الخميس 16 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

النهاية فى بث مباشر..

شريف عبدالمجيد: تنبأت بـ«انتحار سيدة الإسكندرية» فى «جامع العملات القديمة»

حرف

- الحياة فى «عصر الترند» تشبه لوحة إعلانات متغيرة 

- العالم كله يتجه للعزلة.. وحتى العزاء أصبح على «فيسبوك»

- الكتابة بها قبس من نور يُمكِّن الكاتب من استشراف المستقبل

قبل أيام، استيقظنا على خبر مفجع أحزن قلوب الجميع، هو إلقاء سيدة الإسكندرية نفسها من شرفة شقتها الموجودة فى الطابق الـ13، فى بث مباشر عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك».

ورغم ما أثارته من حزن شديد بين المصريين، فإن المفارقة أن هذه الواقعة كتبها القاص شريف عبدالمجيد، فى قصة «بث مباشر»، ضمن مجموعته القصصية «جامع العملات القديمة»، الصادرة مطلع العام الجارى عن دار «بتانة» للنشر.

ومع فارق أن بطل القصة ينتحر شنقًا أمام كاميرا هاتفه فى بث مباشر، جاءت واقعة «سيدة الإسكندرية» لتطرح تساؤلات حول المأزق الذى يجد المبدعون أنفسهم فيه، ألا وهو أن الواقع يفوق الخيال فى كثير من الأحيان، فى تفاصيله ومجرياته، بل وفى لا معقوليته حتى صار «فانتازيا» لا تُصدَق.

عن «زمن العزلة» و«هوس الترند»، واستشراف المبدع للمستقبل ومآلاته، كان لـ«حرف» هذا الحوار مع القاص شريف عبدالمجيد، الذى يعد واحدًا من قليلين، يُعدون على أصابع اليد الواحدة، ولا يزالون قابضين على جمر فن القصة القصيرة.

■ بين أولى مجموعاتك القصصية «مقطع جديد لأسطورة قديمة» فى ٢٠٠٢، ومجموعتك الأخيرة «جامع العملات القديمة»، تبدو شديد الإخلاص لفن القصة القصيرة.. لماذا؟

- القصة القصيرة هى فن يعتمد على الإيجاز والتكثيف والتلخيص. هو فن قريب لشخصيتى وتكوينى. وربما كذلك هو قريب الشبه من فن أجيده هو التصوير الفوتوغرافى. ففن الصورة الثابتة أو فن اللقطة يعتمد على تثبيت لحظة من الزمن لأغراض مختلفة، منها ما هو توثيقى ومنها ما هو جمالى، والكادر فى النهاية ربما يحكى قصة أو حكاية أو مشهدًا أو فكرة تعبر عن عوالم كاملة.

بأقل قدر من اللقطات أو فى لقطة واحدة تكثف كل المشاعر بشكل إنسانى، وتخلد فى الذاكرة إذا كانت معبرة بالفعل عن المشاعر الإنسانية بشكل حقيقى وعميق. لهذا أعتقد أن فن القصة القصيرة يشترك مع فن اللقطة فى عناصر كثيرة.

حاولت فى كتابة النصوص المسرحية، والكتابة للأطفال، وكتابة السيناريو الوثائقى، وإعداد البرامج، لكن تظل القصة القصيرة هى الملاذ الآمن لى.

هذه كلها أسباب ظاهرية ومنطقية، لكن عشقى لهذا الفن أعتقد أن هناك شيئًا ما يشبه نداء «النداهة» يشدنى إليه دون إرادة أو قصدية منى، وهو ما انتهى إلى إصدارى ٨ مجموعات قصصية، بدأت بـ«مقطع جديد لأسطورة قديمة» عام ٢٠٠٢ عن دار «ميريت».

■ ألم تراودك الرواية من قبل؟ وكيف قاومت إغراءات كتابتها رغم أننا «نعيش زمنها»؟

- راودتنى كثيرًا بالطبع. لكن ربما لم أجد العمل الذى أبدأ به بعد، وهى حلم مؤجل. بالتأكيد الرواية فن عظيم، وهى «ديوان العرب» الآن. لكن أعتقد أن الأفضلية ليست فى النوع فقط، سواء قصة أو رواية، بل فيما ستكتبه، وهل يمثل إضافة نوعية أو فريدة، أو يعبر عن ذاتك بشكل مميز.

