سيرةغنوة
يا صديق.. الكلمات التى كتبتها حبًا فى صديق ثم باعنى!
فى البدايات، حين كان الشغف أكبر من الإمكانات، وكنا نظن أن الأغانى تصنع فقط من القلب، لا من العلاقات ولا من الحسابات.
كنت أنا وجمال عطية نعيش على الهامش، نقتسم الليل بين شوارع القاهرة، وأحلام أكبر من جيوبنا.
فى ليلة طويلة من التسكع، تذكر جمال أن عيد ميلاد أحد نجوم الغناء الذى جمعتنا به صداقة يومية وأيضًا بعض الأغانى، قد اقترب، وقال بحماس مفاجئ: «لازم نحتفل بيه.. ولازم نجيبله هدية».
ضحكت فى سرى: أى هدية ونحن لا نملك ثمن الطريق؟
لكن جمال، كعادته، لم يكن يرى العجز بقدر ما يرى الفكرة.

قال: «نكتب له أغنية.. عن الصداقة».
وهكذا، من لا شىء تقريبًا، وُلدت «يا صديق».
كتبتها وأنا أصدق كل كلمة فيها، ولحنها جمال كأنه يسكب روحه، ثم حملناها فى ظرف بسيط، موثقة بالشهر العقارى، ومسجلة على شريط كاسيت بصوت يشبهنا مرتبكًا وصادقًا.
ذهبنا إلى بيت النجم، وقدمناها كهدية لا نملك غيرها.
مرت الأيام ثم باغتنى المرض، وجدت نفسى على سرير مستشفى، أعدّ السقف بدل الأحلام، وأقيس الوقت ببطء الألم.
كان المكان استثماريًا، والبقاء فيه يحتاج لمال لا نملكه، لكن المفاجأة لم تكن فى الفاتورة بل فى الناس.
فجأة، زارنى فنانون لم أعمل معهم يومًا، وأصدقاء لم أكن أعرف أنهم أصدقاء، وعمال وجرسونات من أماكن كنا نرتادها بلا انتباه.
أما هو صاحب الأغنية فلم يأتِ أبدًا اتصلت به، قبل زمن المحمول، من هاتف أرضى يحمل كل ارتباكى.
لكن الرد لم يكن صوته، بل صوت صديقة مشتركة تقول: «مشغول.. فى جلسة مع جواد الأسدى ومراد منير».

أغلقت الهاتف، وفى داخلى شىء انكسر بهدوء.
وقلت لنفسى: إن غنى يومًا عن الصداقة.. لن أصدقه، حتى لو كنت أنا من كتب الكلمات.
فى الأسبوع الأول من مرضى، دخل مدحت صالح الغرفة، لم تكن زيارة عابرة، بل حضورًا كاملًا جاء ومعه شريف منير، ثم عاد.. وعاد.. حتى صار جزءًا من يومى.
لم يكتفِ بالسؤال، بل أحاطنى بعناية لم أطلبها لكننى كنت أحتاجها.
هناك، فهمت المعنى الحقيقى للكلمات التى كتبتها.

خرجت من المستشفى وأنا أعرف شيئًا واحدًا: هذه الأغنية يجب أن تجد صوتًا يشبهها.
حدثت جمال، لكنه تردد.. ربما خوفًا من إغضاب النجم الأول.
فاستأذنته، وأعطيت الكلمات للملحن رياض الهمشرى.
وحين سمعها مدحت صالح، لم يتردد لحظة تحمس لها، وغناها فورًا، بصوت يقطر صدقًا، كأنه عاشها.. لا غناها فقط.

كانت «يا صديق» أكثر من مجرد أغنية. كانت اختبارًا، سقط فيه البعض، ونجح فيه من لم يدّعِ شيئًا.
وكانت أيضًا الباب الذى جعل عمار الشريعى يبحث عنى.. لكن تلك حكاية أخرى.
«بافرد ضلوعى لحد جرحك يا صديق
وبأيد شموعى عشان أصاحبك ع الطريق
وبامد شوقى مركبة
وأحلم بضلة قريبة
يجمعنا من تانى الغنا عن طير برىء».







