الأحد 19 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

آخر لقمة حلوة.. عندما تغيّر الحرب قائمة الطعام

حرف

- كتاب يكشف دور الحرب فى تغيير العادات والتقاليد الغذائية للمجتمعات 

- المطبخ يسهم فى تماسك المجتمعات ويساعدها على إعادة البناء بعد الأزمات

- الطعام يحيى الذكريات ويشكل الهوية وينقل الأمل من جيل إلى جيل

- الحقبة الشيوعية فرضت ما يمكن للناس تناوله فى المطاعم

- إذا أردنا أن نكون جادين فى حماية ثقافة الطعام فى زمن الحرب فعلينا أن نحسن من حماية النساء والفتيات

- تعطيل إنتاج الغذاء وتوزيعه وتوافره فى الحروب يعيد تشكيل الوصفات التقليدية ويهدد بقاء الأطباق القديمة

تغير الحرب كل جوانب الثقافة الإنسانية: الفن، التعليم، الموسيقى، والسياسة. فلماذا يكون الطعام استثناء؟

على مدى عشرين عامًا تقريبًا، انصب عمل مايكل شيخ، مؤلف كتاب «آخر لقمة حلوة: عندما تغير الحرب قائمة الطعام»، على التحقيق فى انتهاكات حقوق الإنسان فى مناطق النزاع. 

لاحظ منذ البداية كيف أن الحرب لم تغير حياة الضحايا ومجتمعاتهم فقط، بل غيرت أيضًا، على نحو غير متوقع، عاداتهم الغذائية، مجبرة الناس على تعديل وصفاتهم أو حتى التوقف عن الطهى تمامًا، مما يهدد بقاء أطباق عريقة.

يقدم الكتاب مزيجًا رائدًا من أدب الرحلات، والمذكرات، وفن الطبخ، كاشفًا كيف يشكل ميل البشرية للعنف ما نأكله. 

من خلال مقابلات شخصية مؤثرة، وتقارير أصلية، ووصفات استثنائية من مناطق النزاع المعاصرة حول العالم، يسلط «شيخ» الضوء على قصص كيف يمكن للإبادة الجماعية، والاحتلال، والحرب الأهلية أن تخفى وصفات ثمينة، كما يعرفنا على طهاة منزليين استثنائيين، ونشطاء حقوقيين، يحاولون إنقاذها، لكنهم غالبًا ما يغفل دورهم. 

من مخيمات اللاجئين المترامية الأطراف فى بنجلاديش، مرورًا بالحرب الأهلية الوحشية فى سريلانكا، وصولًا إلى حروب المخدرات فى جبال الأنديز، والآثار الدائمة للتوسع الأمريكى غربًا، يسلط الكاتب الضوء على مجتمعات الشتات الصامدة التى ترفض أن يصبح تراثها الغذائى ضحية أخرى للحرب.

إن الكثير مما نأكله اليوم أو نشتريه من الأسواق قد تشكل بفعل العنف؛ فبشكل أو بآخر، نجد تاريخًا وسياسة ما على مائدة الطعام. 

الكتاب الذى يقع فى ٣٢٠ صفحة، صدر فى أغسطس ٢٠٢٥، عن دار نشر «فوت نوت برس» الإنجليزية المستقلة، وتأتى أهميته فى أنه يروى كيف وصل هذا التراث إلى هناك. 

ومن خلال نسج تاريخ الطعام والهجرة وحقوق الإنسان والوصفات، يبين لنا كيف أن استعادة المأكولات المفقودة ليست مجرد شكل من أشكال المقاومة والأمل، بل هى أيضًا استراتيجية للبقاء على قيد الحياة فى أوقات الشدة.

مايكل شيخ كاتب وباحث فى مجال حقوق الإنسان، عمل لعشرين عامًا فى مناطق تعانى من أزمات سياسية ونزاعات مسلحة. عمل لدى منظمة هيومن رايتس ووتش، ومجموعة الأزمات الدولية، ومركز المدنيين فى النزاعات، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومكتب عمدة مدينة نيويورك لشئون المناخ والعدالة البيئية. وهو عضو فى مجلس إدارة مجلة آدى. ينحدر من كليفلاند بولاية أوهايو، ويقيم حاليًا فى مدينة نيويورك.

