شارع التسعين.. لا يعرف الرز بالبسلة.. محمد فياض: «EGYPT» موجودة من أيام الفاطميين
- الطبقة الوسطى الأكثر معاناة واستحقاقًا للشفقة.. وأبناؤها مثل «راقصى السلم»
- المتشبثون بالطبقة الوسطى هم أكثر أبناء الدنيا شعورًا بالخوف
- «المطحونون» أقل شعورًا بالقلق من أبناء الطبقة الوسطى لأنهم يعيشون أيامهم
- عدم قدرة أبناء الطبقة الوسطى على الانتساب للحياة الفاخرة يدفهعم إلى الادعاء
- «Egypt» بنت التطور الاجتماعى والفروقات الطبقية ونتيجة تاريخية طبيعية
- الاستهلاكيون أسرى للوجاهة والادعاء وحب الظهور
- أبناء المستهلكين يختزلون التعلم فى «اللانش بوكس»
- المدفونون الذين لم تتح لهم رؤية النور ليس لديهم نزاهة القرار ولا حرية الاختيار
فى كتابه الصادر حديثًا عن دار «روافد» للنشر بعنوان «كل الطرق لا تؤدى إلى شارع التسعين.. هواجس حول قصر ديل الطبقة الوسطى المتشبثة»، يشرح الباحث الدكتور محمد فياض التغيرات التى طرأت على الطبقة الوسطى، وما أصابها حتى صار المنتمون لها يوصفون بأنهم «المتشبثون».
يشبه «فياض» أبناء هذه الطبقة بأنهم «كمن رقص على السلم»، فلا هم فقراء فقرًا مدقعًا يجعل المعادلة لديهم صفرية متساوية، أو بالتعبير الشعبى «أحمد زى الحج أحمد»، ولا هم أبناء الحراك الطبقى من الطبقة الدنيا إلى الطبقة الوسطى، وفق تعبيره.
حول الكتاب وفكرته التى برقت فى ذهن مؤلفه من نقاش مع صديق، فى أحد «الكومبوندات» الفاخرة بمنطقة التجمع الخامس، ودور النزعات الاستهلاكية فى أزمات الطبقة الوسطى «المتشبثة»، وغيرها من الأفكار الأخرى، كان لـ«حرف» هذا اللقاء مع الدكتور محمد فياض.

■ «كل الطرق لا تؤدى إلى شارع التسعين.. هواجس حول قصر ديل الطبقة الوسطى المتشبثة»؟.. ما الذى تقصده من وراء هذا العنوان؟
- «قصر الديل» هو توصيف من الأدب الشعبى يعبر عن قلة الحيلة، ويُترجَم إلى تعبيرات أخرى مثل «العين بصيرة والإيد قصيرة». نعم، العين بصيرة، تبصر أعين أبناء الطبقة الوسطى أنماط العيش الفاخرة دون قدرة على الانتساب لهذه الأوساط، فتحاول الادعاء.
لذلك، بطل الحكاية «أنيس المصرى» يقدم توصيف «قصر ديل شريحة المتشبثين فى الطبقة الوسطى» قائلًا: «وهى الأكثر ادعاءً والأكثر معاناة، تتجسد فيها كل مواهب راقصى السلم بامتياز، كل معانى الادعاء والتمثيل والظهور، وهى الشريحة التى تبدو للكل الأكثر راحة والأكثر نبوغًا والأكثر ثراءً من باقى شرائح المتوسطين.. ولكن الحقيقة التى يُدركها الكل أنها أكثر الشرائح استحقاقًا للشفقة».
والغريب أن الصفحات الأولى من هذا الكتاب كُتبت فى واحد من «الكمبوندات» الفاخرة فى شارع «التسعين»، فبالتزامن مع أيام معرض الكتاب قبل السابق، دعانى صديقى لمرافقته أسبوع فى شقة فاخرة مملوكة لأحد أقاربه، وأثناء جلوسنا فى الشرفة، بدأ صديقى فى طرح أسئلة تعبر عن أحلام عاجزة بلا أدوات وبلا أجنحة.
سألنى: تُرى هل يمكن لى ذات يوم أن أعيش فى «كومبوند» مثل هذا، ترى هل سأشعر بالسعادة؟ - هل يمكن لى أن أحلم أن أنتمى لهنا؟ لمحت فى عين صديقى شجنًا حقيقيًا، أخبرته أننى لا أحب هذه الأماكن، وأن القاهرة الأخرى تستهوينى وتغرينى، قال لى بالنص: «ده قصر ديل...». ومن هنا جاءت الفكرة وجاء التوصيف.
