من قصائد بدر الديب
الفارس القديم
بعد طول عذاب وطول سفر،
بعد التعازيم والرقيات وأنواع الدعاء
وصلت للقصر، القلعة الكنز المسحور، الكهف الذهبى
ودخلت بأقدامى الوعثاء كل الغرف.
فى كل غرفة رأيت نفسى فى مرآة ولم أنزعج،
وفى كل غرفة جلست و شربت وتحدثت
ولم أجهل صوتى.
حتى وصلت إلى الغرفة المغلقة
الغرفة المكتوب ألا تفتح.
ومثل أى فارس أحمق،
مثل أى إنسان لا يعرف بعد كل العمر - نفسه
لم أخضع لم أومن لم أصمت،
لم أخرج بل فتحت الباب ودخلت
وضعت يدى فى المزلاج ورأيت الدم ولم أرعو
فتحت الباب على الظلمة
وكان من الممكن للظلمة أن تحمينى
كان من الممكن للعماء الذى أصابنى أن يصرفنى
ولكننى، بحماقة الفارس القديم، عبرت العتبة
ووضعت قدمی وروحى وبدنى وسط الغرفة،
وفجأة، امتلأت نورًا باهرًا
ورأيت فى كل ركن كلَّ محارمی
أمى وأختى وعشيقات عمری و غربتی
ووحدة روحى مع الحق الذى لم أستطع أن أملكه.
وتصلب الجسد وتسمرت الروح
وانفتحت العين بلا جفن يغمض
وظللت فى النور لا أرى
وأمام المحارم لا أنطق
وتجددت الوحدة والغربة فى القصر الذى كان كل الأمل.
كيانات النوم
الحركة مفقودة مضيَّعة كأنها تبدد الغروب المضاء فى المنحنى الدائرى المتقدم من الظلمة. والكيان المقيم يتطاول وينفسح كاندياح الماء الأسود الداكن الراقد والدال ددد الحبيبة ودودة مدثرة douce، تهدهد نفسها فى دجوية مدللة،
والجو مبلل ناعم لا عين فيه ولا بعد، قد عدل عن خطوطه الكيانية التى تحتوى الأشياء، وشارف فى نفسه أغوارًا نقية لا ينتهى لها انفساح.
الظلمة حبيبة حنون، فيها الدال واللام ورائحتها صادقة مسكرة منتفجة.
وأنا سكران منتش أقول أن الدَّله هو النوم. دله دله دله حتى تنام،حتى تسارع من هنا حتى
يريحك الآن. حتى تفقد الأرض المشدودة على نفسها وتشارف الأفق الذى هو au dela. dela - dela - dela والسمع والبصر وانطفاء الشموع.. شموع البيت مطفأة لأن عيونك المثقلة تستحلف الشمع أن يغيب فى نفسه، وأن تُغرق اللُّهب الحُمر فى السواد الواقف من الشمعة على العمود الأبيض فى الآن.
قد ثقل لمسك فإن عينك وبصرك فى داخلك. اللمس الثقيل منسىٌّ فى يدك، وأطراف أصابعك كأنه رجل عجوز نسى وتخل.
إنفتح واستنشق الها«ء» ادلف ادلف واترك الدال تحملك، انسل وانسل على الطريق الخفى فى اللام.
لا تلمنى لا تلمنى فأنا أريد أن أنام.
مالت فى الليل
مالت، مالت فى الليل. منحنى طويل مظلم، يَصَّاعد بنفسه فيفرق الظلمة وتتألق فيها الحركة ثم تنطفىء، متصاعدة متباعدة وتمضى فى العتمة والسُّمك
دلائل النوم.. الوجود المجاور.. هذا الخط الماثل وتلك المائلة تلك.. الجوار والنوم، وعلى البعد أمل رمادى قد صاحب وجوده سفلية غريبة فريدة. أنا أملى تحتى.
وتحتى محيط دائرى من الماء الداكن قد استقرت عليه الحركة النائمة المتخلية الهاوية.
أنا ما زلت ثقيلا وجوارى ما زال حيًا فى اللحظة.
وجع الرؤية
لا يعرف الصورة غير من يؤلمه وجع الرؤية.
كل تاريخ صورة،
وكل حب وجع من الرؤية
وأنا الآن، فى صحراء الظلمة، بلا رؤية
وفجأة تنبت فى الصحراء وردة
من شجر الصباح شوكها، ومن آسن الماء ثقلها،
ومن حمرة الألم فى العين عطرها.
