حِضن العواء.. تأملات فى رحلة التمرد والخيانة والبحث عن النجاة
- ديوان مروة نبيل مثال رائع على الشعر السريالى المعاصر
- الشاعرة فيلسوفة حقيقية وتشبه تمثال الإله الرومانى «يانوس»!
يُوحى النثر لا يشرح، وهذا ما يُميزه عن الشعر. كذلك تبنى الشاعرة الواقع كما تراه. وقد لا يتوافق ما تراه مع الفهم «العادى» للواقع، وهذه سمة أخرى مهمة من سمات الشعر.. يُعدّ «فى حضن العواء» مثالًا كلاسيكيًّا للشعر المُتقن الذى يندرج فى سياق الكتابة السريالية.
يُعرَّف الشاعر «السريالى» بأنه غريب، غير مألوف، غير واقعى، «يتميز بواقعية الحلم واللاعقلانية الشديدة» (وفقًا لميريام وبستر). فى الشعر السريالى، لا ينصب التركيز على واقعنا، بل على واقع الشاعر. قد يبدو غريبًا من منظور «عادى» للواقع. وهذا التجاور يُفاجئنا ويدفعنا إلى طرق شعور وتفكير ربما لم نختبرها من قبل.
لكن هذه تحديدًا إحدى مزايا الشعر السريالى؛ الذى يتجاوز حدود المألوف بإعطائنا لمحات عن تجربة الشاعر الواعية واللاواعية. ومن المفهوم أن الشعر السريالى يستخدم جرعةً هائلةً من الخيال، ويخلق صورًا قد تُخيفنا، أو حتى تُؤكد أحيانًا ما قد نكون قد اختبرناه ولكننا نخشى التعبير عنه علنًا. وبهذا المعنى، يُمكن للشعر السريالى أن يكون مُحررًا، ليس فقط للشاعر، بل للقارئ أيضًا.

كل الفاكهة محرمة
تُعدّ هذه المجموعة الشعرية لـ«مروة نبيل» مثالًا رائعًا على الشعر السريالى المعاصر. لا تُحفزنا «نبيل» فقط باستعاراتها البارعة، وتناقضاتها، ومفارقاتها، وتحولاتها غير المتوقعة، وتجاربها، بل تُثير فينا أيضًا شعورًا بالرهبة والذهول يُشبه إلى حد كبير، إن لم يكن مُطابقًا، للدهشة الفلسفية. بالفعل. «نبيل» فيلسوفة وشاعرة؛ لا يُمكنها أن تكون أحدهما دون أن تكون الآخر. إنها أشبه بتمثال للإله الرومانى «يانوس» برأسين: وجهان متطابقان، أحدهما ينظر إلى اليسار والآخر إلى اليمين. لكنه الشخص نفسه. وهكذا هو الحال مع مروة نبيل.
سواء آمن الفلاسفة بوجود الحقيقة والواقع والوقائع أم لا، فإن الفلسفة فى نهاية المطاف ليست سوى صراع مع جوهر هذه المفاهيم. وبدلًا من كتابة أطروحة فلسفية جامدة ومملة لا يقرأها إلا قلة مختارة، أنتجت «نبيل» مجموعة شعرية بديعة تُسهّل فيها فهمها للحقيقة بتركيزها، أو حثّنا على التركيز، على عدة مفاهيم فلسفية وتجارب إنسانية جوهرية. كما تُشير إلى العديد من الفلاسفة، الشعراء، المفكرين، وشخصيات من الأساطير: شوبنهاور، بوذا، كفافيس، بيسوا، أخيل، الطاويَّة، هوبز، روسو، هيدجر، كافكا، الخضر، فرويد، ونيتشه. إما أنها تحاورهم بطريقة ساخرة، أو تستخدمهم كوسيلة للتخفيف من خيبة أملها فى المأزق الإنسانى.

هناك العديد من المواضيع الفلسفية التى تُثير «نبيل» فضولنا نحوها بأسلوب شعرى راقٍ. إنها تتساءل عما إذا كانت الحرية موجودة أم لا، وبأسلوب ساخر تُشكك فى معنى المفهوم ذاته (انظر، الحرية، ٢٤)، ومع ذلك يبدو أنها تدعم كلًا من: نظرية معرفية للأحاسيس: «لا مجال للحديث عن أعضاء/ بل عن شعور ...» ص ٤٥، ونظرية معرفية للحب: فى قصيدة «ليس فشلًا» إذ تُنظِّر عن الحب والعقل: «أن تحضن نفسك/ نفسك التى تعرف/ أن هناك مُتسعًا للحب --/ وليس هناك من داعٍ» ص ٤٧. فى قصيدة «لا أعرف» تُشكك فى جوانب المعرفة، لكنها مع ذلك تُعلن بحزم: «كُلنا عناقيد، والسماء التى نعرفها شاطئ» ص ٤٩. هذا تعبير عن نظرية معرفية سريالية، ليست واقعية ولا مثالية! ربما توجهنا «نبيل» نحو نظرية معرفية جدلية.
