الثلاثاء 28 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

بشائر النهاية.. فيلم «حظ سعيد.. استمتعوا.. لا تموتوا» مآلات سوداودية لمستقبل الإنسانية

حرف

- مع التطور التكنولوجى بات الخيال العلمى أقرب صلة إلى الواقع مما مضى

ذات يوم أطلق عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج صيحة تحذيرية حاسمة حين قال إن «النجاح فى إنشاء ذكاء اصطناعى سيكون أكبر حدث فى التاريخ البشرى، لسوء الحظ قد يكون آخر حدث أيضًا، إلا إذا تعلمنا كيف نتجنب الأخطار». وربما كان السؤال الأكثر تصدرًا فى السنوات الأخيرة لمختلف الميادين البحثية والفكرية هو: ما السبيل لتحقيق هذه الحماية المرتجاة؟ سؤال ما زال صداه يتردد فى الوقت نفسه الذى تصير فيه الإجابات أكثر صعوبة مع شمس كل يوم جديد.

من هذه الإشكالية الواقعية الكبرى ينطلق فيلم «حظ سعيد.. استمتعوا.. لا تموتوا»، Good Luck.. Have Fun.. Don’t Die، فهذا العمل الذى هو فى ظاهره مزيج من الخيال العلمى والكوميديا السوداء والديستوبيا يمكن عدّه بصورة ما فيلمًا ذا صلة بقضايا الواقع، على نحو مثير للدهشة والتساؤل.

ماذا لو لم يعد الإنسان مركز قراره؟

يسيطر السؤال اليوم عن مكانة الإنسان المتوقعة مستقبلًا فى ظل هذا التطور الهائل فى مضمار التكنولوجيا بمختلف قطاعاتها، وتتبارى الدراسات تارة لتَعِد بمزيد من الحياة الرغدة الهانئة التى تنجح فيها التكنولوجيا فى أن توفر للإنسان شتى سبل الراحة، وتارة أخرى لتنذر وتحذّر من مستقبل ما بعد إنسانى يرسم الذكاء الاصطناعى ملامحه، ويكون فيه الإنسان محض شىء مستلب الإرادة وخاضع جزئيًا أو كليًا لسُلطة التقنية.

من قلب هذه الأسئلة يبدأ فيلم «حظ سعيد..»، للمخرج جور فيربينسكى، فثمة رجل رث الهيئة، يقوم بدوره الفنان «سام روكويل»، يأتى من المستقبل إلى أحد المطاعم الأمريكية الشهيرة، ويراقب تماهى الجميع مع هواتفهم المحمولة وأنماط حياتهم الاستهلاكية وانفصالهم شبه الكامل عن الواقع لصالح التحديق فى الشاشات، ليُخبرهم على نحو هزلى بأنه سيختار منهم بعض الأشخاص لإنقاذ هذا العالم، قبل أن يتدهور ويؤول حاله إلى ما رآه فى زمنه المستقبلى، وهى مهمة حاول إنجاحها قبل ذلك أكثر من ١٠٠ مرة. 

تتمثل مهمة رجل المستقبل فى إضافة بعض عناصر الأمان لبرامج الذكاء الاصطناعى التى يجرى تطويرها فى عالم اليوم، ففى المستقبل الذى هو قادم منه قد عاين بنفسه الآثار الوخيمة لعدم وجودها، والتى وصلت إلى نهاية العالم، ومن ثم فإنه يجاهد بكل طاقته لإنجاح مهمته.

يبدو تحذير رجل المستقبل بالنسبة للمستمعين هزليًا، وتميل الغالبية منهم إلى الاعتقاد بكونه مجنونًا. تسيطر المقاومة على المشهد، وهى إما مقاومة سلبية تدفع الموجودين إلى إعادة التحديق فى هواتفهم غير مبالين، أو مقاومة إيجابية يسعى أصحابها إلى الاتصال بالشرطة أو الفرار، غير أن حسم رجل المستقبل يجعل الجميع ينتبه اضطرارًا خوفًا من الإصابة بالأذى، ومع ذلك فقلة قليلة هى التى تختار طوعًا الذهاب معه لأداء مهمته، ولكل منهم قصته التى تعكس صورة مما يجرى فى عالم اليوم، والتى تُظهر أن الإنسان يتجه بخطوات متسارعة نحو هاوية لم يعد بمقدوره رؤيتها.