عمل صغير

قاد عمل شيخ إلى مناطق النزاع فى أنحاء العالم، حيث عايش البؤس والدمار. أجرى مقابلات مع العديد من ضحايا العنف، سواء فى أوطانهم أو فى مخيمات اللاجئين.

فى أفغانستان عام ٢٠٠٧، مر بلحظة إدراك عميقة عندما قدم له يخنة استثنائية من الحمص والزبادى متبلة بالزنجبيل والفلفل الحار والفلفل الأسود. أدرك أنه طوال فترة إقامته فى ذلك البلد، لم يتذوق سوى عدد قليل من الأطباق- أبرزها قابولى بلاو «أرز كابول»، وكباب لحم الضأن، والزلابية. 

أدرك أن تنوع المطبخ الأفغانى الغنى قد اختفى تقريبًا، ومعه اختفى شكل مهم من أشكال التعبير الثقافى. بتذوقه يخنة الحمص، اختبر «عملًا صغيرًا ولكنه بالغ الأهمية لإعادة إحياء المطبخ ومقاومة الظلم».

وأثناء مهمة لهيومن رايتس ووتش لتوثيق جرائم الحرب فى أفغانستان، أخبره أحد معارفه، ويُدعى تميم، أن الحروب «ضيقت نطاق لغتنا الغذائية». كانت وصفة تميم لطبق «سلاند ناخود»، وهو طبق حمص غنى بالتوابل تناوله فى منزله بكابول، هى التى ألهمت فكرة الكتاب.

عندما سأل تميم إن كان هذا الطبق أفغانيًا، أجابه: بالطبع هو أفغانى. شرح له أن سبب عدم رؤيته له من قبل هو أنه، بطريقة ما، كان يتلاشى. بسبب الحرب، نسيت العائلات طريقة تحضيره، أو فقدت مكوناته، وضاعت الذكريات، وأصبح تحضيره صعبًا للغاية. كان يتلاشى تدريجيًا من قلب المطبخ.

يكتب المؤلف: «فى أبسط صورها، تعد المأكولات وسيلة يتواصل بها مجتمع مع آخر، يحدد فيها حدوده الثقافية، وفى بعض الأحيان حدوده الجغرافية. ومثل اللغة، قد تتغير المأكولات أو حتى تختفى عندما يتعرض مجتمع لضغوط شديدة للاندماج مع جماعة أخرى أقوى، ويجبر على التخلى عن هويته».

خسارة فادحة 

يركز الكاتب فى كتابه على حقوق الإنسان، إذ يدعو إلى ضرورة الحفاظ على الثقافات الغذائية. وينظر إلى تدمير عادات الطعام المحلية كقضية ذات بعد إنسانى، ومثال على العنف ضد المرأة، التى تعتبر حامية المنزل الأساسية والتى من خلالها تنقل ممارسات الطهى شفهيًا عبر الأجيال. 

هنا، يستحضر مفهوم «بيديا» لدى الروهينجيا- وهو التعليم غير الرسمى القائم على التجربة- ويصف تدمير هذا النوع من التعلم بأنه «قتل منزلى». 

يوضح الباحث أن عنوان الكتاب مستوحى من قصيدة الشاعرة الأمريكية جوى هارجو «ربما ينتهى العالم هنا»: «ربما ينتهى العالم عند مائدة المطبخ، بينما نضحك ونبكى، نتناول آخر لقمة حلوة».

فهذه القصيدة احتفظ بها على مكتبه لفترة طويلة. وهى تتحدث عن طاولة المطبخ، وعن الأحداث الكثيرة التى تدور حولها. إنها أشبه باستعارة للحياة.

حيث تتناول القصيدة كيف تدور الحياة حول طاولة المطبخ، والعائلات، والثرثرة، والحياة، والموت، والأوقات السعيدة، والأوقات العصيبة، وكيف تشكل ملاذًا فى أوقات العواصف، ومكانًا يتجلى فيه الجمال. 

