الخميس 12 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

قبل الكارثة.. هيئة قومية لمكافحة الجهل العام فى مصر

حرف

- يمكن أن تكون هذه الهيئة تابعة لمجلس الوزراء تضم فى عضويتها متخصصين فى كل المجالات

فى العام ١٩٧٨ استقبلت المكتبات العربية كتاب الفيلسوف الكبير الدكتور زكى نجيب محمود «مجتمع جديد أو الكارثة»، وهو الكتاب الذى جمع فيه عددًا من مقالاته التى نشرها فى الصحف، وكان يشرح فيها مشاكل المجتمع المصرى والعربى من زاوية علاقة الفكر والمفكر بالواقع الذى يعيشه الناس، وتبنى رؤية تقوم على أنه من الضرورى أن نتعامل مع ما ورثناه من أفكار وقياسها بمقياس النتائج المستقبلية التى نتوقع حدوثها. 

من بين مقالات الكتاب كان هناك مقال يحمل اسمه «مجتمع جديد أو الكارثة». 

ويخبرنا زكى نجيب محمود بأن العنوان ليس عنوانه، بل هو عنوان كتاب يشتمل على بحث علمى أعده فريق من الباحثين مستهدفين به وضع الأساس النظرى الذى يمكن أن يقوم عليه مجتمع جديد فى أمريكا اللاتينية بصفة خاصة. 

يقول محمود: وإذا قلنا أمريكا اللاتينية فنحن نقول بالتالى أقطار العالم الأخرى، مما اصطلحوا على تسميتها بـ«العالم النامى» تأدبًا، وإذا أرادوا الحقيقة فيجب أن يطلقوا عليها اسم «العالم المتخلف»، وهو متخلف بالفعل قياسًا على ذلك الجزء من العالم المتقدم، أو المتقدم جدًا أحيانًا، إذا جعلنا المعيار هو التقدم العلمى التقنى التكنولوجى ودرجة التصنيع. 

ويضع الفيلسوف الكبير تصورًا للأسس الأولية التى لا بد أن تتوفر للمجتمع الجديد المنشود على النحو التالى: 

أولًا: المساواة على المستوى القومى، فلكل إنسان على وجه الأرض- من حيث هو إنسان وكفى - حق نابع من فطرته البشرية فى أن يشبع حاجاته الأساسية من تغذية وإسكان ورعاية صحية وتعليم، لأنه بغير أن تجد هذه الحاجات الأساسية ما يشبعها إلى الحد المعقول، فإنه يتعذر على الإنسان أن يشارك فى الحياة الحضارية مشاركة مقرونة بالكرامة الواجبة، وليست المشاركة فى الحياة المتحضرة الكريمة مما يجوز أن يغنى فيه إنسان عن إنسان، لأنه فرض عين، أى أنه فرض مفروض على كل إنسان باعتباره إنسانًا. 

ثانيًا: لا يجب أن يكون المجتمع الجديد استهلاكيًا على الصورة التى نراها اليوم فى البلاد المتقدمة والغنية، بل هو مجتمع إنتاج، والإنتاج فيه تحدده الحاجات الطبيعية الضرورية لكل إنسان، لا الربح الذى يجىء أو لا يجىء، فلا ينبغى للاستهلاك أن يكون غاية فى ذاته، كما هو الحال الآن، إذ ننتج من السلع ما لا تقتضيه الحاجة، ننتجها لا لشىء إلا ليلهو بها أصحاب الثراء، فى الوقت الذى نترك فيه ملايين الناس يعوزهم سد حاجاتهم الضرورية. 

ثالثًا: الحاجات الأساسية التى يجب أن تكون مدار النشاط الإنتاجى خمس هى التغذية والإسكان والتعليم وسلع استهلاكية وخدمات أخرى. 

رابعًا: الحاجات الثلاث الأولى وهى التغذية والإسكان والتعليم، حاجات أساسية للحاضر، أما السلع الاستثمارية فهى حاجات أساسية للمستقبل، وتبقى السلع الاستهلاكية كالثياب والأدوات المنزلية والخدمات التعليمية الأخرى وغيرها فى منزلتها من الترتيب. 

كتب زكى نجيب محمود مقاله منذ ما يقرب من خمسين عامًا. 

