الإثنين 06 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

القصيدة التى لا يعرفها شعراؤها..

قصيدة النثر لم تكن خرساء.. لكنها لا تبحث عن التصفيق و«مصمصة الشفاه»

حرف

- تطور الشعر باتجاه البحث عن المعنى ومساءلة الحياة.. وظل شعراؤنا أسرى التمايل طربًا والبحث عن جمهور

- فى كتابه «أسئلة الشعر» دافع حجازى عن قصيدة النثر من حيث أراد هجاءها والهجوم عليها

- أهم من درس بودلير وشعره هو فيلسوف الوجودية الأشهر جان بول سارتر.. ويظن شعراؤنا أن مكانهم هو خشبة المسرح

على مدى ما يقرب من النصف قرن، أكدت قصيدة النثر العربية حضورها المؤثر فى تاريخ الشعر الحديث، تعددت الأصوات والملامح، وتشعبت التجارب وتواصلت، وزاد حضورها فى كل الدول الناطقة بالعربية حتى أصبحت هى الاختيار الأول للشعراء والنقاد على حدٍ سواء.. غير أن حالة من التخبط النقدى لاحقتها، وسارت معها حتى لحظتنا هذه، فلم تصل الحركة النقدية التى صاحبتها إلى إطار نظرى يمكنه الإلمام بما شهدته تلك السنوات الطويلة من تجارب متعارضة ومتناغمة ويكمل بعضها بعضًا، بينما تواصلت حملات رفضها، وادعاء ما لم يقل به شعراؤها والرد عليه، فيما سار كُتابها فى طريقهم الذى اختاروه منذ البداية، فلم يكن الأمر بحاجة إلى التوقف أو التردد أو الاستسلام لحملات الرفض والهجاء، ولم تكن فى مجملها تستحق الالتفات أو التوقف من أجل الرد والتفنيد، ربما تولى عدد غير قليل من شعراء قصيدة النثر الرد والتوضيح خلال سنواتها الأولى، خصوصًا عندما وصفها الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى بالقصيدة الخرساء، مستندًا إلى تخليها عن «الإيقاع»، وافتقادها إلى «الإنشاد» باعتبارهما جوهر القصيدة الذى لا تتحقق بدونه.

أحمد عبدالمعطى حجازي

ما استوقفنى، ودفعنى هنا للكتابة عن القصيدة التى كنت واحدًا من أوائل كتابها فى مصر، هو ما حدث خلال الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولى للكتاب، حيث تداول كتابٌ ومثقفون مسألة غياب الجمهور عن ندوات الشعر فى ندوات المعرض، وبرغم كثرة الصور والتعليقات واختلاف المواقف، فإن ما أدهشنى بحق هو عبارة «شاعر مالوش جمهور»، تلك التى قال بها أستاذ جامعى حاصل على درجة الماجستير فى توظيف الشخصيات التراثية فى الشعر الحديث، وبعيدًا عن عدم معرفة أستاذ النقد بتطورات القصيدة العربية فى النصف قرن الأخير، وإلحاح الشاعر الذى قام بتصوير ونشر ما يثبت غياب الجمهور عن الندوات، ومقاصده من ذلك، تبقى مسألة عدم استيعاب المصريين والعرب لماهية القصيدة التى تأكد حضورها طوال عقود مسألة محيرة، وغير مفهومة، خصوصًا أن عدم المعرفة هنا يأتى من ناقد أكاديمى يُفترض فيه التخصص، وشاعر تعددت دواوينه ومشاركاته فى الندوات والمؤتمرات وغالبية الفعاليات الخاصة بالشعر، ومتابعين ومعلقين غالبيتهم من الشعراء والكتاب ومحترفى الظهور فى الندوات والمؤتمرات وكل الفعاليات الأدبية والفكرية.

