الخميس 26 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الفخ.. كيف ورطت قوت القلوب الدمرداشية سهير عبدالحميد فى سرقة هالة البدرى؟

حرف

- فتحت سهير باتهامها ومقاضاتها للوزيرة باب الغرفة السحرية، وأعتقد أن ما وجدته خلفه لن يسعدها، ولن يريح من يرفعون لواء الدفاع عنها، باعتبارها ضحية تعرضت لسرقة جهدها ومجهودها

- سهير غرقت حتى أذنيها فيما ذكرته هالة قبلها و عاشت على ما وصلت إليه كثيرًا دون أن تنسبه إليها

لا يريد ملف اتهام الكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكى بسرقة كتابها «سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية» أن يلملم أوراقه وينصرف فى هدوء. 

لقد فتحت سهير باتهامها ومقاضاتها للوزيرة باب الغرفة السحرية، وأعتقد أن ما وجدته خلفه لن يسعدها، ولن يريح من يرفعون لواء الدفاع عنها، باعتبارها ضحية تعرضت لسرقة جهدها ومجهودها. 

تصر سهير على أنها كاتبة سيرة قوت القلوب الدمرداشية الأولى، وأنها هى من نقبت عن حياتها، وفتشت بين سطور رواياتها، وزارت الأماكن التى عاشت فيها، وقابلت من تعاملوا معها، وأعادت لها الاعتبار مرة أخرى، بعد أن ظلت لسنوات طويلة تعيش فى الظلال السوداء، بعيدًا عما تستحقه من اعتراف لها بدورها الأدبى والاجتماعى. 

أغفلت سهير تمامًا أن يكون غيرها طرق باب قوت القلوب الدمرداشية، حتى عندما تمت الإشارة إلى رواية «نساء فى بيتى» للأديبة الكبيرة هالة البدرى، هونت سهير من الأمر على اعتبار أنها سبقت الرواية عندما كتبت عن قوت فى مجلة نصف الدنيا فى العام 2005، متجاهلة أو جاهلة- وهذا هو الأقرب- أن هالة كتبت عن قوت فى مجلة الإذاعة والتليفزيون فى 1999. 

ليس هذا هو المهم الآن، فقد عثرنا على ما يمكننا اعتباره سطوًا من سهير على ما قامت به هالة، ولا أدرى لماذا صمتت هالة البدرى وتجاهلت ما فعلته سهير. 

صحيح أن الأديبة الكبيرة لا تريد أن تدخل طرفًا فى المعركة، لكن فى النهاية هى صاحبة حق، وإذا كانت تتعفف عن المطالبة به، فلا أقل من أن نثبته هنا أمام القراء، وأمام من يعتبرون أنه تم السطو على جهد سهير، وأعتقد أنه سيكون لهم موقف مختلف تمامًا بعدما يقرأون ما توصلنا إليه. 

 

لا يمكننا أن نفض مغاليق قصة سطو سهير على ما قدمته هالة البدرى عن قوت القلوب الدمرداشية دون أن نمر على السيد أبوالنجا. 

كان السيد أبوالنجا، وهو اسم معروف لنا فى الأوساط الصحفية، صديقًا لقوت القلوب الدمرداشية والصحفى الكبير محمود أبوالفتح. 

تعرف هالة البدرى السيد أبوالنجا فى روايتها فى صفحة ٢٣٣ بأنه كان أستاذًا جامعيًا يدرس علم إدارة الأعمال فى جامعة القاهرة، وفى الوقت نفسه كان مديرًا لتحرير جريدة «المصرى» التى كان يمتلكها محمود أبوالفتح، وكان قريبًا منه بشدة، حتى إن محمود أبوالفتح أعطاه الحق فى فتح خزائنه الخاصة، والتعامل باسمه فى البنك مندوبًا عنه حين كان فى الخارج، وقت تحقيق محكمة الثورة فى ثروته. 

فى ديسمبر من العام ١٩٨٥ صدر عن سلسلة كتاب اليوم بمؤسسة أخبار اليوم كتاب لسيد أبوالنجا اسمه «عرفت هؤلاء»، خصص فيه فصلًا لقوت القلوب الدمرداشية وفصلًا لمحمود أبوالفتح. 

