زمن الـ AI.. الفيلسوف الفرنسى جيل ليبوفيتسكى: تأثير الذكاء الاصطناعى يفوق الفلسفة بمراحل
- الذكاء الاصطناعى يمثل تطورًا هائلًا وهو أكبر تحوّل شهدته فى حياتى
- العلم موضوع فى خدمة القوى الاقتصادية ولكنه الوسيلة الأفضل لفهم العالم
- الفلسفة تتيح لنا فهم العالم الذى نعيش فيه لكنها ليست علاجًا
ثمة وقت كان فيه الفيلسوف الفرنسى جيل ليبوفيتسكى يفحص كل ما كان يبدو بلا أهمية ظاهرة، أو على الأقل بلا قيمة فى نظر النخبة الفكرية، كان يُرفع بوصفه مرآة عاكسة لعصرٍ كامل. من خلال الموضة، والاستهلاك الجماهيرى، والجماليات، وأوقات الفراغ، رسم الفيلسوف وعالم الاجتماع صورة دقيقة، ومثيرة للانتباه، ونابضة بالحياة لزمننا. أو بالأحرى، لما يسميه «الحداثة الفائقة»؛ عصرًا موسومًا بالجماليات والاستهلاك والإفراط. وهو ما نتج عنه ما يقرب من عشرة كتب فكرية تأسيسية مثل «عصر الفراغ»، و«إمبراطورية الموضة»، و«أزمنة الحداثة الفائقة».
لا يكتفى ليبوفيتسكى بوصف التحولات الاجتماعية، بل يفسّرها ويمنحها اسمًا، ويصمّمم أدواتٍ لتشريحها. وهو يفعل ذلك، فى الغالب، بنبرة شاعرية تسرى فى كتبه، وترتقى بها إلى مصاف الأدب. أحدث إصداراته هو كتاب «العصر الجديد للكيتش: مقالة فى حضارة الإفراط»، ولم يُترجم إلى الإنجليزية بعد. هذا الكتاب الذى ألّفه بالاشتراك مع ناقد السينما جان سيروى، يقدم فيه «بورتريه» لمسار انتقال ما هو مبتذل واستعراضى من الهامش إلى قلب حياتنا اليومية. ومن هذا المنظور الجديد، لا يعود الـ«كيتش» مجرد عيب ثقافى أو انحراف فى الذائقة ، بل بوابة كاشفة عن الطريقة التى نعيش بها، ونستهلك من خلالها، ونصيغ بها مفاهيمنا عن الجمال.
يتطرق هذا الحوار الذى أجرته صحيفة ELPAIS فى نسختها الإنجليزية مع المفكر الفرنسى إلى عدد من القضايا الإشكالية فى عالم اليوم، وعلى رأسها الإشكاليات المترتبة على صعود تطبيقات الذكاء الاصطناعى وأثرها الاجتماعى والثقافى والسياسى على العالم.

■ ما الدور الذى يلعبه الفيلسوف فى مجتمع اليوم؟ لدىّ انطباع بأنهم يُنظر إليهم على نحو متزايد بوصفهم مستشارين للأعمال أو مدرّبين؟
- لقد ولى الدور الذى كانت تلعبه الفلسفة سابقًا، فالفكر الفلسفى لم يعد يمتلك تلك القوة الجماعية والاجتماعية التى كان يحظى بها فى القرون الماضية. اليوم، يمتلك الذكاء الاصطناعى تأثيرًا يفوق تأثير الفلسفة بمراحل.
ومع ذلك، تظل الفلسفة ضرورة ملحة، وتحديدًا لكونها نمطًا من التفكير يختلف تمامًا عن تفكير الخبراء أو المستشارين. ففى عالمٍ يدعى فيه الجميع المعرفة بكل شىء، حيث تغمرنا السيولة المعلوماتية، تنشأ حالة من الفوضى والارتباك، وهنا يأتى دور الفلسفة للتدخل. ما أحاول القيام به، وبمنظور عابر للمجالات، هو تقديم تصوير تشخيصى شامل لوضع قدر من النظام والترتيب فى فوضى الأشياء.