كما أنها تتجاوز نظرية المعرفة إلى الفلسفة الأخلاقية والسياسية، حيث تُلمّح أحيانًا إلى نظرية فى العدالة، كما تُقدّم نظريةً فى العدالة مبنيةً على العبث، وهى نظريةٌ لا تُفارق الواقع نظرًا لنبرتها الساخرة. ومثل القديس أوغسطين فى الفصل الحادى عشر من «الاعترافات»، تتأمل فى الأبدية والزمان. تسأل: «ما الديمومة؟» ص ٨٩. ومن وجهة نظرها، «سألعن/ من يُسمّى الديمومة بحرًا/ الزمن، بطبيعته أسيان،/ أما الديمومة لا» ص ٩٠.
ربما يكون الجانب الفلسفى الأقوى فى هذا العمل هو ما تعرفه عن نفسها. يبدو أنها تأخذ على محمل الجدّ مقولة سقراط «اعرف نفسك». ماذا تدّعى أنها تعرف عن نفسها؟ الكثير! وهذا ليس مُستغربًا بالنظر إلى أسلوبها التأملى. إليكم سلسلة من الادعاءات المعرفية التى تُعلنها الشاعرة:
• «العالم كله داخلى» ص ١٤
• «أنا الفقيد العائش... / أُفضِّل فى الألعاب الزوجية الطعام» ص ١٦
• «سأظل تُويجًا» ص ١٧
• تُدرك أنها شاعرة «أعرف أننى هنا للبلبلة (حقيقة تعرفها)/ لتدوير الشر/ أنا حِصن مُيسَّر للثقوب» ص ١٩
• بالنسبة للشاعرة، يُبنى إدراك الفصول ككائن جوهرى، فتكتب فى إشارة إلى الخريف: «إنه ليس سوى نفسه» ص ٣٢ وأنه «لطالما كان صادقًا مع نفسه» ص ٣٣.
• «الله لا تخونه زوجة» ص ٥١.
• «الأشياء موجودة، وليست موجودة/ وكلها فى النوم سواء» ص ٥٢.
• «أن تموت = أن تكون ترابًا يحس» ص ٥٧.
• الوجود «شموع مُضاءة فى صينية» ص ٥٨.
• «الشعر كوكبة الأحزان» ص ٨٧.
• تعرف نفسها: «أنا فوضى» ص ٥٤؛ «أنا قرد» ص ٥٥؛ «أنا سطح» ص ٥٧؛ «تنين اتبع نظامًا غذائيًا فتحول إلى حَيَّة» ص ٦٥.
• «علمت أن الفاكهة كلها محرمة/ أن هناك فاكهة أهم من الكرز، من التفاح» ص ٩٣.
• «أحتاج شيئًا يشلّ هذا العقل/ كى أمرق» ص٩. عقلها نشيط جدًا؛ تصعب السيطرة عليه.
• «أنا الموجدة، المُعدمة بتخمينى/ أنا حديث الجيَف التى تجاوزت معناها» ص ٧٧.
• «أشك فى كل الألوان» ص ٨٣. • «بعوضة طائرة تستطيع توقيفى» ص ١٠٠
• «قصائدى مطاردات منطقية» ص ١٠٥.

الاحتفاء بالحب
من خلال ديوانها، تطور «نبيل» - تدريجيًا - فلسفة للعلاقات، وربما حتى «اللاعلاقات». هناك جوانب عديدة لمثل هذه النظرية. أحد أقوى الجوانب هو العلاقة بين الحب والخداع والخيانة. وعلى الرغم مما يبدو بشكل عام تجربة سيئة مع الحب، فإنها تخبرنا أنه «عندما أحب، تكون سريرتى بطعم المانجو»، ص ٦٠. ومع ذلك، فى إعلان وجودى قوى إلى حد ما، تضيف ما يبدو وكأنه ادعاء شد الحبل بين الحتمية والوكالة: «كل ما تحبونه ستفقدونه، فإذا واجهكم الوجود ادعسوه، الوجود أساسًا ضدكم، ضد اليومية (الدنيوية)»، ص ٦٤. وفى مكان آخر تلاحظ: «هناك ما لا يمكن تخطيه»، ص ٨٨. إنها تقبل الحتمية الجزئية.