سنتوقف عند الفصل الذى أفرده السيد أبوالنجا عن قوت القلوب الدمرداشية، وتحديدًا عند ثلاث محطات. 

المحطة الأولى هى محطة علاقتها العاطفية مع محمود أبوالفتح. 

يقول السيد أبوالنجا: كانت قوت القلوب تحب محمود أبوالفتح وتشكو لطوب الأرض من صده، بل كانت تجاملنى لصلتى بمحمود فترسل إلى بيتى هدايا من الحلوى وربطات العنق دون مناسبة، وتدعونى كثيرًا إلى الولائم التى تقيمها فى بيتها لتذكرنى بأنها واقفة بالباب وأنها تطمع فى أن أقول عنها كلمة طيبة لحبيب القلب، ولما توفى أبوالفتح فى «باد نوهايم» بألمانيا الغربية، أشرفت على غسله واستأجرت طائرة خاصة لنقل جثته والمعزين إلى تونس، حيث كرم ذكراه الحبيب بورقيبة وأقام له ضريحًا من الرخام بعد أن رفض الرئيس جمال عبدالناصر أن يصرح بدفنه فى مصر، وبقيت قوت القلوب على وفائها فعلقت صورة كبيرة له فى بيتها بالقاهرة قبل أن يهدمه الدكتور عزت سلامة، وزير الإسكان فى عهد عبدالناصر، لينشئ نفق قصر النيل، وكانت تبدأ يومها كل صباح وتختمه فى المساء بالصلاة تحت الصورة ترحمًا عليه.

ويضيف أبوالنجا إلى هذه المحطة قوله: لم تغضب منى قوت القلوب إلا حين رأتنى فى فندق «كونتيننتال» بباريس خارجًا من جناح محمود أبوالفتح، وكانت قد رأته يبكى فتبادر إلى ذهنها أننى السبب، وكان الخلاف بينه وبين الثورة على أشده، فأغلظت لى فى القول، ولكننى آثرت التغاضى لأننا كنا بعد منتصف الليل والناس نيام، فلما أصبح النهار عرفت أن محمود كان يبكى بسبب آخر، وخافت أن تخسرنى فاعتذرت لى. كانت تحب كل شىء يحبه محمود، ولذلك كانت تكره الثورة لأن الثورة اضطهدت محمود.. إنه حب عذرى ولكننى لم أرَ أكثر منه اشتعالًا فى حياتى. 

وفى هذه المحطة يقول أبوالنجا أيضًا: ولقوت القلوب فضل غير مقصود فى حياة أبوالفتح عندما أراد شراء شركتى الإعلانات الشرقية والمصرية، قمت أنا بمفاوضة مستر يونج على القيمة، واتفقنا على أن تكون ثلاثمائة ألف جنيه نقدًا، ولكن من أين يأتى أبوالفتح بهذا المبلغ؟ لقد طلب منى أن أفاتح قوت القلوب فى هذا الموضوع دون أن أعدها بشىء فى موضوع الزواج، وما إن فتحت الموضوع حتى انفرجت أسارير وجهها، وقامت على الفور فحررت شيكًا بالمبلغ لأمر مدام أوزوالد، وسافرت مع محمود أبوالفتح إلى قصر فينى بجوار المستشفى الأميرى بالإسكندرية «بنك التجاريون الآن»، فجلسنا، نحن الاثنين، حول مائدة عامرة تحوطها الورود والأزهار التى قدمها محمود فى الصباح، ومضينا العقد فى حضور أصحاب الشركتين وغيبة الممولة لهذه الصفقة الكبيرة، فلما أحيل محمود إلى محكمة الثورة سألنى جمال العبد إن كنت مستعدًا للشهادة بأن قوت القلوب دائنة بالمبلغ فمن حقها أن تسترده من الأموال المصادرة، قلت فى صراحة إننى لم أعرف حقيقة أمره: هل هو سلفة أم هبة لا ترد أم سداد لدين فى الخارج، وكان المحققون فى الثورة لا يريدون رد المبلغ على كل حال، فرحبوا بشكوكى، وقفل المحضر كما قفل بيتها وانتهت حياتها.

