دراسة القلق.. التحليل النفسى والفلسفى لكتب المساعدة الذاتية
لفهم كتب المساعدة الذاتية الحديثة، افتح كتاب «تذكر دائمًا: الفتى، الخلد، الثعلب، الحصان، والعاصفة». هذا الكتاب هو الجزء الثانى من «الفتى، الخلد، الثعلب، والحصان»- وقد تصدرت هذه القصص الرمزية عن الحيوانات قوائم الكتب الأكثر مبيعًا فى بريطانيا فى عيد الميلاد.
وقد بيعت منها ملايين النسخ «وهو ما يعد غالبًا مؤشرًا سيئًا»، ووصفت بأنها «مؤثرة» «وهو مؤشر أسوأ».
افتح هذا الكتاب ولن يخيب ظنك. أبطاله من الحيوانات يعشقون الحياة، ويعشقون بعضهم بعضًا، ويعبرون عن الحب بخط يدوى ساحر. يفترض أن أفكاره موجهة للأطفال، لكن الكبار يعشقونها.
«أحيانًا يخدعك عقلك. قد يخبرك بأنك عديم الفائدة، وأن كل شىء ميئوس منه»، هكذا جاء فى أحد المقالات التى انتشرت مؤخرًا على إنستجرام.
«لكن تذكر هذا؛ أنت محبوب، ومهم، وتجلب إلى هذا العالم أشياء لا يستطيع أحد غيرك جلبها. لذا تمسك بالأمل». الأسلوب يشبه أسلوب وينى الدبدوب، لكن دون قسوته وكآبته.
فى هذه الأيام، اتسع نطاق كتب المساعدة الذاتية، لتشمل كتبًا مصورة وشعرًا، فضلًا عن نصائح للترقى الوظيفى. ومع ذلك، نادرًا ما تكون هذه الكتب مفيدة كما تدّعى: اشتر كتاب «العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية»، وليس من المؤكد أنك ستصبح أنت أيضًا شخصًا فعالًا للغاية.
ومع ذلك، غالبًا ما تكون هذه الكتب مفيدة ودائمًا ما تكون قيمة. فهى توفر أدلة لا تقدر بثمن للمؤرخين الاجتماعيين، لأنها تخبرنا قليلًا عمن نريد أن نكون وأكثر من ذلك عمن نحن فى الواقع. اقرأ قرنًا من كتب المساعدة الذاتية، وستجد نفسك أمام دراسة أثرية للقلق.
فى كتاب رائد من العصر الفيكتورى بعنوان «المساعدة الذاتية»، أخبر صموئيل سمايلز قراءه، الذين كانوا يعيشون فى مجتمعٍ هرمى، بأن كل ما يحتاجونه للنجاح هو «الإرادة» و«عادة الانتباه».
أما كتاب «فكر وازداد ثراء» «١٩٣٧»، فقد علم القراء الأمريكيين فى فترة الكساد الاقتصادى أن ما يحتاجونه حقًا للثراء هو أن يتخيلوا أنفسهم «يمتلكون المال بالفعل».
أما كتاب «العادات الذرية»، وهو من أكثر الكتب مبيعًا ونشر عام ٢٠١٨، فيعلم القراء المعاصرين الذين يعانون من ضيق الوقت أنهم لا يحتاجون إلا إلى اتباع «قوانين تغيير السلوك الأربعة».
تظهر الإصدارات الأحدث سمات أخرى. فالله، الذى بات حضوره بارزًا بشكل متزايد فى الحياة الثقافية، ظهر أيضًا فى أقسام كتب المساعدة الذاتية.
قال ريد هوفمان، المؤسس المشارك لـ«LinkedIn»، ذات مرة، إن الشبكات الاجتماعية تحقق أفضل نتائجها عندما «تستغل إحدى الخطايا السبع المميتة» مثل الجشع أو الكبرياء.
ألق نظرة على قائمة كتب المساعدة الذاتية الأكثر مبيعًا من بين عناوينها السابقة «أنواع الثروة الخمسة» و«عادات صغيرة لإنقاص الوزن»، ويبدو أنها تحقق نفس النجاح. قد تؤدى الخطايا السبع المميتة إلى مبيعات بملايين الدولارات.
ترتكب العديد من كتب التنمية الذاتية الأخرى أخطاءها الخاصة. يرتكب عدد كبير منها خطأ الإسهاب الممل فى استخدام الأحرف الكبيرة؛ ويرتكب الكثير منها خطأ استخدام الرسوم البيانية دون مقياس؛ ويرتكب عدد قليل منها خطأ استخدام كلمة «رفع» البغيضة؛ ويرتكب البعض الآخر خطأ لا يغتفر وهو خطأ الشعر.
