السبت 06 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

فائزة بـ«نوبل» و 3 بـ«الكومنولث» فى محكمة الذكاء الاصطناعى

فتنـة أولجـا.. كايلى دونالدسون: التخلى عن متعة الفن لصالح روبوت منتهى الغباء

حرف

- لديها «نوبل» وتبرر هذا الهراء؟!.. ما كمية الماء الكافية لتبرير كسلها العقلى؟!

-هيلين شارمان: بغض النظر عن الأثر البيئى الهائل لاستهلاك الذكاء الاصطناعى المياه فإن انتهاك حقوق الكتّاب فى برامج إدارة المحتوى يظل قضية ملحة ومقلقة

- الفائزة بنوبل تعلق اعترافاتها على شماعة «سوء الفهم».. وأحد كُتّاب «الكومنولث»: «ضجة مفتعلة سببها غيرة كاتب آخر».. وناشرة القصص الفائزة: «لن نعرف حقيقة ما حدث.. أبدًا»

هل يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعى باعتباره مجرد أداة تعمل على تسهيل البحث وتوفير المعلومات أم أن تكلفة استخدامه تتضاءل أمام النتيجة المتوقعة، خصوصًا مع ارتباطها بأزمة المياه واستخدامه كميات مهولة من الطاقة فى عمليات التبريد؟! هل يمكن اكتشاف اعتماد الكتَّاب عليه بوسائله ذاتها؟! بمعنى أن تتحول تطبيقات الذكاء الاصطناعى إلى أدوات للحكم على الأعمال الأدبية المولدة عن طريقه؟! وماذا إذا لم تفلح هذه التطبيقات فى كشف حقيقة استخدامه من عدمه، مع غياب النسب المسموح بها، والتداخل الكبير والمتوقع فى البيانات المدخلة إليه، وميل غالبية التطبيقات إلى موالاة مستخدمها، وتعديل نتائجها مع كل تعديل يقوم بتغذيتها به؟!

العودة إلى دائرة الجدل هذه المرة تكتسب زخمًا عالميًا لارتباطها بأربعة أعمال لأربعة من الكتَّاب الفائزين بجوائز عالمية كبرى على الأقل، ومنهم فائزة بجائزة «نوبل» اعترفت فى تصريحات علنية باستخدامها أحد التطبيقات الذكية فى البحث عن معلومات تخص روايتها الأخيرة، وثلاثة من الفائزين بجائزة «الكومنولث» يواجهون اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعى فى توليد أفكارهم، واللغة المستخدمة فى الكتابة، فيما تجاهد مؤسسة «الكومنولث» فى لندن بحثًا عن حقيقة الأمر، بفحص ومراجعة المتاح من أدلة باستخدام تطبيقات مشابهة، ما يجعل الأمر أكثر ارتباكًا، بظهور تساؤلات منطقية حول إمكانية استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى لكشف التعامل مع تطبيقات أخرى منافسة، وتصريحات جهة نشر الأعمال الفائزة، والتى أكدت «أن حقيقة ما حدث لن يعرفها أحد.. أبدًا».

 

القصة بدأت منتصف مايو الجارى، عندما اعترفت الكاتبة البولندية أولجا توكارتشوك، الحائزة على جائزة نوبل ٢٠١٨، باستخدامها تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى روايتها الجديدة، وقالت: «على عكس المخاوف السائدة، أعتقد أننا نحن الكتّاب، بحكم طبيعة عملنا، سنتكيف بسرعة، وبشكل وثيق مع أدوات الذكاء الاصطناعى، إن تفكيرنا الأدبى يتبع مسارًا مختلفًا تمامًا، فغالبًا ما تستند أعمالنا إلى سلسلة واسعة ومترابطة من الأحداث، وهو ما يختلف عن التفكير الضيق والمركّز للغاية فى العالم الأكاديمى».. وأوضحت: «اشتريت لنفسى أحدث نسخة من نموذج اللغة، واندهشت حقًا من كيفية توسيعه لآفاقى، وتعميقه لتفكيرى الإبداعى بطريقة رائعة»، و«عندما كنت أكتب روايتى الأخيرة، سألت نموذجًا متقدمًا عن نوع الموسيقى التى كان يستمع إليها أبطالى الرئيسيون فى حفلة رقص قبل بضعة عقود، فأعطانى الذكاء الاصطناعى بعض الأسماء». وقالت أولجا توكارتشوك: «كثيرًا ما أسأل الآلة: عزيزتى، كيف يُمكننا تطوير هذا بشكلٍ رائع؟! مع أننى أعلم بوجود بعض الهلوسات والأخطاء الواقعية فى الخوارزميات من الناحية الاقتصادية والبيانات الدقيقة، إلا أننى أؤكد أن هذه التقنية تُشكّل ميزةً هائلةً فى الأدب الروائى».