 

المحطة الثانية كانت عن زواج قوت القلوب الأول من المستشار مصطفى بك محرم مختار. 

يقول أبوالنجا: هذه سيدة كانت غريبة الأطوار، فقد كانت تحترم ذكرى أبيها شيخ الطريقة الدمرداشية، حتى إنها كانت تحتفظ بعمامته فى علبة كبيرة من الكريستال تضعها فى الصالون الكبير، ولكنها كانت تكره زوجها المستشار مختار بقدر ما كانت تحب أباها، فكانت تقول إنها تكره من أجله كلمات: اختار ويختار بل كرهت الخيار، وكانت تكره ابنها أحمد لمجرد أن فيه شبهًا من أبيه، فلما سألتها: ولماذا عشت معه كل هذه السنين حتى مات؟، أجابت بأنها كانت تفعل ذلك طاعة لأبيها الذى كان يكرر عليها: «إن أبغض الحلال عند الله الطلاق»، ولعل القراء يذكرون أن ابنها أحمد هذا هو الذى ضربها على رأسها بكرسى فى روما فأرداها قتيلة.

المحطة الثالثة كانت تشكيك السيد أبوالنجا فى كتابة قوت القلوب الدمرداشية لرواياتها باللغة الفرنسية بنفسها. 

يقول: وقد أصدرت قوت القلوب عددًا من الكتب بالفرنسية، ولكننى لا أظن أن فرنسيتها كانت تسعفها إلى هذا الحد، فلم يبق إلا أن بعض من يلوذون بها كانوا يكتبون لها بمقابل ما تريد من نثر وشعر.

أصدرت هالة البدرى روايتها «نساء فى بيتى» فى العام ٢٠١٩، وعرفت أنها ظلت تعمل عليها فى جمع المادة ومقابلة المصادر لما يقرب من خمس سنوات متواصلة، هذا غير اهتمامها بقوت القلوب الدمرداشية قبلها بسنوات، وحديثها عنها فى الندوات والمؤتمرات. 

فى هذه الرواية التى يمكن اعتبارها رواية عن رواية تكتبها الأديبة، فندت هالة ما قاله السيد أبوالنجا عن قوت القلوب، وهنا يمكننا أن نلمس سطو سهير على ما قدمته هالة دون أن تشير إليها إلا إشارة عابرة وفى غير موضعها. 

وحتى نعرف ما جرى فيمكننا مقارنة ما جاء فى كتاب سهير «سيدة القصر» فى الصفحات من ٧٥ إلى ٨٣، وما جاء فى رواية هالة «نساء فى بيتى» فى الصفحات من ٢٣٣ إلى ٢٤٢. 

فى المحطة الأولى وهى محطة حب قوت القلوب الدمرداشية لمحمود أبوالفتح. 

تقول هالة تحت عنوان «البحث عن السيد أبوالنجا وطه حسين»: كان أبوالنجا صديقًا لقوت القلوب يتردد على بيتها وسهراتها، وترسل له الكثير من الهدايا باعترافه فى كتابه «عرفت هؤلاء»، وقد ضم الكتاب فصلًا عن محمود أبوالفتح، وآخر عن قوت القلوب الدمرداشية. 

قال عنها: كانت تحب محمود أبوالفتح، وتشكو لطوب الأرض من صده، بل كانت تجاملنى لصلتى بمحمود، فترسل إلى بيتى هدايا من الحلوى، وربطات العنق دون مناسبة، وتدعونى كثيرًا إلى الولائم التى تقيمها فى بيتها، لتذكرنى بأنها واقفة بالباب، وأنها تطمع فى أن أقول عنها كلمة طيبة لحبيب القلب. 