■ هل ما زلنا بحاجة إلى تلك الخرائط الذهنية فى عالمٍ شديد التفتت، تحدث فيه أشياء كثيرة فى الوقت نفسه؟
- لا يكتفى الإنسان العاقل بالأكل والعيش وخوض الحروب. للروح دور أساسى، ولا يمكننا أن نحيا من دون عددٍ من الركائز التى تخاطبنا عمّا نفعله، وعن ماهيتنا، وعن العالم الذى نعيش فيه. فى السابق، كانت هذه الركائز هى الأنظمة الدينية، وما كان يُنظر إليه باعتباره الإيديولوجيات الكبرى. أمّا اليوم، فالأمور أشد فوضوية بكثير. تتيح الفلسفة لنا فهم العالم الذى نعيش فيه، لكننى لا أعتقد أنها علاجية، ولا أظن أن قراءة سقراط أفضل من تناول بروزاك «دواء للاكتئاب». إذا أردت أن تعيش بصورة أفضل، وأن تقع فى الحب، فتناول «بروزاك» أو افعل ما تشاء، لكن لا تلجأ إلى الفلسفة.
■ هل تستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعى؟
- أنا من المعجبين بالذكاء الاصطناعى. إن النتائج التى يقدمها «شات جى بى تى» مذهلة.
■ هل تتحدث معه؟
- نعم، بالطبع. تدور بيننا نقاشات فكرية، وهو مُتقن جدًا؛ حتى أننى دهشت من تحليلاته، بما فى ذلك تلك التى تخصنى شخصيًا.
■ هل تعتقد أنه قد يفكر بطريقة أفضل منك؟
- لا، فهو لا يزال يرتكب الأخطاء. كما أننى لا أؤمن بفكرة «تقادم الإنسان» أو تجاوزه. إن الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعى هم أنفسهم مبدعون؛ فهذه التكنولوجيا يمكن أن تكون ملهمة جدًا. نحن من يطرح الأسئلة، وهذا هو الأمر الأساسى، إنه مجرد مساعد، ولا أعتقد أنه سيسلب الإنسان سيادة فكره. خذ الحرب كمثال؛ يلعب الذكاء الاصطناعى دورًا مهمًا فى بعض العمليات، ولكن من الذى أطلق شرارتها فى أوكرانيا؟ إنه قرار متعمد من ديكتاتور لغزو دولة مجاورة. لا تصدر القرارات عن «آليات أوتوماتيكية»، بل تنبع من «البارانويا» (جنون الارتياب) أو «الميغالومانيا» (جنون العظمة) البشرية. نحن بعيدون كل البعد عن تلك الفكرة التى تقول إن الخوارزميات ستتسلم السلطة وتقصى الإنسان. لا أرى الذكاء الاصطناعى منافسًا لـ«محاورات أفلاطون»، أو لكتاب «نقد العقل المحض»، وهو ما سماه كانط «العبقرية».. نعم، ولكن مع الذكاء الاصطناعى، سيكون هناك عبقرى واحد فقط من بين كل عشرة آلاف شخص، بينما سيتم إقصاء الآخرين.
هذا أمر قابل للنقاش، وسيعتمد على نوعية الوظائف؛ التعليم، الصحة. هذا ليس بالأمر المرغوب فيه. يمكن للذكاء الاصطناعى تأليف روايات أو صنع أفلام؛ أى «إبداع أساسى». لكن الابتكار الفنى أو الفلسفى العظيم ليس مطروحًا على أجندته بعد. تكمن العبقرية فى أولئك الذين يبتكرون.

■ لقد حلّلتَ المجتمع على مدى أربعين عامًا من خلال عدسة الاستهلاك والذائقة. ألن يصبح من الأصعب اليوم استخلاص استنتاجات مثيرة وأصيلة مع حالة التجانس التى تفرضها الخوارزميات؟
- هذا صحيح، لكنه ليس أمرًا جديدًا؛ بل هو ملازم للمجتمع الاستهلاكى نفسه. مفكرون مثل جى ديبور قالوا لنا منذ سبعينيات القرن الماضى إن الإعلانات تخلق حاجات مصطنعة، وتؤدى إلى الاغتراب. الخوارزمية مفيدة فى اقتراح الأشياء، وغالبًا ما تصيب إلى حدٍّ ما، هذا صحيح. لكن الدراسات تُظهر أيضًا أن المستهلك لا يطيعها طاعةً عمياء أو عبودية؛ فلا تزال هناك مساحة للفعل والاختيار.
