خوارزميات السرد.. هل يكتب الذكاء الاصطناعى الفصل الأخير من الرواية؟
يشهد حقل الدراسات الأدبية المعاصرة اليوم تحولًا قد يكون الأكبر والأكثر جدلًا منذ اختراع الطباعة، إذ يبرز الذكاء الاصطناعى بوصفه قوة تكنولوجية جديدة تسعى من ناحية إلى تسهيل حياة البشر، ومن ناحية أخرى إلى ترك بصمتها العميقة فى عالم الإبداع الذى ظل لقرون طويلة حكرًا على الروح الإنسانية.
وبينما ينظر البعض إلى هذه التقنية بريبة ورفض قاطع، معتبرين إياها تهديدًا لجوهر الفن، يسعى آخرون لتطويعها كأداة ثورية تفتح آفاقًا غير مسبوقة للتعبير، مما يضعنا أمام سؤال مفصلى: هل نحن حقًا أمام مؤلف رقمى يمتلك القدرة على زحزحة مكانة الكاتب البشرى، أم أن الأمر لا يتعدى كونه وسيطًا تقنيًا جديدًا يضاف إلى مسيرة تطور الأدب الطويلة، التى بدأت من الشفاهية وصولًا إلى الثورة الرقمية الحالية؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب العودة إلى التاريخ الطويل لتحولات وسائط الإنتاج الأدبى، فمنذ مرحلة الشفاهية التى اعتمدت على سحر الكلمة المنطوقة وقوة الذاكرة الجمعية فى حفظ التراث ونقله، وصولًا إلى اختراع الكتابة التى منحت النص ديمومة التمثيل والقدرة على البقاء بمعزل عن شروط إنتاجه اللحظية، حيث كان لكل وسيط جديد أثره العميق فى تشكيل بنية الأدب ذاته.

فمع ظهور الطباعة وتطورها فى القرن التاسع عشر، أسهم الوسيط الجديد فى اتساع دائرة المتلقين عبر تعدد النسخ من العمل الواحد، لكن التغير الأهم كان فى ظهور أنواع جديدة بشكلها المعاصر، فقد ازدهرت الرواية كجنس أدبى يتطلب مساحة سردية طويلة ومعقدة لم تكن لتوجد لولا وجود الكتاب المطبوع.
اليوم، وفى ظل ما يمكن تسميته بعصر الشفاهية الرقمية الجديدة التى يفرضها الفضاء السيبرانى، يطل الذكاء الاصطناعى بوصفه فاعلًا يثير أسئلة وجودية حول طبيعة الإبداع ومستقبله.
إن الإشكالية الجوهرية هنا لا تكمن فى القدرة التقنية على توليد الكلمات أو رص الجمل بعضها خلف البعض، لكن فى قدرتها المزعومة على خلق المعنى، وهو المفهوم الذى ظل دومًا مرتبطًا بالوعى الإنسانى والقدرة على التأمل، ففى جوهر العملية التقنية، لا يفهم الذكاء الاصطناعى الأدب كما نفهمه نحن كبشر، فهو لا يدرك الألم خلف الكلمات ولا الفرح خلف الاستعارات، لكنه يمارس ما يمكن وصفه بالرياضيات البلاغية، وهى العملية التى تعتمد على تحليل الأنماط الإحصائية المعقدة من كميات هائلة من النصوص المخزنة، ليتنبأ بالكلمة التالية الممكن «رصها» بناء على حساب الاحتمالات المنطقية، ومن ثم، فعندما يصيغ هذا النظام مجازًا أو استعارة، فإنه فى واقع الأمر يقلد الأنماط المجازية التى تدرب عليها سابقًا، ويعيد إنتاجها فى سياقات جديدة تبدو مبهرة فى ظاهرها، لكنها تظل نتاجًا لعملية حسابية باردة، تقوم فى أساسها على إعادة إنتاج لنصوص موجودة بالفعل.

