مشروع مقدمة.. وثيقة لم تنشر بخط يد العقل المدبر لتأميم القناة
- تأميم القناة كان أكبر ضربة وُجِّهت إلى الاستعمار
فيما يلى مشروع مقدمة لكتاب مذكرات الدكتور مصطفى الحفناوى. وجدته مؤخرًا مكتوبًا بخط يد الوالد، ولم يُنشر ضمن كتاب المذكرات، إذ استُخدمت مقدمة أخرى، لعدم وجود هذه الأوراق بين يدى آنذاك. وقد رأيت نشرها هنا إلى أن أقوم بطباعة طبعة جديدة من كتاب المذكرات.

فى أغسطس سنة ١٩٥٦، وبعد تأميم شركة قناة السويس بأسبوعين، نشرت مجلة «جور دى فرانس» «Jours de France» الفرنسية مقالًا بعنوان «قصة المحامى الشاب»، وقالت إنه محامٍ مصرى، أقام فى باريس سنة ١٩٥٠، حيث كان يشغل إحدى وظائف السفارة المصرية بعاصمة فرنسا، وإنه استطاع أن يتسلل إلى محفوظات الشركة المؤمَّمة، فحصل على صناديق من الأوراق والوثائق، وعاد بها إلى مصر، وأشعل بتلك الصناديق نارًا حامية أتت على الشركة وقضت عليها. وكتبت صحيفة «ديلى تليغراف» البريطانية فى الوقت نفسه عن المحامى الشاب، وقالت إنه المؤلف الذى حصل على درجة الدكتوراه فى القانون الدولى من جامعة باريس، وهو «ماين كامف» التأميم «استعارة اسم كفاحى لأدولف هتلر».
وفى مصر، تحدثت الصحافة عن المحامى الشاب، وأوردت قصصًا بعضها صحيح، والآخر من نسج الخيال، وأفرد أحد الكتّاب مقالًا فى إحدى المجلات الأسبوعية بعنوان «قالوا إنه مجنون»، وذكر أن تأميم شركة قناة السويس هو الدعوة التى كان ينادى بها المحامى الشاب، والتى من أجلها وصفوه بالجنون، وقد أصبح الجنون حقيقة واقعة.

ولم يكن المحامى الشاب الذى ذكروه سوى كاتب هذه السطور، وقد لاذ بالصمت، وقرأ ما كتبوه عنه دون أن ينبس ببنت شفة، لأنه كان قد عُيِّن عضوًا بمجلس إدارة هيئة قناة السويس منذ التأميم، وأضحت الصفة الرسمية قيدًا على قلمه، ولأنه فهم أن الأضواء مسلطة عليه، وكانت فى البلاد مراكز قوى تعصف بمن تُسلَّط عليه الأضواء، وقد وُجِّه إليه إنذار صريح، مع أنه كان منقطع الصلة بالذين يكتبون عنه فى مصر أو خارجها.
ولكن الرجل الذى أمَّم القناة، «جمال عبدالناصر»، رحمه الله، كان كلما استقبل المحامى الشاب، الذى ارتبط اسمه بقناة السويس، سأله تفاصيل القصة، وطلب منه أن يرويها من جديد لمن يتصادف حضوره فى مجلس الرئيس. وقبل التأميم بثلاثة أيام، وبعد أن طلب من المحامى الشاب إعداد مشروع القانون، قال له ما نصه: «أريد منك، بعد تنفيذ التأميم، أن تُعد متحفًا لقناة السويس، تبرز به تاريخها، وتسجله مرحلة بعد أخرى، ولا تنسَ حلقة التأميم والإعداد له. ويجب أن توضع مطبعة جريدة قناة السويس فى هذا المتحف، فليس أقوى من المتاحف فى تدوين تاريخ الشعوب».. وتحدث الرئيس عن متاحف شاهدها فى يوغوسلافيا، وتحدث عن سيارة صغيرة مستعملة كان يستخدمها ويتنقل بها أثناء حركة الضباط الأحرار، وأن هذه السيارة لعبت دورًا مهمًا أثناء الإعداد لثورة يوليو سنة ١٩٥٢.
وبعد التأميم، كتبتُ لرئاسة الجمهورية لتنفيذ ما أمر به الرئيس الخالد، ولكن مراكز القوى حفظت رسائلى، وحينما تكررت، عبّرت عن ضيقها بما سعيت إليه، فطُويت المسألة، وانصرفت عنها.
وتتابعت السنوات بعد التأميم، وأنا منطوٍ على نفسى، متجنبًا إثارة أعظم ذكريات حياتى. وفى أواخر سنة ١٩٦٥، تلقيت كتابًا من إحدى دور النشر بنيويورك، طلبت منى فيه أن أضع قصة تأميم القناة فى كتاب حددت مقدمًا عدد كلماته، وعرضت أن أسافر إلى نيويورك على نفقتها للاتفاق معها على نشر هذا الكتاب. وبعدها بفترة وجيزة، دُعيت رسميًا إلى واشنطن فى أمر آخر، فانتهزت الفرصة، وزرت دار النشر الأمريكية بنيويورك، ولكننا اختلفنا منذ الوهلة الأولى، لأن الناشر طلب إسقاط موضوع إسرائيل من الكتاب، وألّا أذكر اليهود بكلمة واحدة، فرفضت تدخل الناشر فيما يُكتب، واعتبرت المسألة منتهية.