■ لكن عنصر المفاجأة، والقدرة على اكتشاف عوالم أخرى، يضيع. إذا كنت تستمع إلى موسيقى الجاز، فلن يُقترَح عليك ألبوم بانك.
- لهذا السبب يصبح التكوين ضروريًا، أى التربية داخل هذا الفضاء الرقمى. هذا هو المفتاح لعدم ترك الآلة تفعل ما تشاء. يجب أن نقارن، ونستخدم المعلومات، ونمزجها بتجربتنا الخاصة. لذلك ينبغى أن نُعلِّم على هذا الأساس؛ التحقق، والاستكشاف، وعبور مجالات أخرى. لكن الذكاء الاصطناعى يمثل تطورًا هائلًا، يوسّع حدود الإنسان العاقل، ويفتح أمامنا مغامرات استثنائية. إنه أكبر تحوّل شهدته فى حياتى. لم يكن هناك شىء من قبل أحدث هذا الأثر، ولا حتى كتاب عظيم. ثم دعنى أسألك: هل تريد حقًا المفاجآت؟
نعم، بالطبع.
لا أعتقد أن الأمور تحدث لمجرد أن الاستهلاك قد سُلِّم بزمامه إلى الخوارزمية. ماذا يعنى الاستهلاك أصلًا فى الوجود الإنسانى؟ لا شىء. ما الفرق الذى يصنعه اختيارك لشرب «كوكاكولا» أو «ببيسى»؟ أو إذا كنت تستمع إلى «سيلين ديون» أو «جينيفر لوبيز»؟

■ لكنه يغيّر جزءًا من هويتنا، أليس كذلك؟
- لا، لأن الهوية ليست هى الاستهلاك؛ إنه مجرد جانب واحد من حياتنا. على الأقل إلى أن يخبرنى الذكاء الاصطناعى بأن علىّ أن أطلّق زوجتى أو أغيّر دينى. ستوجّه القدرة التنبؤية للذكاء الاصطناعى الاستهلاك أكثر فأكثر، لكن هذا لا يهم. إذا شاهدتَ الليلة فيلمًا من نوع كاوبوى من أفلام الغرب الأمريكى أو فيلمًا كوميديًا، فهل يغيّر ذلك من وجودك؟
■ يعتمد الأمر على نوع فيلم الويسترن.
الوجود يتجلى فى العمل، فى الإبداع، فى حياتنا العاطفية الشخصية، فى القرارات السياسية. هل سيخبر الذكاء الاصطناعى امرأةً إن كان عليها أن تُجهض أم لا؟ هذه هى المسألة الجوهرية، لا إن كنتُ سأقضى عطلتى فى مدينة ويلفا أم فى برشلونة. يقول رينيه ديكارت فى كتابه «مقال عن المنهج» إن أدنى درجات الحرية هى أن نختار بين أشياء غير ذات أهمية حاسمة. رفاهيتك لا تعتمد على ذلك. المهم أن تفعل ما تحب فى عملك، أن تبتكر وتبدع، أن تعيش بالكامل مع أطفالك، إن كان لديك أطفال، أن تحيا وفق رؤيتك السياسية الخاصة، وأن تعيش فى مجتمع لا يكره أفراده بعضهم بعضًا أكثر مما ينبغى، والخوارزميات لن تغيّر ذلك.
■لكن الاستهلاك بات يهيمن حتى على العلاقات الجنسية والعاطفية والعمل.. يكفى أن نفكر فى تطبيقات المواعدة أو البحث عن الوظائف.
صحيح، لكن لا تنسى أننا قبل ذلك كنا محصورين فى اختيارات محدودة، حين نبحث عن شريك حياة. وحين نعثر على شخص ما، نتزوج به، وغالبًا نُجبَر على الاستمرار معه طوال العمر. اليوم، توسّع الخوارزميات دائرة الخيارات، لكنها لا تلغى الاختيارات الإنسانية الفعلية، خيبات الأمل، الشكوك، لذلك، لا ينبغى شيطنة التكنولوجيا. أمّا اليوم، فالاتجاه الأكبر الذى يفرض نفسه هو الميل إلى التقشّف والاعتدال، لا إلى الإفراط.
