ما زالت الكاتبات يمتن كمدًا..رحيل سلمى مرشاق سليم وخاتون سلمى وكوليت خورى
- الشاعرة خاتون سلمى استشهدت مع زوجها فى العدوان الإسرائيلى الغاشم على لبنان
- كوليت سهيل خورى أحدثت جدلًا كبيرًالجرأتها وشجاعتها ولغتها الجديدة
- سلمى مرشاق سليم مصرية المولد لبنانية الأصل وتكونت فى وسط متعدد العقائد الدينية
فى الجمعة الماضية 10 أبريل، نقلت الأخبار خبرًا حزينًا ومؤلمًا للغاية، استشهاد الشاعرة اللبنانية خاتون سلمى، وزوجها الفنان محمد كريشت إثر العدوان الهمجى الذى يقوم به الجيش الصهيونى فى لبنان، وانتشرت صور لها بجوار كتبها التى كانت معها قبل الرحيل مباشرة، العدوان يبطش بالشعر والرواية والهوية والمرأة دون هوادة، وبالتأكيد كانت الشاعرة الفنانة تتابع وتعيش الحرب لحظة لحظة فى قلق ورعب على بلادها، وفى ذات اليوم، ودعت الحياة شاعرة وروائية سورية كبيرة وهى كوليت سهيل خورى، والتى أحدثت روايتها الأولى: «أيام كانت معه»، والتى صدرت فى عام 1959، جدلًا واسعًا لجرأتها وشجاعتها ولغتها التى كانت جديدة على كتابة المرأة فى ذلك الزمان، نعى الشاعرتين معظم بنات وصديقات وأخوات كل من الشاعرتين، ويبقى الحزن الذى لا يفارق الكاتبات عندما يمتن كمدًا، وبالطرق المختلفة التى تعددت أشكالها المأساوية فى كل مكان.

وقبل ذلك بشهر ونصف الشهر، وفى ٢٢ فبراير الماضى رحلت الكاتبة والمثقفة الموسوعية والباحثة المصرية المولد، واللبنانية الأصل، سلمى مرشاق سليم عام ١٩٣١، تكونت فى وسط متعدد الوجوه والعقائد الدينية، فالوالد الذى نزح من «النبك» بالشام، كان بروتستانتيًا، ووالدتها من الطائفة الكاثوليكية، وتعلمت الطفلة سلمى فى مدارس مصرية عريقة، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية، وفى أثناء إحدى الرحلات الصيفية المعتادة، التى كانت تقضيها فى بلودان، تعرفت على المحامى النابه محسن سليم البارز والمعروف، وفى تلك الرحلة قامت بينهما صداقة، أدت إلى حب عميق، ولم تكن ديانته الإسلامية، ولا شيعيته مانعًا لكى تحبه أو تتزوجه، وترتبط به طوال حياتها، وبعد الزواج تعود سلمى إلى بلادها لبنان لكى تقيم فى حارة حريك الشهيرة منذ عام ١٩٥٧، حتى رحيلها المؤلم الذى فجع الكثير من محبيها ومتابعى سيرتها العلمية الرائعة، ومن المؤلم أنها فجعت فى موت نجلها لقمان محسن سليم مغتالًا فى فبراير ٢٠٢١، والذى كان رحيله داميًا وفاجعًا لها ولكل من يعرفونه، خاصة لشقيقته ولابنتها الكاتبة الروائية والناشرة رشا، ورغم أن سلمى مرشاق عاشت ما يقرب من ٧٠ عامًا فى لبنان، إلا أنها ظلّت تتحدث باللهجة المصرية طوال حياتها، والأكثر من ذلك أنها ندرت حياتها للبحث فى سير كثير من حياة الكتّاب والأدباء والباحثين والثائرين الذين عاشوا فى مصر، وتبادلوا التًأثير بينهم وبين المصريين فى الشعر والأدب والفكر والثقافة عمومًا، وذلك الدأب الذى سلكته سلمى، لم يكن إلا البحث عن الذات الأصل لثقافتنا المتعددة والمتنوعة تحت قوس اللغة العربية، وكذلك البحث عن ذاتها وأهلها الشوام فى مصر.