طرأت على العالم تغييرات كثيرة لا يمكن أن نتجاهلها أو نقلل من أثرها وتأثيرها، لكنه قبل أن يموت بشهور قليلة وكان ذلك فى العام ١٩٩٣، أى منذ ٣٣ عامًا زاره فى منزله باحث شاب، وسأله: ما الذى تحقق من وجهة نظرك هل أصبحنا مجتمعًا جديدًا.. أم أنها الكارثة؟ 

نظر زكى نجيب محمود بأسى للباحث الشاب وقال بحسم: إنها الكااااارثة.. وأعتقد أننا لا نخرج منها بسهولة. 

لا أدرى ما الذى يمكن أن يقوله الفيلسوف الكبير عندما يطل علينا الآن ويطلع على ما وصلنا إليه من تردٍ. 

لكن ولأنه لم يعد موجودًا بيننا، فأعتقد أننا يجب أن نقوم بمهمة توصيف ما وصلنا إليه، فربما نجد له علاجًا صحيحًا وحقيقيًا يكون ناجعًا ومفيدًا. 

من بين ما أشار إليه زكى نجيب محمود وكان مهتمًا به إلى درجة كبيرة كان التعليم بشكل صريح والعمل بشكل غير مباشر عندما ألح على ألا يكون المجتمع استهلاكيًا. 

أعتقد أن الكارثة التى أحلت بنا سببها الأساسى هو تراجع قيم العلم والعمل فى مجتمعنا، وهو التراجع الذى تسبب فى كل المشاكل التى نعانى منها. 

تراجع قيمة العمل حولتنا إلى مجتمع مستهلك لا ينتج، مجتمع مديون، يستدين من أجل أن يأكل فقط، وهو ما تحول إلى عبء كبير على مدار العقود الماضية، ولأننا لا ننتج، وعندما وصلنا إلى محطة تحديث حقيقية تقودها الجمهورية الجديدة وجدنا أنفسنا مضطرين إلى أن نستدين من جديد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وقد وجدنا أنفسنا فى ورطة جديدة بسبب ما واجهناه من تحديات داخلية وخارجية جعلت من الدين قيدًا عنيفًا يحيط برقابنا. 

مسألة الديون يمكن أن نواجهها ونتغلب عليها، فالطريق إلى الخروج من مأزقها معروف، المهم أن تتوفر لنا الإرادة لنفعل ذلك. 

المشكلة الكبرى التى تواجهنا وأعتقد أنها ليست سهلة هى مشكلة التعليم. 

لا أتحدث هنا عن التعليم فقط ذلك الذى يتم فى المدارس والجامعات والمعاهد، فهو مجرد مرحلة، وما لا يعرفه مجتمعنا أن التعليم عملية مستمرة لا يجب أن تتوقف إلا بموت الإنسان. 

التعليم فى مدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا يعانى بشدة وهذا أمر واقع لا يمكن أن نتهرب منه، والمشكلة ليست فى الميزانية المخصصة له فقط، ولا فى مستوى القائمين على العملية التعليمية ولا من يضعون المناهج الدراسية، أو من يتولون الإشراف على التعليم ويضعون له الاستراتيجيات والتكنيكات، ولكن المشكلة فى ثقافة المجتمع التى تحكم عملية التعليم وتنظر إلى قيمة العلم. 

لقد تحول التعليم منذ سنوات طويلة إلى مجرد عملية للحصول على شهادة، يفرح بها الأهل ويعلقها الخريج على الحائط فى منزله ليتباهى بها، دون أن تكون هناك ترجمة حقيقية لهذه الشهادة، فالذى يحصل عليها ليس ضروريًا للأسف الشديد أن يكون حصل على المعارف والمهارات التى يمكن أن تؤهله تأهيلًا حقيقيًا لسوق العمل. 

بهذه الفلسفة التى أصبحت حاكمة ومتحكمة أصبح لدينا خريجون يشكلون عبئًا على سوق العمل، فمن ناحية هم يطالبون بوظائف لأنهم حصلوا على شهادات عليا، ومن ناحية ثانية هم غير مؤهلين فعليًا وواقعيًا لشغل هذه الوظائف، وهو ما أدى فى النهاية إلى حالة من الانهيار والانحدار المجتمعى التى يشهد عليها الجميع. 

