الخميس 05 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الفاشلون يمتنعون.. كلام صريح عما جرى فى معرض الكتاب

حرف

 - إننى على ثقة أننا لا نزال نملك القدرة على استرداد ريادتنا

لا يمكن أن تجد فعالية ثقافية بهذا الحجم فى أى مكان على وجه الأرض. 

أحدثكم عن معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الـ٥٧ التى انتهت بالأمس. 

ولا أقول ذلك من باب المبالغات الفارغة، أو التفاخر المتعصب، أو خداع النفس. 

فلا أنا بالذى يخدع الناس.. ولا أنا كذلك بالذى يخدع نفسه. 

فى هذه الدورة شاركت ١٤٥٧ دار نشر من ٨٣ دولة بإجمالى ٦٦٣٧ عارضًا. 

وعلى هامشه أقيمت أكثر من ٦٠٠ فعالية ثقافية توزعت ما بين ٤٠٠ ندوة ومؤتمر، و١٠٠ حفل توقيع، و١٢٠ فعالية فنية، بواقع ٦٠ فعالية فى اليوم الواحد، شارك فيها ١٥٠٠ مثقف ومبدع، هذا غير ١٧٠ ضيفًا عربيًا وأجنبيًا، وحضرها آلاف المترددين على المعرض. 

بحسبة الأرقام نجح معرض الكتاب فى تحقيق أهدافه. 

وبحسبة الأثر لا يمكن أن يشكك أحد فى قدرته على التأكيد على قوة مصر الناعمة، وامتلاكنا ناصية العمل الثقافى الحقيقى بعيدًا عن البهرجة والدعاية الزائفة والتزيُّد بنجوم لا علاقة لهم بالثقافة.. فمعرض القاهرة للكتاب يظل فعلًا ثقافيًا حقيقيًا وأصيلًا.. قيمته فى نفسه.. وقدره من إمكانيته على صنع حالة ثقافية حوارية تنويرية تليق بمصر وشعبها. 

لكن وكالعادة فى كل عام يخرج علينا من يشك ومن يشكك، من يهيل التراب على ما يحدث ويطعن فيما يجرى ويشوه ما تحقق، واللافت فى كلام هؤلاء أنهم لا يقولون شيئًا حقيقيًا جرى على الأرض، بل يستسلمون للكلام المعاد والمكرر الذى أصبح مثل الكليشيهات المحفوظة التى يرددها أصحابها مثل الببغاوات.. هذا غير اختراعهم عيوبًا من عند أنفسهم ثم يصدرونها إلينا وكأنها حقائق. 

يقولون إن المعرض يجب ألا يكون مجرد سوق لبيع الكتب فقط. 

ورغم أن المعرض بالفعل ليس مجرد سوق للبيع والشراء، فإنه فى أصله نجح فى أن يكون سوقًا مهمة ومؤثرة فى معادلات إنتاج الكتب وبيعها وشرائها. 

لا أتحدث هنا عن البيع الفردى للجمهور، فهذا لا يمكننا أن نقيس عليه، خاصة أن اتحاد الناشرين لا يهتم بإصدار إحصائيات دقيقة عن عدد الكتب التى بيعت خلال أيام المعرض، ولكن الأهم هو البيع الجماعى، فالناشرون العرب والأجانب يعتبرون المعرض سوقًا مهمة، يتعرفون فيها على الإصدارات المصرية المهمة الصادرة خلال العام، ويعقدون صفقات على شرائها، وهو ما يعنى أن الكتاب سلعة مهمة يتم تصديرها، ويمكننا بقليل من الاهتمام والعناية أن نجعل منه مصدرًا مهمًا من مصادر الدخل القومى، ونعيد له بريقه وقيمته ضمن مصادر دخلنا. 

فى دورة المعرض هذا الكتاب حدث شىء جديد وفريد واستثنائى، وأعتقد أنه يتم لأول مرة، وأتمنى أن يتم تطويره كل عام حتى نجنى ثماره بشكل يليق بنا وبما ننتجه من محتوى ثقافى مهم. 

فقد انطلقت- مع اليوم الأول للمعرض- أعمال مركز تبادل حقوق الملكية الفكرية، وهو مركز تم تنسيق عمله بين اتحاد الناشرين المصريين والهيئة العامة للكتاب وإدارة المعارض ضمن فعاليات برنامج «القاهرة تنادى». 

