ضد الخرافة
على هامش «فتنة الطيبات».. لماذا يصدق المصريون الخرافة؟
يُعرِف قاموس «ميريام ويبستر» كلمة «الخرافة» على أنها «اعتقاد أو ممارسة ناتجة عن الجهل، أو الخوف من المجهول، أو الثقة بالسحر أو الصدفة، أو مفهوم خاطئ عن السببية»، بينما يذكر معجم «المعانى الجامع» أن «الخرافة» هى: «الكلام الذى لا صحة له». وفى كتابه «أشهر 50 خرافة فى علم النفس»، يُعرِف سكوت ليلينفيلد «الخرافة» بأنها: «معتقد شائع غير مدعوم جيدًا بالأدلة القوية».
وخلال الفترة الأخيرة، وبدون وضع رءوسنا فى الرمال، يمكن القول إن المجتمع المصرى يشهد ظاهرة تنذر بالخطر خلال الفترة الأخيرة، تتمثل فى انتشار الخرافة، التى لم يقتصر تصديقها على فئة بعينها، سواء اجتماعية أو مادية أو ثقافية، بل شملت البسطاء، مرورًا بحاملى الشهادات العليا والنخبة المثقفة من الكتاب والمفكرين وأساتذة الجامعة.
ومع هذا الانتشار الخطير، الذى تجلى بوضوح فى ظاهرة الطبيب المفصول ضياء العوضى، ونظامه «العلاجى الغذائى» الذى أطلق عليه «الطيبات»، يُثار سؤال فى غاية الأهمية، تحاول «حرف» الإجابة عنه فى السطور التالية: لماذا يصدق المصريون الخرافة؟

حسن حماد: الحضور الطاغى لـ«الأساطير الدينية» على حساب الثقافة والعلم

فى البداية لا بد أن أشير إلى أن اتجاه الناس للخرافة ظهر بشدة بعد وفاة الدكتور السابق ضياء العوضى، والذى كشف عن جانب خطير فى الثقافة المصرية المعاصرة، وهو كم التعلق الذى أظهرته الجماهير تجاه هذه الشخصية. كنت أظنه مجرد حدث عابر، أو مجرد «ترند» يظهر على «السوشيال ميديا» ويأخذ وقته ويمر، لكن ما حدث بعد وفاته كشف لى الجذور المتغلغلة لتلك «الظاهرة» داخل الوجدان الشعبى والجماهيرى والنخبوى فى مصر، والتى من الممكن أن ترتبط بظواهر أو شخصيات أخرى على غراره.
الخرافة جزء من التاريخ الإنسانى وتطور العقل البشرى، وهى موجودة بدرجات بين الشعوب المختلفة. رأيت بنفسى داخل جامعة «ميريلاند» الأمريكية، فى بداية التسعينيات، بعض الناس الذين يؤمنون بالسحر ويمارسونه. هذا دليل على أن الخرافة موجودة فى كل الشعوب والمجتمعات، لكن أن تصبح هى المسيطرة على جميع جوانب الحياة، هنا لا بد أن نتوقف ونشعر بالخطر.
الخرافة ترتبط بمراحل تطور العقل البشرى، بداية من السحر ثم الأسطورة. السحر يعتمد على فكرة أن الإنسان يمتلك القدرة على تغيير العالم والأشياء بشكل رمزى من خلال استخدام بعض التعاويذ والكلمات. أما الأسطورة فهى التفسير اللاعقلى، أو تفسير الواقع والتاريخ من خلال قوة غيبية لا مرئية أو خرافية.
الخرافة يفترض أنها مرحلة انتهت من حياة الإنسان مع مجىء الفلسفة والعلم. لكن المصرى خاصة لم يزل يحيا فى أطياف السحر والأسطورة، ولذلك أسباب عديدة، أولها الحضور الطاغى للدين فى كل المؤسسات التعليمية والثقافية، وفى الفضاء العام والسياسى والاقتصادى، فى كل مناحى الحياة اليومية.
هذه المسألة لها جذورها، وظهرت بشدة وبقوة مع وبعد هزيمة ٦٧، والتحول الذى حدث فى المجتمع نتيجة مجىء «السادات» واحتضانه ورعايته للجماعات المسلحة الإسلامية، وإخراجه لرموز «الإخوان» من السجن، وحدوث ما سمى آنذاك بـ«الصحوة الإسلامية»، وارتباطها بوجوه مثل الشيخ كشك والشعراوى ومصطفى محمود.
إذن، حضور الدين بكثافة وقوة داخل الفضاء العام أدى إلى أن تصبح الخرافة هى المسيطرة، لأن الدين يعتمد على المعجزة أو السحر والأسطورة، إلى جانب بعض الطقوس التى تثبت أركان العقيدة ومهمة جدًا فى تثبيت أركان العقائد.
الدين جزء من المكون الثقافى، لكن أن تصبح الثقافة دينًا تلك هى الكارثة، خاصة مع وجود الجماعات التكفيرية والجهادية، والتى تربطها فكرة «امتلاك الحقيقة»، وأرى أنها ما زالت تسيطر على الشارع بسبب «التصحر الثقافى» الناتج عن غياب الخطاب السياسى فى الشارع، وعدم وجود أحزاب تلعب دورًا حيويًا فى الشارع، أو لديها برنامج لتغيير الواقع أو حتى إصلاحه. وعندما يوجد هذا الفراغ لا بد أن يُملَأ من خلال الجماعات الدينية، أو الفكر الدينى بصفة عامة.
الحضور الطاغى للفكر الدينى، سواء كان خارج حظيرة السلطة، وهو ما تمثله الجماعات غير الشرعية والمرفوضة والمارقة، أو «الدين الرسمى»، الذى تمثله الدولة من خلال مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف، يؤدى إلى «تديين المجتمع» و«أسلمة الحياة اليومية».
ظهر ذلك بوضوح فى فكرة عودة «الكتاتيب»، بالتزامن مع الخطاب التعليمى الذى تم إفقاره وتجريفه بكل معنى الكلمة نتيجة تحويل التعليم إلى «سلعة» و«بيزنس»، والتعامل معه بعشوائية، مع تهميش العلوم الإنسانية وعلى رأسها الفلسفة، وإلغاء اللغة الفرنسية والجيولوجيا، وهذا معناه جهل وغباء وتخلف حقيقى.
الحضور الطاغى للخطاب الدينى فى مقابل تهميش الخطاب التعليمى والثقافى والعقلانى والعلمى أدى إلى هذه «الغيبوبة» التى يعيش فيها معظم المصريين، علاوة على الممارسات الإعلامية البلهاء.
عالم «السوشيال ميديا» ومنصاته كله يتحرك من خلال ما يمكن أن أسميه «التفاهة»، وتسطيح كل ما هو جاد وعقلانى وإنسانى، ما أدى هو الآخر إلى ترويج الخرافة.
الخرافة تنتشر فى مصر لأن التربة الثقافية والفضاء العام مهيئان ومخصبان لاستقبال أى فكر خرافى أو غيبى أو سحرى أو أسطورى، إلى جانب بُعد آخر مهم هو الأزمة الاقتصادية التى يحيا فيها الناس، وتخلق حالة من حالات اليأس والإحباط والرغبة فى مجىء «مخلص منقذ»، وهو ما وجده بعض الناس فى ضياء العوضى.
أستاذ الفلسفة بجامعة الزقازيق
أسامة الشاذلى: كل الشعوب تميل إلى التفسيرات السهلة

