الخميس 09 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

زينب السجينى.. ريشة المصرى «اللى ياكلها بدُقَّة»!

زينب السجيني
زينب السجيني

- أغلب أبطالها من النساء والأطفال حتى إنها لقبت بـ«فنانة الطفولة والأمومة»

«أم الفنانين».. «فنانة الأمومة والطفولة».. «شاعرة اللون والخط».. «أنشودة البساطة».. كلها ألقاب أطلقت على واحدة من رائدات الفن التشكيلى المصرى، هى الفنانة زينب السجينى، التى فارقت عالمنا، أمس، عن عمر ناهز الـ95. 

فى السطور التالية، نبحر فى عالم لوحات زينب السجينى، التى وصف النقاد فنها بأنه «لمس الطبيعة الأصيلة للإنسان المصرى، الذى «ياكلها بدُقَّة»، ولا يستبدل بقناعته هذه سباق المجتمع الاستهلاكى، الذى يمضى لاهثًا بالإنسان ليس إلى الثراء فحسب بل إلى حتفه.

ثراء الروح

لعل أبرز ما يميز أعمال زينب السجينى ثراء الروح رغم بساطة التكوين، وهو ما رصده الناقد التشكيلى نعيم عطية، المجايل لها، فى كتابه «عطر وألوان»، الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة عام ٢٠٠٢.

يقول «عطية»: «لعل من أخلص ما تتغنى به لوحات الفنانة زينب السجينى هو الثراء الباذخ، رغم بساطة التكوين والتلوين. والثراء هنا ثراء الروح، وليس ثراء المادة»، معتبرًا أن فنها «يتضمن عتابًا وليس احتجاجًا على زمن اهتبال المادة، زمن الضراوة الذى ما عادت تعتبر فيه القناعة كنزًا، وإن اعتبرت كنزًا فهو على أى حال يفنى!».

ويضيف: «فن زينب السجينى عاش وسيعيش مادام هناك إنسان مصرى بسيط يقنع بما لديه، ويزهد مستغنيًا فيما لا يحتاجه، رغم الإغراءات والإلحاح والمطاردة التى يتعرض إليها من أنماط استهلاكية هو فى غنى عنها فيقاومها ولا يستسلم لمطاردتها».

ويواصل: «لهذا بقى فن زينب السجينى وسيبقى، لأنه لمس الطبيعة الأصيلة للإنسان المصرى، الذى (ياكلها بدقة)، ولا يستبدل بقناعته هذه سباق المجتمع الاستهلاكى، الذى يمضى لاهثًا بالإنسان ليس إلى الثراء فحسب بل إلى حتفه».

زمن البراءة

يرى الناقد نعيم عطية أن لوحات فاطمة السجينى تعقد أواصر صداقة بينها وبين متلقيها، صداقة من أول نظرة تقع على لوحاتها، لا لشىء سوى البساطة التى تميز أسلوبها التصويرى دون ضجيج أو استعراض للإمكانات.

ويضيف: «لوحاتها تعود بنا إلى زمن البراءة، الذى تنعم فيه صباياها باللعب البرىء مع الطير والحيوان والسمك، وما أبدع ذلك التكوين المتماسك السهل الممتنع، الذى يجمع أختًا حملت بذراعها أختها الصغرى على كتفيها، ومدت ذراعها الأخرى لتقف على يديها لا عصفورة بل سمكة صغيرة، قفزت توًا من بين الأمواج عند قدميها السمراوين الحافيتين. والسمكة فى تراثنا الشعبى رمز للخير والرزق دومًا، ولهذا تضعها بعض الفتيات فى لوحات زينب السجينى على رءوسها».

ويواصل: «أما فى الحقول وعلى سفوح التلال، حيث تنبت تخيلات لن تلبث أن تنمو وتترعرع وتثمر تمرًا، والصبايا تلعب مع الأبقار، تجلس على ظهورها، وأحيانًا ترقد عليها فى استسلام وأمان، كما تقف الطيور البيضاء الصغيرة ترفرف بجناحيها على رءوس تلك الأبقار أيضًا، تشاركها اللعب والفرحة فى جنات خضراء وارفة الظلال».

ويكمل: «هذا اللعب الذى تهنأ به القرويات الصغيرات فى لوحات زينب السجينى، ليس لعبًا لذاته وبذاته فحسب، بل هو أداء لبعض الأعمال الحقلية أيضًا. وهكذا يجتمع العمل واللعب فى تكوينات ترفرف عليها البهجة والصفاء».

من زاوية أخرى، والحديث لا يزال لـ«عطية»، إذا حلت كارثة، مثل زلزال أو سيول، بالناس البسطاء، ناس مصر المنحدرة قسماتهم من مقابر ومعابد أسوان والأقصر، فإن الشدائد تجمع بينهم، وتلملم شملهم، فيضحون جسدًا واحدًا يئن بالألم نفسه، وينضح بالشكوى ذاتها.

ويضيف: «تحتضن الأم فى إحدى اللوحات صغيرتها، ويتلامس الوجهان بحثًا عن الأمان الذى لا يجده الطفل إلا فى أحضانها. ولا تجد الأم لحياتها من معنى إلا فى درء كل المكاره والشرور عن طفلها الأعزل».