ويفتقر هذا النوع من الإبداع الإحصائى بالضرورة إلى الرؤية النقدية الكلية وعمق الوعى البشرى المرتبط بالعواطف الحية، والنوايا المبيتة، والخبرات المتراكمة التى تشكل كيان الأديب.
وتظهر الآلة هنا كمقلد بامتياز للأصوات الأكثر موهبة وذيوعًا على شبكة الإنترنت، فهى تعمل على محاكاة الأنماط الأكثر شيوعًا وتقبلًا وتفاعلًا من قبل الجمهور، بغض النظر عن قيمتها الجمالية فى ذاتها، ومن هنا، تبرز خطورة حقيقية لا تهدد كبار المبدعين أصحاب البصمات الخاصة، لكنها تهدد بطبيعة الحال أنصاف المبدعين الذين يكتفون بمحاكاة الأنماط السائدة وإعادة إنتاج المستهلك، إذ ستتفوق الآلة عليهم حتمًا فى دقة التقليد وسرعة الإنجاز، والاطلاع الأكثر اتساعًا على النماذج المرغوب فى تقليدها، مما قد يؤدى إلى إغراق الساحة الأدبية بنصوص خوارزمية لا روح فيها.
وإذا ما نظرنا إلى التجارب الروائية التى ظهرت مؤخرًا بمساعدة هذه التقنيات، فإننا نجدها تكشف عن ملامح أسلوبية واضحة لهذا النوع من الأدب، حيث يميل النص الخوارزمى غالبًا إلى بساطة مفرطة فى التركيب اللغوى، واعتماد الجمل القصيرة سريعة التتابع التى تفتقر إلى الأنفاس الطويلة والتراكيب المعقدة التى ميزت كبار الروائيين العرب.
تبدو إذن لغة الذكاء الاصطناعى فى مرحلتها الحالية لغة وظيفية بامتياز، شفافة وتهدف لتوصيل المعلومة بوضوح رياضى، مما يقلص مساحة التأويل أو الابتكار المجازى العميق الذى يترك القارئ فى حالة من الحيرة الجمالية، كما يقع هذا النمط من الكتابة أحيانًا فى فخ الترهل واللغة الفضفاضة، حيث يستخدم النظام جملًا قد تبدو شعرية فى ظاهر صياغتها، لكنها لا تضيف معنى حقيقيًا للسياق السردى ولا تدفع الحدث إلى الأمام، وتعمل فحسب كحشو بلاغى يعوض غياب التجربة الإنسانية الحقيقية.
علاوة على ذلك، يميل الذكاء الاصطناعى دائمًا نحو الأنماط السردية التقليدية والأكثر رواجًا، مفضلًا تقنية السارد العليم والحوارات الممتدة التى تعمل كقنوات لتمرير المعلومات، وهى تقنيات كلاسيكية قديمة تبتعد عن روح التجريب والحداثة التى تسعى لخرق المألوف.
وحتى النهايات والخلاصات التى يقترحها، تأتى فى الغالب متسقة مع منظومة القيم السائدة والآمنة على الإنترنت، فتتأرجح بين النهايات الفاجعة التقليدية أو النهايات السعيدة الوعظية، مع ميل واضح نحو الخطابة المباشرة فى تقديم الوصايا الأخلاقية، وكأن الآلة تسعى لإرضاء المعيار الأخلاقى المتوسط للمستخدمين.
ومع ذلك، فإن قراءة واقع الحال تشير إلى أن الذكاء الاصطناعى فى مداه المنظور سيظل أداة مساعدة وليس بديلًا كاملًا للروائى، حيث بإمكانه أن يلعب دور المساعد التقنى الذى يحرر الكاتب من أعباء العمل الروتينية، مثل التدقيق فى الحقائق التاريخية، أو المساعدة فى بناء هياكل الشخصيات الثانوية، أو حتى صياغة مسودات أولية لمواقف معينة يحتاج المبدع بعدها لإضفاء لمسته الخاصة وروح التمرد عليها.
إن التحدى الحقيقى يكمن فى مدى قدرة المبدع على الحفاظ على استقلاليته، فما الاعتماد الكامل على الآلة إلا انزلاق نحو شرك التقليد الكامل، حيث لا يمتلك الذكاء الاصطناعى حتى الآن القدرة على ابتكار أنساق جمالية خاصة أو خرق الطابوهات الثقافية والاجتماعية بوعى، لكنه يظل محبوسًا داخل أفق البيانات التى تمت تغذيته بها.

ومن هنا يبدو أن أثر الذكاء الاصطناعى على الرواية العربية سيتحدد فى نهاية المطاف بمدى ذكاء ووعى المدخلات البشرية، فالمستقبل سوف يكون للمبدع الذى يجيد توظيف هذه التقنية كقلم جديد دون أن يسمح لها بامتلاك زمام السرد، وهو الأمر الذى يفتح الباب لمناقشة مدى مشروعية استخدام الذكاء الاصطناعى فى عملية الإبداع، وإلى أى مدى يكون مقبولًا أو مرفوضًا، وهو أمر أظن أنه سيشغل مساحات مقبلة من النقاش النقدى والإبداعى والقانونى فى الفترات المقبلة.
إننا لا نعيش نهاية الأدب كما يتخوف البعض، لكننا بصدد ولادة وسيط إبداعى جديد يتطلب نقادًا ومبدعين يمتلكون أدوات معرفية مختلفة لفهم هذا التأليف بالمشاركة، وستظل الكتابة دائمًا هى تلك المسافة الفاصلة بين الاحتمالات الإحصائية الباردة للآلة وبين الوثبة الروحية والتمرد الإنسانى على الجمود، وفى هذه الفجوة تحديدًا، ستتم كتابة مستقبل الرواية العربية، حيث تظل الحاجة ماسة لعين المبدع التى ترى ما لا تراه الخوارزميات، ولصوته الذى ينطق بما تعجز البيانات عن إدراكه.
قد يتمكن الذكاء الاصطناعى من محاكاة شكل الرواية، لكنه سيظل يفتقر دائمًا إلى تلك الرعشة الإبداعية التى تحدث عندما يلامس النص وجدان القارئ ويغير نظرته للعالم، وهى المنطقة التى ستبقى، لحسن الحظ، منطقة إنسانية بامتياز مهما بلغت قوة الخوارزميات، ومن هنا، فإن دعوتنا ليست لرفض التقنية، لكنها دعوة لاستيعابها نقديًا، وتحويلها من مؤلف بديل إلى مختبر تجريبى يوسع من حدود الخيال العربى ولا يضيقها فى قوالب جاهزة.