وفى موضع آخر كتب: قد يتساءل القارئ قائلًا: إذن ماذا كان بين محمود أبوالفتح وقوت القلوب؟ إنى أعرفها أنها كانت تحبه حبًا جمًا، أما أبوالفتح فكان يصحبها فى تنقلاتها ويؤاكلها ويساكنها فى الفنادق، بما يوحى أنه كان على صلة بها، ولكنها طلبت منى غير مرة أن أتوسط لها عند أبوالفتح كى يقبل الزواج منها، فاعتذرت بأن هذه مسألة شخصية، لا يصلح لمثلى أن يتدخل فيها، ثم قلت متخابثًا: إن الذى ينقصك فقط هو قسيمة الزواج؟ فردت على الفور: ماذا تقصد؟ فظننتها قد غضبت، ولكنها استمرت تقول: والله لم يسمح مرة بقبلة، ولو سمح لكان الشرف لى، فعرفت أن الحب من جانب واحد، ثم يعود فيقول فى مكان آخر من الكتاب: لم أرَ فى حياتى أكثر من هذا الحب اشتعالًا. 

تصرفت هالة فى كلام أبوالنجا عن حب قوت القلوب ومحمود أبوالفتح، بخيال الروائية، أضافت بعض التفاصيل، ورسمت صورة لحوار دار بين أبوالنجا وقوت، فالفقرة التى أشار فيها إلى أن العلاقة لا تنقصها إلا قسيمة زواج، ليست موجودة فى مقال أبوالنجا، لكنها رأت أن هذا الخيال يمكن أن يمثل إضافة نوعية لروايتها. 

ماذا قالت سهير عن هذه العلاقة فى كتابها؟ 

تقول: الشق الثانى الذى تحدث عنه أبوالنجا هو قصة حبها لمحمود أبوالفتح صاحب جريدة «المصرى» التى كانت من أهم الصحف قبل حركة الضباط فى ٢٣ يوليو، كما كان أبوالفتح أول نقيب للصحفيين.

وتضيف: السيد أبوالنجا مدير تحرير جريدة «المصرى» وكان قريبًا من أبوالفتح للغاية، يقول: كانت تحب محمود أبوالفتح وتشكو لطوب الأرض من صده بل كانت تجاملنى لصلتى بمحمود فترسل إلى بيتى هدايا من الحلوى وربطات العنق دون مناسبة، وتدعونى كثيرًا إلى الولائم التى تقيمها فى بيتها، لتذكرنى بأنها واقفة بالباب وأنها تطمع فى أن أقول عنها كلمة طيبة لحبيب القلب. 

كما قال إنها طلبت منه التوسط لدى أبوالفتح ليتزوجها لكنه اعتذر متعللًا بأنه أمر شخصى لا يجب له التدخل فيه: إن الذى ينقصك فقط هو قسيمة الزواج، فردت على الفور: ماذا تقصد؟ فظننتها قد غضبت ولكنها استمرت تقول: والله لم يسمح مرة بقبلة ولو سمح لكان الشرف لى، فعرفت أنه الحب من جانب واحد. 

حاولت سهير أن توحى بأنها عادت إلى مقال السيد أبوالنجا، لكن ظاهر كلامها يؤكد أنها لم تفعل أكثر من الاعتماد على رواية هالة البدرى، دون أن تدرى أنها سقطت فى مصيدة خيال الروائية، فلو عادت إلى الكتاب لعرفت أن حكاية أن العلاقة لا ينقصها إلا قسيمة الزواج من اختراع هالة ولم يرد ذكرها عند أبوالنجا، ما يؤكد أن سهير سطت على خيال هالة حتى دون أن تشير إلى ذلك. 

المحطة الثانية التى تحدث عنها السيد أبوالنجا كانت كراهية قوت القلوب لزوجها المستشار مصطفى مختار. 

تقول هالة: ذكر أيضًا السيد أبوالنجا أن قوت القلوب ظلت متزوجة من المستشار مختار حتى توفاه الله، وكتب: فلما سألتها: ولماذا عشتِ معه كل هذه السنين حتى مات؟ أجابت بأنها كانت تفعل ذلك طاعةً لأبيها. 

وقال أيضًا: كانت تكره زوجها مختار، فكانت تقول إنها تكره من أجله اختار ويختار، بل كرهت الخيار، وكانت تكره ابنها أحمد لمجرد أن فيه شبهًا من أبيه، ولعل القراء يذكرون أن ابنها أحمد، هذا هو الذى ضربها على رأسها بمقعد فى روما فأرادها قتيلة. 