فى البداية لا بد أن نعترف بأن الدجل والشعوذة والخرافة لا تقتصر على شعب معين، وإنما هى شىء تلجأ إليه كل شعوب العالم فى أوقات محددة، ويكون ذلك بدفع من بعض الظروف.
أول هذه الأسباب هى ميل الإنسان بطبعه إلى التفسيرات السهلة، والتى ربما تعطيه نوعًا من الطمأنينة، ومن أشهرها ما تسمى «نظرية المؤامرة»، والتى يلجأ إليها كثير من الشعوب لتفسير كثير من الظواهر والقضايا والأحداث.
السبب الثانى يتمثل فى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فعندما يُحبَط الإنسان ويشعر بأنه مضغوط، سواء اقتصاديًا أو اجتماعيًا، يدفعه ذلك للاستماع إلى أى شخص ربما يعطى له بارقة أمل أو طوق نجاة، حتى لو كان ما يقوله مجرد خرافة، سواء خرافة دينية أو علمية.
وهناك أيضًا نقطة مهمة تتمثل فى تأثير الإعلام و«السوشيال ميديا». نحن الآن فى كارثة حقيقية، وأعتقد أن الأزمة الأخيرة المتعلقة بالطبيب ضياء العوضى كشفت إلى حد كبير عن مستوى الجهل المطبق الذى وصلنا إليه، وكيف أن أى شخص لديه كاميرا أو موبايل يستطيع أن يوثق ويصور ويصنع لنفسه قاعدة شعبية، ويصبح خلفه قطيع كبير جدًا من الناس.
يُضاف إلى ذلك كله ضعف التعليم فى بلادنا، وهذا ليس سببًا عاديًا، وإنما أحد أهم الأسباب التى تُنشئ عقلية سطحية سهلة الانقياد.
الكاتب الروائى
أشرف منصور: غياب التخطيط العقلانى.. وضعف الفكر الدينى