كنا نجلس مع مسئول كبير، وحكى لنا أن هناك جهة فى الدولة أعلنت عن حاجتها لعاملين بها، فتقدم للوظيفة ما يقرب من ٤٢ ألفًا، وفى الاختبار الأول الذى هو مجرد اختبار قراءة وكتابة رسب ما يقرب من ٣٧ ألفًا، والمفاجأة أنه كان من بينهم من تخرجوا فى كليات التجارة والحقوق والآداب، وبعضهم كانوا من خريجى الأزهر، وهى إشارة لا يمكن أن نتجاوزها أو نقلل من خطرها، فليس لدينا تعليم من أى نوع.. إننا نتحدث عن القراءة والكتابة.. لم نتحدث بعد عن المعرفة والمعلومات ومستوى الوعى. 

كان طبيعيًا بعد هذا أن نرى من حولنا كل هذا الجهل على شبكات التواصل الاجتماعى، التى أصبحت مرآة تعكس ما أصبح عليه المجتمع بالفعل دون تجميل أو إخفاء أو تزيين.. فنحن أمام الحقيقة العارية تمامًا. 

لقد رصدتم -كما رصدت- ما جرى بعد أن أعلنت النائبة أميرة صابر عن مقترحها لتأسيس بنك وطنى للأنسجة البشرية، وذلك من خلال تيسير التبرع بها بعد الوفاة لدعم علاج الحروق. 

حددت النائبة هدفها من المقترح وهو إنقاذ مصابى الحروق والحوادث، وتسهيل إجراءات التبرع بعد الوفاة، وتفعيل قانون زرع الأعضاء رقم ٥ لسنة ٢٠١٠. 

وتحدثت عن دوافعها لاقتراح تأسيس هذا البنك، فقد رصدت أن مصر استقبلت أول شحنة جلد طبيعى محفوظ من متبرعين متوفين، وأن هناك ٥٠ بالمائة من حالات الحروق بالمستشفيات الجامعية لأطفال دون ٥ سنوات. 

وأشارت إلى أن البنك الذى تقترحه سيوفر جلدًا طبيعيًا منقذًا للحياة ويقلل الاعتماد على الاستيراد الذى تصل تكلفته إلى مليون جنيه للحالة الواحدة. 

وتعاملت بواقعية شديدة فى تنفيذ فكرتها، فقالت إنه يمكن أن نبدأ بمشروع تجريبى لمستشفى متخصص فى تدريب كوادر طبية، وإنشاء سجل إلكترونى وطنى للمتبرعين. 

النائبة فيما يبدو لنا أنها درست مقترحها بشكل متكامل، لكن التفاعل معه واستقباله جعلنا نندهش من كمية الجهل المتفشى فى مجتمعنا، فقبل أن يقرأ الناس أو يعرفوا تفاصيل ما تعرضه بدأوا فى الهجوم عليها، وهو هجوم ابن شرعى تمامًا للجهل، إذ رأينا من يناقشون الموضوع بعيدًا عن حقيقته، وتخيل أن هناك من تصور أن النائبة تدعو إلى سلخ جلد المواطنين، وصبوا عليها غضبهم لأنها تعمل بمقترحها لمصلحة الأغنياء على حساب الفقراء، وهى مجرد تخيلات وأوهام أفرزها الجهل العام. 

دخلنا جميعًا فى متاهة، فلم نعد نعرف ما هو الصحيح من الخطأ، ولولا تدخل بعض العقلاء الذين شرحوا حقيقة اقتراح النائبة، ما كان لنا أن نتبين فائدته وأهميته، لكن خرجنا من ذلك أن الجهل هو صاحب الكلمة الأولى، وهو جهل أفرزته شبكات التواصل الاجتماعى التى فيما يبدو جعلت المواطنين العابرين الذين لا ناقة لهم ولا جمل فى الأمور العامة يدلون بآرائهم، لأنهم يعتقدون أنه لا بد أن يكون لهم رأى، حتى لو لم تكن لهم علاقة من قريب أو بعيد بما يدور فى المجتمع من مناقشات. 

حالة الجهل هذه أصبحت خطرًا على المجتمع، ولن أبالغ إذا قلت إن خطرها يزيد على خطر جماعة الإخوان الإرهابية، وكذلك الخطر الذى لا تزال تمثله إسرائيل، فالجهل هو أخطر الأعداء لأمننا القومى، فهو يخلق حالة من الشوشرة والتشويه التى تبعدنا عن حقيقة ما يواجهنا من مشكلات. 

