الجمعة 17 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مشاهد نادرة وقصص تُروى لأول مرة..

تدوير القسوة.. كل شىء عن الحرب العالمية الثانية فى 20 ساعة

حرف

- توم هانكس: لا يمكننا التواطؤ مع حروب الإبادة فى 2026.. وإلا فإننا نعيد إنتاج مذابح الحرب العالمية الثانية

- أرشيف نادر وسيل من المعلومات والحقائق تفسده آفة الاعتماد على متحدثين ورتابة السرد والانتقالات المتكررة

- سرد إنسانى رصين تقابله رؤى سطحية ومكررة لأغلب الخبراء المستعان بهم.. لا يضيفون شيئًا

بعد مرور ما يقرب من ثلاثة عقود على فيلم «إنقاذ الجندى رايان»، الذى أعاد تشكيل نهج هوليوود تجاه أفلام الحرب العالمية الثانية، لا يزال نجم هوليوود توم هانكس يعود إلى الصراع الذى حدد ملامح الحياة على وجه الأرض، وما زالت آثاره حاضرة حتى لحظتنا الراهنة. 

كان توم هانكس فى الحادية والأربعين من عمره عندما بدأ عرض فيلم «إنقاذ الجندى رايان» عام 1998، من إخراج ستيفن سبيلبرج، والذى يروى قصة الكابتن جون ميلر، قائد فرقة من قوات الرينجرز التابعة للجيش الأمريكى، وهو يقود فرقته عبر شواطئ نورماندى الدامية للعثور على جندى مظلى قُتل إخوته الثلاثة فى المعركة، لإعادته سالمًا إلى والدته، واليوم، يبلغ هانكس من العمر 69 عامًا، ولا يزال الناس يتواصلون معه ليخبروه كيف غيّر الفيلم حياتهم، وهو الذى ما زال لا يعرف كيف غير حياته هو، إذ كان بداية لعدد من الأعمال الفنية الناجحة الأخرى التى جمعته مع سبيلبرج، والتى دارت أحداثها حول الحرب العالمية الثانية، وربما كان ذلك السر فى إقدامه على المغامرة بالمشاركة فى إنتاج وتقديم مسلسل وثائقى ضخم يتضمن كل ما تريد معرفته عن تلك الحرب، فيما يقرب من 20 ساعة بدأت منصة «سكاى هيستورى» عرضه خلال الأسابيع القليلة الماضية تحت عنوان «الحرب العالمية الثانية مع توم هانكس».

المسلسل الوثائقى الجديد تم تطويره بالتعاون مع المتحف الأمريكى الوطنى للحرب العالمية الثانية فى «نيو أورليانز»، ويشارك فيه هانكس كمنتج منفذ، إلى جانب التعليق الصوتى، والظهور فى بداية ونهاية الحلقات لتوضيح مضمون الحلقة والتمهيد للحلقات التالية، وهو المسلسل المقرر عرضه فى ٢٠٠ دولة بجميع أنحاء أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، وبأكثر من ٤٠ لغة، فى وقت واحد ضمن حملة بث عالمية منسقة، ويتناول الصراع الأكثر دموية فى التاريخ الحديث من منظور شامل، حيث تعيد كل حلقة النظر فى جانب مختلف من الحرب من خلال تعليق هانكس الإنسانى، ولقطات أرشيفية يتم عرضها لأول مرة، إلى جانب تعليقات خبراء الحرب وأساتذة التاريخ الحديث.

تبدأ الحلقة الأولى لذلك الوثائقى الضخم الإنتاج، بمقدمة إنسانية رصينة لتوم هانكس يقول فيها: «عندما كنتُ طفلًا، كان كل البالغين الذين أعرفهم يتشاركون شيئًا واحدًا، أن هناك فجوة كبيرة قد حدثت فى حياتهم.. كل شىء يبدو غير مؤكد، بدا أن الوقت نفسه قد توقف.. وعندما تحدثوا عن ذلك أطلقوا عليه ببساطة اسم «الحرب».. لمدة ست سنوات مظلمة، كان العالم كله تحت النيران، تم هدم المدن، وتهديد مجموعات سكانية بأكملها.. متى ستنتهى الحرب؟ لا أحد يعرف.

كيف سينتهى الأمر؟! لا أحد يعرف.