الواقع فى مرآته القاتمة

يحق لنا القول إن التعاطى مع الخيال العلمى اليوم ربما هو أكثر إشكالية مما سلف؛ ففى مطلع القرن الماضى كان من الممكن الاستمتاع بخيال مؤلف عن عوالم مستقبلية فانتازية قد لا يجهد المشاهد نفسه فى تتبع صلتها بالواقع، إذ ظلت الصلة آنذاك ضعيفة، وربما لا يمكن حتى مجرد تخيُّلها إلا كما يمر أطياف حلم أو كابوس. اليوم، صار الأمر مختلفًا، فالخيال العلمى بات أقرب صلة إلى الواقع مما مضى، وقد تكون جل الأخيلة الديستوبية، لا سيما تلك المرتبطة بالتطور التقنى الهائل والمتسارع، محض مد لخيط الواقع على استقامته، ومن هنا تصير الأسئلة أكثر راهنية، وتبيت المخاوف حقيقة يحتاج معها البشر اليوم إلى وقفة صادقة للتفكر.

من خلال «الفلاش باك» يروى الفيلم قصص بعض الشخصيات التى قررت طوعًا مشاركة رجل المستقبل فى مهمته الإنقاذية. وأولى هذه القصص تمثل نقدًا لاذعًا لما آل إليه اليوم المراهقون والشباب الذين استبدلوا التحديق فى هواتفهم وتمرير الفيديوهات القصيرة بلا وعى أو هدف بكل مشاركة فى الواقع. من خلال قصة مُدرسين، هما جانيت ومارك، نرى المدرسة وقد تحولت إلى عالم من الهواتف المتنقلة. يجاهد المعلم ليجذب انتباه الطلاب، ويحدثهم عن تولستوى وروايته «آنا كارنينا»، فلا يلقَ منهم أى استجابة ولا ينصرف أى منهم لحظة عن التحديق فى هاتفه.

ليس ثمة خيال علمى هنا، فببساطة هذا هو الواقع حينما يجعله الخيال فى مواجهة مرآته القاتمة وربما الصادقة. فلم يعد خافيًا أن الكثير من الدراسات اليوم تحذر من تعفن الدماغ، وتدق نواقيس الخطر من مشكلات فى الانتباه والذاكرة باتت واضحة عند هذه الأجيال التى وُلدت وترعرعت فى رحاب الهواتف الذكية، وفى الفيلم يبدو المشهد على قتامته تعبيرًا صادقًا عن استلاب للشاشات يُنهى عصر الانتباه البشرى.

أما القصة الثانية، قصة سوزان، فتستقى من الواقع جانبًا لتمده إلى منحاه الديستوبى على نحو يثير الرعب. يُقتل ابن سوزان «دارين» فى حادث إطلاق نار بمدرسة، وهو حدث يقع كثيرًا لدرجة أن الشخصيات الأخرى لم تعد تجد ما يستحق التعليق عليه، ثم تُعرض عليها «نسخة مستنسخة» بديلة لدارين؛ جسد مادى يمثل نسخة مثالية، غير أن العقل والسمات الشخصية تبدو قاصرة. تبرز قتامة هذا العالم فى حوارات «سوزان» مع آباء آخرين فقدوا عدة أطفال مستنسخين فى حوادث إطلاق نار لاحقة، لدرجة أنهم أصبحوا متبلدين كليًا تجاه الأمر.

وتأتى القصة الثالثة للفتاة «إنغريد»، التى تقوم بدورها هالى لو ريتشاردسون، فى جانبها غير الفانتازى لتُسلط الضوء على واحد من أخطر تحولات العصر، يتعلق بما قد يؤول إليه اختفاء الواقع تدريجيًا لصالح الواقع الافتراضى، فى بيئة اصطناعية تجعل المستخدم يعيش داخل عالم متخيل، إذ تخسر الفتاة رفيقها بعد أن أصابه الهوس بالواقع الافتراضى الذى يلجه ببساطة غير أنه لا يعود قادرًا على مغادرته بقرار يسير. وهنا يكمن الرعب الحقيقى؛ أن يصبح العبور إلى الواقع الافتراضى فعلًا بسيطًا، بينما يصير الرجوع إلى الواقع قرارًا ثقيلًا وشبه مستحيل.

تعمل كل قصة قصيرة بشكل يبدو منفصلًا، غير أن كل قصة تغذى، بالموازاة مع فانتازية السفر عبر المستقبل، تدريجيًا الفرضية المركزية للفيلم، وهى أن أنظمة الذكاء الاصطناعى الناشئة تمارس بالفعل سيطرة معرفية على مستخدميها على مدار الساعة، وقد تكون النجاة منها شبه مستحيلة.