ويقف القلب، تحرق أقدامه الرمال الملتهبة
وتمتد اليد وتنطلق الروح
وفجأة، تعبر المكان روح غريبة
سوداء تتمسح بالمنظر كأنها قطة
وتتبدد الصورة ويبقى فى العين جرح من الرؤية
خطأ الروح
ما أكثر الكلام،
ما أكثر العجز عن الكلام.
عندما ترتكب الروح خطأ الروح،
ويتوقف الوصل
تنقطع عن البدن خُضرةُ الحب ومياهه
وتجف فى الروح حركاتُ النور والحقيقة.
ويتداعى الوجود لأنه قد تجمد
فى العدم الجاف المكسور.
«المرأة والبرتقالة»
أمسكت المرأة فى يدها برتقالةً صفراء.
وكانت عارية تمامًا
فى سمرتها نحاسية البرونز.
ونزلت بعينى إلى قدميها
فوجدتها ترتدى حذاءً أسود تمامًا.
وفى وسطه جوهرة بيضاء.
وتحيرت يدى الممدودة أين تتوقف.
فأسقطت البرتقالة من يدها ومضت مسرعة مبتعدة
وقد رمت بالحذاء من قدميها.
وعندما ابتعدت رحت أتطلع باحثًا فى الهواء الفارغ
عن آثار يديها وجسمها وقدميها المغلفتين.
«صناعة المكان»
قلت للفتاة الصغيرة عندما ظهرت لى،
وكان شعرها القصير يدور حول رأسها
وكانت أمامى تحجل وتتقافز
فوق البقع المتناثرة من الماء الراكد
بعد المطر:
لو أن هذه الأرض لى
لقلت لها آمرًا
امسكى قدميها فلا تنقلهما
فأنا أريد أن أمسك برقصة الوجود
وهى تصنع المكان.
الحجرُ المنصوب
أغلقت أبوابى وأوصدت على نفسى نوافذى
وبقيت كالحجر المنصوب على الطريق
قد انمحت من فوقه علامات الطريق.
العرائس الخشبية
سافرت، سافرت فلم أصل
إلا إلى مسرح
العرائس الخشبية.
اللغة
أنا أرتعد من اللغة
فكلما مرت بفكرى أو على لسانى كلمة
أحسست أنها مشحونة بتيار كهربى صاعق
فإذا كانت اللغة ليس لها علاقة بالواقع
فلماذا ومن أين يأتى هذا التيار من الفكر
وهذه القدرة الكهربية الصاعقة
لنسأل مرة أخرى:
كيف ينتقل الفكر إلى اللغة ويملؤها بهذه الشحنة الدائمة فيها
حتى وإن لم يتحرك الفكر
ما أغرب اللغة وأصعب فهمها.
دمُ الفنِّ المُراق
أيهما أعظم، حمورابى أم إخناتون؟
الأعظم هنا هی المشكلة والسؤال.
عندما وقف حمورابى فى الوادى
ورفع يديه يصوغ فى القانون طباع البشر
ويقسر الفعل على القيمة
بقوة السلاح والمعرفة،
ينتظم المجتمع وتذوب الأفراد فى الخير.
وسرعان ما ينكسر الطوق القانون
عندما ينثلم السلاح،
وينطلق البشر فى أخص ما لهم من طباع وأخس
كل إنسان كهف بطبيعته مظلم
يتقبل النور ولكنه ينتظر انطفاءه.
حمورابى أبوالأنبياء والإسلام آخر الرسالات
فلم يعد ممكنًا أن يُصاغ البشر فى شريعة.
عليهم إذا أرادوا أن يعودوا
ولا يمكن أن يتم ذلك بدون سلاح أو جهاد
فكل رسالة لها أبوجهل
وليس الجهل هو المشكلة ولكنها الإرادة
لتحطيم الرسالة وتحقيق الظلمة الطبيعية
أيهما أعظم، أم المسيح أم صليبه؟
وليست الأعظم هنا هى المشكلة
ولكنها الأمل وحياة الحقيقة.
كل إنسان يأمل فى لحظة
يكون فيها إلهًا وحقيقة.
وثمن اللحظة الموت والدم المراق
ركعتا الحلاج وصليب المسيح ولحظة كولريدج.
الآن، أنا أعيش للآن اللحظة للتو
للرؤية الواحدة، للتوحد فى لحظة
مع كل الحقيقة وبعدها الغياب
أم المسيح هى العطاء الصحيح لأنها للعدم
وهو قمة المتعة لأنه لحظةَ يصير
رمزًا، لا حياة، وطريقًا لا وصول فيه.
من يصل واتصل احترق.