لماذا يؤمن المصريون بالخرافات؟ سؤال محور ومهم، وكاشف لحال المصريين الآن. ولكى نضبطه أكثر نقول: كيف صار المصريون يؤمنون بالخرافة؟ الحقيقة أن الإيمان بالخرافة يصدر عن عقلية خرافية أساسًا، أو ذهنية خرافية مستعدة للإيمان بالخرافة.
فى الحقيقة أن المصريين يعانون من أزمات كثيرة جدًا فى حياتهم هى من تجعلهم يؤمنون بالخرافات، خاصة أنها أزمات بدون حل، أو هم عاجزون عن حلها ومواجهتها.
حينما يكون أمام أى مجتمع أزمة يبتكر طرقًا لمواجهتها وحلها أو التعامل معها، لكن عند العجز عن التعامل معها، يلجأ الإنسان مباشرة إلى الخرافة، خاصة عندما تفقد هذه الأزمات الإنسان الأمل، والأمل هو الإيمان بهدف سيتحقق فى المستقبل. والمصريون الآن يفتقدون لهذا الهدف.
عندما يكون لدى الإنسان هدف فهو يخطط لكى يحققه، هذا التخطيط عقلانى من خلال خطوات تؤدى إلى تحقيق نتيجة، مقدمات ونتائج أو آثار لهذه المقدمات، هذا منطق سببى عقلانى. لكن فقدان الأهداف يؤدى به إلى حالة من اليأس، الذى يؤدى بدوره إلى الإيمان بالخرافات.
المصرى الآن يعانى العديد من الأزمات، خاصة الاقتصادية، ويواجه ارتفاعًا فى الأسعار وغلاءً فى المعيشة، والأفدح من كل هذا عدم القدرة على الاحتفاظ بنفس المستوى المعيشى الذى كان يعيشه فى السابق، مع وجود حالة مما يمكن أن نسميه «الهبوط الطبقى».
وإذا انتقلنا إلى التعليم، نجد أنه يواجه أزمة بدون حل، وهى لا تقتصر على تدنى مستوى التعليم فى المدارس الحكومية، بل تمتد لتشمل المدارس الخاصة والأجنبية الدولية ومدارس اللغات، علاوة على نفقات التعليم الجامعى والدروس الخصوصية التى ترهق الأسر.
هناك أيضًا حالة الضياع التى يعانى منها الشباب، وارتفاع نسب الطلاق، وتربية الأبناء فى أسر مفككة، فضلًا عن مستويات الفقر، وإنعدام الثقافة، وتحول التعليم إلى تدريب على حل أسئلة الامتحانات، وليس تعليمًا فى مضمون معين.
المصريون يعرفون جيدًا هذه الأزمات، وأنها من أهم أسباب إيمانهم بالخرافة، وتشكل العقلية الخرافية لديهم. وفى نفس الوقت، هناك أزمات تواجه الخطاب الدينى، لأن الحالة الدينية بوجه عام ليست على ما يرام، وتبعد عن كل عقلانية، وعن كل تناول عقلانى للتراث والنصوص الدينية أو للتشريعات.
الفكر الدينى السائد يخشى العقل، ويعتقد خطأ أن العقل والعقلانية خطر عليه، ويقدم نفسه على أنه يصون التراث ويحميه، وليس هذا ما نريده، بل نحتاج إلى فكر دينى يتكيف مع العصر ويستجيب له.
الفكر الدينى السائد فاشل فى مواجهة العصر وتحدياته، والعقليات الدينية السائدة من أهم أبواب انتشار الفكر الخرافى، لأنها تستخرج من التراث كل ما هو خرافى وضد العقل. وبالطبع، وفى حالة اليأس التى يعيشها المصريون، تزيدهم شعورًا بالاطمئان، وهو شعور زائف، ومجرد «مسكنات» تساعدهم على تحمل مشاق الحياة لكنها لا تقضى على أسباب المرض نفسه.
من أهم المشكلات التى تواجهنا مع الفكر الخرافى أنه دائمًا ما يلجأ إلى تبرير نفسه بإضفاء شرعية دينية، ويلصق نفسه بالتراث الدينى، فكثيرًا ما يُقال أن السحر مذكور فى القرآن، لكن هل يبرر هذا ممارسة السحر؟ هل يبرر تفسير ممارسات معينة على أنها نتيجة سحر؟
إذن، الفكر والعقليات الخرافية تحاول أن تسند نفسها إلى النصوص الدينية والتراث الدينى، وهذا أمر خطير. هذه هى المشكلة لأن الرجعية الحالية للمجتمع المصرى ليست مجرد رجعية مباشرة وبسيطة، بل ربطت نفسها بالتراث الدينى ونصوصه.
أستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية
ياسر قنصوة: نصدقها لأنها أقل تكلفة من التفكير

المصريون يصدقون الخرافات لأنها أقل تكلفة من البحث والتقصى وإمعان التفكير. كل هذه الأمور تحتاج إلى كلفة الوقت والجهد. هناك سبب آخر هو أن الشعور بأن هناك أشياء غيبية لا يعلمها إلا الله، وأنه كما يقولون بالمثل المصرى أو الشعبى: «يوضع سره فى أضعف خلقه»، فإذا بنا نفاجأ بأن بعضًا من هؤلاء الضعاف يطرحون أنفسهم عبر مواقع التواصل الاجتماعى، والناس تصدقهم وتراهم أبطالًا.
كما أن هناك الإيمان القائم على التخيل، لا القائم على العقل والتفكير والتدبر. المخيلة المصرية حضارية، تستطيع أن تمزج الواقع بالأسطورة، ليتحول هذا الواقع بعد ذلك إلى أسطورة بالفعل. ينتفى الواقع والعلم، ويأتى الغيب أو التخيل لتكون هناك الأسطورة.
أستاذ الفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة طنطا
أنور مغيث: تدهور التعليم وانتشار «ثقافة التواكل»