القصة القصيرة تحقق لى الإشباع الفنى، والحس الفنى لكل فنان يجعله يختار طريقته فى التعبير المناسبة لشخصيته، والخامة التى يستطيع تشكيلها. لهذا أميل بشكل شخصى لفن القصة القصيرة.

■ ما موقع المجموعة القصصية «جامع العملات القديمة» فى مسيرتك الإبداعية؟

- «جامع العملات القديمة» تمثل لى فرحًا خاصًا وتحديًا استطعت إنجازه على مدار ٣ سنوات، وكان من حسن حظى التعامل مع ناشر متميز يقدم العمل الأدبى بأفضل صورة، وأنا فى العموم كنت محظوظًا فى التعامل مع ناشرين يحترمون العمل الأدبى بشكل كبير.

«جامع العملات القديمة» هى محاولة للتعبير عن أثر الوسائط الحديثة والعولمة فى حياتنا، وبالتحديد على شخصيات من الطبقة الوسطى المصرية، خاصة أن العالم الآن يمر بتغيرات كثيرة وحروب وصراعات وأحداث كبرى تؤثر على الإنسان فى كل مكان بشكل مباشر وغير مباشر، ودور الفن من وجهة نظرى أن يرصد تلك التغيرات غير المباشرة ويلتقطها ويبرزها.

بعد أن تخطيت الـ٥٠ نظرتى للأشياء تغيرت، وكذلك تلقى الأحداث والأشياء، وصارت لدىّ قدرة أكبر على التأمل. بينما فى البدايات كانت لدىّ قدرة أكثر على الحركة والرصد الآنى. لذا سنجد فى المجموعة شخصيات تحاول أن تنجو من متناقضات العالم وتحيا بسلام، لكنها تتعرض لمؤثرات خارجة عن إرادتها، تدخلها فى عالم التيه والاختيار وقبول التحدى وإلا ستُسحَق أمام متغيرات الزمن والعصر.

■ تتراوح قصصك بين العام والخاص.. كيف تدير هذا التوازن داخل النص؟

- فى الحكى الشعبى وحكايات «ألف ليلة وليلة» نجد الشخصيات بسيطة وغير مركبة، لكنها تتعرض رغمًا عنها لصراعات وحوادث غريبة تجبرها على التورط فى عالم فوضوى و«فانتازى». فـ«شهر زاد» متورطة فى أن تظل حبكتها وخيوطها الدرامية قوية متماسكة وإلا سيقتلها «شهريار»، والشخصيات أبطال الحكايات تتورط فى صراعات مع الجن والعفاريت والعوالم السفلية والبحارة والقراصنة.

وربما القصة القصيرة تشبه هذه الفكرة تمامًا، فالأبطال أناس عاديون يتورطون فى فقد «كارت فيزا»، أو تبتلعه الماكينة بلا سبب، أو عليها أقساط مطلوب سدادها، أو تحويل إلكترونى لأحد أبنائهم من مدرسة لمدرسة. الحدث هنا يبدو شخصيًا وعاديًا، لكن بعد تتابع المشاهد نكتشف تورط أبطال القصص فى عوالم لا يعرفونها قوية قاهرة، لها نظم وقوانين لا يعرفونها أو يقدرون على التعامل معها. من هنا يشتد الصراع، وتكتشف الشخصيات هشاشتها وضعفها الإنسانى. لذا فالخاص هنا ينقلب إلى عام والعام يعد شأنًا خاصًا، وهكذا.

■ تناولت هوس «السوشيال ميديا» فى قصة «بث مباشر».. كيف ترى تأثيرها على الوعى الإنسانى؟

- أحاول من خلال أعمالى القصصية نقد العولمة بشكل فنى. وفى قصة «بث مباشر» تناولت أثر «الميديا» وهوس «الترند» على أفراد فى المجتمع المصرى، لأن التنميط عنصر أساسى فى إنسان العصر الحديث، وكلنا تأثرنا به.

فى «بث مباشر» أتناول حياة شخص انتحر فى بث مباشر. القصة تتضمن اهتمامًا مكثفًا وكبيرًا بالحدث، وتتناول جوانبه وتأثيراته على المحيطين بالشخص، خاصة أهله وجيرانه، ثم متابعة الحدث فى المستشفى والشرطة والقضاء والبرامج التليفزيونية. وبعد قليل، ومهما كانت مرارة وصعوبة الحدث، يتحول إلى خبر قديم، ويحل محله «ترند» وحدث جديد ليحظى بنفس الاهتمام الوقتى الكبير، وهكذا.