بالطبع لم تمر هذه التصريحات مرور الكرام، فسرعان ما تناقلتها وسائل الإعلام العالمية مع تعليقات لاذعة وساخرة، أشدها ما جاء فى موقع «باجيبا» الأمريكى المعروف بمراجعاته النقدية الساخرة والصريحة للأفلام والمسلسلات والكتب، حيث كتبت كايلى دونالدسون ما نصه: «الذكاء الاصطناعى ليس حتميًا، مهما حاول بعض رواد التكنولوجيا الفاسدين، أو الممثلات الناجحات، إقناعنا بعكس ذلك. إن استغلال الذكاء الاصطناعى فى ثقافتنا وحياتنا اليومية ليس أمرًا مفروغًا منه، ومن المحزن رؤية أشخاص كنا نحترمهم يرددون شعارات الشركات، ومنهم الآن حائزون على جائزة نوبل». «عندما تقول أولجا توكارتشوك إنها سألت نموذجًا متطورًا عن نوع الأغانى التى كان يسمعها أبطالها فى حفلة راقصة قبل بضعة عقود، فهل كانت تحتاج إلى روبوت يستهلك كميات هائلة من الماء لهذا الغرض؟! إنّ اكتشاف تلك التفاصيل هو الجزء الممتع فى كتابة الروايات».

كايلى دونالدسون
كايلى دونالدسون

وتساءلت دونالدسون: «لديكِ جائزة نوبل، وما زلتِ تُبررين استخدام هذا الهراء؟! أوه، لكنه مخصص فقط للبحث والتحقق من المعلومات، لأنه معروف بمصداقيته العالية فى كلا المجالين؟.. إن هذه التصريحات الرنانة حول استخدام الذكاء الاصطناعى فى البحث العلمى أو تسهيل الحياة، ليست سوى كسل محض، فهو لا يفى حتى بهذا الوعد الأساسى، ولا تستطيع الوثوق بكلمة واحدة مما يقوله، ولأنه عاجز حتى عن أداء أى من هاتين الوظيفتين، فإن الجمهور لا يصدق كلمة واحدة مما يقدمه، وعلى مدى العامين الماضيين، وردت تقارير عديدة عن أشخاص استخدموا برامج مماثلة لإنجاز مهام أساسية، وأصيبوا بخيبة أمل بسبب مشاكل تتراوح بين عدم معرفة مواعيد الرحلات الجوية، أو ما إذا كانت التأشيرات مطلوبة لوجهات معينة، إلى تهجئة الأسماء بشكل خاطئ، وغير ذلك الكثير»، «إننى أكره هذه الدعاية التى تُخبرنا بأن صناعة الفن يجب أن تكون سهلة للغاية، لدرجة أننا لسنا بحاجة إلى بذل أى جهد من جانبنا. لقد أمضت البشرية آلاف السنين فى صناعة الفن وابتكاره، إنه أحد الأشياء القليلة التى أتقنّاها وما زلنا نتمسك بها، ونحافظ على جمالها، فلماذا أشعر بأى حافز لقراءة كتاب يعترف مؤلفه بأنه ضحى بفضوله الفطرى لصالح الذكاء الاصطناعى؟!».