سارتر

وداع نهائى لجمهور المسارح 

ما لم يدركه الشاعر الذى بدأ القصة، وأستاذ النقد الأدبى صاحب المقولة المدهشة، وغالبية ضيوف ندوات المعرض الشعرية من كُتَّاب قصيدة النثر، أن هذه القصيدة التى بدأت رحلتها فى مصر والعالم العربى منذ تسعينيات القرن الماضى، وشهدت مراحل تطور كثيرة ومتواصلة لم تعد من فنون القول، لم تعد أسيرة لضرورات الحفظ والاستعادة الشفاهية، لم تعد تستهدف الجماهير الحاشدة والمصفقة، ولا الوقوف على خشبة المسرح لتقديم دروس فى التنمية البشرية أو حفظ الأنساب واستحضار الأمجاد.. وباختصار غير مخل، فإن هذه القصيدة هى التى قالت وداعًا لجمهور المسارح والقاعات المغلقة والندوات، هى التى قالت لا لمصمصة الشفاه، وآهات الاستحسان، لضجيج صيحات الموافقة، والاعتماد على الأذن كمصدر وحيد لتلقى ما تريد البوح به والحديث عنه ومناقشته، واختارت لحظات الهدوء مع النفس، والجلوس بصحبة كتاب يتيح لقارئه رؤية ما يدور بداخل النفس من انفعالات، ومواقف، وتصورات عن الحياة والوجود الإنسانى، ويبدو أن غالبية هؤلاء لم يستوعبوا حتى وقتنا هذا المنطلقات الجمالية والمعرفية لقصيدة النثر، ولم يدركوا مساراتها الكثيرة، بل وربما لم يتوقف أحدهم لبحث الأسباب الحقيقية لظهور هذا الشكل من الكتابة، والمسارات التى كان لا بد أن تسير فيها، وما يمكن أن تصل إليه.

كان اعتراض الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى على قصيدة النثر يكمن فى تخليها عن عنصر «الإنشاد»، وهو ما كان يميزه هو كشاعر منشد، حتى إنه عندما أصدر كتابًا عنها أطلق عليه عنوان «القصيدة الخرساء»، رغم أنه هو من كتب فى كتابه «أسئلة الشعر» أن «الشعر مثله مثل الحياة نفسها، لا يتطور بعيدًا عن القانون، بل يتطور ضمنه، أو على الأصح بفضله»، ويقول: «والقانون الذى يحكم حركة الشعر ليس كالقانون الذى يحكم حركة الليل والنهار أو دورة الفصول الأربعة، فالشعر يقع ضمن حركة الإنسان ونشاطه الذى يختلف اختلافًا جوهريًا عن حركة الطبيعة ونشاطها، حركة الطبيعة لا تعى نفسها، لذلك فهى حركة غير عاقلة وغير هادفة، أما حركة الإنسان فهى على العكس واعية وهادفة»، ليصل إلى دائرية حركة الطبيعة وتكرارها إلى ما لا نهاية، وتعارضها مع حركة الإنسان التى تمضى فى خط مستقيم «لأن الإنسان وهو يخضع للقانون يضيف إليه فى كل مرحلة ما اكتسبه فى المراحل السابقة من خبرة تزداد بها حريته»، وهو كلام دقيق جدًا، وصحيح تمامًا ولا اختلاف عليه، ولكن الخلاف يكمن فى تصور الرائد الكبير لماهية القانون الذى انتظمت عبره تطورات قصيدة النثر، وتصورات شعراؤها الذين اختاروا السير فى اتجاه جوهر القصيدة لا شكلها، نحو المحتوى الذى تقدمه لقارئها لا لأذنيه، باتجاه التأثير فى روح قارئها لا وضعية جلوسه، أو حركة رأسه وقدميه ويديه، وهو بالضبط ما يمكن من خلاله قراءة كلام الشاعر الكبير عن حركة الليل والنهار ودورات الفصول وغيرها من أشكال الحركة الخارجية، واتجاه الإنسان إلى حركة أخرى تضيف إلى قوانين التطور ما اكتسبه من خبرات سابقة، إذ كانت أغراض الشعر الجماهيرية قد تراجعت بالفعل، وحلت محلها الكتب ووسائل التدوين، فلم يعد الإنسان بحاجة إلى حفظ وترديد ما يقوله الشعراء والتغنى به، بل إلى فهمه وتأمله والقعود معه فى جلسة حميمية مستكشفة، ولهذا فإننى أظن أن ما كتبه حجازى هو فى جوهره انتصار للقصيدة التى أراد هجاءها، ولنعد إلى قوله عن تاريخ الشعر المصرى والعربى ما نصه «هو تاريخ البحث عن لغة جديدة تمكنه من أن يكون له فى الحياة دور فاعل، وأن يتصل بروح العصر، ويمتلئ بها حتى يخترق الحواجز القائمة بينه وبين الآخرين، ويصبح لغة حميمة من لغات الإنسان تنطق باسمه وتنشغل بمصيره».. فهذا بالضبط هو التاريخ الذى كتبته قصيدة النثر وحفرت به طريق حضورها الطاغى فى الشعرية العربية والعالمية، أزاحت عن نفسها كل ما كان يحيط بها من قشور وحواجز بينه وبين الآخر، ولتبقى هى ودورها الفاعل المتصل بروح العصر، تنطق باسمه وتنشغل بمصيره.