هدف المركز ببساطة هو تيسير بيع وشراء حقوق الملكية الفكرية، من خلال عدد من اللقاءات تجمع بين الناشرين المصريين والعرب والأجانب، وذلك عبر خلق قنوات اتصال مباشرة بين دور النشر العربية والأجنبية للمساعدة على عقد صفقات تبادل الحقوق. 

لقد تابعت عمل هذا المركز عن قرب، واستمعت إلى مناقشات جرت بين الناشرين المصريين والناشرين العرب والأجانب، وهى مناقشات مثمرة، حيث يلتقى الناشرون لعرض إنتاجهم من الكتب على بعضهم بعضًا، وعقد صفقات البيع والشراء، وهو أمر له أهميته القصوى ليس على المستوى التجارى فقط، ولكن على مستوى الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية للكتب، كما أنه سيسهم بقدر كبير فى محاربة ظاهرة تزوير الكتب التى أضرت بهذه الصناعة ضررًا بالغًا. 

إننى أتعجب بشدة ممن يأخذون على معرض الكتاب أنه سوق للكتب. 

فما الذى يريده هؤلاء من معرض للكتاب يقام فى دولة بها أكثر من ١١٠ ملايين مواطن يقيمون داخل البلاد، لهم عادات وتقاليد ارتبطت بالمعرض منذ سنوات طويلة. 

فهناك كثيرون يدخرون من أجل المعرض، يدخلونه وهم يعرفون أنهم سيجدون فيه ما يريدون من كتب، وبتخفيضات لا يجدونها خلال العام فى دور النشر، كما أنهم يجدون تنوعًا هائلًا فى الكتب يمكنهم من الاختيار فى أقصى درجاته. 

قد يقارن البعض بين معرض الكتاب فى مصر وبينه فى دول أخرى لا يتوفر لها هذا العدد من السكان، وهى مقارنة بائسة جدًا فى الحقيقة، لقد تجاوز عدد زوار المعرض هذا العام ما يقرب من ٥ ملايين زائر، وهو رقم يمكن أن يشكل عدد عدة دول فى المنطقة، فهل تجوز المقارنة؟ أعتقد أنها مقارنة ظالمة ومحرجة للآخرين بدرجة كبيرة.

إن هذا العدد لا يصل إلى نصف فى المائة من السكان فى مصر، لكنه يصنع فى مكان واحد زخمًا هائلًا، ويعكس حالة اهتمام حقيقية بالكتب والمعرفة، ولا يخفى على أحد ما حدث فى العام الماضى، فقد أرسل أحد المسئولين عن معرض كتاب عربى رسالة رسمية لهيئة الكتاب يستفسر عن حقيقة عدد زوار معرض القاهرة، وهو يردد أن عدد الزوار أسطورى وليس معقولًا. 

لو فرضنا أن ١٠ بالمائة من عدد الزوار يهتمون بالفعاليات الثقافية، فمعنى ذلك أن هناك ٥٠٠ ألف زائر شاركوا فى الندوات والفعاليات، ويبقى لدينا ٤ ملايين ونصف زائر، وهؤلاء ليسوا قادرين على صنع سوق واحدة، ولكن صناعة عشرة أسواق على الأقل.. فما العجب إذن فى ذلك؟ 

بقدرة قادر تحولت الميزة الكبرى التى يتمتع بها معرض القاهرة للكتاب، وهى أنه سوق كبيرة لبيع وشراء الكتب، إلى عيب فى نظر البعض، والغريب أنهم يريدون أن يفرضوا رأيهم علينا. 

لقد حلا للبعض أن يطعن فى المعرض بأن ندواته بلا جمهور، وقام بعضهم بالتقاط صور لندوة هنا أو ندوة هناك العدد فيها قليل، وبدأ يعمم هذه الصور على كل فعاليات المعرض، وهو أمر فوق أنه مغرض بشكل كامل، فهو أيضًا ليس حقيقيًا بالمرة. 

لا يمكن أن أنكر أن هناك ندوات كان عدد الحضور فيها قليلًا جدًا، لكن هذا لا ينفى أنه كانت هناك ندوات وفعاليات العدد فيها كان كبيرًا يصل إلى درجة الحشد، ففى بعض القاعات لم تكن تجد مكانًا لتقف فيه. 