لقد ذكرته بالعديد من الأشخاص الذين التقى بهم خلال مسيرته المهنية فى مجال حقوق الإنسان، أثناء التحقيق فى جرائم الحرب والإبادة الجماعية لصالح منظمات حقوقية مختلفة، والجهود الجبارة التى بذلوها للحفاظ على تقاليدهم الغذائية فى أوقات الأزمات.

يركز شيخ فى كتابه على ست مناطق نزاع، مع تأكيده أن النزاع لا يقتصر دائمًا على العمل العسكرى. تظهر قصصه الأشكال المتعددة التى تتخذها الحرب، حيث يعد فقدان ثقافة الطعام خسارة فادحة، وإن كانت نادرة التوثيق.

شئ جوهرى

بينما كان المؤلف يوثق الخسائر البشرية للحرب فى دول مثل باكستان وسريلانكا وميانمار ومالى وسوريا وبنجلاديش، أدرك أن المطبخ «يشبه اللغة»، فهو شىء جوهرى وأساسى.

يشير إلى أن الصراع لا يغير فقط طريقة عمل المجتمع عند التعامل مع الدمار الذى يلحق بالبنية التحتية الأساسية، بل يغير أيضًا بشكل جذرى الأعراف الاجتماعية والقيم الثقافية، بما فى ذلك عادات الناس الغذائية. 

كما أن تعطيل إنتاج الغذاء وتوزيعه وتوافره يعيد تشكيل الوصفات التقليدية التى تمارس منذ زمن طويل إذا لم يعد بإمكان الطهاة الحصول على بعض المكونات. وهذا يهدد بقاء الأطباق القديمة.

نموذج بائس 

يبدأ الكتاب، بشكلٍ غير متوقع إلى حد ما، فى جمهورية التشيك، على الرغم من أن العنوان الفرعى للفصل، «كيف حاول الشيوعيون القضاء على مطبخ»، يلمح إلى سبب إدراجه. 

«فى عام ١٩٤٨، علقت الحكومة الشيوعية الجديدة استيراد المكونات الفاخرة، بينما كانت تشترى سرًا الطعام من الدول الرأسمالية لإطعام شعبها. ساد نقص الغذاء، وأصبح تناول الطعام فى المطاعم للمتعة ترفًا لا يقدر عليه إلا القليل، فضلًا عن كونه مناقضًا للاشتراكية، التى كانت تصبح بسرعة الأيديولوجية الوحيدة المقبولة فى تشيكوسلوفاكيا ما بعد الحرب».

يناقش الكاتب تأثير كتابين بعنوان «المعايير»، نشرتهما وزارة التجارة. «معايير الوجبات الساخنة»، وهو مجلد ضخم من ٧٠٠ صفحة، «ملىء بجداول يصعب فهمها»، يحتوى على ٩٠٠ وصفة، «فرض ما يمكن للناس تناوله فى المطاعم طوال معظم الحقبة الشيوعية». 

لقد قضى على التقاليد والإبداع، ووفر نموذجًا بائسًا. لكن لم يكن الشيوعيون وحدهم من سحقوا ثقافة الطعام. «اختفت القهوة، وقود الحياة الثقافية فى براج، جزئيًا بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد، ولكن أيضًا لأن الطائفة النازية كانت تنظر إلى الكافيين على أنه شر غير صحى...».

ينتقل الكتاب من أوروبا الوسطى إلى آسيا- سريلانكا والشتات التاميلى، والصين والأويجور- قبل أن ينتقل فجأة إلى بوليفيا وجبال الأنديز، وشعوب بويبلو.

مطبخ رائع

فى ميانمار وبنجلاديش، فى ظل حكومة أونج سان سو تشى، شن الجيش حملة واسعة النطاق من الحرق والاغتصاب والمجازر استهدفت مجتمعات الروهينجيا المسلمة فى ولاية راخين الشمالية. 