جمال القصاص

سارتر وبودلير ودرويش والقصاص

ربما يكون من المناسب هنا أن أذكر أن أكثر من درس بودلير وقصائده، هو فيلسوف الوجودية الأشهر جان بول سارتر، والذى كتب عنه دراسة نقدية تحليلية عميقة ومطولة، تناول فيها سيرته النفسية والوجودية، وتأثيرها فى شعره ونثره ومسيرته الفنية، وهى الدراسة التى ترجمها اللبنانى جورج طرابيشى ونشرت فى كتاب صدر عن دار «الآداب» عام ١٩٦٥، فما دلالة تلك الدراسة إن لم تكن إشارة إلى خروج النص الشعرى من حيز العرض الترفيهى إلى مساحات الكتابة والتأمل والدرس؟!

هكذا مر ما يقرب من قرنين من الزمان على صدور الديوان الأول لشارل بودلير، ودراسته من قبل سارتر وغيره من المتخصصين فى الفلسفة وعلم النفس، وما زال الشعراء هنا يظنون أن مكانهم هو خشبة المسرح، لا الكتاب، والحقيقة أننى أشفقت كثيرًا على الشاعر والروائى سمير درويش، بسبب ما تكبده طوال الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، من مشقة وعناء، فيما تصور أنه دفاع عن الشعر والشعراء، وما بدا لى من خلال كتابته يوميًا من اهتمام مفرط بجمهور ندوات المعرض، وعلى وجه التخصيص جمهور ندوات الشعر، حتى إنه عاب على الشاعر الكبير جمال القصاص عدم تعليقه على عبارة «هو شاعر مالوش جمهور»، أو رفضه لها.. ورغم عدم اتفاقى مع النقطة الأهم فيما ذهب إليه العزيز سمير درويش، فإننى أود أن أشكره على هذه الحملة التى استمرت طويلًا، وذلك لسبب أراه مهمًا، ويخص قصيدة النثر التى أكتبها منذ بداية تسعينيات القرن الماضى، خصوصًا مع غياب دور الدرس النقدى عن فهم هذه القصيدة بالصورة الكاملة، والتى أظن أنه يحق لى الحديث عنها، باعتبارى، على الأقل، واحد ممن بدأوا كتابتها والدفاع عنها والتبشير بها، وهى القصيدة التى تطورت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، وشهدت تنوعًا، واختلافات واضحة بين كتابها واتجاهاتهم والطرق التى ساروا فيها باتجاه تحرير القصيدة من قيودها الشكلية، وفى مقدمتها التخلص من وحدة القافية، والبحث عن إيقاع جديد مخالف لإيقاعات الخليل بن أحمد المرتبطة بحركات الخيل والإبل، والمرتبطة أيضًا، بطبيعة الزمن الذى وُضعت فيه، واختلاف شاعر الألفية الثانية عن شاعر «الخيل والليل والبيداء»..

لم يكن هجر شعراء قصيدة النثر لبحور الشعر وأطره الخارجية عبثًا، ولا لمجرد الاختلاف مع سائد ومستقر، ولا رغبة فى مجرد التوقيع بدفاتر الحضور، بل موقف جمالى وإنسانى متكامل، يتحد فيه الشكل بالمضمون، والإطار بالمحتوى، وتتحد فيه القصيدة بكاتبها ومتلقيها وحقلها المعرفى، فما لم ينتبه إليه كثير من الشعراء أن قصيدة النثر جاءت بهدف التخلص من الزوائد الجمالية الخارجية لصالح الداخل، لصالح التعبير عن الذات، ورؤية الروح المجهولة، واستكشاف محدداتها.