بداية علينا أن نعرف ما هى الخرافة. وهى تعنى أن هناك نتائج تحدث لكننا غير قادرين على معرفة أسبابها أو نحددها، بالتالى أول ما يتبادر للذهن أن هناك أسرارًا أو قوى خارجية تسبب هذه النتائج دون أن نكون مدركين لها.
الخرافة هى نقيض العقلانية، فالعقلانية تتطلب أسانيد لأى زعم كان. والأسانيد فى العقلانية معروفة وهى: التجربة، الملاحظة، الإحصاء وهى أسانيد كفيلة بإقناع الإنسان، بينما الخرافة ليس لها أية أسانيد.
والخرافة لا يختص بها الشعب المصرى ولا العالم العربى وحده، إنما شعوب العالم كله لديها نزعة إلى تصديق الخرافة، فى أمريكا، ألمانيا وفرنسا وغيرها، لكن معيار التمييز هنا هو مساحة الانتشار والاتساع.
فهناك من يزعمون بأمور غريبة فى أى مكان فى العالم، لكن عادة من يؤمنون بهذه المزاعم أعداد محدودة جدًا أغلبهم من قليلى الثقافة والتعليم. لكننا نجد فى فرنسا وألمانيا وغيرها من الدول المتقدمة من يزعم أمورًا غريبة حتى أن هناك من يدعو لأديان جديدة، والبعض يزعم أنهم أنبياء مرسلون، بل ومنهم من يزعم أنه إله. كما نجد أن هناك قطاعًا كبيرًا يصدق مثل هذه الخرافات منهم أطباء ومهندسون، لكن كل هؤلاء لا يتعدون طوائف محدودة للغاية لكنه غير منتشر بشكل كبير بين المجتمعات الغربية، فأى عاقل يدرك أن هذه الأمور غير مقبولة.
الأمر الآخر هو أن الخرافة تستمد قوتها من اليأس. فحتى لو الإنسان مثقف ومتعلم جيدًا وعقلانى إذا أصابه مرض على سبيل المثال واستنفد كل طرق العلاج والأطباء بلا نتيجة يلجأ إلى أى طريقة للحل والعلاج ويصدقها، خاصة إذا ما وصل لمرحلة اليأس من كل طرق العلاج أو حلول المشكلات، لذا يقول الفلاسفة: «فى شقاء الشعب توجد فرصة الكاهن». وعندما يجد الإنسان نفسه فى وضع يائس ولا بارقة أمل فى المستقبل فتروج الخرافات. لكن عندما يكون المجتمع يسير بتخطيط علمى، ويقاس نجاح الحكومات أو فشلها بالإحصائيات، كل هذا يجعل الخرافة تتراجع أو يكون مجالها محدودًا.
أما عن أسباب انتشار الخرافة فله العديد من الأسباب والتى لا علاقة لها بالموضة التى نعيشها مؤخرًا. وهذه الأسباب تتعلق بتدهور مستوى التعليم، انتشار الثقافة الدينية التواكلية التى تعول على أى توفيق يحدث بدون أسباب علمية لحدوثه فى كل المجالات سواء كانت فى الصحة أو الرزق وغيرها، انتشار هذه الثقافة يفتح المجال لانتشار الخرافة.
أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعة حلوان
هدى زكريا: التجارب الصعبة تدفع أصحابها للبحث عن أى حل

