عصفور.. أغنية رفضها ياسر عبدالرحمن وطار بها على الحجار فرحًا
بعض الأغانى لا تولد فى الاستديوهات ولا تحت أضواء التسجيل، بل تولد فى الشوارع، وفى الصداقة، وفى التعب، وفى تلك اللحظات العابرة التى لا نتوقع أن تتحول لاحقًا إلى غنوة تعيش سنوات طويلة.
حكاية هذه الأغنية تعود إلى شتاء عام 1987، إلى الأيام الأولى من معرفتى بالملحن الراحل جمال عطية.. كنا وقتها شابين نبحث عن شىء ما، ربما عن أغنية، وربما عن طريق، وربما فقط عن صحبة تحتمل طول الليل.

كنا نتسكع فى شوارع القاهرة بلا هدف واضح. كانت المدينة فى تلك السنوات أكثر هدوءًا، وكان الليل يسمح بالمشى الطويل وبالكلام الذى لا ينتهى. نمشى من شارع إلى آخر، ومن مقهى إلى مقهى، نتحدث عن الموسيقى والشعر، وعن أحلام تبدو أحيانًا أكبر من أعمارنا.
ومع اقتراب الفجر بدأ التعب يتسلل إلينا. اقترح جمال أن نذهب إلى بيت أمه فى الجيزة. لم أكن أعرفها من قبل، لكننى اكتشفت منذ اللحظة الأولى تلك البساطة المصرية التى تجعل الضيف يشعر كأنه فردًا من العائلة.
استقبلتنا الأم بترحاب دافئ، وأعدت لنا عشاءً ساخنًا كأنها كانت تنتظرنا. بعد ساعات المشى فى برد الشتاء بدا الطعام وكأنه هدية منقذة. جلسنا نأكل ونتبادل الحديث القصير، بينما كانت عيوننا نصف مغلقة من الإرهاق.
بعد العشاء شعرت أن النوم يغلبنى تمامًا، فقررت أن أستسلم له. لكن جمال، كعادته، لم يكن قد اكتفى بعد من الليل.
قال لى قبل أن أغفو:
هات كلمات أغنية.
كنت قد بدأت بالفعل قبل أيام كتابة كلمات أغنية، لكننى تركتها ناقصة. أخرجت الورق وجلست أكملها على مهل، بينما كان جمال يستمع فى صمت. عندما انتهيت تركت الكلمات إلى جواره، وقلت إننى سأكمل النوم قليلًا.
لم تمض ساعات كثيرة حتى أيقظنى جمال عند السادسة صباحًا. كان متحمسًا على نحو واضح. قال إنه لحن الكلمات خلال الليل ويريد أن يسمعنى اللحن.
لكن هناك لحظات لا يكون الإنسان فيها مستعدًا لأى شىء، خاصة حين يُنتزع من النوم فجأة. استمعت إلى جزء صغير، أو ربما لم أستمع جيدًا أصلًا، ثم قلت بقدر من الغضب والنعاس:
لحن وحش.
كانت تلك جملتى النقدية الكاملة، ثم عدت سريعًا إلى النوم.
فى تلك الفترة كان الموسيقار ياسر عبدالرحمن قد طلب منى أغنية لتغنيها المطربة حنان ماضى. لذلك اقترحت على جمال أن نعرض عليه هذه الأغنية.
ذهبنا بالفعل إلى بيته. جلس ياسر يستمع إلى اللحن بهدوء شديد. كان معروفًا عنه دقته وصراحته، لكنه فى تلك اللحظة لم يقل شيئًا. اكتفى بالصمت.
ذلك الصمت كان كافًيا لزرع القلق.
وفى المساء صارحنى بالحقيقة: اللحن لم يعجبه.
لم أقل شيئًا لجمال فى البداية، لكن الأمر كان واضحًا. بدا عليه الإحباط. كان صامتًا أكثر من المعتاد، كأن اللحن الذى خرج من حماسه الليلى اصطدم فجأة بجدار بارد.
فى اليوم التالى كان لدينا موعد فى الاستديو مع المطرب الكبير على الحجار. دخلنا عليه، لكن جمال كان فى حالة مختلفة تمامًا: صامتًا، شاردًا، يغمره وجوم ثقيل.
لاحظ على ذلك بسرعة. التفت إلى وسأل:
هو ماله؟
حكيت له ببساطة ما حدث مع ياسر عبدالرحمن. ابتسم قليلًا وقال:
طيب خلينا نسمع اللحن.
استمع على إلى الأغنية باهتمام، ولم يقاطعها. كان واضحًا أنه يصغى بعين المغنى الذى يبحث عن منطقة يمكن أن يسكنها صوته.
عندما انتهى اللحن التفت إلينا فجأة وقال:
توافقوا أغنيها؟
لم نحتج إلى التفكير طبعًا. وافقنا على الفور.

هكذا، فى لحظة غير متوقعة، تحولت خيبة الأمس إلى انتصار صغير، لكنه انتصار مرضٍ. ومن تلك اللحظة بدأت رحلة أغنية عصفور بصوت على الحجار.
مرت سنوات كثيرة بعد ذلك. رحل جمال عطية مبكرًا، تاركًا وراءه ألحانًا جميلة لم تأخذ دائمًا ما تستحقه من الضوء. كان يمتلك موهبة حقيقية، واندفاعًا صادقًا نحو الموسيقى، ذلك الاندفاع الذى يجعله يسهر الليل كله ليخرج بلحن جديد، ثم يوقظ صديقه عند الفجر ليسمعه.
كلما استمعت إلى هذه الأغنية الآن أتذكر تلك التفاصيل الصغيرة: شوارع القاهرة فى برد الشتاء، بيت الأم فى الجيزة، عشاء بسيطًا لكنه دافئ، وغفوة الفجر التى خرجت منها جملة نقدية قاسية قلتها بلا إنصاف: لحن وحش.
وربما لهذا السبب أحب دائمًا أن أعود إلى مطلعها، إلى تلك الصورة البسيطة التى انطلقت منها الحكاية:
عصفور وطاير فى الهوا رفرف وهف
لما لمحته ع الطريق قلبى ارتجف
مديت إيدية وطرت فوق بالشوق ولكن للأسف
كان نفسى أطير فوق فى الفضا
وافرد جناحى ع المدى
لكن ضباب الخوف بدا
ورمش عينى فى لحظة رف
أفكر أحيانًا أن الأغنية نفسها تشبه ذلك العصفور.
كادت تمر عابرة، أو أن تسقط فى ضباب الشك، لولا لحظة إيمان واحدة التقطها صوت على الحجار. هكذا فقط تبدأ بعض الأغانى حياتها: بين رفرفة حلم، وخوف عابر، وصديق يصر على أن يسمع العالم لحنا وُلد فى ليلة شتاء قديمة.






