جزيرة هرموش.. الجرى وراء الذهب على أرض الوهم!
يخوض الكاتب الكبير محسن يونس فى روايته الأخيرة جزيرة هرموش «الصادرة عن دار غايا للنشر 2025» مغامرة سردية خاصة، تقف على التخوم بين الواقع والأسطورة، بين الحكاية الشعبية والميتاسرد الحداثى. تتعامل الرواية مع الوهم باعتباره محركًا أساسيًا للحياة، أو كذبة ضرورية تمنح الإنسان مبررًا للوجود، وتنقسم إلى ثلاثة فصول كبرى يمكن قراءتها على شكل حركات سردية متتالية.
الرحلة إلى الجزيرة: حيث يتجمع الحالمون بحثًا عن الكنز الموعود.
الحياة على الجزيرة: حيث تتحول العزلة إلى مختبر يكشف أعمق نوازع البشر.
ثم الانكشاف النهائى أو انهيار الوهم، واكتشاف القارئ أن الجزيرة لم تكن موجودة أصلًا، وأن ما قرأه لعبة لغوية واعية.
بهذا التوزيع البنائى، يكتب محسن يونس رواية تبدأ من وهم الكنز، وتنتهى بتعرية الأدب نفسه، فكل ما حدث كان مجرد كذبة سردية، دائرة تبدأ باللا حقيقة وبها تنتهى.


الحكاية فى ظاهرها بسيطة: مجموعة من البشر يلهثون وراء كنز ذهبى يُقال إنه مدفون فى جزيرة غامضة. لكل شخصية دوافعها، فهناك من يسعى إلى الكنز بسبب الفقر المدقع، ومن يطارده الجشع، ومن يريد تعويض خساراته السابقة، ومن يشارك فقط بدافع الفضول، وبمحض الصدفة يلتحق بهم رجل يسعى لإدراك ثأر قديم، لكن مع تصاعد السرد، يتضح أن الذهب ليس سوى رمز للخلاص المفقود، أو الحلم بحياة جديدة. ونكتشف أن من يطارده طالب الثأر ليس هو المقصود، هكذا تتحول الرحلة من بحث مادى إلى كشف وجودى، فالوهم يوحدهم فى البداية، لكنه سرعان ما يتحول إلى لعنة تفتك بالعلاقات الإنسانية، فيزرع الخيانة، ويكشف هشاشة البشر فى مواجهة أطماعهم.

يصدَّر محسن يونس روايته بمقولة للكاتب الفرنسى باسكال بروكنر، صاحب «بؤس الرفاهية»:
«إنها تكمن فى عقلنة الصدف، وتحقيق الطمأنينة، ومنح كل الهباء منظرًا منطقيًا»، وهو بذلك يمنحنا مفتاحًا دلاليًا لازمًا لفهم الرواية، فالشخصيات كلها تبنى حياتها على صدف أو شائعات عن وجود ذهب. لكنها تحاول عقلنة هذه الصدف، فتحول الوهم إلى مشروع منظم، فالبحث عن الكنز يمنحهم طمأنينة، وكأن الانشغال بالوهم أهون من مواجهة خواء الواقع.
وهكذا يصبح الذهب تجسيدًا للوهم وللهباء، لكنهم يصرّون على منحه «منظرًا منطقيًا»؛ ويحوّلونه إلى مبرر للحياة. فالقارئ إذن يدخل الرواية وهو على وعى بأن النص لن يقدم «حقيقة»، بل سيعرض لعبة الإنسان الأزلية، محاولة منطقة العبث حتى تصير الحياة محتملة.

بعد التصدير مباشرة، يؤكد المؤلف أن «لا شىء حقيقيًا فى هذه الأوراق، إنما هى فانتازيا رجل يستهلك اللغة» بهذا الإعلان الصريح، يزيح محسن يونس عن النص أى ادعاء بالواقعية. وينبهنا أن كل ما سيأتى لاحقًا ليس إلا لعبة لغوية. لكنه أيضًا يثير سؤالًا ميتاسرديًا، فهل كل رواية، مهما ادعت الصدق، ليست سوى «فانتازيا تستهلك اللغة»؟
هذا التصريح يجعل القارئ متواطئًا منذ البداية، إذ يدخل الرواية وهو يعلم أنها وهم، ومع ذلك يصدقها، لأنه يحتاج بدوره إلى الحكاية بقدر احتياج الشخصيات إلى الكنز.

جزيرة هرموش هى الشخصية المركزية الخفية، فالجزيرة فضاء رمزى بين الماء واليابسة، بين الوجود والعدم. وهى هنا مختبر تتحقق فيه أطماع البشر وتتكشف هشاشتهم، قبل الرحلة إليها يشكل كل من القرية والمدينة خلفية تكشف عن الفقر والعجز، مما يدفع الشخصيات إلى التعلق بالوهم، كذلك يمكن اعتبار الجزيرة مكانًا نفسيًا ففى داخل كل شخصية جزيرة خاصة، مساحة عزلة وقلق وهوس، توازى الجزيرة المتخيلة فى الخارج، فكل شخصية من شخصيات الرواية تعيش فى جزيرتها الداخلية المنعزلة. هكذا تصبح الجزيرة مكانًا واستعارة معًا.