التأثر بالخرافة ليس مقتصرًا على الشعب المصرى فقط، إنما كل شعوب العالم لديها جانب من الخرافة، تأثرت به وعاشت فيه، وهناك بعض الشعوب لا تزال غارقة فى هذه الخرافات حتى الآن.
وهناك بعض الناس درسوا فى الجامعات وتحصلوا على بعض العلوم والمعارف، لكنهم حفظوا العلوم مثل الهندسة والطب وغيرهما ظاهريًا، ولم يأخذوا العلم باعتباره منهجًا للحياة. التجارب الصعبة عادةً ما تدفع الإنسان إلى الخرافة، واستخدامها فى حل هذه المشكلات عندما تتعذر عليه الحلول الأخرى، خاصة العلمية. إذا افتقد الناس الحل العلمى تبرز الخرافة، وتحتل مكانها فى حياتهم مرة أخرى. صحيح أننا دخلنا ونتحرك فى مجالات العلوم المختلفة، ومع المعرفة تبدأ الخرافة فى التراجع. لكن هذا لا يمنع أن الخرافة لها مكانة لدى جميع الناس فى كل العالم. والخرافة كانت منتشرة فى أوروبا، خاصة فى فترة حكم الكنيسة الكاثوليكية، التى ظلت ٤٠٠ عام تعيش فى ظلام، حتى أنهم أطلقوا على هذه الفترة «العصور المظلمة»، ولما انتصر عليهم صلاح الدين الأيوبى، ولم يستطعوا تفسير هذا الانتصار، بدأوا يقولون للناس: «خسرتم لأنكم غير متدينين بشكل كافٍ» أو لأنكم «لا تهبون أموالكم للكنائس»، ليعيشوا بذلك فى الخرافة سنوات طويلة اعتمادًا على ما أطلقوا عليه «التفسير اللاهوتى للأحداث». وعندما ظهر العلم وبدأ يتسرب فى وجدان الناس، بداية من جاليليو، الذى نفذ منظارًا اكتشف من خلاله أن الأرض دائرية، اتهمته الكنيسة حينها بـ«الهرطقة»، واحتجزوه فى قبوها، وعرضوا عليه كيف يعذبون الناس حتى يُصاب بالخوف والرعب. ونتيجة لهذا الرعب، عندما طلبوا منه أن يسكت عما يقول، وافقهم وكف عن نشر العلم بين الناس، بل إنهم دفعوه للتوقيع على بيان يقول فيه، إن الأرض مسطحة وليست كروية، وأن السماء فوقها أيضًا مسطحة. مع ذلك، سقطت الكنيسة الكاثوليكية عندما عادت للخرافة بعد ٤٠٠ سنة من الظلام، سقطت سقوطًا مدويًا عندما ظهر المنهج العلمى الذى اتبعه جاليليو، ليبدأ الناس فى دفع الخرافة جانبًا، والبحث عن العلم والتحرك وفقًا له. وفى المقابل، تحول العالم العربى الإسلامى من العلم إلى الخرافة.
الإسلام عندما بدأ على أرضية علمية تحترم المنهج العلمى، أسس المسلمون حضارة أثرت فى أوروبا كلها، لكن ما حدث فيما بعد كان الاتجاه إلى الخرافة، بسبب الصدام الذى حدث بين الحكام ورجال السياسة المسلمين، الذين رغبوا فى السيطرة عبر استخدام الخرافة.
كانت فكرتهم حينها قائمة على استخدام الخرافة فى السيطرة على المجتمع، واعتبار أن أقرب الطرق وأسهلها لتحقيق هذه السيطرة هو أن تدفع المجتمع لاتباع منهجك فى الخرافة، ويسير على طريقك، وهو ما أدى إلى تراجع كبير فى المنهج العلمى، بدعم من الغرب نفسه. وفى كل الأحوال، تصديق الخرافة هى فكرة تعانى منها كل الشعوب، لكن تختلف الأسباب من شعب لآخر، ومن أهمها معاناة تلك الشعوب من إحباطات كبيرة، أو عندما تكون درجة الوعى والتعليم بين أبنائها محدودة، ما يؤدى إلى انتشار الأمية والإحباط، وهى بيئة تجعل الإنسان أقرب إلى تصديق الخرافة.
عندما يتعرض المصريون أو غيرهم لأزمة فإنهم يلجأون إلى الخرافة باعتبارها «طوق نجاة». مثلًا عندما يكون هناك مرض عضال ويأس من العلاج، أو هناك أزمة اقتصادية تجعل تكلفة علاج هذا المرض كبيرة، وفى المقابل هناك خرافة تبث الطمأنينة إليهم، فإنهم حينها سيميلون إلى تصديق الخرافة أكثر، أو كما يقول المثل المصرى: «الغرقان يتعلق بقشة».
من لا يملك الأموال الكافية سيعجز عن العلاج، ومن هنا يبدأ البحث عما يسمى «الطب البديل» أو «الطب بالقرآن» أو «الطب النووى». وهذا لا ينطبق على مستوى علمى محدد، بل يشمل كل المستويات تقريبًا، فعندما يواجه الإنسان الأزمات أو يصيبه اليأس والإحباط قد يلجأ إلى الخرافة، مهما كان مستواه العلمى، خاصة فى الأزمات الكبرى. هذا نجده فى الخارج أيضًا، فهناك جماعات دينية متطرفة فى أمريكا أو شمال هولندا، لا يؤمنون بالطب إطلاقًا. وهناك طوائف ترفض التطعيمات نهائيًا رافعين شعار: «إذا أرادنا الله مرضى لا بد أن نطيع إرادته».. إذن تصديق الخرافة عالمى لا يقتصر على مصر فقط. ولمواجهة ذلك ينبغى الاعتناء بالتعليم، باعتبار ذلك الطريق الأول للقضاء على الخرافة، إلى جانب إصلاح النظام الطبى.
أستاذ علم الاجتماع السياسى بجامعة الزقازيق
زين عبدالهادى: عالم وضع فى جيبه «حجابًا» قبل مناقشة رسالته!

هل تخلص العلماء والمثقفون من الخرافة؟
الخرافة عند المثقف الحقيقى، والسلطة بكل أنواعها، ليست عارًا يُخفيه كل منهما، بل خامة يعيد تشكيلها.
هل تعتقد - عزيزى القارئ- أن العلماء والمثقفين والمخترعين وكبار الفلاسفة لم يؤمنوا بالخرافة؟ إذا كان ذلك ما تعتقده فأنت واهم، فثمة مشهد يتكرر فى التاريخ ولا يُفسَّر بسهولة: عالم يحمل دكتوراه فى الفيزياء النظرية، يضع فى جيبه حجابًا كتبته له أمه قبل مناقشة رسالته. أو فيلسوف يُحاضر فى العقلانية صباحًا، ويتجنب السفر فى أيام بعينها لأن جدته علّمته ذلك. هذا ليس نفاقًا، ولا ازدواجية مرفوضة. هذا هو الإنسان فى كامل تناقضه وعظمته.
أعرف علماء مازالوا يبحثون فى الآثار الفرعونية عن أسرار مقدسة تتسم كلها بالغيبيات التى لا يمكن لعقل واعٍ أن يصدقها، الغريب أن هذا العقل الواعى يعيد تشكيلها، انظر مثلًا للسينما الهوليودية إنها تغذى بلا توقف الخرافة بأشكال جديدة وتعمقها لدى الشعوب.. كل الشعوب!
دعنى أقدم لك بعض الأمثلة إذن، إسحاق نيوتن، أعظم عقل فى تاريخ الفيزياء الكلاسيكية، أمضى سنوات طويلة فى الكيمياء الخيميائية شبه المقدسة فى المعتقد الشعبى، يبحث عن حجر الفلاسفة الذى يحوّل المعادن ذهبًا. لم يكن جاهلًا، بل كان يؤمن أن الكون يخفى أسرارًا لا تكفيها المعادلات. وكارل يونغ، مؤسس علم النفس التحليلى، كان يؤمن بالتزامن - أى أن الأحداث المتشابهة التى لا يربطها سبب ظاهر تحمل معنى خفيًا. لم يكن يهذى، بل كان يقول بأسلوبه العلمى ما يقوله الجد المصرى حين يرى شرارة فى الموقد قبيل خبر.
لماذا إذن؟ لأن العقل الكبير لا يُعفى صاحبه من الخوف الأقدم. الخوف من الفقدان، من المجهول، من أن يتفتت ما بنيته بضربة واحدة من القدر. والخرافة فى جوهرها العميق ليست إجابة، بل هى طقس للسيطرة على القلق. حين تضع العالِمة الخرز الأزرق فى حقيبتها، هى لا تنكر نيوتن، بل تُهدّئ الطفلة الصغيرة التى لا تزال تسكن داخلها.
وهنا يدخل البُعد الفلسفى من أوسع أبوابه. كانط فرّق بين العقل النظرى الذى يعرف، والعقل العملى الذى يعيش. الإنسان لا يعيش بمعادلاته، بل بمعانيه. والمعنى لا يُشتق من التجربة العلمية وحدها، بل من القصص التى نحكيها لأنفسنا فى الظلام. الخرافة قصة، وأكثر الناس ثقافةً لا يستطيعون العيش بلا قصة.
أستاذ المعلومات والمعرفة بجامعة حلوان
بسمة عبدالعزيز: الحل فى استعادة الثقة المفقودة

