمس فى آذانهم أن يقدموا خبرتهم مع الله بالموعظة الحسنة.. لكن فكرة الصراع الطائفى تظهر لأن كل طرف من الطرفين يبحث عن مجد شخصى ينسبه لنفسه وليس عن مجد الله.

فأنا ضد فكرة الضم الطائفى.. فمن هو الساذج الذى يعتقد أنه بنقد الدين سيهدمه، وأن الدين أى دين يمكن أن ينهار من مجرد كلمة نقد توجه له.. دعك من انتقاد زكريا بطرس للإسلام.. فهناك كتابات نقدية هائلة للكتاب المقدس والمسيحية فى أوروبا فى العصر الحديث.. تمت بعملية تشريح ونقد لكل ما هو معجز.. فهل نجحت مثل هذه الكتابات فى أن تزيل المسيحية.. بالطبع لا.. وأنت يا زكريا بطرس لا تكف عن الهجوم على الإسلام.. فهل أدى هذا مثلًا إلى عدم دخول الناس فى الإسلام؟ بالطبع لا.

أعرف أن التاريخ ملىء بالصراعات بين الديانات وأصحابها، وكما يقول أحمد عبدالمعطى حجازى «ماضينا ليس كله جديد» فالتاريخ ملىء بسوءات البشر ومن الغباء أن نرث أخطاء من سبقونا.

وهذا ما حدث فى حرب البوسنة والهرسك.

أخرجوا عظام الرجل الذى هزم أمام جيوش المسلمين، فالحرب حرب تاريخية وما يجب أن نعرفه أن هذه أجيال حاربت بعضها البعض.. فلماذا أمشى وراء الماضى وأحمل وزر هؤلاء.

هذا على مستوى التاريخ العام.. أما على مستوى التاريخ الشخصى فعندى مثلًا زكريا بطرس دخل السجن ونام على البورش فأصبح كل هدفه أن ينتقم من المسلمين.. أما أنا فقد تعرضت لاضطهاد الكنيسة بسبب تعاملى مع المسلمين، وكانت النتيجة أننى عملت علاقات جيدة مع مسلمين.. فأنا لم يؤذنى مسلم والرجل الذى اشتريت منه شقة أخى كان مهندسًا مسلمًا فى غاية النبل.. فبعد أن باع لى الشقة حدثت مشكلة فى التسجيل، فوجدته يقف معى وهو الذى سجلها لى بعد ذلك، فتاريخى كله علاقات جيدة مع المسلمين.. أما زكريا بطرس فتاريخه الشخصى به توتر هائل.. ولذلك فهو يسلك هذا المسلك.

والغريب أن الطائفية عند البابا شنودة خرجت من المسيحية وليس من الإسلام أو علاقته به.. ثم بعد ذلك نضحت على الآخرين، فقد تربى فى حركة مدارس الأحد.. وهى حركة خرجت لمواجهة مدارس البروتستانت وليست مواجهة الإخوان كما يقال، مدارس الأحد بعثت فى المسيحية بحالة انتعاشة طائفية.. كانت حركة بحث وتأكيد للهوية الأرثوذكسية.. أى أن فكرة الطائفية تمت من القبطية ثم نضحت على الإسلام.

فى داخل المسيحية نقول نحن الأرثوذكس وهم البروتستانت.

وفى داخل الأرثوذكسية نقول نحن رجال الدين وهم العلمانيون.

وفى داخل رجال الدين نقول نحن الأساقفة وهم الكهنة.

وفى داخل الأساقفة نقول شلة البابا وهم ليسوا شلة البابا.

والمأساة أن التربة كانت خصبة لانتشار المرض بهذا الشكل الوبائى.. فالتكوين الثقافى فى الشرق مهيأ لانتشار الطائفية والتاريخ يغذى ذلك.. وعندما ننظر إلى الصراع الطائفى فى مصر نجد أن الولاة مجانين يريدون جمع المال لبطريرك، وقصص كثيرة عن الظلم والتعذيب.. وعندما نشرت منظمة مسيحيى الشرق الأوسط كتاب «المضطهدون» استعرضوا تاريخ الاضطهاد من الفتح الإسلامى لمصر.. وهذا يؤكد فكرة محاكمة المسلمين الآن على ما فعله عمرو بن العاص.

مع أن الوضع الآن مختلف فهناك عدد كبير من المسلمين المثقفين يكرهون سوءات التاريخ ومتفتحون جدًا.. وهو ما يعنى أن هناك تربة خصبة وأجيالًا جديدة من المتخرجين فى المدارس عايشت المسيحية عن قرب ومزجت بهذه الروح المتفتحة، يجب أن أستغل هؤلاء وأصل بهم إلى الطبقة المتخلفة من الشارع كى يبعد عنهم شبح التفتت الطائفى.