وقصة الشوام فى مصر ليست قصة حديثة، لكنها حكاية تعود للنصف الثانى من القرن التاسع عشر، عندما كان الشام يعيش كولاية عثمانية شبه محتلة، وكان السلطان عبدالحميد يمارس كل سطوته على أهل الشام، فلا يجدون سوى المهاجر المتعددة فى أمريكا أو البرازيل، كذلك كانت مصر قبلة رئيسية للهجرة، ولكنها لم تكن مصر مهجرًا بقدر ما كانت وطنًا آخر يعيش فيه السورى واللبنانى والعراقى واليونانى والإيطالى، أما الشوام واللبنانيون كانوا الأكثر فوزًا ونجاحًا وتأثيرًا فى مصر، وللكاتب والمؤرخ والباحث اللبنانى كريم مروة كتب كتابًا مهمًا، أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ٢٠١٥ رصد فيه مسيرة اللبنانيين فى مصر، عنوان الكتاب: «الرواد اللبنانيون فى مصر.. فى الصحافة والفكر والأدب والفن»، وفى مقدمة كتابه الطويلة، يقول مروة فيها: «أود ببساطة أن أقول لأهلى فى لبنان وفى مصر، إن هذا الحشد من الرواد اللبنانيين الذين ذاقوا العذاب والاضطهاد فى ظل السلطنة العثمانية، إنما اختاروا مصر بالذات للهجرة إليها، لأنها كانت الموئل الطبيعى لهم، ففى رحابها تفتحت مواهبهم، وفى ظلالها قدموا لمصر وللعالم العربى أرقى ما كانت تحفل بها مؤهلاتهم فى كل مجالات الإبداع التى حرصت فى هذا الكتاب أن أقدّم باعتزاز نماذج منها للقراء المصريين، وللقراء اللبنانيين فى جميع ديارهم، ولو لم تكن مصر كما كانت يوم هاجروا إليها لما كان بوسعهم أن يقدموا تلك الإبداعات فى ميادينها المتعددة، فمن المعروف أن مصر هى التى احتضنت فى رحابها حركة النهضة العربية فى القرن التاسع عشر، والتى قدم فيها الرواد الكبار، وفى مقدمتهم عباقرة مصر من أمثال رفاعة الطهطاوى، والإمام محمد عبده، وقاسم أمين، فكرًا جديدًا متقدمًا، وكم نحن اليوم بحاجة للعودة إلى هذه الحركة، وإلى روادها الكبار من أجل إنجاز نهضتنا الجديدة».

هكذا تحدث الباحث والمفكر الكبير كريم مروة، الذى رصد كثيرًا من آثار اللبنانيين فى مصر مثل سليم وبشارة تقلا اللذين أسسا جريدة الأهرام، والصحفى العلامة داوود بركات، والشاعر والكاتب أمين الجميل، صاحب امتياز ورئيس تحرير مجلة الزهور التى لعبت دورًا ثقافيًا فى غاية الأهمية، ونشرت لكل أعلام الشعر والأدب عندما كانوا شبابًا آنذاك، كذلك تناول فى كتابه شعراءً ومفكرين من أمثال يعقوب صروف رئيس تحرير وصاحب مجلة المقتطف، وشقيقه فؤاد، وفارس نمر رئيس تحرير جريدة المقطم، وصاح امتيازها، وكذلك تناول الفنانين مثل جورج أبيض، وعزيز عيد، وبديعة مصابنى، وبشارة واكيم، وهنرى بركات، ومارى كوينى، ويوسف شاهين، وهنرى بركات، وعبدالسلام النابلسى، وغيرهم، وأكد أكثر من مرة أن كل هؤلاء الذين صنعوا وقادوا إنجازات كبيرة، وجدوا المكان المتسامح، وقد وجدوا فيه قدرًا من الألفة التى وفّرت للطرفين تلك الإنجازات المشتركة.