وعلى الرغم من أن مثل هذه الادعاءات تبدو ميئوسًا منها، إلا أنها فى الوقت نفسه تعتقد أن السعادة والعدالة «يوتوبيا» - هى مثالية لا يمكن تحقيقها أبدًا؛ حتى فى قلب وعقل وروح سريالية؟ ثم تأتى الضربة القاضية: «أمد يدى فى قلب اليوتوبيا/ فتخرج بحفنة من الدود»، ص ١٠٩. تواجه خيبة أمل، خيانة، وعودًا كاذبة. لذا تتوسل: «تعالى يا كتبى/ يا معشوقى وعشاقى» ص ١٣٣. وفى قصيدة مؤثرة جدًا، «أجر عربة قصيدتى»، تختتم «نبيل» قصيدتها برثاء لألم فقدان الحب. كما أنها متشائمة بشأن الحب: «لا سبيل للحب»، ص ٩٤. تشعر بالاشمئزاز من العالم: «لذا، لا أكتب تقريبًا/ إلا عن اشمئزازى» ص ٧٦.
هل منظور «نبيل» المتشائم مبرر؟ نعم، بالنظر إلى تجربة الشاعرة مع الخيانة والخداع، فإنها تبحث عن علاقة حقيقية، لكنها تبدو خائفة من العلاقات الإنسانية بسبب الخداع والحب الخادع الذى تُشبّهه بشبح (ص ٣٦). تكتب أيضًا عن «الخيانة» التى تتصورها «كضربة كونية» (ص ٦٨). ونعلم أنها بسبب خداع الحب أصبحت «رمزًا» (ص ٣٩). «وكتابتى عن آلام البطن/ هى التى مارست الحب» (ص ٨٤). الحب مؤلم، وليس من السهل تحقيقه. كما تخبرنا «نبيل» أيضًا عن العنف الذى يمكن أن يخلقه ما يسمى بالحب: «لست وردة ليتركنى الكتاب أتعفن فيه/ احتفيتُ بجسدى/ استدرجته إلى العدم/ وحين سجدت/ صرتُ بركة من الطين/ مرضى نفسجسمى/ أكابد الأفق، فلا تظنوا الأشياء كلها رأسى»، (ص ٩٤-٩٥). هنا تبدأ بالرثاء لكيفية معاملة جسدها، والتى أعتقد أنها نتيجة إساءة أو خداع؛ ثم تنتقل إلى تقديم ما هو على الأرجح أقوى بيان وجودى عن نفسها.
لا شك أن «نبيل» أيضًا وجوديَّة أصيلة. يمكنك الوثوق بها من خلال شعرها. يتجلى الخداع فى هذه المجموعة ببراعة. كما أنها تقترح ردًا عليه. على سبيل المثال، فى قصيدة «سريرى»، تكتب: «أنا شفرة/ تقتلك مبتسمًا/ وأتركك تتعفن على سريرى». أعتبر هذا ردًا على عنف الخداع فى قصيدتها «عاهر عالمى» ص ١٠٣. وفى القصيدة المأساوية «الرغبة»، التى تُختتم بها المجموعة، تُذكرنا بشجاعة: «قَسَمَكَ بِأَنَّكَ تُبْغِضُ النَّحِيفَاتِ/ وَشَبَقِهن/ وَفُرُوجِهن؛ لَمْ يَضْمَن لى شَيْئًا،» ص ١٤٤.

دوامة الميتافيزيقيا
على الرغم من حقيقة تجربة الخداع وألم «الكلمات الأخيرة» (ص ٤٠)، و«القسوة والعار» (ص ٤١)، إلا أنها تؤمن بـ«أفضل كلمة على الإطلاق» ألا وهى «كُنِّى» (ص ٤٠). وهكذا، تُنشئ علاقات أخرى، إحداها مع البحر. «لا قداسة فى البحر، القداسة تحتاج إلى الزيت والبخور» ص ٣٤؛ لكنها فى الوقت نفسه تُعلن عن أن «لا انخداع فى البحر» ص ٣٥. للشاعرة علاقة بالبحر تُشبّهها بـ«نطفة مجاز» ص ٣٤، وفى وقت لاحق من المجموعة، تُكرّر «البحر مجاز مجرد»، ص ٦١.