حافية القدمين 

سمات مشتركة تجمع بين نساء لوحات وأعمال زينب السجينى، سمات أشبه بعلامة مائية وبصمة خاصة مسجلة باسمها فقط، حتى إن المتلقى يعرف خطوطها حتى لو العمل دون اسمها.

يفسر الناقد نعيم عطية ذلك بقوله: «الفتيات والنسوة فى لوحات زينب السجينى هن صعيديات نوبيات، من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ولا تخطئ العين هويتهن هذه، بشرتهن السمراء الخمرية التى أسكرت من قبل فناننا الكبير محمود سعيد فى طريقه إلى المصرية بشعرهن الأكرت وقسماتهن الأميل إلى الزنجية، وعيونهن النجلاء الكحيلة، وملبسهن الذى يماشى سخونة الجو فى مصر العليا».

ويضيف: «هذه الفتيات والنسوة يبدين على الدوام فى اللوحات حافيات سواء كن فى الخلاء أو داخل البيوت، وينم ذلك عن حنين الإنسان المصرى إلى الفطرة، كما يضفى على شخصيات زينب السجينى مسحة من البدائية، ويبدين رمزًا للاحتجاج على قيود المدنية، وللرغبة الدفينة فى التحرر منها، حيث يمكن القول من خلال تلك اللوحات إن العبرة ليست بالهندام والملبس، بل بالإنسان ذاته وراء كل ذلك». 

ويرى أن الإنسان ولو كان حافى القدمين أكرت الشعر، أجدر بالاحترام من نساء الصالونات المضمخات بالعطور الرافلات فى الدمقدس والحرير، المصففات الشعور بأحدث التسريحات الغربية.

ويضيف: «نستبيح لأنفسنا أن نقول فى هذا المقام، استنطاقًا لفن زينب السجينى، إن هذا الشعر الأكرت المهوش خشن الملمس، هو الأجمل فنيًا. أتعرفون لماذا هو الأجمل؟ لأنه أكثر صدقًا، أو إن شئنا الدقة هو الصدق بعينه، بينما ذلك الذى نجده فى صالونات المدينة هو الزيف بعينه، وهل للفن خيار آخر غير إعلاء للصدق على الأكاذيب مهما تجملت؟

ويذهب «عطية» إلى أن أسلوب زينب السجينى واعتناقها الصدق الفنى امتد أثره لعدة أجيال وأسماء بارزة فى تاريخ الفن التشكيلى المصرى.

الإمتاع والمؤانسة

فى لوحات زينب السجينى، الطفولة والبراءة والأمومة، فأغلب أبطالها من النساء والأطفال، حتى إنها لقبت بـ«فنانة الطفولة والأمومة»، وهو عالم تعكس مفرداته البراءة والسلام، فى بساطة ونعومة. 

يصف «عطية» ذلك بقوله: «البشر والقليل من الحيوان والشجر، هى مفردات لوحات زينب السجينى، وتجرى المحاورات بين هؤلاء البشر، الذين هم نساء وأطفال فحسب ولا رجال، تجرى المحاورات بينهم على الأخص عن العزلة والخوف والحاجة إلى الآخر».

ويفصل رؤيته قائلًا: «فى لوحة السيدة الجالسة على كرسى خشن الصنع، ومن حولها الصحراء تزخر بوحوش مخاتلة تتربص بها وتضمر لها الشر، وتترقب اللحظة التى تسنح لها فيها أن تنقض عليها وتفتك بها».

ويضيف: «مثل هذه الوحوش لا تحيط البشر فى الصحارى والقفار فحسب، بل فى حياة كل يوم فى البنادر والمدن أيضًا- فى هذه اللوحة جلست امرأة من نساء زينب السجينى، نوبية صعيدية، على كرسيها فى هدوء مستسلمة حافية القدمين، لا زاد معها ولا عتاد، ولا تخشى وحشًا ولا ترهب شيئًا، والوحوش المذكورة بدورها تتشممها عن بعد».

ويستطرد «عطية» أن لوحات زينب السجينى «تشعرك بدفء الروابط الإنسانية التى تنطوى عليها. تأخذ هذه الأعمال بيدك، تدعوك إليها، وتقودك برفق ومودة لتجوس بين جنباتها».

ويتابع: «هى ليست على أى حال روابط صادمة زاعقة مثل تلك التى عرفتها الرومانسية، وما نحا نحوها من مدارس ومذاهب ميلودرامية، بل هى روابط رهيفة خفيضة الإيقاعات تلمسها بشغاف قلبك أكثر مما تلمسها بقريحتك المتوقدة».

ويرى أنه فى عالم زينب السجينى المتواضع تحس بالألفة والأمان وأنت تستمع إلى أنشودة البساطة مصفاة من حذاقة الصنعة، مضيفًا: أن أعمالها أبعد ما تكون عن تعقيدات الشكلانيين ومتاهات المنظرين من أسطوات الحداثة.

ويختتم بقوله: «إننا لا نقلل على أى حال من شأن هؤلاء، ولكننا أيضًا نريد ألا نبخس إسهام المتوجهين بفنهم نحو البساطة فى إثراء حقل العطاء الفنى بتصاويرهم الطلية التى قد يتضاءل إزاء وضاءتها بعض من أعمال الحداثة الجوفاء».