لا بد من حل إذن للأزمة الطائفية.

إن الإنسان عدو ما يجهله.. والمسلمون لا يعرفون المسيحيين جيدًا، بل هناك حالة تغذية بالجهل من خلال الأفكار الخرافية التى يرددها المسلمون والمسيحيون عن بعضهم البعض.. يضاف إلى ذلك محاولات التشويه المتعمدة من رجال الدين الإسلامى، وكذلك المسيحى لبعضهما البعض.. وقد تم استغلال الفضائيات فى هذا الإطار استغلالًا سيئًا.

وفى نظرى أن حل المشكلة الطائفية لا بد أن يكون حلًا ثقافيًا.. وقد يقول لى بعضهم إن المادة الثانية من الدستور التى تنص على أن «الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع» هى السبب فى الأزمة الطائفية.. وأقول إن هذا ليس شرطًا.. فيمكن أن تمحى هذه المادة من الدستور لكن سيبقى الصراع الطائفى.. لا بد من تيار ثقافى وعمل فكرى يعطينا اتجاهات جديدة وأسسًا مختلفة للعلاقة.. وأظن أننا قادرون على ذلك.

وهنا لا بد أن نضع مجموعة من الأسس، هى:

• أن يكون لدينا منهج وبرنامج جاهزان به للمواجهة.

• أن نخاطب أولًا الفئات المثقفة المتحررة التى يمكن أن تؤثر فى الآخرين.

• أن تشكل هذه الفئات تيارًا قويًا لطرح الحوار مع الآخرين.

فأنا أريد أن أخاطب العقول المثقفة لدى الأقباط، والعقول المتفتحة لدى المسلمين، ثم نبدأ بعمل حوار مؤسسى تشترك فيه رموز مؤسسية من أصحاب الديانات، ثم بعد ذلك ننزل إلى الشارع لنصيغ العلاقات بين المسلمين والمسيحيين بشكل جديد ومختلف.

ولا أفكر أن أبدأ بالمدارس وما يقال فى المدارس.. فالمدرسون الذين يتحدثون فى الكنائس يفعلون ذلك بشكل طائفى.. وأنا طوال حياتى لم يكن لى دور مؤسسى، ولذلك فأنا أفكر فى تكوين القاعدة الثقافية التى تخاطب المؤسسات أولًا، لأننى لم أكن فى يوم من الأيام رجلًا مؤسسيًا أستطيع أن أواجه وأقول، فأنا أذهب لمخاطبة العقل والفكر فتكون لى مساحة عريضة من هؤلاء الذين يمكن أن يتوجهوا هم بمخاطبة المؤسسات.

إذا نجحنا فى الوصول إلى هذه الدرجة.. نكون بذلك وصلنا إلى النقطة الأصعب، لأن معناه أن أكون قد قمت بإقناع أصحاب القرار بوجهة نظرى، ولا بأس من المحاولة وإذا نجحنا فى إقناع أصحاب القرار فإن المسألة ستكون بعد ذلك سهلة للغاية، وإن كنت أظن أن أصحاب القرار يحتاجون إلى رؤية معينة لينجح ما نريده على أرض الواقع.

لا يمكن أن نعطى لأصحاب القرار فكرة صماء ونقول لهم نفذوها، لكن إذا قدمت لهم تجربة عملية ذات رائحة جميلة فسيشجع ذلك أصحاب القرار لاتخاذ القرار السليم والصحيح، ويحتاج هذا منا أن ينجح التيار الفكرى الذى نصيغه فى كسب ثقة أصحاب القرار، وإظهار أن أفكارنا إيجابية وموضوعية ولا توجد من ورائها أهداف تبشيرية.

وهناك عنصر مهم يجب أن نتعرض له، وهو المكسب الذى يحققه البعض من استمرار النزاع الطائفى.. فهناك بالطبع مصلحة تحول دون إتمام ذلك، وقد تحبطنا هذه النقطة تحديدًا.. فهناك توجهات سياسية وجمود ومقصات ورهان على الدين وتسييس له وإعطاؤه دورًا أدى لكل ما نحن فيه.. وكانت الفكرة الأساسية أنه لكى أعلى من دينى فلا بد أن أحط من دين الآخرين.

فقبل ثورة يوليو لم يكن هناك منظور ثقافى للصراع، كانت هناك تصرفات غوغائية تسبب فيها الغوغائيون.. لكن طبقة المثقفين والكتاب والحكومة وعامة الشعب كانت تتعايش تعايشًا رفيعًا، ولم تظهر حوادث حرق الكنائس إلا من خلال إهمال هذا التعايش.. وإذا حدث هذا فكان أمرًا نادرًا، وعلى الفور تسمع أن الحكومة دفنت وردمت ما نشب من حريق، وتقيم حوارًا جميلًا ورفيعًا مع رجال الكنيسة.