إيمان كثير من الناس بفكرة غير معقولة ودفاعهم عنها باستماتة، واستبعاد كل ما يجافيها أو يناقضها؛ ليس بأمر عجيب أو مستجد فى المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء. على مدار التاريخ ظهر أشخاص على درجات متباينة من الاضطراب، فوجدوا من يستمع إليهم وينصت باهتمام؛ يلغى عقله أو ينحيه جانبًا لفترة من الوقت، ويصبح مريدًا مخلصًا لأفكارهم التى لا تستقيم ما قيست على شروط الوعى والمنطق.
ثمة سمات شخصية تحدد مدى قابلية الفرد للإيحاء واستعداده لتصديق أى شىء دون تدقيق، وثمة عوامل خارجية تؤثر فيه هى الأخرى، وتتعلق بالبيئة الاجتماعية والخلفية الثقافية وحضور العقل النقدى أو غيابه. مجتمعنا أبوى فى المقام الأول؛ يميل أفراده إلى عدم اتخاذ قراراتهم بأنفسهم وعدم اللجوء لإرادتهم الحرة؛ يفضلون دومًا أن يوجد فى حيواتهم الأب، القادر على التصرف وحمل الأعباء والمسئوليات بغض النظر عن النتائج. هذا الأخ الأكبر قد يتجسد فى صور المعلم والطبيب وكل صاحب سلطة؛ يفرض وجوده ورأيه على الآخرين، ويحمل الجاذبية المطلوبة للتأثير، ولا بأس عند ظهوره من جعله وليًا صالحًا وإضفاء هالة القدسية عليه بغرض قطع أى فرصة عقلانية لمساءلة خطابه وإخضاعه للاختبار العملى.
من ناحية أخرى؛ يميل الفرد بطبيعته للاعتقاد بأنه فى أفضل حال، وإذا كان يعانى من أزمة ما؛ فالأوفق له أن يؤمن بأن سببها خارج عنه. لست مريضًا ولا أحتاج لدواء؛ إنما العلة فيما أكلت أو شربت، أو حتى فيما تنفست، أما التحسن والشفاء؛ فالأوفق أيضًا ألا يعتمد على العلاج المعتاد الذى يحتاج إلى قدر من الالتزام والضبط. هناك أيضًا ذاك الهاجس العميق الذى يؤكد لصاحبه وجود مؤامرة تستهدف التأثير عليه سلبًا. المؤامرة حل لكل ما يعجز المرء عن حله، ولكل ما يرهق كاهله ويزيد شقاءه إلقاء اللوم على عدو غير محدد الملامح مسلك مريح لأنه يوفر على الجميع مواجهة مصدر الخلل الأصلى المعروف، وبالتالى يبحث الفرد عن مهرب مناسب وآمن مهما بدا شاذًا وغير مقبول.
محصلة العوامل السابقة جنوح خطر نحو ما ينفر منه العقلُ السَّوى المتماسك، وفقدان الاتساق مع معطيات العلم والمنطق البسيطة؛ أما الحلول فتكمن فى استعادة الثقة المفقودة بالنفس، وبالقدرة على إيجاد سبل عادلة لتحسين الحياة.
استشارى الصحة النفسية
حسين حمودة: لا تقتصر على البسطاء وتمتد للعلماء والمثقفين