يمثل المكان فى «جزيرة هرموش» قوة فاعلة تغيّر ملامح البشر، فكل من وطأ الجزيرة فقد هدوءه القديم؛ وازداد جشعًا أو خوفًا، كذلك تتفكك العلاقات الإنسانية فالصديق يصبح عدوًا، والأخ شريكًا فى المؤامرة، هكذا تصبح الجزيرة مرآة تكشف المخفى، فمن كان وديعًا يفصح عن عنف دفين، ومن كان مطمئنًا يستبد به قلقه. وهكذا تتحول الجزيرة إلى مسرح نفسى، حيث ينعكس الداخل البشرى على الخارج المكانى.

فى الفصلين الأولين، تتكرر صيغة «يحكى أن» فى مطالع الفقرات. هذه العبارة تضع القارئ فى جو الحكايات الشعبية، وتوحى بأن النص ينقل «ما يُحكى»، وليس ما يقوله الراوى. إنها استراتيجية يتبعها الراوى العليم للاختباء خلف التراث الشفهى، وكأن السارد يقول: «أنا لا أحكى، ولكن أنقل ما تتناقله الألسنة»، لكن مع الفصل الثالث والأخير تختفى هذه الصيغة. لماذا؟
لأن النص يبلغ لحظة انكشاف الوهم. فلم يعد هناك مَن «يحكى»، ويجد الراوى نفسه مضطرًا إلى مواجهة القارئ بالحقيقة العارية، فهذه الرواية كلها لم تكن إلا أكذوبة كبرى، وليست هناك جزيرة من الأساس، وهكذا يسقط القناع وتنتهى لعبة التخفى.
واختفاء مطلع «يحكى أن» يكشف التحول من الشفوى الأسطورى إلى الاعتراف الميتاسردى: من وهم الحكاية الجماعية إلى وعى الفرد الكاتب بكون الأدب كذبة.

تبدأ الرواية بتأكيد أنه لا شىء حقيقيًا، وتنتهى بالإقرار بأن الجزيرة غير موجودة. وما بين البداية والنهاية يتقلب القارئ فى فصول مليئة بالأوهام، ليكتشف أخيرًا أنه كان داخل دائرة مغلقة، وهذه الدائرية تؤكد أن النص كله- مثله فى ذلك مثل الكنز- بناء وهمى، وتجعل القارئ يعيد التفكير، هل كل رواية فى النهاية دائرة تبدأ بكذبة وتنتهى بها؟ وأيضًا تكشف أن القيمة ليست فى الوصول إلى الذهب، بل فى الرحلة نفسها وما تكشفه من طبائع البشر.
هكذا، يكشف النص عن واقع قاس يجعل من الوهم ملجأً وحيدًا للناس. كما يستعيد المخيلة الشعبية وتصوراتها عن الكنوز المدفونة، الجان الحارس، والحلم بالثروة السهلة، لكنه يعيد صياغته فى قالب حداثى يسائل علاقة الإنسان بالوهم.
ولا تقف الرواية عند المستوى الرمزى فقط، بل يمكن قراءتها كتأمل فى أوهام الجماعات السياسية والاجتماعية. فكما يطارد الأبطال وهم الذهب، تطارد المجتمعات وعود الخلاص السهل: وعود السلطة، فى الحالتين، يتبدد الحلم تاركًا المرارة، لكن الوهم كان ضروريًا ليستمر الناس فى حياتهم، هذه الرواية لم تأت من فراغ. فصاحبها كاتب قدير، خبر تقاليد السرد، وهو هنا يكتب نصًا يزيح عن نفسه عبء الواقع المباشر، ويتفرغ للعبة الرموز والفانتازيا. فهو لا يبحث عن الأسطورة فى الماضى فقط، بل يجعلها مرآة للراهن، كأن الوهم قدر متكرر.

وفى النهاية، لا يهم إن كان الكنز موجودًا أم لا. الأهم أن الرواية تضع القارئ أمام مرآة: حياتنا كلها قد تكون سلسلة من الأوهام التى نكسوها بالمنطق لنستطيع العيش، هكذا تتحول «جزيرة هرموش» إلى نص مزدوج، رواية عن البحث عن الذهب، ورواية عن وهم الأدب نفسه، عن الحكاية بوصفها كذبة كبرى تمنحنا طمأنينة مؤقتة. إنها رواية دائرية تبدأ باللا حقيقة وتنتهى بها، لكنها فى دورانها تمنح القارئ متعة الكشف، وتجعل من الفانتازيا أداة لفضح الإنسان حين يطارد سرابًا.
الرواية صادرة عن دار غايا للنشر 2025