وبعد أن فصلت العائلات عن أراضيها، حيث كان الكثيرون منهم مزارعين، وعاشت فى مخيمات اللاجئين فى بنجلاديش، وجدت نفسها محرومة من الطعام الذى اعتادت عليه، وهى أطباق يصفها الكاتب ببراعة، مثل إيساماس سالان، وهو كارى روبيان عطرى «يشبه إلى حد ما طبق توم يونج التايلاندى، وغالبًا ما يحضر هذا الطبق من العدس والفاصوليا الطويلة وشرائح القرع المر. وتضيف بعض الوصفات القرع الطويل وجذور الموز، وهى خضروات تضفى على الكارى نكهة منعشة تشبه الخيار والراوند». 

يشير الباحث إلى أن إغلاق مناطق الصيد، ونقص السلع، وارتفاع الأسعار، كلها عوامل تجعل «طبقًا كان يعد مصدر راحة يومية، يتحول بسرعة إلى ترف باهظ الثمن».

مايكل شيخ

يروى «شيخ» أنه التقى عائلة من الروهينجيا فى بنجلاديش، كانت قد فرت من الإبادة الجماعية هناك فى ميانمار عام ٢٠١٧، وأخبرته بأنها عاشت فى الغابة على أوراق الشجر والأعشاب لعدة أيام، إن لم يكن لأسابيع. 

وعندما وصلت إلى المخيمات فى بنجلاديش، كان لديها طبق من العدس والأرز، وهو عنصر أساسى فى مطبخ الروهينجيا. وقالت له: «فى تلك اللحظة، عدت روهينجيًا- عدت إنسانًا». 

كان هذا الشعور منتشرًا فى كل مكان. الطعام أكثر من مجرد سعرات حرارية. الثقافة المحيطة بالطعام كانت بالغة الأهمية للجميع. كانت لغة يتواصل بها الأجيال الأكبر سنًا مع الأجيال الأصغر. كانت هوية.

يلفت المؤلف إلى أن طعام الروهينجيا مميز. فهو مطبخ لا يعتقد أن الكثيرين فى العالم، إن لم يسمعوا من قبل عن شعب الروهينجيا، سيفهمون طعامهم. لكن مطبخهم رائع. فهو يجمع بين نكهات جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، ويضم أطباقًا شهية من الكارى بالسمك واللحم، وسلطات لذيذة للغاية.

كان شعار الكثير من الروهينجيا هو تناول الطعام من خيرات الأرض. كان لكل فرد مزارعه وبركه وحقول الأرز قبل نزوحهم. أما الآن، فى مخيمات اللاجئين، فقد انقطعوا تمامًا عن ثقافتهم الغذائية. 

لم يعد بإمكانهم زراعة حدائقهم أو مزارعهم، ولا حتى صيد الأسماك من بركهم. يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، وغالبًا ما لا يعكس هذا الطعام ثقافتهم.

باهظ الثمن

ينتقل الكاتب إلى مطبخ الأويجور، وهى أمة تركية فى غرب الصين. يدين الكثير منهم بالإسلام، لكن مطبخهم أقرب إلى مطبخ آسيا الوسطى منه إلى مطبخ البر الرئيسى الصينى. 

وبغض النظر عن أنواع النودلز، فبالتأكيد هناك أطباق أرز رئيسية مثل البولاو، التى تميل إلى نكهات آسيا الوسطى والجنوبية أكثر من نكهات شرق الصين. ويعد لحم الضأن أساس المطبخ.

يحكى الباحث أن ما حدث فى غرب الصين هو أن الحزب الشيوعى الصينى، منذ عهد ماو تسى تونج، بل وحتى قبل ذلك، بدأ بالاستعمار، حيث جلب الصينيين الهان من الشرق إلى الغرب بهدف إضعاف الهوية والثقافة الأويجورية، نظرًا لحساسية الحزب الشيوعى الشديدة تجاه القومية الأويجورية.