ترصد القصة هذا الاهتمام الشكلانى والظاهرى بقضية ما حتى نظن أنه لن يحل محلها شىء، لكننا، وكما قال كاتبنا الكبير نجيب محفوظ: آفة حارتنا النسيان. هذا الكم من البيانات والمعلومات والأحداث التى نتلقاها يوميًا على هواتفنا يجعلنا ننفعل فقط، وتتحرك لدينا العواطف البدائية، لكنها لا تشكل فى النهاية سوى تعاطف وقتى مع الضحية أو صحاب «الترند»، والقصة ترصد ذلك وتكشفه.

■ كيف رأيت تحقق عناصر قصتك فى واقعة انتحار «بسنت سليمان» فى بث مباشر على صفحتها الشخصية؟ 

- أولًا: أنا أتقدم بخالص التعازى لأسرة الفقيدة، وتعجبت بالفعل من تطابق الواقع مع الخيال، فالواقع حاليًا يسبق الخيال، وربما تحدث فيه أحداث أعجب من كل القصص الواقعية، ضمن لحظات سيولة يمر بها العالم.

العالم المستقر الذى تحكمه «الحرب الباردة»، ثم أمريكا القوة الكبرى فى العالم، صار متغيرًا بشكل كبير عما ألفناه، وتخطى فكرة العولمة والشركات العابرة للقارات، وأصبح أكثر تعقيدًا. أصبح عالم «العملات المشفرة» و«الذكاء الاصطناعى»، و«جيل زد» الجديد الذى رأى أشياء مختلفة عن الأجيال السابقة عليه.

وقدر الكاتب فى العموم أن يستشرف المستقبل بحسه العالى، وقراءته الواقع والتاريخ الاجتماعى والسياسى. «دافنشنى» مثلًا تخيل الطائرة قبل اختراعها. ونجيب محفوظ كتب «ثرثرة فوق النيل» قبل وقوع «النكسة». وفيلم «العصفور» ليوسف شاهين به أغنية النصر قبل حرب السادس من أكتوبر والعبور. لذا أعتقد أن الكتابة بها قبس من نور يجعل الكاتب أكثر حساسية أمام المتغيرات المختلفة.

■ هل تعتقد أن «ثقافة الترند» أصبحت خطرًا حقيقًيا على المجتمع؟

- «ثقافة الترند» هى جزء من ثقافة العصر، لها عيوبها ومميزاتها. عيوبها أنها تجعلنا نهتم جميعًا بحدث ما، لكن سرعان ما يذوب فى دوائر النسيان عندما يظهر حدث آخر بعده. خطورتها أنها تثير فينا العواطف البدائية، وفكرة الإثارة العاطفية أو الانفعال المؤقت، لذا لا ترسخ لفكرة التأمل أو التركيز على قضايا أعمق.

الحياة فى عصر الوسائط الحديثة تشبه لوحة إعلانات متغيرة لا نتابعها بكامل الاهتمام، لأنها تتغير كما تتغير لوحات الإعلانات عندما نتوقف عند إشارات المرور. وعندما تتحرك بنا السيارات لا نتذكر الإعلانات لنتابع إعلانات جديدة فى طرق أخرى، وبهذا تصبح ذاكرتنا البصرية ممتلئة لكنها بلا مضمون ولا هدف وأفكار عميقة.

■ لماذا يتكرر حضور العزلة والوحدة فى مواجهة الموت فى أكثر من قصة بالمجموعة؟

- إنسان هذا العصر يمتلك كل الوسائل التى تمكنه من الاندماج مع العالم من خلال الوسائط الحديثة، حتى شراء الأشياء البسيطة يمكنك أن تقوم به من خلال المواقع المختلفة، والاقتصاد فى العالم كله ينحو ناحية التطبيقات المختلفة.

حتى التاكسى نفسه، تاكسى القاهرة المشهور ومشاجرة العداد انتهت، فمن خلال التطبيقات تعرف المكان مسبقًا، والسائق من خلال مواقع التتبع يعرف خريطة المكان، والدفع من خلال الكروت، وبالتالى لا يمكن تبادل كلمات الفصال اللذيذة التى كانت تميز مواصلات القاهرة.