عندما تُواجَه بالخداع، تجد أيضًا عزاءً فى الفلسفة: «ألجأ إلى الميتافيزيقيا لأُفسّر تغير صديقتى/ أكتب أسطورتى كتنين أزرق برىء/ يُعظِّم مَجده؛ يلعق أذن كائن أدنى، مُعتقدًا/ أن الأخير مُثار/ يتمسحون بالفلسفة. مُفتونون بهيدجر» ص ٧١. وبالنسبة لـ«نبيل»، يبدو أن الأسطورة والفلسفة تسيران جنبًا إلى جنب، وهو أمر معقول، من منظور سريالى. هناك رد فعل آخر على الخداع هو التمرد. إنها ترتدى «عُصابهن» كشارة فخر، العصاب بالنسبة إليها فعل تمرد؛ مثل هذا البيان يذكرنا مرة أخرى بالإيمان بالوكالة. وبصوتها المتناقض المميز تكتب: «بينما تحسب كتلة العدم/ التى منحتنى...»، ص ٨٦.
وبينما تتأمل فى الحالة الإنسانية تشعر أن العدم هو من منحها الحياة، وليس الحب. ربما منحها الحب العدم الذى منحها بدوره الحياة! كما تتساءل عما إذا كان «هل كل العقد جنسية؟» ص ٨٧. ولكن فى علاقاتها تكون أصيلة للغاية، فى الواقع، تكون «أكثر أصالة من الوجوديين» ص ٨٩. ومع ذلك، فإن علاقتها العاطفية مضطربة: «جزء داخلى يكرهنى/ ويحبك/ استلق بجانبى/ بينما أحطم المعانى، وتُحطمنى»، ص ٩٠؛ و«قُلتُ أُحبُكَ للاشَيْءٍ/ تلاشَيتُ/ تَجَانسْتُ فى وُجودٍ بمقيَاسِ الكُلِّ (أصْفارٌ)» ص ١٠٤.
لا يسعنى إنهاء هذه المراجعة دون لفت الانتباه إلى الصور والاستعارات السريالية الغنية التى تُبدعها «نبيل». من الأمثلة:
• «اتركانى؛ أملأ فراغات إيمانى/ بالسائل اللزج المصنوع أساسًا فى الصين»، ص ١٢.
• «مُستحثات؛ تُمكِّن شوبنهاور من/ استئجار بيتى/ يجعله معهدًا لتهذيب العاهرات/ يهديهن؛ ثم ينتحر»، ص ١٣.
• «فى واقعة البكاء، يكون الله فى دموعى/ وأكون المُزق التى أتخلصُ منها بعد الاستخدام»، هذه صورة جديدة حقًا.
• «شرائح التُّونة تأتينى عائمة فى الأحلام»، ص ٦٢.
لا يوجد شعر سريالى دون التركيز على التناقضات و/أو المفارقات و«نبيل» لا تخدعنا. إليكم بعض الأمثلة القوية:
• «ما لله لله/ لكننا فى داخلنا نعبد قيصر»، ص ٢١.
• «للشيطان شدو رائع/ والملائكة تسرق بحسب الحاجة».
• «فضيلتى أن أقتل/ وكلما أحببتُ شيئًا/ قتلته».
باختصار، آمل أن أكون قد برهنت على أن مجموعة «نبيل» مثالًا رائعًا على الشعر السريالى المعاصر الذى يجمع بإبداع بين الشعر والفلسفة، والواقعى وغير الواقعى، والحب والخداع، والخيانة، والفاعلية/ التمرد. والكلمة الأخيرة للشاعرة نفسها: تُلمّح إلى أن الموت يقتل العنف، فتكتب: «إذا قلتُ اقتلونى/ فليس بالضرورة أن هذا مجاز»، ص ٣١. إن لم يكن مجازًا، فلا بد أنه حقيقة، أليس كذلك؟ ومع ذلك، كما تُعلن الشاعرة: «العبث انسيابى»، ص ٢٦.
هذه - بالتأكيد - أفضل مجموعة شعرية قرأتها منذ فترة! وبالمناسبة، وبلا شك، الأعمال الفنية التى تخللت الديوان لـ«غادة كمال» جعلت القراءة أكثر متعة!