لا يعنى كلامى أبدًا أننى أطالب الناس بألا يتكلموا، فالكلام حق أصيل من حقوق الإنسان، لكنه ليس حقًا مطلقًا، إذ لا بد أن يكون مقرونًا ومقترنًا بالمعرفة، فليس من الطبيعى أن أتحدث فيما لا أعرفه، وإذا أردت أن أفعل ذلك فلا بد أن أتعلم، وأعتقد أن التعلم لا يمكن أن يكون عيبًا أبدًا، مهما كان عمر الإنسان أو مكانته الاجتماعية، تحدث فيما تعرف، وإذا أردت أن تفعل ذلك فيما لا تعرف.. فليس عليك إلا أن تسأل.. والسؤال ليس حرامًا أبدًا.. ثم إنه ليس صعبًا كذلك. 

أعرف أن ما أطالب به ليس سهلًا. 

من ناحية لأن المجتمع لن يعترف بسهولة بجهله وعدم معرفته. فالجهل أورثنا حالة من الغرور والتعالى على المعرفة، فلدى كل منا إجابة على كل وأى سؤال، ولدى كل منا اعتقاد راسخ بأننا نعرف كل شىء، وجرب أنت واسأل أى مواطن عن أى شىء ستجده يجيبك، ولن يعترف أبدًا أنه لا يعرف، رغم أنه بالفعل فى أغلب الأحيان لا يعرف. 

من ناحية ثانية فإننا نعتقد بأن الحصول على المعلومات سهل، فكل منا يحمل تليفونًا فى يده، ولديه باقة إنترنت، يمكنه أن يسأل جوجل أو يستفتى شات جى تى، ولا يقتنع أبدًا أن هذه الوسائط فى الغالب ليست دقيقة، ولا تقدم المعرفة الحقيقية، ولا يدرك الناس أيضًا أن هناك تحولًا فى منظومة المعرفة المتاحة عبر الإنترنت، فبعد أن كان يتم تغذيته بالمعلومات عن طريق البشر أصبح الذكاء الاصطناعى بخوارزمياته يفعل ذلك، وهو ما يمثل كارثة، فالمعارف المتاحة الآن مشكوك فيها ولا يجب أن نثق فيها بشكل متكامل. 

ولأن هذا هو الحال، فلا بد أن نبحث عن حل. 

من السهل بالطبع أن نتحدث عن إصلاح منظومة التعليم، وأن نسهب فى تغيير ثقافة المجتمع فيما يتعلق بالعلم والتعليم والتعلم، لكننى أعتقد أن هذا سيكون كلامًا مطلقًا فى الهواء لا فائدة ترجى منه، ولا عائد سيترتب عليه، فالخراب أكبر من أن يستوعبه أحد أو يسيطر عليه أحد. 

ولذلك فإننى أقترح اقتراحًا قد يكون غريبًا، وقد يعتبره البعض نظريًا، لكن ما رأيكم أن نجربه. 

إننى أقترح إنشاء هيئة قومية لمكافحة الجهل العام، ويمكن أن تكون هذه الهيئة تابعة لمجلس الوزراء، تضم فى عضويتها متخصصين فى كل المجالات، يكون من وظيفتها أن تكون لديها مجموعات رصد سريعة للمعلومات الخاطئة التى يتم تداولها والآراء العبثية التى يدلى بها الناس عبر شبكات التواصل الاجتماعى، وترفع لجان الرصد ما تمسك به إلى أعضاء الهيئة كل فى تخصصه، لدراسة الموضوع وإصدار بيان يقدم للناس المعلومات الصحيحة، على أن تقوم وسائل الإعلام المختلفة بنشر هذا البيان عل نطاق واسع وفى أسرع وقت، حتى تطرد المعلومات الصحيحة المعلومات الباطلة، وتسحق الآراء الصحيحة الآراء العشوائية. 

يمكن أن يعتبر البعض أن هذا الاقتراح يفارق الواقع، فعلينا أن نبدأ بإصلاح العطب بدلًا من أن نضيع الوقت، وهو كلام فى شق منه صحيح، وهو الشق الخاص بإصلاح العطب، وهو ما لا أعارضه، فلا بد أن نبدأ من الآن، لأن الرحلة ستكون طويلة، لكننى أتحدث عن حل سريع، عن محاولة لمواجهة الجهل الذى يشكل حياتنا، وأصبح هو الصفة الغالبة على حواراتنا ومناقشاتنا وجدالنا الذى لا ينتهى. 

جربوا، نفذوا هذا الاقتراح، فربما يكون فيه الخير، وإلا فإننا ماضون فى اتجاه الكارثة الكبرى التى لن يستطيع أن يتصدى لها أحد بعد ذلك.