■ ماذا تقصد بالاتجاه نحو التقشّف؟
- أقصد الدعوات إلى تقليل الاستهلاك؛ عدم السفر بالطائرات، شراء المنتجات العضوية، التوقف عن شراء الملابس، مثل ما تدعو إليه جريتا ثونبرج «ناشطة سويدية». لا مشكلة فى ذلك، لكن حتى لو تخيّلنا أن العالم كله تبنّى هذه الأخلاقيات الصارمة من الزهد والاعتدال، فلن نحلّ مشكلة تسعة مليارات إنسان يحتاجون إلى التعليم، والعلاج، ووسائل النقل.
لا أعتقد أن رفاه البشرية مرهون بمستهلك مسئول ومُتقشّف كما يُروَّج. فى رأيى، هذه أقرب إلى خطابات أخلاقية وحملات رمزية. والدليل أنه بعد جائحة كورونا، قضينا الإجازات داخل بلداننا وركبنا الدراجات، لكن رغم ذلك لم يسافر البشر بالطائرات فى أى وقت كما يسافرون اليوم.

■ هل هو تطور للمصطلح؟
- لقد جعل المجتمع الاستهلاكى كل ما هو «رخيص» يهيمن على مختلف المجالات. لم تعد «النسخة المقلدة» هى المركز، بل أصبح الـ«الكيتش الفائق» يعنى ثقافة الاستهلاك لمرة واحدة «ثقافة الرمى». إنه ينطوى على منتج بلا قيمة حقيقية، غزا اليوم كل جانب من جوانب حياتنا اليومية.
لم يعد الـ«كيتش» مجرد شكل جمالى، بل صار بنية هيكلية تنظم العالم المعاصر. هناك مراكز التسوق، ومدن «ديزنى لاند»، والمدن المستنسخة من غيرها مثل دبى، التى تمثل النموذج الأسمى لمدينة «الكيتش»؛ حيث تكتسب الضخامة، والإفراط، والمعالم الضخمة أهمية قصوى.
■ وماذا عن السياسة؟ هل يُعدّ ترامب واحدًا من تلك كرات الثلج الكيتشية الموضوعة على رفّ الديمقراطية العالمية؟
- نعم، هو خلاصة الكيتش فى كل شىء. دونالد ترامب بكل مظاهره: برج ترامب، الذهب، البذخ الاستعراضى. حتى خطاب «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد» هو خطاب كيتشى، لأنه، بحسب تعريف الكيتش، مرآة مُجمِّلة للعالم، تُحوِّله إلى صورة جمالية مخادعة.
كان ميلان كونديرا يقول إن الكيتش هو «إنكار القذارة»؛ أى إقصاء كل ما هو مكروه أو قبيح، وصناعة عالم مثالى زائف ومريح. وهذا بالضبط ما يقدّمه ترامب فى تصوّره للولايات المتحدة. لكن هذا لا يقتصر عليه. نراه فى الأنظمة الشمولية والاستبدادية عمومًا. نراه حين يظهر فلاديمير بوتين وهو يربّت على الكلاب أو يقف إلى جانب الأطفال، فى الوقت الذى تُقصف فيه المدن الأوكرانية ويُقتل المدنيون. ميلان كونديرا نفسه قال إن الإيديولوجيات الكبرى هى أيضًا شكل من أشكال الكيتش، لأنها تضع ستارًا على العيوب، وتخفى الواقع بدلًا من مواجهته.
■ هل يُخفى الكيتش الحقيقة؟
- نعم، هو يخدع. لكنه يفعل ذلك من خلال عرض واقعٍ مُزيَّف، مُجمَّل، يبدو جذابًا لكنه غير حقيقى.