ورعب الحقيقة يجعلنا دائمًا نضرع
للأم الحزينة التى تلد الحقيقة وتنزلها
من الصليب عدمًا وحزنًا
نحاول أن نعيد به الحياة.
والمستحيل هو الميلاد الجديد
لأنه بمجرد حدوثه ينقضى.
فى الفن وحده، نصنع نصف الحقيقة ونصف الوجود ومتوسط الألوهية
ونحاول فى وهم دائم أن نكمل النصف الآخر
بالشكل، بالنغم، بالقافية، بالعروض
لم لا نعترف ونقر ونرضخ لنقص الرسالة
وصليب الحقيقة ودم الفن المراق؟
فى الكهف المظلم يدخل الموت شبحًا
له جوهر وسُمك لا يذوب ولا يقطع
ولكنه يخطو بلا ظل
ويحقق الحق الأعلى الذى هو العدم
الأعظم الأنور الأحق
الكامل بلا نقصان ولا حاجة لشكل
الرافع سيفه بلا رمز
الباقى بلا انقطاع
القادر وحده على إحالة اللحظة
إلى أزل وأبدية.
باسمك أصلى وإليك أتضرع
فامنحنى القدرة ألا أجبن أو أنقطع.
موت
أقبلت على الموت
بشهية الجائع للطعام
فوجدته مائعًا بلا ملح ولا مذاق
ورأيته يدب مثلى
كأنما قد فقد القدرة على السير والإبصار
«الأفيال تأكل المكان»
رأيت فيما يرى النائم أن جميع الأفيال من آسيا وإفريقيا ومن حيث لا أعرف
قد اجتمعت جميعًا أمامى فى زحمة فريدة
تتلاحم فيها أجسادها وأنيابها وتحتك بعضها مع بعض
وليس أمامها شىء تأكله أو تفعله
ولكنها تصدر أصواتها كأصوات الأم وهى ترضع أطفالها
وعندما نظرت إليها مجتمعة
عرفت أنها تأكل المكان
نعم تأكل المكان، وتستعد لأن ترقد وتموت.
الأفيال أكلت المكان ونامت
واحدًا بعد الآخر
فى رقدة طويلة لا قيام منها
فقد أكلت المكان ولم يعد لها زمان.
الُمدرَكُ ناعمٌ لينٌ
الُمدرَكُ ناعمٌ كأنه جسد امرأة.
روحى وعيونى تنزلق على الكائن المقام فلا تنحرف له زوايا.
الخط المكسور ينبسط أمامه كأنه الإشارة النومية الضخمة.
أنا أتشبث بمقامى وبالمكان الذى يحوينى كأننى بقعة ثقيلة سوداء. أنا لا أمضى لأن الأشياء وحدها تمضى كلها سريعة سريعة منزلقة سيالة منفلتة من زواياها الأولى الثقيلة.
الزاوية لى ثقل ثقيل. والكائن الهندسى مستيقظ مشدود كأنه عيونى المصارعة. الرءوس الأربع للأشياء تُثَلَّثُ وتغيب فى الخط المستطيل المتقدم فى الظمة. مستعرضًا بنفسه لا يكاد يجمع إلى نفسه خَطَّيّته
المثلث ذكرى بعيدة والمربع منزاح إلى ما قبل التاريخ. والدائرة قفّازة حاضرة لها خبث مقيم يحيطنى نومًا وماءً وأسود مظللًا له طراوة ورطوبة. أنا الآن. والآن دائرة حرة تطوى المربع وتدور بالمثلث حتى يتفتت ويغيب. فى داخل الدائرة ظلمة مجعدة تترامى على نفسها.
دائرية الدائرة توالٍ، والتوالى يصر ويستديم وتتحرك له ظلمة جديدة حتى يقتم وتبطل الهدهدة وينقطع النفس الواعى والحركة المرتعشة فى أجفان العين فيتولد الخط الطويل المتباعد قد ينفصل عن نفسى وقد أعايشه حتى أغيب.
أنا فى الدائرة والدائرة أسبق من الخط. آخر مراحلى دائرة وأنا ما زلت فى الدائرة. الخط حلم رومانسى كبير وأنا أفرد عليه قوى روحى الدفينة المغمورة فى الموج المأسور بالدائرة. حلمى هذا الخط المنفصل عنى. عبر الهوة خط. وضفة الهوة أنا فى الدائرة.
أنا فى الآن مدركٌ مأسور محوط قد لحقنى كل شىء. أنا حزين لأننى ما زلت فى الدائرة. يد كل شىء علىّ. وأنا خلاصى فى الخط الذى هو مسيحى على صليبى الدائرى أشكو وأرجو لو أنام.