كانت الحياة فى حالة ركود.. لقد أصبحت الحرب الآن جزءًا من ثقافتنا، تم تصويرها فى الأفلام والتليفزيون، والروايات وكتب التاريخ.. عادة ما يهزم الحلفاء العدو، لإنقاذ العالم، لكن الواقع المرير للحرب، يكاد يكون من المستحيل فهمه.. مقتل أكثر من ٦٥ مليون إنسان، غالبيتهم مدنيون.. الجميع خاضوا نسخة ما من الحرب، بداية من الأمهات والآباء الذين أرسلوا أطفالهم إلى الخارج، لا يعرفون متى أو ما إذا كانوا سيرونهم مرة أخرى، وبالطبع الجنود والبحارة، الطيارون ومشاة البحرية الذين كانوا فى كثير من الأحيان مجرد مجموعة من الأطفال، ولكنهم خدموا بشرف وشجاعة لتحرير الشعوب المستعبدة والحفاظ على كرامة الإنسان، وبفعلهم هذا أنقذوا ما هو أثمن.. الحرية».

ربما لا تغير مشاهدة ذلك الوثائقى قناعات أى منا بخصوص تلك الحرب المدمرة، وربما لا تغير من طبيعة الآراء السائدة حولها، فرغم طوفان المعلومات والوثائق والمشاهد المصورة التى يتم تجميعها لأول مرة فى التاريخ، يغيب التحليل المعمق للأحداث وما وراءها، ويقع المسلسل ضحية الاعتماد على المتحدثين، خصوصًا بعد مرور ما يقرب من ثمانين عامًا على الحرب، ورحيل كل معاصريها من قادة وجنود ومدنيين، غير أن هذا لا يعنى أن جهود هانكس ومن معه قد ذهبت سدى، فهناك على الأقل جيلان أو ثلاثة أجيال لا تعرف عما جرى شيئًا، ويمكنها استثمار الـ٢٠ ساعة للتزود بالأساسيات حول ما جرى فى تلك الفترة الحاسمة من التاريخ.. ربما يبدو المسلسل سطحيًا بعض الشىء، ولكن ذلك مرجعه أن الحرب وتداعياتها كانت، وما زالت، أكبر من أن يغطيها فيلم أو مسلسل أو وثائقى من ٢٠ حلقة.

يقدم المسلسل سردًا شاملًا ودقيقًا لمجريات الحرب، معتمدًا على مواد أرشيفية نادرة، إلى جانب طرح رؤى لعدد من الخبراء والمؤرخين، ويتناول أصول الصراع، ونقاط التحول الحاسمة، إلى جانب بعض القصص الإنسانية التى تتماس مع جوهر المعركة، وصولًا إلى تقديم منظور بانورامى مؤثر عن الحرب التى أعادت تشكيل العالم، وتستعرض الحلقات الثلاث الأولى بسرعة كبيرة رحلة صعود هتلر إلى السلطة، واستخدام الألمان غير المتوقع لغابة «آردين» كطريق إلى فرنسا عام ١٩٤٠، ثم إجلاء القوات البريطانية من «دونكيرك»، وهى الأحداث التى سبق تناولها فى كتب ضخمة، ولم يكن أمام النسخة التليفزيونية غير تلخيصها فى سياق جاذب، ورؤية مدققة، خصوصًا وأن المسلسل يأتى بعد نحو خمسين عامًا من إنتاج المسلسل الوثائقى البريطانى «العالم فى حرب»، الذى أنتجته قناة «آى تى فى» عام ١٩٧٣ فى ٢٦ حلقة، بتعليق صوتى للنجم لورانس أوليفييه، واعتمد على مقابلات مع مجموعة مذهلة من شهود العيان، كان كثيرون منهم يتحدثون للمرة الأولى، وكشفوا عن تفاصيل لم يكن المشاهدون على دراية بها.. ولأن هؤلاء الشهود بالضرورة رحلوا الآن، ولأنه لا بد لأى وثائقى جديد أن يستبدل المصادر الأولية بشىءٍ ما، وقع المسلسل الجديد ضحيةً لآفة وثائقيات القرن الحادى والعشرين، الاعتماد على متحدثين، وربما كان ذلك هو مبعث تساؤل جاك سيل، الكاتب المتخصص فى النقد الفنى فى مقال بصحيفة «جارديان» البريطانية: «لماذا لا يبدو المسلسل ملحميًا؟ ويُعانى فى الارتقاء بنا وإثارة مشاعرنا مع عظمة التاريخ؟!».