إذن فالعلاقة عميقة، وطويلة، ومثمرة، وناجزة على كل المستويات الثقافية والأدبية، والفكرية، والفنية، جتى التجار بين المصريين والشوام كانت رائجة، ومدججة بتبادل الخبرات، وعندما حدثت الوحدة المصرية فى ٢٢ فبراير ١٩٥٨ بين مصر وسوريا، وصارت كل منهما تحمل شعار «الجمهورية العربية المتحدة»، ارتفع جو التعاون، وتعمّق ارتباط مناخىّ الأخوة بشكل واضح، حتى لو جاءت الوحدة متعجلة، وعلى أرضية سياسية بشكل مفرط، لكن تلك الوحدة وجدت تاريخًا سابقًا من العلاقات استثمرته بشكل واسع، إلى أن حدث الانقلاب فى سبتمبر ١٩٦١، ورغم أن الساسة كل منهم ذهب إلى طريق، إلا أن الشعبين بكل فئاتهما ظلّا معًا فى كل الأوقات.
فى كل تلك السنوات كانت سلمى تبحث عن نقاط المشاركة، وتلتقط كل خيوط الثقافة المشتركة أو المتبادلة بين اللبنانيين والمصريين، وخصصت أبحاثًا كثيرة فى ذلك الأمر، وكان أبرز ما أنجزته، كتابها عن الرائد الأدبى والقصصى الظلوم إبراهيم المصرى، ذلك الكاتب الذى لم ينل كثيرًا من الاهتمام على المستوى النقدى فى مصر، ولا فى لبنان، وربما تكون إشكالية ازدواج الهوية كان له الدور الأعظم فى ذلك الأمر، وربما أيضًا تركيز الباحثين على كتّاب وأدباء آخرين بشكل مفرط، أبعد الضوء النقدى عنه، وهذا يحدث كثيرًا، مثلما حدث أن الأضواء فى النقد القصصى ذهب معظمها نحو يوسف إدريس، وبالتالى فقد كثير من مجايليه أى اهتمام من النقاد، وكذلك حدث مع مجايلىّ نجيب محفوظ، ولحق ذلك التجاهل كتّابًا أتوا بعد نجيب محفوظ مباشرة، مثل فتحى غانم، وسعد مكاوى وآخرين.
تكتب سلمى فى مقدمة كتابها: «نشأ شغفى وتعلقى بالصحف والمجلات منذ أيام اليفع ومطلع الشباب، عندما كان احترام فترة القيلولة، خصوصًا خلال العطلة الصيفية، فرضًا واجبًا على جميع أفراد الأسرة، وذلك بسبب شدة الحرارة ورغبة الأهل فى كسر تعب النهار والاستعداد لسهرة من سهرات القاهرة الأنيسة، ومن لم يغلبه سلطان النوم فمسموح له بنشاط أبكم، وما هذا النشاط فى منزل يحوى مجموعات من المجلات والكتب سوى القراءة».

بدأت سلمى حياتها الأدبية- كما تحكى- بالاستئناس بمجلة «اللطائف المصورة»، تلك المجلة التى كان لها شأن كبير فى الصحافة المصرية، وتنشر موضوعات فى غاية الروعة، كما أنها كانت تنتشر بشكل واسع، وذلك يعود لبساطتها، وملاءمتها لأعمار متعددة ومتختلفة، وكانت سلمى فى حداثتها العمرية مدمنة قراءة تلك المجلة، ثم تطور الأمر إلى مجلات أخرى أكثر توسعًا وعمقًا فى الثقافة، منها الهلال، والمقتطف، والمورد الصافى، وغير ذلك كانت تصدر فى ذلك الوقت، وكان يصدرها لبنانيون بشكل خاص، وشوام بشكل عام، ثم أدركت عالم الثقافة بشكل واسع، حيث كان منزل الأهل لا يفوّت جريدة مهمة، أو مجلة ذات شأن ثقافى جيد، إلا وكانت تدخل البيت، من تلك المطبوعات كانت صحف ومجلات مثل: المقطم، والأهرام، والمصرى، والأخبار، وأخبار اليوم، والإثنين والدنيا، وروزاليوسف، والرسالة لأحمدحسن الزيات، والثقافة لأحمد أمين، والمختار، وغير ذلك من مجلات عديدة، وصحف عتيدة، وكل ذلك ساعد على توسيع الإدراك الثقافى لسلمى، ومن خلال ذلك، استطاعت أن تتعرّف على إبراهيم المصرى «بطل» كتابها الأول، ذلك الكاتب الذى ازدانت القصة فى مصر بأجمل ما أبدعه الأدباء، وكتاباته