فى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى، شهدت المنطقة فترة من قيام دول مستقلة للأويجور. ومنذ ذلك الحين، انتابهم قلق بالغ حيال هذا الأمر، ولجأوا على مدى عقود إلى قمع القومية الأويجورية والهوية الأويجورية بوحشية شديدة خوفًا من الانفصال.

وفى خضم هذه العملية، جلب الصينيون الهان معهم تقاليدهم الثقافية، بما فيها تقاليدهم الغذائية. وقد استولى الحزب الشيوعى على مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية الأويجورية لتربية الماشية، التى تستهلك مساحات أكبر من الأرض، وكميات أكبر من المياه، وكميات أكبر من العشب، مقارنة بالضأن والأغنام. 

ونتيجة لذلك، أُجبرت الأغنام على ترك أراضيها. والأهم من ذلك، أُجبر المزارعون على ترك أراضيهم. فقدوا مصادر رزقهم، بالتالى أصبح لحم الضأن المتوافر باهظ الثمن بشكل لا يصدق، مما أدى إلى حرمان الأويجور من غذائهم.

قبائل بويبلو

يأخذنا «شيخ» إلى شعوب بويبلو، حيث يوجد اليوم تسعة عشر قبيلة من قبائل بويبلو فى نيو مكسيكو الأمريكية؛ كل منها أمة ذات سيادة تقع ضمن محمية معترف بها اتحاديًا ولها حكومتها الخاصة. 

تتشارك قبائل بويبلو تاريخًا مشتركًا، فضلًا عن جوانب ثقافية مشتركة، لكنها تظل شعوبًا متنوعة، تتحدث لغات ولهجات مختلفة. قبل مئات السنين، امتد موطن بويبلو من قلب نيو مكسيكو إلى كولورادو وأريزونا، لكن اليوم، تقع معظم محميات بويبلو، مثل سانتا كلارا، على طول منابع نهر ريو جراندى فى نيو مكسيكو.

يوضح المؤلف أن طعام بويبلو التقليدى، الذى يعود إلى ما قبل وصول الأوروبيين، فصول السنة، وهو متجذر بعمق فى أرض الأمم التسع عشرة. يرتكز جوهر فلسفته الطهوية على الإيمان بأن الإنسان جزء لا يتجزأ من نظامه البيئى، وليس منفصلًا عنه. 

حيث يستخدم طهاة بويبلو الذرة والفاصوليا والقرع، بالإضافة إلى البصل البرى والفطر والرجلة والعرعر. تضفى بذور الصنوبر واليقطين قوامًا مميزًا على الأطباق. يعد البيسون والأيائل والغزلان والأسماك والطيور المحلية من الحيوانات المهمة. 

يضفى العسل والتوت، مثل التوت البرى والتوت الأزرق، حلاوة على الأطباق. تنكه الأطباق بالمريمية والنعناع والبقدونس البرى، وتتبل بالفلفل الحار المحلى، والأهم من ذلك، الملح الذى كان شعب بويبلو يحصده تقليديًا من بحيرة زونى المالحة ووادى إستانسيا، وكلاهما فى نيو مكسيكو.

يلفت الكاتب إلى أن القمح ومنتجات الألبان ولحم البقر ولحم الخنزير والدجاج والتوابل كالفلفل الأسود لا تعتبر جزءًا من تراث مطبخ بويبلو، إذ أدخلها الأوروبيون فى الغالب.

يعتبر طبق لحم البيسون المطهو ببطء مع خبز التورتيلا المصنوع من نبات القطيفة طبقًا يفتخرون به كثيرًا، فهو يجسد تنوع مطابخ السكان الأصليين فى أمريكا الشمالية: لحم البيسون، وهو عنصر أساسى فى مطابخ قبائل السهول الكبرى مثل الأراباهو والكرو والسيو؛ والعرعر، وهو مكون شائع فى مطابخ البويبلو والدينيه «نافاجو»؛ وخبز التورتيلا المصنوع من القطيفة والذرة، وهو تقليد يعود تاريخه إلى آلاف السنين، إلى حضارة المايا القديمة. 