والسؤال هنا لا بد أن يكون عن العيب فى الندوات التى لا يحضرها جمهور! 

فهل ذلك بسبب الدعاية من إدارة المعرض؟

أم بسبب تكاسل المشاركين فيها عن الترويج لها؟ 

أم بعدم اهتمام الصحف والمواقع والقنوات بها وبأخبارها فلا يعرف أحد عنها شيئًا؟ 

كل هذا وارد بالطبع، لكن لا يعد الجمهور القليل فى بعض الندوات عيبًا يمكن أن نحتج به على المعرض، ونتحدث عن فشله، أو عدم تحقيقه أهدافه، فبعض الندوات نوعية، وبعضها يعقد لمثقفين ومبدعين وشعراء ليسوا جماهيريين، والجمهور يقبل على من يعرفهم، لكننى أعتقد أن هذه حسنة من حسنات إدارة المعرض التى تتيح الفرصة لمن لا يعرفهم الناس ليتواجدوا ويتحدثوا، فقد تكون هذه وسيلة من وسائل تعريف الناس بهم. 

وهو ما يجعلنى أتوقف عما قيل عن الضيوف الذين لا يشاركون فى ندوات المعرض، بحجة أنهم ممنوعون أو غير مرحب بهم، أو أن هناك إقصاءً لهم لأسباب سياسية أو فكرية. 

لقد تعمد كثيرون نشر قوائم لكتاب ومثقفين كان لا بد أن يشاركوا فى ندوات المعرض، بحجة أن هؤلاء يمكن أن يضيفوا إليه زخمًا، ورغم أن هناك منطقًا لا أنكره فى هذا الكلام، لكننى أعتقد أن من يرددون ذلك لا يحرصون على حضور كتاب بعينهم ومشاركتهم فى ندوات المعرض، بقدر ما يريدون تشويه الصورة بشكل عام، فقد التفتوا لمن لم يحضروا، وغضوا البصر عمن حضروا وشاركوا بالفعل، وهم كثيرون ومؤثرون. 

إن هؤلاء الذين يتحدثون عنهم، ولن أذكر أسماءهم، لهم منصاتهم التى يتواصلون من خلالها مع الناس، ويستطيعون الوصول إليهم فى كل وقت، أما من تحدثوا فى المعرض فالكثيرون منهم ليست لديهم هذه المنصات. 

ورغم أن من أثاروا هذه الزوبعة حاولوا أن يشوهوا المعرض، لكننى على العكس اعتبرت أن ما قالوه يؤكد جدارة المعرض وأهميته، فهم يحرصون على المشاركة أو التوصية بمشاركة أسماء بعينها، لأن المعرض رغم كل التدفق الإعلامى وتوحش الميديا وتعدد المنصات، فإنه لا يزال قادرًا على منح الشرعية ومنح الشهادة بالجماهيرية لمن يشاركون فيه. 

فمع احترامى لكل الأسماء التى طرحت -مهما علا شأنها- فإن المعرض هو الذى يضيف لهم ويزيدهم من فضله، وهذه ميزة عظيمة لا بد أن نثبتها لمعرضنا ونؤكد عليها. 

على بعض الصفحات وجدت حالة من الغضب ضد بعض الكتب التى قالوا إنها تحمل أفكارًا متطرفة، وطالب البعض بالتحقيق فى ذلك لإقصائها ومحاسبة ناشريها. 

ورغم أننى ضد التطرف بكل أشكاله، لكن يبدو أن هناك خلطًا ما وقع فيه أصحاب هذه الدعوات، ففى المعرض أجنحة كاملة للمؤسسات الدينية، ولدور نشر تعمل فى الكتب الدينية فقط، وهناك مكتبات تنتمى لسور الأزبكية تتاجر فى الكتب الدينية القديمة والحديثة معًا. 

ومن الوارد أن تكون هناك كتب فيها أفكار لا يرضى عنها المزاج العام الآن فى ظل مواجهتنا الكبرى مع الجماعة الإرهابية والجماعات التى تسير على طريقها.

لكن لا بد أن نتأمل الأمر، فهذه الكتب تعرض ما جاء فى الدين بالفعل، توظف الآيات والأحاديث توظيفًا ما، من وجهة نظرى أنه توظيف خاطئ تمامًا، لكن لا بد أن نفرق بين الكتب الإرهابية والكتب المتطرفة، الكتب الإرهابية لا بد أن نستبعدها فلا مكان لها بيننا أبدًا، أما الكتب التى يرى البعض أنها تحمل أفكارًا لن أقول متطرفة ولكن متزمتة، فلا بد من التعرف عليها، ولا بد من إنتاج خطاب دينى يناقشها ويضعها فى مكانها الصحيح والدقيق. 