تشتبك هالة مع أبوالنجا فتقول: تأكدت من أن قوت القلوب قد طلقت زوجها، كما أنها حصلت على حكم قضائى بضم أولادها منه، والوصاية عليهم فى وجود الأب الذى تزوج بعد طلاقها، وأنجب كذلك، كما ذكر لى المتحدث الرسمى للطريقة الدمرداشية أن أحمد الدمرداش قد عاد إلى مصر، وعاش فيها حتى مات ودفن فيها، وأنه عاصره لسنوات، وكان أحمد يبكى بشدة كلما جاءت سيرة أمه التى أحبها جدًا، وأن الحادث كان على يد ابنها مصطفى الذى كان دبلوماسيًا سابقًا طرد من الخدمة بعد أن تخلص منه عبدالناصر، كسائر أبناء الطبقة الأرستقراطية بعد الثورة، وأصيب بلوثة مؤقتة، فقذف أمه بكرسى قتلها. 

نصل إلى سهير لنقرأ ما قالته فى هذه المحطة. 

تقول سهير: فى الواقع أن السيد أبوالنجا مدير تحرير «المصرى» فى مذكراته «عرفت هؤلاء» أفرد فصلًا كاملًا لقوت القلوب احتوى عددًا من المغالطات التاريخية الخاصة بها رغم أنه حسب قوله كان صديقًا مقربًا منها، ومنها ذكره أن مقتلها كان على يد ولدها أحمد فى حين أن صحف تلك الفترة ومن بينها «الأهرام» بتاريخ ٨ من ديسمبر ١٩٦٨ والأخبار بتاريخ ٦ من ديسمبر ١٩٦٨، ذكرت أن المليونيرة المصرية قوت القلوب قتلت على يد ابنها مصطفى الدمرداش بعد أن رفضت منحه مبلغًا من المال، كما أن د. أحمد الدمرداش عاد إلى مصر وتولى مشيخة الطريقة، وقد التقيته بنفسى. 

قال أبوالنجا أيضًا إن قوت عاشت مع زوجها حتى توفى، وحين سألها: لماذا ظلت طويلًا معه؟ قالت إنها فعلت ذلك طاعة لأبيها الذى كان يقول لها إن الطلاق أبغض الحلال، وهو ما لم يحدث، إذ طلقت قوت نفسها من زوجها عام ١٩٣٠ فى حين عاش هو وتزوج وتوفى ١٩٥٤. 

لم تقل سهير شيئًا أكثر مما سبق وقالته هالة، صاغت ما توصلت إليه الأديبة بأسلوبها دون أن تشير إليها من قريب أو بعيد. 

توقفت فقط عند ما ذكرته سهير من أنها التقت بأحمد الدمرداش بنفسها. 

لم تقل لنا ظروف لقائها به، ولا ما الذى قاله لها، وإن كنت أعتقد أنها لم تلتق به، ولكن استمعت من آخرين منهم حسن البططى الذى أشارت إليه فى كتابها أكثر من مرة. 

تقول سهير: ويروى لى حسن البططى كيف كان لصيقًا بالدكتور أحمد الدمرداش لفترة طويلة من عام ١٩٩٥ حتى وفاته ٢٠١٤، وأنه اختصه بالكثير من الحكايات عن والدته قوت القلوب، وكانت دموعه تترقرق كلما ذكرها، وكان دومًا يتحدث عن تأثره بها ومحاكاته لها فى مراعاة فعل الخير ومساعدة المحتاجين. 

ويمكنك أن تسأل الآن كما سألت أنا: إذا كانت سهير قد قابلت أحمد الدمرداش كما تزعم، فما الذى يجعلها تنقل عنه كلامًا على لسان حسن البططى، فلو أنها قابلته، فلم تكن فى حاجة لأن تنقل عن آخرين حتى ولو كانوا ملاصقين له. 

المحطة الثالثة كانت اتهام السيد أبوالنجا لقوت القلوب بأن آخرين كانوا يكتبون لها رواياتها بمقابل. 