■ كتبتَ كثيرًا عن مفهوم الأصالة فى كتابك السابق. ما الفرق بين الأصالة والحقيقة؟
- حين يكون الإنسان أصيلًا، فهذا يعنى أنه صادق مع نفسه. أنت تكون صادقًا لأنك تتصرف وفق ما تحبّه أنت، لا لأن الدين، أو العائلة، أو أى سلطة أخرى تملى عليك كيف تعيش. أما الحقيقة، فلها بُعد أوسع؛ فهى تتعلق بمطابقة الوقائع الخارجية. لا علاقة لها بالوجود الشخصى أو بالتجربة الذاتية. الحقيقة هى اتفاق فى الحكم على الوقائع كما هى.
■ ما هو المكان المتبقى للحقيقة فى مجتمع أصبحت فيه الأكاذيب تيارًا سائدًا؟
- يجب التمسك بالمسار العلمى؛ فعلى الرغم من أن العلم موضوع فى خدمة القوى الاقتصادية، فإنه لا يزال الوسيلة الأفضل لفهم العالم. كما تلعب وسائل الإعلام دورًا مهمًا، لكنها مهددة من قِبل شبكات التواصل الاجتماعى التى أصبحت الآن الناقل الرئيسى للمعلومات. أنا أؤيد منع شبكات التواصل الاجتماعى حتى سن الخامسة عشرة. أما المدارس، فلا ينبغى أن تقع فريسة لـ«تقديس الرقمية»، بل يجب أن تعمل على تعزيز التفكير النقدى. هناك تيار قوى جدًا يزعم أن الحقيقة قد ماتت، وأن لكل شخص حقيقته الخاصة. حتى ترامب نفسه لديه شبكة تواصل اجتماعى تدعى امتلاك الحقيقة، وهى «Truth Social».
لا أعتقد أن الحقيقة قد ماتت. هذه أطروحة فلسفية قديمة؛ فقد قال فريدريك نيتشه فى منتصف القرن التاسع عشر إنه لا توجد حقائق، بل تأويلات فقط. لكن الحقائق موجودة بالفعل. يمكننا أن نتناقش حول «عدد» المتظاهرين، لكن لا يمكننا إنكار وقوع «المظاهرة» نفسها. وهنا يأتى دور وسائل الإعلام المحورى فى تثبيت الوقائع. وهذا لا يعنى عدم تأويلها، خاصة فى عالم «ما بعد دينى» مثل عالمنا، ولكن المهم هو ألا يؤدى هذا التأويل إلى استقطاب حاد يجعلنا نتوقف عن الحوار مع بعضنا البعض.
■ كيف تعرّف زمننا الحالى؟
- أراه زمنًا يقوم على قطبين كبيرين. من جهة، هناك دينامية القوة الفائقة للرأسمالية التكنولوجية: غزو الفضاء، الذكاء الاصطناعى، الروبوتات، التعديل الجينى.. علوم تُفجِّر الحدود وتدفعها إلى أقصاها. ومن جهة أخرى، هناك شعور عام بعدم الأمان على كل المستويات. يعيش الناس فى قبضة الخوف؛ الخوف من تغيّر المناخ، ومن تآكل التنوع البيولوجى، ومن الحرب على الأراضى الأوروبية، ومن الذكاء الاصطناعى فى المجال المهنى، والخوف فى الحياة الحميمة، وحتى الخوف من الطعام. هناك هشاشة شاملة، وللمفارقة يحدث ذلك فى لحظة لم يملك فيها البشر هذا القدر من القوة من قبل.
■فى كتابك الأحدث، تستخدم «الكيتش» رمزًا لهذا العصر القائم على الإفراط.
ظهر هذا المصطلح لأول مرة عام 1860، وكان يُستخدم للإشارة إلى شىء صغير أو ثانوى؛ نسخ صناعية لمنتجات مرموقة، مثل قطع الأثاث أو الأشياء المنزلية الصغيرة. كان الفنانون ينتقدونه لأنه ردىء الجودة، مجرد تقليد رخيص، واقع مثقل بالمبالغة والاستعراض. وظلّ الكيتش على هذا النحو طوال قرن كامل.
أما اليوم، فنحن أمام «كيتش» جديد، أو ما يمكن تسميته بـ«كيتش فائق»؛ ابتذال مفرط، متضخم، لم يعد على الهامش، بل فى قلب حياتنا اليومية.