لا يمكن مثلًا أن تمنع الكتب التى تتحدث عن الحجاب باعتبار أنه فريضة، ولا يمكن أن تصادر الكتب التى تتحدث عن العلاقات بين الذكر والأنثى، أو تلك التى تتفاعل فى مسألة المختلفين دينيًا أو فكريًا، فهناك من يعتبرها من أصول الدين. 

مواجهة هذه الأفكار لا بد أن تكون بالأفكار، فإذا فعلنا ذلك نكون قد نضجنا بالفعل. 

لقد حاول البعض الترويج لمنع كتاب هنا أو مصادرة رواية هناك أو إلغاء حفل توقيع بينهما، وهو ما لم يثبت أبدًا، لسبب بسيط أن القائمين على المعرض يعرفون جيدًا أن لغة المنع والمصادرة أصبحت لغة منقرضة تمامًا، فالمنع وسيلة مضمونة للترويج، والمصادرة أقصر الطرق للدعاية للمحتوى المصادر، ثم إنه لا يمكن أن يصادر أحد شيئًا بعد أن أصبح المحتوى متاحًا على المنصات الإلكترونية وهى كثيرة ولا يستطيع أحد أن يغلقها أو يتعقبها. 

قد يتعجب البعض منى عندما أقول إننى مع التنوع، ومع إتاحة الأفكار ما دام أنها ليست ضارة بالأمن القومى، أو تروج لأفكار مناهضة للدولة واستقرارها، أما غير ذلك فلا أجد ضررًا فى وجوده، ما دام أننا لا نزال قادرين على النقاش والحوار، والأفكار الجيدة حتمًا ستطرد الأفكار الضارة. 

لقد أثبت معرض الكتاب- رغم اقترابه من الستين عامًا- أنه لا يزال فى ريعان شبابه، يتألق ويتدفق، ويفرح به المثقفون ويعتبرونه عيدًا قوميًا لهم، أما القراء العاديون من المواطنين فهم يعتبرونه مناسبة وطنية مهمة يؤكدون من خلالها حيوية وطنهم وقدرته على الاستمرار. 

لكن يبدو أن هناك مَن يضيق بذلك، يُحزنه أن يجد شيئًا ناجحًا فى مصر، ولذلك يسعى بكل قوته إلى هدمه والشوشرة عليه. 

كان طبيعيًا أن أرى منصات خارجية عربية وأجنبية تهاجم المعرض وتطعن فيه، فالآن المنافسة شديدة، وهناك من يعتقد أنه لا يمكن أن يبنى مجده إلا على أطلال أمجاد الآخرين، وهناك كذلك من يرى أنه لن تتم تقوية معارض الكتاب الإقليمية- التى هى ناجحة بالمناسبة- إلا إذا تم إضعاف معرض القاهرة. 

المؤسف أننى رأيت هذه المنصات الخارجية تعتمد فى هجومها على معرض الكتاب المصرى على ما كتبه البائسون الذين أعتبرهم فاشلين بامتياز من أبناء جلدتنا، وكأننا نقدم للآخرين العصا ليضربوننا بها، فهل هذا معقول؟ 

إننى على ثقة أننا لا نزال نملك القدرة على استرداد ريادتنا، لكن هناك من يهتم ويخطط لإفقادنا الثقة فى أنفسنا، ليأخذ من ذلك وسيلة لإضعافنا، فنبدأ نحن فى تشويه أنفسنا، بينما يجلسون هم ليتفرجوا علينا وهم سعداء. 

إننى لا أطالب أحدًا بالصمت. 

فمن حق كل إنسان أن يتحدث ويقترح ويطالب، ويغضب ويُعادى حتى. 

لكن كل ما أطالب به دائمًا هو الإنصاف. 

تحدث عن عيب حقيقى، لكن أن تختلق عيبًا ثم تهاجمنا به، فهذه قمة الانحطاط.

ويا أيها الفاشلون كونوا منصفين.. أو اصمتوا.. فهذا أفضل لنا ولكم.