وكان لدى أسلاف البويبلو، الذين عاشوا فى جميع أنحاء شمال جنوب غرب البلاد حتى وصول الإسبان فى القرن السادس عشر، تقليد أيضًا فى تناول خبز التورتيلا المصنوع من القطيفة والذرة. 

إضافة جديدة

وقد زرع أسلاف البويبلو الذرة لآلاف السنين، لكن القطيفة تعتبر إضافة حديثة نسبيًا إلى طعام البويبلو، إذ بدأوا زراعتها منذ حوالى ثمانمائة عام فقط.

مثل الذرة، كان نبات القطيفة يحظى بمكانة مقدسة فى مجتمعات السكان الأصليين فى الأمريكتين قبل الغزوات الأوروبية. وقد حظر الكاثوليك الإسبان زراعة القطيفة قبل خمسمائة عام فى جميع مستعمراتهم فى «العالم الجديد». 

واعتناقًا منهم للقدسية، سعوا إلى إبادته فى جميع أنحاء الأمريكتين بحماسة عبثية تشبه حرب المخدرات اليوم. «كانت القطيفة متأصلة بعمق فى ثقافتنا القديمة. لقد كانت جزءًا مهمًا من مطبخنا، كما أنها ربطتنا بخالقنا. لكن الإسبان سلبوها منا، ثم جاءت الولايات المتحدة وغيرت الأمور أكثر»، هكذا أوضح الطباخ راى خلال إحدى محادثاته مع الباحث، مشيرًا إلى الاستعمار المتتالى الذى عانى منه شعب بويبلو منذ أواخر القرن السادس عشر. «لم نتمكن من إعادة القطيفة إلى مكانتها الحقيقية إلا فى السنوات القليلة الماضية»، قالها بنبرة فخر.

يشير شعب بويبلو إلى أن نيو مكسيكو هى أقدم مستعمرة فيما يعرف اليوم بالولايات المتحدة. فمنذ أواخر القرن الخامس عشر، تعرضت أراضيهم، إلى جانب أراضى شعوب أصلية أخرى، لاحتلال شبه متواصل، أولًا من قبل إسبانيا، ثم لفترة وجيزة من قبل المكسيك، وأخيرًا من قبل الولايات المتحدة. 

ورغم اختلاف تجربة شعب بويبلو مع كل قوة استعمارية، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو تعمدها فصل السكان الأصليين، ليس فقط عن بعضهم البعض، بل أيضًا عن ثقافاتهم.

أمثلة قوية

يعتقد «شيخ» أن نساء كبيرات فى السن مثل ماريان نارانخو وروكسان سوينتزل من قبيلة سانتا كلارا بويبلو يقدمن أمثلة قوية. يقول: بالنسبة لى، قصة الطعام والحرب هى أيضًا قصة النساء والفتيات فى الحرب. 

إذا أردنا أن نكون جادين فى حماية ثقافة الطعام فى زمن الحرب، فعلينا أن نحسن من حماية النساء والفتيات. أرى أن أهم ما يمكن للعالم فعله هو تجريم قتل المنازل، وهو تكتيك حربى يتمثل فى التدمير المنهجى للمنازل وتسوية الأحياء والمدن بالأرض، كما حدث مع قبيلة الشيروكى وغيرها من قبائل السكان الأصليين فى القرن التاسع عشر فى الولايات المتحدة، ومؤخرًا فى الشيشان وفلسطين وسوريا والسودان وأوكرانيا. 

حيث إن المنزل هو المكان الذى تقضى فيه النساء من ثقافات عديدة معظم أوقاتهن. ولذا فإن حماية النساء والغذاء والمنازل هى ببساطة جزء من نفس المعادلة.

يكشف المؤلف أن أكثر ما أثار دهشته خلال إعداد كتابه هو كيف يشكل الطعام ملاذًا آمنًا عندما يندر ما يتبقى، وكيف يدرك الأقوياء الذين يصرون على تدمير شعب آخر هذه الحقيقة. إذا كانت ثقافة الطعام بهذه الأهمية بحيث يجب تدميرها، فيجب أن تكون حمايتها أكثر أهمية.