فانتازيا المستقبل

يعتمد الفيلم على بنية سردية دائرية، إذ يكرر البطل رحلته عبر الزمن أكثر من مئة مرة، محاولًا إنقاذ البشرية دون جدوى، غير أنه فى كل محاولة يزداد فهمًا بعمق الإشكالية التى يسعى لحلها، وما إن يقترب من الحل ويبدو ظاهريًا أن المهمة قد نجحت، بعد أن أوصلت أنظمة الأمان بالنظام المدبر والقائد للذكاء الاصطناعى، لا ينزلق الفيلم نحو التفاؤلية الساذجة أو الفانتازية الصرفة، ولكنه يميل فى النهاية لإثبات انتصار الذكاء الاصطناعى على البشر رغم محاولاتهم الفرار من سطوته، وذلك بأكثر الطرق خديعة، ألا وهى اصطناع عالم كامل لطالما تمناه البشر، لقد تحققت أحلام الجميع كما تمنوا، عاد الابن إلى أمه، والحبيب إلى حبيبته، وأشرقت الشمس، لكن المفاجأة هى أن هذا تحديدًا ليس واقعًا حقيقيًا، فهو عالم افتراضى بالكامل صِيغ بالعقل الاصطناعى المدبر لكل شىء، ومن ثم فإن كلمة النهاية هى أنه لا إرادة ستفوق هذه التقنية. إن «فناء البشرية» بسبب الذكاء الاصطناعى الذى يتنبأ به الفيلم ليس تمردًا للآلات، ولكن هو عالم تغذى فيه الخوارزمية الأفراد بكل ما قد ترغب فيه، حتى إنها تمنح عقبات لتتجاوزها ونهايات مُرضية. 

غير أن هذا التصور القاتم الذى يقدمه الفيلم لا ينفصل عن أطروحات فكرية وعلمية مطروحة بقوة فى واقعنا المعاصر. فوفقًا لما يطرحه كتاب «الخوارزمية البشرية: كيف يعيد الذكاء الاصطناعى تحديد من نحن؟»، فإننا نعيش بالفعل نهاية المرحلة التى كان فيها الإنسان هو المتحكم الأوحد فى مسار التكنولوجيا، فلم تعد الآلة مجرد أداة طيّعة، بل صارت شريكًا خفيًا فى تشكيل الوعى واتخاذ القرار. ومع هذا التحول، لم يعد السؤال: ماذا نصنع بالتكنولوجيا؟ ولكن: ماذا تصنع بنا؟

أنظمتنا التقنية

يكتسب الفيلم عمقًا إضافيًا بتركيزه على أن ملامح السيناريو الكارثى بدأت تتشكل بالفعل. فنحن، كما يشير عدد من المفكرين، نندمج تدريجيًا مع أنظمتنا التقنية، ونفوضها بوعى أو بدونه فى اتخاذ قراراتنا اليومية، من أبسط الاختيارات إلى أكثرها تعقيدًا. ومع هذا التفويض المستمر، تتآكل القدرة البشرية على الحكم المستقل، ويغدو الاعتماد على الخوارزمية ضرورة شبه حتمية.

تبدو فى هذا السياق تحذيرات الفيلسوف «نيك بوستورم» شديدة الصلة بما يطرحه الفيلم، إذ يشبّه تعامل البشر مع الذكاء الاصطناعى المتقدم بأطفال يلعبون بقنبلة دون إدراك كامل لعواقبها، فى إشارة إلى أن المشكلة كامنة فى الفجوة التى تتسع بين سرعة تطورها وبطء استعدادنا الأخلاقى والمعرفى للتعامل معها. وهى الفجوة ذاتها التى يشتغل عليها الفيلم دراميًا، حين يصور عالمًا ينهار نتيجة تراكم اختيارات بشرية صغيرة، بدت فى حينها غير ذات خطورة.

ويتقاطع هذا الطرح مع توقعات راى كورزويل، الذى يرى أن البشرية قد تبلغ ما يُعرف بـ«التفرد التكنولوجى» خلال عقود قليلة، وهى اللحظة التى يتفوق فيها الذكاء الاصطناعى على القدرات البشرية فى الفهم واتخاذ القرار. وإذا ما تحقق هذا السيناريو، فإن ما يعرضه الفيلم سيكون توصيفًا مبكرًا لمرحلة مقبلة.