سيل الذى يصف المسلسل كواحد من أضخم الوثائقيات فى التاريخ، يقول إنه «بين مقاطع الأرشيف، مصحوبة بسرد هانكس الرصين والمتواضع، يظهر أكاديميون ومؤرخون مشهورون ليقدموا آراءً نادرًا ما تتضمن رؤى عميقة، أو يضفون لمسة جمالية، ففى أغلب الأحيان، يكرر الخبراء المستعان بهم ما تعلمناه صغارًا فى حصص التاريخ، صحيح أن الفيلم يُحاول التعافى من بدايته الكارثية، ولكن بعد أن يبدأ هانكس سرد القصة بوصف القوة المرعبة للغزو الألمانى لبولندا، مدعمًا بإحصائيات دقيقة حول عدد الجنود والطائرات والدبابات التى أرسلها هتلر، ولقطات حية تُظهر مدى عنف الهجوم، فربما يكون المشاهد معذورًا إذا أغلق التلفاز بمجرد ظهور مقدم البودكاست التاريخى دان كارلين على الشاشة ويصرخ بلا جدوى: «١ سبتمبر ١٩٣٩! عاصفة هوجاء تعصف ببولندا»، ويوضح سيل رأيه هذا، قائلًا: «عادةً ما يكون المساهمون غير ضروريين إلى هذا الحد، خصوصًا وأن هذه المقابلات السريعة تُضفى على الحلقات رتابة مملة، مقطع أرشيفى، تعليق صوتى، مقابلة، مقطع مصور، تعليق، مقابلة.. ومما يزيد الطين بلة أن تصويرها وإضاءتها كانا بسيطين، تمامًا كما لو كانت لفيلم وثائقى جيد، لكنه غير مُلهم ومنخفض الميزانية».

ضعف الضيوف ورتابة الانتقال بين المقاطع المصورة، وبين مشاهد الخبراء والمؤرخين فى الاستديو، تعوضها المشاهد الحية من الحرب، وربما تكون هى المحفز الأول للاستمرار فى إنفاق ما يقرب من ٢٠ ساعة لمشاهدة هذا الوثائقى المذهل، خصوصًا وأن بعض المشاهد الأرشيفية التى تتخلل اللقاءات لم يتم اكتشافها إلا مؤخرًا، فالمعروف أنه منذ اختراع السينما، دأبت الجيوش على توفير مصورين يرافقونها ويسجلون أحداثها حتى فى أشد المواقف خطورةً وتوترًا، وعرضها فى السينمات ونشرات الأخبار، وهكذا، يجد المشاهد نفسه حاضرًا للمرة الأولى مع البريطانيين والسوفيت والألمان فى أرض المعركة وقت حدوثها.. هذه الإمكانية التى أتيحت خلال العقود التالية لانتهاء الحرب، سهلت الوصول بشكل أفضل إلى نشرات الأخبار الألمانية والسوفيتية.

فى حوار مع مجلة «تايم» الأمريكية تحدث توم هانكس عما يجذبه باستمرار للعودة إلى الحرب العالمية الثانية، وما يأمل أن يستفيده المشاهدون من ذلك المسلسل الوثائقى الجديد، قائلًا: «إنها مثالٌ من بين ٦٠٠ ألف قصة عظيمة على مرّ التاريخ، وقد واصلنا أنا وستيفن سبيلبرج دراسة مواضيعها، ولحظاتها فى مسلسلى (فرقة الإخوة) و(المحيط الهادئ) القصيرين، واللذين جاءا بعد فيلم (إنقاذ الجندى رايان).. فى الفيلم كان الأمر ملموسًا للغاية، وقد شاركنا العديد من الناجين. الآن، بات من الأهمية بمكان أن تتناول جميع هذه الأعمال، بما فيها مسلسل قناة «هيستورى» هذا، نحن لا نتحدث عن (سيد الخواتم) أو (صراع العروش) أو عالم (حرب النجوم). نحن نتحدث عما هو جوهر الأمر كله، وهو اللحم والدم، وجمود السنين الذى طُلب من جيل كامل، بل وأكثر، أن يقول: (ضعوا الحاضر جانبًا. مستقبلكم لا يعنى شيئًا الآن، لأن هناك مهمة أخلاقية أمامنا). لم يعد الأمر كما كان منذ ذلك الحين».