كانت محط اهتمام سلمى، لأن معظم ما كان يكتبه، يخصصه للمرأة فى حبها، وقلقها، وغيرتها، وحيرتها، وأحلامها، وبالأخص نفسيتها، لأنه كان الرائد الأول فى معالجة قصصه بالمنهج النفسى فى مواجهة الكتابة الواقعية البسيطة، والتى كان يبدو بعض ما يكتبه الأدباء فى ذلك الوقت من كتابات واقعية، يغلب عليها طابع السذاجة، لذا كان منهج المصرى فى المعالجة النفسية لقضايا المرأة والمجتمع، وجدت رواجًا واسعًا بين القراء فى أعمارهم الأولى، وهذا ماكان يلقى قبولًا كبيرًا وشغفًا لدى سلمى، وتعترف بأن كل ما كان يكتبه إبراهيم المصرى من قصص، ونصائح، وإرشادات، كانت قد تعلّمته من والدتها المثقفة الكاثوليكية، ولكنها كانت تنطبق عليها الحكمة القائلة «الشيخ البعيد، سرّه باتع»، لذلك كانت كتابات إبراهيم المصرى ذات أثر عميق فى صياغة وجدانها.

ودارت الأيام كما تقول، وانتقلت سلمى من القاهرة إلى بيروت، والتحقت بالجامعة الأمريكية، وحصلت على درجة الماجيستير فى دراسات الشرق الأوسط، وكان موضوع رسالتها الذى تقدمت بها إلى الجامعة «هجرة الشوام إلى مصر، وإسهامهم فى النهضة»، وكان ذلك عام ١٩٧٣، وعندما جاءت إلى القاهرة بعد ذلك، عرفت أن إبراهيم المصرى هو أحد الشوام الذين عاشوا فى القاهرة، واسمه «إبراهيم سليمان الحداد»، وكان صديقًا لأحد أقاربها يعمل معه فى دار الهلال، وكان مكتبه بجوار مكتب ذلك القريب، ومنذ ذلك الوقت راحت سلمى تعيد دورة البحث عن سيرة وإبداعات وإنجازات إبراهيم المصرى، وكانت تشعر بقدر من الألم لأنه لم ينل ذلك الاهتمام الذى يليق به وبإبداعه، وأدركت أن ذلك الإهمال جاء من الأزمات التى تعرض لها كاتبنا، وذلك ذكره الكاتب والناقد السينمائى فوزى سليمان، والذى كتب عنه كتيبًا صغيرًا عنه، وهو الكتاب الوحيد الذى تناول سيرة إبراهيم المصرى، وقد ألمح فوزى بأنه كتب ذلك الكتاب بدافع من المصرى نفسه، وصدر الكتاب فى عام ١٩٦٥، وكذلك لم ينل الاهتمام الكافى، ورغم أن إبراهيم المصرى كان يكتب كتابة إبداعية بارزة، إلا أن النقاد لم يتناولوه، ربما لأنه لا يعرف كيف يعمل على ترويج نفسه، فرغم إنجازه الكبير فى الكتابة الإبداعية، والنقدية، والفكرية، إلا أنه الكاتب الأكثر تجاهلًا، وهو كان من أبناء المدرسة الحديثة فى كتابة القصة، وكان قدره فى التجديد وتطوير الفن القصصى لا يقل عن قدر كتّاب المدرسة الجديدة، مثل محمود طاهر لاشين، أو محمد تيمور، أو أحمد خيرى سعيد، أو عيسى وإسحاق عبيد، فضلًا عن أنه الكاتب الأكثر إنتاجًا وتنظيرًا للنقد الأدبى، وذلك فى مؤلفاته النقدية مثل: «الأدب الحى، والفكر والعالم، وصوت الجيل، وأعلام فى الأدب الإنسانى»، وفى كتابه «إبراهيم المصرى.. دراسة تحليلية»، يقول فوزى سليمان: «الكاتب الكبير هو الذى يتقدم عصره، ويفتح لأبناء جيله آفاقًا جديدة، فيؤثر فى الجيل الصاعد ويدفعه دفعًا إلى الأمام، وكذلك كان إبراهيم المصرى، فالجرأة التى اتسمت بها مؤلفاته منذ عام ١٩٣٠ والاتجاهات الأدبية والفنية التى نادى بها، والمبادئ الاشتراكية الإنسانية التى دعا إليها، كل هذه الأفكار والنزعات لم تكن معروفة فى عصره، إلا عند النفر القليل للجيل الجديد من المفكرين والأدباء، هذا الجيل الذى ما يزال حتى اليوم متأثرًا بها ومهتديًا يهديها».