أتصور أن الخرافة متغلغلة فى عقليتنا المصرية والعربية خلال تاريخ طويل ممتد، وكثير جدًا من الظواهر التى لم نعرفها كنا نردها إلى الخرافة. الخرافة بهذا المعنى فى ثقافتنا تمثل بحد ذاتها تفسيرًا لما لا يمكن تفسيره، أو لما لم نستطع الإحاطة بأسبابه الحقيقية.
وتقصى أبعاد تغلغل هذه الخرافات فى ثقافتنا يحتاج إلى تفاصيل كثيرة وإلى تأملات كثيرة أيضًا. والملاحظ والمؤسف أيضًا أن هذا التغلغل للخرافة لا يقتصر على البسطاء فحسب، وإنما يمتد إلى كثيرين من المثقفين، وإلى كثيرين ممن يستمسكون بأسباب العلم أو ينادون به.
فى أوقات كثيرة وإزاء ظواهر غير معروفة، ومنها الأمراض مثلًا، نحن نلجأ إلى الخرافة سبيلًا للتفسير أو سبيلًا للعلاج. ويمتد هذا المعنى ليشمل جوانب أخرى من حياتنا بشكل عام. وتتفاقم هذه المشكلة إزاء ظواهر أخرى على رأسها ظاهرة الموت، التى طالما أحيطت فى التاريخ الممتد بأبعاد غامضة لا يمكن تفسيرها.
اللجوء إلى الخرافة تعبير عن الضعف الإنسانى، وعن الحدود الضيقة للمعرفة، إزاء ضغوط كثيرة وإزاء ظواهر غامضة متنوعة، وهذا كله يمكن فهمه إذا وقفنا على ضفة أخرى تؤمن بالعلم الخالص، ولا تلجأ إلى شىء آخر سواه لتحليل الكثير من الظواهر ولمعالجة الكثير من المشكلات.
أستاذ الأدب العربى بجامعة القاهرة
سعيد المصرى: بديل عن الحلول الطبية المكلفة والمعقدة

الخرافة تؤدى وظائف نفسية مهمة تجعل الناس تتمسك بها وتعود إليها، سواء بشكل واعٍ أو غير واعٍ. والسؤال: «لماذا يصدق الناس الخرافة؟» يفترض مسبقًا أن الخرافة شىء لا ينبغى تصديقه، بينما هى فى الحقيقة جزء لا يتجزأ من الوعى الإنسانى، وموجودة فى كل المجتمعات والثقافات والفئات الاجتماعية، ولا يوجد إنسان يخلو منها بشكل كامل. بعض النماذج المثيرة للجدل مؤخرًا تقدم خطابًا يمزج بين نسب متفاوتة من العلم والخرافة، فتبدأ بطرح علمى محدود، ثم تنتقل إلى أفكار خرافية، ثم تعود مجددًا إلى الاستناد إلى العلم أو الدين، ما يمنح الخطاب قدرًا من المصداقية لدى الناس. فوجود المصطلحات العلمية أو الإشارات الدينية داخل الكلام يجعل الجمهور أكثر قابلية لتصديقه.
العلم فى جوهره يقوم على الشك والملاحظة والتجريب وتفسير العلاقات السببية، لكنه يتحول أحيانًا إلى أداة داخل ما يسمى «العلم الزائف»، حين تُستخدم بعض المصطلحات أو الحقائق العلمية بصورة انتقائية لخدمة أفكار غير علمية. لذلك فالمشكلة لا تكمن فقط فى الخرافة، بل فى الخلط المستمر بين قشور العلم وقشور الدين والخرافة معًا.
الناس تميل إلى الحلول الخرافية لأسباب متعددة. فهناك من يلجأ إليها بسبب اليأس أو الحاجة النفسية إلى الطمأنينة، وهناك من يجد فيها بديلًا عن الحلول الطبية أو العلمية المكلفة والمعقدة، خاصة فى ظل ارتفاع تكاليف العلاج وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية. كما أن بعض الأشخاص يميلون بطبيعتهم إلى التفكير المتطرف أو الحاسم، فيرون الأشياء بصورة مطلقة، إما مع أو ضد، دون مساحة للتوازن أو التفكير النقدى.
أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة

أحمد رضوان: التكنولوجيا تنشرها عبر «الريلز»

أهم الأسباب النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة هى الحاجة للشعور بالسيطرة: عندما يعيش الإنسان ضغوطًا اقتصادية أو صحية أو اجتماعية كبيرة، يبدأ العقل فى البحث عن أى تفسير أو وسيلة تمنحه إحساسًا بالأمان والسيطرة. الخرافة تقدم إجابات سهلة وسريعة: «هناك حسد، عمل، طاقة سلبية»، بدل مواجهة واقع معقد ومؤلم.
العقل البشرى مهيأ أصلًا للبحث عن الأنماط والروابط حتى لو لم تكن حقيقية. فإذا حدث أمر سيئ بعد موقف معين، قد يربط الشخص بينهما تلقائيًا. هذه آلية نفسية طبيعية تُعرف بالانحيازات المعرفية.
كثير من المعتقدات تنتقل عبر الأسرة والمجتمع منذ الطفولة، فتتحول إلى «حقائق عاطفية» أكثر من كونها أفكارًا قابلة للنقاش. الإنسان لا يتبنى أفكاره بالعقل فقط، بل أيضًا بالانتماء والعاطفة.
قد يكون الشخص متعلمًا أكاديميًا لكنه لم يتدرب على التفكير النقدى أو المنهج العلمى فى تقييم الادعاءات. لذلك يمكن لطبيب أو مهندس أن يؤمن بأمور غير علمية إذا كانت متجذرة ثقافيًا أو عاطفيًا.
الدجال غالبًا يقدم يقينًا مطلقًا، ووعودًا سريعة، واهتمامًا عاطفيًا بالمشكلة. وهذا يجذب الأشخاص القلقين أو اليائسين أكثر من التفسيرات العلمية التى تكون أبطأ وأكثر تعقيدًا.
فى عصر التكنولوجيا، المعلومة الصحيحة والخاطئة تنتشر بالسرعة نفسها. أحيانًا التكنولوجيا نفسها تساعد على انتشار الخرافة عبر الفيديوهات المؤثرة، خاصة القصيرة، والقصص العاطفية.
إخصائى الصحة النفسية
ابتهال يونس: ليس كل من حصل على دكتوراه متعلم أو مثقف