عارضت هالة ما قاله أبوالنجا، تقول: فى حديث السيد أبوالنجا أيضًا تناقضات كثيرة غير منطقية، ومعلومات تأكدت بنفسى من خطئها، وعلى سبيل المثال كتب: وقد أصدرت قوت القلوب عددًا من الكتب بالفرنسية، ولكن لا أظن أن فرنسيتها كانت تسعفها إلى هذا الحد، فلم يبق إلا أن بعض من يلوذون بها كانوا يكتبون لها بمقابل ما تريد من نثر وشعر. 

دافعت هالة عن بطلتها. 

استندت إلى طه حسين الذى كان على صلة قوية بقوت القلوب، قال: إن موهبة قوت القلوب يعرفها قراء الفرنسية ولن يعرفها قراء العربية، وستعرفها باريس ولن تعرفها القاهرة، ولو عرفها القراء فلن يتعرفوا على أدبها، وفكرها لأنها تكتب بالفرنسية.

تضيف هالة: لن يقول الدكتور طه حسين هذا الكلام دون أن يكون متأكدًا من قدرة قوت القلوب على الكتابة بالفرنسية، خاصة أنه انتقدها فى مواضع أخرى. 

وتقول هالة فى روايتها: كما أن قوت القلوب تعلمت اللغة الفرنسية من والدتها زينب التودى سليلة واحدة من أكبر وأثرى العائلات المصرية فى عصرها، التى كانت تجيد الفرنسية، كما تجيدها بنات طبقتها، ثم عمقت معرفتها ليس باللغة وحدها، وإنما بالثقافة أيضًا من مربيتها الفرنسية، التى تم التعاقد معها لتعليمها اللغة والسلوك من باريس، بالإضافة إلى تعلمها هذه اللغة فى المدرسة السنية، وكانت مكتبتها تضم ستة آلاف كتاب بالفرنسية التى كانت تعشقها. 

ما الذى قالته سهير فى هذه المحطة؟ 

تقول: حاول السيد أبوالنجا التقليل من شأن قوت القلوب كأديبة مدعيًا أنها: لم تكتب ما كتبته من روايات، ولكننى لا أظن أن فرنسيتها كانت تسعفها إلى هذا الحد، فلم يبق إلا بعض من يلوذون بها كانوا يكتبون لها بمقابل ما تريد من نثر وشعر. 

وللمرة الأولى تذكر سهير اسم هالة البدرى، تقول: وهنا أشير إلى ما كتبته الأديبة هالة البدرى مكذبة هذا الادعاء: لقد تعلمت قوت الفرنسية من والدتها زينب التودى سليلة واحدة من أكبر وأثرى العائلات المصرية فى عصرها التى كانت تجيد الفرنسية كما تجيدها بنات طبقتها، ثم عمقت معرفتها ليس باللغة فقط ولكن بالثقافة من مربيتها الفرنسية التى تم التعاقد معها لتعليمها اللغة والقواعد من باريس، بالإضافة إلى تعلمها هذه اللغة فى المدرسة السنية، وكانت مكتبتها تضم ستة آلاف كتاب بالفرنسية التى تعشقها. 

واستشهدت هالة البدرى- كما تقول سهير- بما كتبه د. طه حسين عن قوت القلوب، مؤكدة أن شخصًا بحجم طه حسين لم يكن ليكتب تلك الكلمات إلا إذا كان واثقًا منها: إن موهبة قوت القلوب يعرفها قراء الفرنسية، ولن يعرفها قراء العربية، وستعرفها باريس ولن تعرفها القاهرة ولو عرفها القراء فلن يتعرفوا على أدبها وفكرها لأنها تكتب بالفرنسية. 

ما أثق فيه من خلال هذه المقارنة بين ما كتبته سهير عبدالحميد فى كتابها وما نسجته هالة البدرى فى روايتها، أن سهير غرقت حتى أذنيها فيما ذكرته هالة قبلها، وأنها رغم إشارتها إليها مرة واحدة فى متن كتابها، إلا أنها عاشت على ما وصلت إليه كثيرًا دون أن تنسبه إليها، وقد وقعت بذلك فى فخ كبير، عندما جعلت ما كتبته هالة من خيالها وأضافته إلى حياة قوت القلوب واقعًا ووقائع ومعلومات موثقة. 

فهل رأيتم سطوًا أكبر من هذا؟ 

سأترك لكم الحكم بالطبع.