وعن مشاركته بالتعليق الصوتى فى مسلسل قناة «سكاى هيستورى» يقول إنها كانت على العكس تمامًا من مجرد الحضور وقراءة كلماتٍ كتبها شخصٌ ما، لم يرغب أىٌّ منا فى الحضور والقول «حسنًا، إليكم تعليقًا صوتيًا آخر من هانكس». كانت هناك بعض الأمور التى بمجرد قراءتى لها للمرة الأولى، التفتُّ إلى غرفة التحكم وسألتُ «هل تمّ التحقق من هذا؟! هل هذا صحيح؟!» وكانوا يجيبون: «نعم». لقد كانت تجربة تعليمية مستمرة لى، حيث كنتُ أقول: لم أكن أعرف هذا. فى بعض الأحيان، كنا نقول جميعًا: «لو كنتم ستضعون هذا فى فيلمٍ خيالى، لما صدّقتموه»، ولو كان بإمكان طلاب المدارس الثانوية الأمريكية استخلاص شىء واحد من هذه السلسلة، فهو فى ظنى أنه عندما يقول الناس «لم نكن نعلم حقًا أن جيراننا يتم تجميعهم وترحيلهم أو إبادتهم»، فإن ذلك يشبه قولنا اليوم «نحن لا نرى أى مؤشرات على التشرد فى أمريكا»، لا.. الأمر واضح، وهو يحدث بالفعل، وهو أمرٌ مقلق، ولا يمكننا أن نتواطأ فى عام ٢٠٢٦ مع حدوث أمر مثل هذا، وإلا فانظروا إلى ما قد نعيد خلقه».

ويضيف هانكس: «لو كنتُ سأرشّح كتابًا واحدًا يُشكّل مرجعًا شاملًا للسلسلة الوثائقية، لكان كتاب (الحرب الجيدة) لستادز تيركل. إنه تاريخ شفوى لكيفية نجاة الناس خلال تلك الفترة، بعض أجزائه ستُذهلك، وأجزاء أخرى تتحدث عن أن الناس كانوا يبحثون عن أبسط وسائل الراحة، فأنا مثلًا أحب أن أستيقظ صباحًا فى سرير جاف، وأحتسى فنجانًا من القهوة قبل أن أبدأ يومى.. هل كان ذلك مُمكنًا فى عام ١٩٤٢ فى جزيرة (جوادالكانال) بالمحيط الهادئ؟!

بالتأكيد لا.. فلنقرأ عن ذلك إذًا.

إن أفضل بيئة لنمو الاستبداد هى اللا مبالاة، ولدينا خيار كل يوم بين القيام بشىء ما أو عدم القيام به بناءً على ما نؤمن به. أعتقد أن هذا هو الصواب. بالنسبة للبعض منا، يعنى ذلك الظهور ورفع قبضتنا، والقول: (لن يحدث هذا وأنا موجود)، وبالنسبة للبعض الآخر، يعنى ذلك تقديم الدعم المالى لمن يناضلون من أجل الحق. أما بالنسبة للكثيرين، فالأمر ببساطة هو عدم تجاهل ما يحدث والاستمرار فى سرد القصص المهمة».

وردًا على سؤال «ما الذى يجعلك تقول (نعم) لمشروع ما هذه الأيام؟!» يقول توم هانكس: «انظر، عمرى الآن ٧٠ عامًا تقريبًا.. من ناحية، يجب أن تكون ممتعة، ومن ناحية أخرى، يجب أن تكون جيدة، لكن التحليل النهائى هو أنه يجب أن يكون الأمر يستحق رواية القصة، إلا إذا كنت تسلط الضوء بطريقة أو بأخرى على الحالة الإنسانية.. إننى أفضل إعادة تنظيم خزانة دفاتر الملاحظات الخاصة بى، وأسأل نفسى: لماذا تقضى وقتك فى القيام بذلك؟!، قد يبدو هذا غريبًا عند الحديث عن الجزء الخامس من فيلم «قصة لعبة»، لكننى أرى الآن أنه فيلم جميل فعلًا.