بالفعل كان دور إبراهيم المصرى وكتاباته النقدية والفكرية والإبداعية، عاملًا كبيرًا فى تطوير الفن القصصى، وفى تجديد العقل النقدى، كما توسعت وتعمقت سلمى مرشاق فى تحليل كل ما ذهب إليه فى كتبه النقدية، خاصة فى كتابه «الأدب الحى»، والذى صدر عام ١٩٣٠، وأهداه إلى السيدة م التى كان يحبها قبل زواجه التعيس، والذى أشارت إليه سلمى مرشاق، وأشار كذلك فوزى سليمان إلى تلك الزيجة الفاشلة، ولكنهما لم يفصحا عن أى شىء يخص ذلك الأمر، لأنهما لم يعرفا أى شىء عنها، ربما كانت زيجة تقليدية جاءت رد فعل لحب عميق فاشل، يقول المصرى فى الإهداء:
«إلى السيدة م
سيدتى
لمحت فى عينيك ذات مساء ونحن نستمع لمقطوعة موسيقى أندلسية من عمل (سارازات) وتوقيع (هوبر مان)، شيئًا من الأسى العميق تمازجه لوعة مرة، لم أكن أظن أبدًا، ولم يكن ليبدو عليك وأنت المرأة الرصينة المتزنة الهادئة، أنك ممن يحملون فى صدورهم ذلك التوق الملح الأليم إلى الإحساس الشامل، وتلك الغريزة العنيدة المعذبة، غريزة الفرار الأبدى نحو عالم ينكره العالم، كانت الموسيقى قد أيقظت فيك حنينك الخفى إلى الحلم- الذى أيقنت حينئذ أنك اصطفيته من دون العوامل والناس ملجأ ونصيرًا- فألقيت برأسك على كتفك، وغشى وجهك بغتة اصفرار لامع أكسبك روعة ثابتة شاردة كروعة تماثيل الفواجع الخالدة».
الإهداء يكاد يكون قصيدة حب طويلة، قصيدة تلهج بكل المعانى المكتومة والمكبوتة، والتى لم يعبر عنها بشكل مباشر فى قصصه، ولكنه وضعها وعبر عنها بشكل فنى فى جميع سروداته القصصية، والتى كان ينشرها فى كثير من المطبوعات، مثل مجلتى «آخر ساعة، والجيل»، كذلك كان ينشر كثيرًا من القصص، وفى نهاية مقدمتها، ألمحت سلمى بأنه المصرى كان قد كتب سيرته الذاتية على هيئة فصول، وكان يسلمها لإحدى دور النشر لكى تنشرها بعد رحيله، ولكن الدار لم تفعل بعد وفاته عام ١٩٧٩، وهو كان من مواليد ١٩٠٠.
لا بد أن أشير إلى احترامى وتقديرى ومحبتى لتلك الكاتبة الكبيرة، والصادقة، والجادة التى لم تجر خلف الكتابة والبحث عن المشاهير والأعلام، ولكنها آثرت أن تفتح ملفات شبه مغلقة، أو منسية، أو مجهولة، وكل من له علاقة بآليات البحث فى ملفات مجهولة، سيدرك المدى الذى يتكبده الباحث من مشقات، وأموال، لكى يصل إلى المعلومة التى تكون مجهولة، أو مطموسة، وهذا ما فعلته كذلك مع أحد الأعلام الآخرين، وهو الأديب والكاتب والعالم نقولا حداد، والذى سنتناوله فى الحلقة المقبلة إن شاء الله.