يسعى الكثير منهم إلى تحقيق عظمة عتيقة. تحظى الفلسفة الرواقية بشعبية واسعة:
حصل كتاب «التأملات» لماركوس أوريليوس على تقييم ٤.٧ نجوم على أمازون؛ وهناك كتاب قادم بعنوان «كيف تعيش كرواقى». مع ذلك، فإن أسلوب وأهداف معظمها حديثة للغاية، ولا سيما فى هوسها بالوقت.
نشر كتاب «المساعدة الذاتية» لسمايلز لأول مرة عام ١٨٥٩، وهو نفس العقد الذى أصبحت فيه بريطانيا أول مجتمع حضرى فى العالم. أصبح الناس الذين عاشوا فى عالم كان لكل شىء فيه وقته- وقت للزرع، ووقت للحصاد، ووقت للنوم- يعيشون حياتهم الآن على وقع دقات الساعة.
يتردد صدى ذلك الصوت بنفاد صبر فى هذا النوع الأدبى. فبينما تأمل ماركوس أوريليوس فى عبثية المسعى البشرى فى ظل «لا متناهية الأبدية»، تسير كتب التنمية الذاتية الحديثة بخطى أسرع.
يذكرنا كتاب «٤٠٠٠ أسبوع» الأكثر مبيعًا مؤخرًا بأن هذه الفترة هى عمر الإنسان. ويقدم كتاب «العادات الذرية» «قاعدة الدقيقتين» لتحسين الإنتاجية.
تعد المساعدة الذاتية، من جهة، نوعًا أدبيًا مثقلًا بهموم الرشد. ومن جهة أخرى، يبدو طفوليًا بشكل غريب. «انظر مجددًا (الفتى، والخلد، والثعلب، والحصان)».
تصفح قائمة الكتب الأكثر مبيعًا فى مجال المساعدة الذاتية، بدءًا من «لماذا لم يخبرنى أحد بهذا من قبل؟» وصولًا إلى «لا يمكن أن يؤذينى»، وقد تشعر بأنها ليست قائمة قراءة للكبار بقدر ما هى كلمات طفل غاضب.
حتى عندما يستخدم المؤلفون مفردات أكثر نضجًا، فإن النبرة قد تكون طفولية ومتذمرة: أحد كتب المساعدة الذاتية الرائجة يعلم فى «فن اللا مبالاة».
يقول سفيند برينكمان، أستاذ علم النفس الدنماركى ومؤلف كتاب «اثبت على الحق»، وهو كتاب فى مجال المساعدة الذاتية مناهض لكتب المساعدة الذاتية، إن هذا أمر شائع: «هناك تفضيل لما هو طفولى فى كثير من كتب المساعدة الذاتية».
تحتفى العديد من الكتب بـ«أصالة» المشاعر غير المقيدة، وتشجع القراء على التخلى عن «الذات الزائفة». إن فكرة أن «كل فكرة وشعور يجب أن يطلق العنان لهما» هى بالتأكيد نتاج «عصر وسائل التواصل الاجتماعى الذى يتسم بالانعزالية».
قد تستحضر الكتب فلسفة الرواقية، لكنها تفعل ذلك بطريقة لا تمت للرواقية بصلة. فالعنوان الفرعى لكتاب الرواقية القادم هو «دليل للسعادة».
السعادة، بالمعنى الإنجليزى للكلمة، ليست هدفًا كلاسيكيًا. فالسعادة «التى تشترك فى جذر مع كلمات مثل (الصدفة)» أمر متقلب: ضربة عابرة من الحظ السعيد، وليست حالة دائمة يسعى إليها.
لم يكن الفلاسفة القدماء يبحثون عن شىء «يأتى ويذهب»، بل عن «عيش حياة طيبة»، كما يقول جيمس وارين، أستاذ الفلسفة فى جامعة كامبريدج. لا يمكنك أن تعيش حياة طيبة بمجرد «قراءة كتاب».
لعل السؤال الأهم الذى تطرحه كتب التنمية الذاتية هو: هل تساعد هذه الكتب الناس؟
هناك بعض الأدلة القليلة على أنها قد تساعدهم، لكن تأثيرها ضئيل.
وهناك أدلة أقوى بكثير على أمور أخرى تسعد الناس فعلًا، ومعظمها ينطوى على ما أسمته إيريس مردوخ، الفيلسوفة والروائية، بـ«التجرد من الذات»: اللعب مع حيوان أليف أو مع الأطفال، أو التنزه فى الطبيعة، أو الذهاب إلى المسرح، أو التواصل الاجتماعى.
يقول برينكمان إن الإشباع هو «التجرد من الذات» فى جوهره: ويتحقق عندما «ينصرف انتباهك عن نفسك إلى العالم». لذا، ربما عليك فى شهر يناير هذا أن تقرأ كتابًا لا يعنى بالتنمية الذاتية بدلًا من ذلك.