وبعد انتشار «الكوفيد» اتجه العالم لفكرة العمل من المنزل بشكل أوسع، وبهذا صار الإنسان يصل لكل شىء بسهولة، لكنه صار أكثر انعزالًا وغربة. حتى واجب العزاء كلنا نكتب على «فيسبوك»، وربما مكان العزاء نفسه يكون خاليًا.

العالم كله يتجه لهذه العزلة والوحدة. وفى اليابان هناك دراسة عن الشباب الذى يقضى كل حياته على التطبيقات، ويعمل من خلالها. هذا الشباب ربما يقضى عدة أشهر وربما سنوات فى منزله دون أن يخرج أبدًا. والدراسة تحذر من أن هذا الجيل لديه ميل كبير للانتحار لأنه لا يتواصل مع البشر إلا قليلًا. تسميهم الدراسة اليابانية «الهيكيكومورى». امتدت الظاهرة لكوريا، وأعتقد أنها ستنتشر بقوة فى العالم أجمع فى غضون سنوات قليلة.

 

■ «الجغرافيا تاريخ ساكن».. كيف انعكست هذه الفكرة داخل نصوص «جامع العملات القديمة»؟

- هى مقولة صحيحة بالفعل، أؤكدها وأزيد عليها: «لا هروب من الجغرافيا». وكما يقول عالمنا الاجتماعى الكبير جمال حمدان: «هناك قوة ومعنى وقمية للموقع والموضع». فمثلًا مصر قدرها أن تكون قوة إقليمية كبيرة، ليس بسبب قوتها البشرية فقط، بل بفضل موقعها الاستراتيجى وربطها للقارت، وقوة شعبها الذى حفر واحدة من أهم الممرات المائية فى العالم قناة السويس.

وعلى مستوى شخصيات المجموعة، المكان يحدد طبقتها الاجتماعية، وحالتها الاقتصادية، وطريقة تعاملها، وتشكل ذكرياتها. أبطال قصصى معظمهم ينتمون للطبقة المتوسطة وشارع الخليفة الشعبى، ينظرون للعالم من خلال وعيهم بتراث المكان والأولياء والأدعياء والمزيفين، وكذلك عبر وعيهم بتاريخ هذا الشارع العظيم المسمى بـ«القصبة الكبرى» لوجود جامع الخليفة العباسى، وكذلك لوجود مجموعة كبيرة من مساجد الأولياء.

ومحلات الذهب والفضة فى شارع «الخليفة»، أو المعروف شعبيًا بشارع «الأشراف»، كان يملكها اليهود والأقباط والمسلمون، ولم يمس أى محل منها أبدًا أو يسرق. والآن تغيرت ملامح شارع «الأشراف»، لكن كل حجر فيه يحكى حكاية، بها الكثير من الروايات والعبر كما كنا نقرأ فى كتب التاريخ.

■ قصة «حكيم» تطرح فكرة الوحدة الوطنية ببساطة لافتة، كيف ترى الشخصية المصرية اليوم فى ظل التحولات التى شهدتها خلال العقود الأخيرة؟

- هذه القصة من أقرب القصص إلى قلبى. عم «حكيم» هو شخصية حقيقية فى شارع «الأشراف»، تربيت مع أولاده، وظلت شخصيته الآسرة فى ذاكرتى طوال الوقت. لم يكن فى جيلى فكرة مسيحى ومسلم، فكلنا مصريون.

«عم حكيم» كان له نصيب من اسمه، ولم أكتب قصته بقصدية عن علاقة شخصين مسلم ومسيحى، بل كتبتها كما عشتها دون رموز أو كلام خارج نطاق الشخصيات. هى جزء بسيط من الحياة المترابطة التى عشتها فى شارع «الأشراف» لأننا نسيج واحد وروح واحدة.

■ تميل كتابتك للتكثيف.. هل هذا خيار جمالى أم ضرورة سردية؟

- تقول أليس مونرو، وهى كاتبة قصة قصيرة كندية حازت على جائزة «نوبل» فى الأدب: «إذا كان الإنسان يستطيع أن يعبر عما بداخله فى 30 ورقة فلماذا يكتبه فى 400 ورقة؟». أعتقد أن هذا شعار أحبه وأطبقه على نفسى فى الكتابة.