واختتمت دونالدسون مقالها بالتأكيد أنه «كانت أولجا توكارتشوك ناجحة لعقود قبل أن تقول لنا إنها تستخدم الذكاء الاصطناعى لهذا الشىء الصغير فقط، فما مقدار الماء الكافى للتضحية من أجل غبائك؟! أود أن أقول إن لجنة نوبل يجب أن تسحب جائزتها، لكنهم منحوا واحدة من تلك الجوائز لهنرى كيسنجر، لذا لا يهم».

من جانبها أصدرت الكاتبة بيانًا رسميًا نفت فيه استخدام الذكاء الاصطناعى فى كتابة كتبها، وأنه تم استخدامه فقط لأغراض البحث وتطوير المحتوى، غير أن البيان اعتمد فى سطوره الأولى على تلك الشماعة المعتادة، والتى طالما استخدمها الجميع لتبرير أفعالهم، سوء الفهم، فقالت ما نصه: «كما هو الحال فى أى حديث، تُفهم التصريحات التى تُدلى أمام جمهور مباشر فى فعالية عامة بشكل خاطئ»، وأضافت: «لم أكتب كتابى المقبل، لا باستخدام الذكاء الاصطناعى، ولا بالتعاون مع أى شخص آخر. لقد كتبتُ بمفردى لعقودٍ عديدة.. وأؤكد باختصار وحزم أننى أولًا، أستخدم الذكاء الاصطناعى وفقًا للمبادئ نفسها التى يتبعها معظم الناس فى العالم، أتعامل معه كأداة تُتيح توثيق المعلومات، والتحقق منها بشكل أسرع. وكلما استخدمتُ هذه الأداة، أتحقق من المعلومات بشكل إضافى، تمامًا كما كنتُ أفعل لعقودٍ عديدة من خلال قراءة الكتب واستكشاف المكتبات والمحفوظات، ثانيًا، لم أكتب أيًا من نصوصى، بما فيها الرواية التى ستصدر باللغة البولندية هذا الخريف، بمساعدة الذكاء الاصطناعى، باستثناء استخدامه كأداة لتسريع البحث الأولى، وأننى ثالثًا، أحيانًا ما أستلهم قصصى من الأحلام، ولكن قبل أن تُحاصَر هذه الجملة أيضًا وتُحلَّل من قِبَل الخبراء، أُسارع إلى التأكيد أنها أحلامى أنا ولا أحد سواى».

وكتبت الناقدة الصحفية هيلين شارمان بموقع «آرت ريفيو» المتخصص فى الفنون المعاصرة، تعليقًا على تصريحات توكارتشوك قائلة: «بالطبع، هناك أسباب كثيرة تدعو إلى الاستياء من اتخاذ كاتبة بارزة مثل هذا الموقف.. فبغض النظر عن الأثر البيئى الهائل لاستهلاك الذكاء الاصطناعى للطاقة، والذى يتحمله غالبية سكان العالم بشكل غير متكافئ، لإثراء طبقة المليارديرات التى تتمتع بالفعل بنفوذ كبير على الحياة السياسية، فإن انتهاك حقوق النشر وسلب حقوق الكتّاب الذين تُستخدم أعمالهم فى برامج إدارة المحتوى دون موافقتهم، يُعدّ قضيةً ملحةً بين المؤلفين والمنظمات التى تمثلهم، ففى عام ٢٠٢٥، وافقت شركة أنثروبيك على تسوية بقيمة ١.٥ مليار دولار مع مجموعة من المؤلفين الذين احتجوا على قرصنة أعمالهم».

هل انتهى الجدل عند هذا الحد؟! 