وحينما عدت من أمريكا، وتوقفت فى لندن، التقيت كاتبًا إنجليزيًا اسمه «جورج بلينكن»، وهو صديق قديم. فلما ذكرت له قصة الناشر الأمريكى، اتصل بإحدى دور النشر الإنجليزية، ودعانى مديرها إلى مأدبة غداء، وطلب منى أن أضع ذكرياتى فى كتاب، واقترح تسميته «The Crusader of the Canal». ووضعت الكتاب بالفعل، ودفعت الدار المذكورة ألفًا من الجنيهات مقدمًا، وتنازلت عن المبلغ بكامله لجورج بلينكن، الذى أخذ على كاهله تنقيح لغة الكتاب، وإخراجه وفق ذوق القارئ الإنجليزى، دون المساس بالمعانى أو الحقائق.
ثم كانت أحداث حرب الخامس من يونيو ١٩٦٧، فأبدت دار النشر البريطانية شديد اعتذارها عن عدن نشر الكتاب، لأن ضغطًا صهيونيًا حدث فى مجلس إدارة تلك الدار، ووصل الأمر إلى حد تهديد مديرها بالفصل إذا أصر على تقديم الكتاب للمطبعة. وأشهد أن الرجل قد تحلى بالخلق والشجاعة، ولكنى رأيت الواجب تخليصه من الحرج الذى وقع فيه، والضغط الذى تعرض له، فاستعدت أصول الكتاب.
لقد توقفت الملاحة فى القناة، وبدا هذا الشريان العظيم كأنه أشلاء قتيل، وذلك منذ عدوان الخامس من يونيو ١٩٦٧. وقبل هذا التاريخ المشئوم بأكثر من عام، كنت قد تخليت عن مسئولياتى الرسمية فى قناة السويس، وانقطع اتصالى بها، ولكنى لم أستطع أن أسقط من حياتى ربع قرن كامل، هى أخصب مرحلة فى هذه الحياة، فبقيت أعيش فى هذه الذكريات، وإن طويتها بين جوانحى. فبقيت قناة السويس كأنها أعز الأبناء، وأقرب إلى قلبى من أى شىء آخر، فهى خلاصة العمر بالنسبة لى. ولست أنا الذى اخترت ذلك، وإنما هى إرادة الله سبحانه وتعالى.
وبين حين وآخر، يلتقى بى أناس يتحدثون عن القناة، ويجروننى لسرد شىء من تلك الذكريات العزيزة. وأخيرًا، ضمنى مجلس فى بيروت، فى مكتب صديق لى، وكان فيه مصريون ولبنانيون، وقدمت لمن لا يعرفوننى على أنى رجل له بقناة السويس قرابة ونسب. ودهشت إذ بادرنى أحد محدثى بقوله إن تأميم قناة السويس كان خطأ جسيمًا، وإننى مسئول عن توريط الحكام فى هذا الخطأ، الذى أدى إلى حرب السويس فى أواخر سنة ١٩٥٦، والعداوات التى تجمعت ثم تفجرت فى حرب الخامس من يونيو ١٩٦٧. وأنه كان أولى بمصر أن تترك الأمور تسير فى الطريق الطبيعى، إلى أن ينتهى امتياز الشركة المؤمَّمة فى ١٧ نوفمبر سنة ١٩٦٨.
ولم يكن محدثى مغرضًا، بل هو مصرى معروف بحبه لبلده، ولكنه كان ضحية جهل، وعدم اهتمام بالبحث عن الحقيقة، واستسلام ساذج لدعايات مغرضة. فرحت أشرح الحقائق، وأصحح لمواطنى معلوماته، وقبل أن ينفض المجلس اعترف بخطئه، وكان الحديث قد تطرق بطبيعة الحال إلى قصة التأميم، وما قبله وما بعده. وكان ما ذكرت فى هذا الاجتماع مثيرًا لعواطف السامعين، ومنهم من لم يستطع أن يحبس عبراته فى بعض المواقف.
وانتهوا بقرار إجماعى، وهم يقولون: إنك أيها الرجل مقصّر فى حق بلادك إذا لم تكتب القصة كاملة وتضعها بين أيدى الناس. وها أنت قد لمست بنفسك أن بين المتعلمين أنفسهم من يجهلون الحقائق ويخطئون التقدير. اكتب ولا تكتم الحقائق، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه..
وفى عزلة عن الناس، وفى مكان هادئ بالمصيف فى المعمورة بالإسكندرية، استطعت أن أخلو إلى نفسى ساعات، وأستجمع وأستعيد ذكريات ربع قرن خلا، فكتبت كل شىء كما وقع، من غير طلاء. وإنى أضع القصة كاملة فى يد التاريخ، ولا يملك كائن من كان أن يغير التاريخ. وقد أثبت أن تأميم الرئيس الخالد الذكر جمال عبدالناصر لشركة قناة السويس فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦ كان أكبر ضربة وُجِّهت إلى الاستعمار، فختمت حياته. وإنها لضربة الله فى التاريخ الذى أراده الله: «وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى».