شارل بودلير

الصعود فى سلم التلقى

التجديد لم يكن شكليًا، بل بهدف الصعود فى سلم التلقى الإنسانى للفنون، ولتحويل الاهتمام من الشكل إلى الوظيفة، إلى الهدف الأصلى من فن الشعر ومراحل تطوره وفقًا لمراحل تطور الإنسان ورحلته على وجه الأرض.. لم يعد الشعر مجرد شكل أو وعاء يمكن حفظ محتواه وترديده طلبًا للطرب، أو العبرة، ولا للفخر بأمجاد وحوادث غابرة.. قصيدة النثر هى عدو صريح للاستخدام كأرشيف جمعى لحفظ الأنساب، أو لتقديم النصح كالأمثال الشعبية وحصص التنمية البشرية، أو غيرها من الوظائف التى تعتمد على الذاكرة والحفظ والقدرة على الاسترجاع، فدروس التنمية البشرية أصبحت فنًا يتم تخصيص المسارح لعروضه وأساليب إلقائها، وقبلها تم تدوين الأنساب، وانتقل التأريخ من المشافهة إلى الكتابة والنسخ، فالتوفر بكل العناصر، صوت وصورة.. كل ما هو خارجى أصبح خارج دائرة الضرورة الشعرية.. لكنها ليست عدوًا للموسيقى، ليست عدوًا للغنائية ولا الإنشاد، لا تعادى القافية إن احتاجتها، ولا ترفض الإيقاع إن كان ضروريًا، لم تتخلص تمامًا من الوزن والإيقاع والقافية، لكنها لم تعد أسيرة لأى منها، فلم يعد أى منها ضرورة للشعرية، ولعلك لاحظت معى أن كثيرًا من شعراء قصيدة النثر يستعينون بأبيات عمودية مقفاة فى قصائدهم، وكثيرًا منهم يستخدم تفعيلات الخليل وبحوره حين يرى ضرورة لتلك الاستعانة، بل إن منهم من يستعين بمقولات يكتبها بالعامية.

هكذا.. يمكننى الذهاب إلى أن قصيدة النثر هجرت موقعها ضمن فنون القول، لتحتل قمة فنون الكتابة، جاءت لتنطلق بالشعر إلى أفقه الأوسع والأرحب، وبحثت لنفسها عن طرق أخرى أكثر أهمية وفاعلية لمعرفة الذات واستكشافها، لمعرفة الله ومساءلته، لتأمل التاريخ والبحث فى خفاياه، وغيرها من الطرق التى لم تكن متاحة للسير فيها من قبل، بالتالى لم تعد «حفلات» الإلقاء والتمايل مع الإيقاع ومصمصة الشفاه تناسب هذه القصيدة.. أصبح النظم شيئًا والشعر شيئًا آخر مختلفًا تمامًا.. ورغم ذلك ما زال البعض يصرون على إقامة الندوات لإلقاء الشعر، بل وينتظرون حضور الجماهير، وكأنها حفلة إنشاد أو طرب، ويذهب إليها بعض شعراء قصيدة النثر، غير مدركين لحقيقة الأسباب التى دفعت جيلنا لكتابتها، وتبنيها، والاستماتة فى الدفاع عنها، غير مدركين أننا كتبنا قصيدة النثر بحثًا عن القراءة المتأملة الصافية، لا التمايل ومصمصة الشفاه والتصفيق طربًا.. فهنا تجد الموسيقى الداخلية أكثر نعومة حين تتطلب القصيدة الشعور بالهدوء والسكينة، وأشد صخبًا حين تجتاحها انفعالات الغضب، وهى بين هذه وتلك حين الحيرة والتوتر وعدم الاستقرار، هى أقرب للروح الإنسانية منها إلى إيقاعات الجِمال والخيول والطبول، وهنا يكمن الصعود فى سلم التلقى من مرحلة الاهتزاز الخارجى كنتيجة للطرب والائتناس بالقول الحكيم، إلى هدهدة الروح، وإيقاظها من سبات لذيذ ولطيف، حيث تنتقل القصيدة فى سلم التلقى إلى مرحلة ما بين الموسيقى الخالصة وبين الغناء.. الموسيقى بمفردها لغة الروح والمشاعر الخالصة، إن اختلطت بها الكلمات حاصرتها فى منطوق الكلام، وتعامل معها الجسد كما يتعامل مع الأغنية بالطرب أو الوجد أو ما شابه من مشاعر لا يمكن الخروج منها، أو عنها.. وحده الشعر يقف فى تلك المسافة ما بين الأغنية والموسيقى الخالصة، ووحده الشعر يقدر على أن يفتح للروح آفاقًا أكثر اتساعًا ولو باستخدام الكلمات.