لا أظن، فلم تمضِ أيام معدودة على تصريحات توكارتشوك وبيانها للرد على ما واجهته من استهجان واسع، حتى تم الإعلان عن توجيه اتهامات إلى ثلاثة من أصل خمسة من الفائزين بجائزة «الكومنولث» للقصة القصيرة باستخدامهم الذكاء الاصطناعى لتوليد نصوصهم، هم التريندادى جمير نذير عن منطقة الكاريبى، والهندية شارون أروباراييل، والمالطى جون إدوارد ديميكولى، وثلاثتهم كتّاب مغمورون ولا كتابات سابقة لهم ذات شهرة كبيرة، وأظهرت إحدى منصات الذكاء الاصطناعى أن قصتى نذير وديميكولى مولدتان بوساطة الذكاء الاصطناعى بالكامل، بينما وصلت النسبة إلى ٨٩٪ من قصة أروباراييل، وهو ما وجّه غالبية الاتهامات إلى لجنة التحكيم التى قوبلت بسيل من التعليقات الساخرة، والحديث عن انفصال أعضائها عن الواقع، والانحياز لأنماط أسلوبية جاهزة ومكررة، كما طالت الاتهامات مجلة «جرانتا» اللندنية المتخصصة، والمعروفة بانتقائيتها ودقة محرريها، والتى يعد نشر النصوص بها إحدى مميزات الفوز بالجائزة، غير أن ما زاد من عبثية الموقف أن يلجأ البشر إلى نموذج اصطناعى لا يثق الكثيرون فى نتائجه لكشف حدوث تدخل اصطناعى من نموذج آخر؟!

وأعلنت مؤسسة «الكومنولث»، الجهة المنظمة للجائزة، عن أنها درست الادعاءات المثارة حول عدد من القصص الفائزة بجوائز هذا العام، لكنها لم تصل إلى نتيجة حاسمة، مشيرة إلى أن جميع المشاركين أكدوا أن أعمالهم أصلية ولم تُكتب بالذكاء الاصطناعى، وأوضحت المؤسسة أنها لا تستخدم أدوات كشف الذكاء الاصطناعى فى التحكيم، بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية والملكية الأدبية للنصوص غير المنشورة، مؤكدة أنها تتعامل بجدية مع الاتهامات، وأنها اتخذت خطوات لفحص ومراجعة كل الأدلة المتاحة، فيما قالت مجلة «جرانتا» إنها ليست طرفًا فى اختيار النصوص الفائزة، بل تنشر الأعمال ضمن اتفاق مع مؤسسة «الكومنولث»، وإنها ملتزمة بقرار لجنة تحكيم الجائزة، وبالتالى ستُبقى تلك النصوص على موقعها لحين ظهور دليل قاطع على تدخل الآلة فى كتابتها، وقالت ناشرتها سيجريد راوسينج: «إن حقيقة ما حدث قد لا نعرفها أبدًا».

الطريف أن جمير نذير الفائز بالجائزة عن قصته «الأفعى فى البستان» قال، فى تصريحات لصحيفة «أوبزرفر» البريطانية، إنه يكتب بطريقة غير معتادة، إذ يملى على هاتفه ما يريد كتابته ويحوله الهاتف إلى نص مكتوب، وأرجع ما حدث إلى «غيرة كاتب آخر» (!!)، غير أن إريكا واجنر محررة الصحيفة البريطانية علقت على الأمر، مشيرة إلى أنها فحصت صورته الشخصية التى أرسلها إليها، ووجدت أنها مولدة بالذكاء الاصطناعى، أو على الأقل معدلة بشدة (!!)، وأضافت أن رده على رسالتها تضمن أخطاء إملائية ونحوية لا تخلو من دلالة.

هل انتهى الجدل؟!.. أغلب الظن أنه لن ينتهى خلال سنوات قريبة، وربما يمتد معنا لأوقات أطول، على الأقل إلى أن يصل مصممو برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعى إلى تسوية لمسألة الاستهلاك المفرط للمياه، والحد من انبعاثات الكربون المميتة، وقبلها تسوية حقوق الملكية الفكرية لأصحاب النصوص المستخدمة فى تغذية برامج إدارة المحتوى، ومعالجة أخطاء البحث المعلوماتية الشائعة.