فى لحظات اليأس والأزمات يتعلق المصريون بأى بارقة أمل «الغرقان بيتعلق بقشة» على عدة مستويات. فعلى سبيل المثال لو تعرض أحدنا لمرض عضال واستنفد كل طرق العلاج ويئس من الشفاء، خاصة مع ارتفاع تكاليف العلاج، أو أن تكون هناك أزمة اقتصادية، وتظهر خرافة ما تبث فى النفوس الاطمئنان يلجأون إليها ويتعلقون بها ومن ثم يصدقونها.
تصديق الخرافة لا يقتصر على فئة أو طبقة اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية بعينها دون الأخرى، بل تنتشر فى كل الأوساط الاجتماعية وبين المصريين على السواء، خاصة أن الأزمات التى نعيشها تصيب الجميع وليست قاصرة على فئة دون الأخرى.
فضلًا عن أن تكاليف المرض والعلاج فى مصر الآن أصبحت باهظة لا تتوافر لكل الناس، ومن ثم يلجأ غير القادرين على هذه التكاليف إلى ما يسمى بالطب البديل. وأتذكر أنه فى فترة سابقة انتشر ما يعرف بالعلاج بالقرآن وهى من الخرافات أيضًا، فالله يسبب الأسباب، ومن هذه الأسباب الطب والأطباء.
أمر آخر يتعلق بالثقافة، فليس كل من حصل على شهادة ولو الدكتوراه يعد متعلمًا أو مثقفًا، فأنا أستاذة جامعية وأقول هذا من واقع خبرتى. وحتى بين أساتذة الجامعة والمثقفين وغيرهم هناك أيضًا من يصدق الخرافات فهم فى نهاية الأمر جزء من المجتمع الذين يعيشون فيه. ولا يقتصر أمر تصديق الخرافة على مصر والمصريين فقط، بل هذا يمتد وينتشر حتى فى الدول المتقدمة التى تأخذ بأسباب العلم التجريبى، فهناك مناطق فى أمريكا وهولندا سكانها متطرفون لا يؤمنون بالطب على سبيل المثال، حتى إنهم لا يطعمون أطفالهم ضد شلل الأطفال.
الباحثة فى العلوم الثقافية
صبحى نايل: تحول المعرفة إلى عملية غير إنسانية

لنجيب عن هذا التساؤل يجب أن نسأل أولًا عن طريقة بناء الوعى المصرى، والمؤسسات التعليمية المعنية ببناء العقل فى مصر، فالعلاقة بين المؤسسة التعليمية والمجتمع علاقة جدلية كلاهما يؤثر فى الآخر، فتتكون المؤسسة من أفراد المجتمع، وتساهم بنصيب كبير فى تشكل وعى أفراد المجتمع. وتتطور احتياجات المجتمع كل يوم، ومن الطبيعى أيضًا أن يتطور شكل الاجتماع ونمط الوعى داخله، ويتمخض عن هذا حاجة المؤسسة التعليمية إلى التطور لتلبية احتياجات المجتمع ومحاولة تنشئة أفراد يساهمون فى إقامة زوايا المجتمع وسد احتياجاته التى يفرضها الواقع المتطور.
وما نشهده اليوم هو من تراجع المؤسسة التعليمية، فتراجع المؤسسات التعليمية أو ثباتها مع تغير المجتمع يجعل من التعليم عملية غير إنسانية، لأنها تنافى الاحتياجات الفردية ولا تلتفت إلى الفرد بوصفه ذاتًا، بقدر ما ترسًا يعمل على تحريكها لا أكثر. فى هذه الحالة تصبح العملية التعليمية عائقًا أمام الإبداع والتفرد، وتصبح المؤسسة التعليمية بمثابة قالب يتشكل فيه الفرد –دون الانتباه إلى الاختلاف الذى هو طبيعة الجنس البشرى– على غير ما يهوى.
ويشير الشاعر والمفكر السورى أدونيس، إلى الدور الذى تلعبه المؤسسات التعليمية فى بناء العقل قائلًا: «إن تأثير المدرسة لا يكمن فى المادة التى تعلمها بقدر ما يكمن فى فرض التعود على نموذج محدد للتفكير» فـالإنسان المنتج للعلم والتكنولوجيا، هو الإنسان الذى كُوّن معرفيًا منذ الطفولة بتدريبه على أهمية الأسئلة، وتقليب الاحتمالات الممكنة، أما الإنسان المستهلك، فهو الذى كونته سلطة العارف الذى يمتلك الحقيقة، ويعطى إجابات دائمًا واحدة وقاطعة وجاهزة، وهذا النمط من التربية عادة ما يُورث الاستهلاك، ويعطى المعرفة طابعًا كميًا لا كيفيًا.
وتعمل المدارس والجامعات بمنطق الحقائق المطلقة التى يجب أن يتبعها الجميع، ومن ثم تخلّف ثقافة القطيع، وتسعى فى الحفاظ عليها.
باحث