■ ما هواجس هذه الطبقة وأبنائها؟
- هواجس الطبقة الوسطى حددها «أنيس المصرى» فى حديثه عن الخوف، خوف أبناء الطبقة الوسطى، مؤكدًا أنه وشريحة المتشبثين أكثر أبناء الدنيا شعورًا بالخوف. بلسان حاله يقول: «الغد بالنسبة لنا هو كيان مجهول مرعب، وأنا بصفة خاصة أشهد أننى ابن بار من أبناء الخوف. هذه البنوة المرعبة هى بنوة مسئولة عن كل التشوهات والخسائر الكبرى. ومع تربية الخوف وحياة الخوف فالسعادة ادعاء ورفاهية غير مطلوبة. أبناء الخوف لا يشعرون بسعادة إلا عبر النوستالجيا كونهم قد تأكدوا أن الأيام الفائتة مرت بسلام».
أبناء الطبقة الوسطى المتمسكون فى لباب طبقتهم متفردون فى وضعهم الطبقى، فلاهم فقراء فقرًا مدقعًا يجعل المعادلة لديهم صفرية متساوية، أو بالتعبير الشعبى «أحمد زى الحج أحمد»، ولا هم أبناء الحراك الطبقى من الطبقة الدنيا إلى الطبقة الوسطى، فأبناء الحراك متحررون من خوف السكان الأصليين للطبقة الوسطى كونهم حققوا انتصارًا بالتخلص من طبقتهم الفقيرة، وما زالت لديهم آمال ومساحات أوسع للحراك ربما تنتهى فى شارع «التسعين» وربما تتجاوزه.
أيضًا ليست لديهم مشاعر هزيمة المنحدرين من الطبقة العليا، فهم إما جماعات وأفرادًا تركوا ساحة معركة التفوق الطبقى، وأعلنوا عن هزيمتهم برضا مشوب بانكسار، أو عناصر ما زالت لديهم الأدوات والعقلية لاستعادة أراضيهم المحتلة مرة أخرى. والأهم أنهم ليسوا من أبناء الخوف، وبالتالى لديهم فرصة للخلق والإبداع والعودة مرة أخرى.

■ هل وصل «أنيس» إلى نتيجة بناءً على رؤيته تلك؟
- نعم، بأسى يصل «أنيس» إلى نتيجة مفزعة قائلًا: «أما نحن فمفعوصين أبناء مفعوصين، يسكن معظمنا فى أدوار مخالفة ربما يجوز التصالح فى أوضاعها ولكنها تبقى مخالفة، وكأنها تعبر عن وضع تلك الطبقة المخالفة. والتصالح الوحيد لدى طبقتنا هو أن تفلت يدك لتنزلق بهدوء إلى القاع. طبقتنا طبقة تصمم على الوجود والحياة رغم أن كل المقدمات لا تؤدى إلا لنتيجة اندثار. بالتالى يبذل أبناء تلك الطبقة جهدًا ذهنيًّا فائقًا ومضاعفًا يمهد الطريق تمهيدًا ملكيًا للجلطات وأمراض الضغط والسكر والتوتر والمرض النفسى بكل أصنافه وأنواعه ومظانه».
يشرح «أنيس» طبيعة يومه بالقول: «إن يوم إنسان الطبقة الوسطى هو يوم ثقيل وصعب. فرحته المؤقتة لا تتجاوز وقت حصوله على أموال استثنائية طارئة غير منتظرة، وسريعًا ما تتلاشى سعادته مع تطاير النقود. ثقوب المتطلبات اليومية والشهرية للطبقة الوسطى ثقوب سوداء خبيثة تبتلع أى سعى أو مكسب أو ادخار. أنا مؤمن أن المطحونين أقل شعورًا بالقلق من المتوسطين، فالمطحون يعيش يومه فى حين أن المتوسط يقلق بشأن غده وينسى أن يعيش يومه».
لذلك، الطبقة الوسطى بهذه الصورة طبقة «ملعونة مرعبة» كما جاء توصيفها فى الكتاب.
■ بداخل الطبقة الوسطى شرائح وتقسيمات، لأى منها ينتمى الأستاذ الجامعى «أنيس»؟
- جاء لفظ المتشبثين فى عنوان وصفحات الكتاب ليصف حال أنيس الأستاذ الجامعى، تشبث ما قبل الانزلاق، وما بعد الانزلاق يحدث السقوط الكبير والمريع، يرى أنيس أن وجاهة وظيفته لا تُتَرجم لوضع مالى مريح يضمن له العيش بكرامة.
ويحكى أنيس عن زميله الدكتور إبراهيم المشهور بين زملائه بـ«إبراهيم مكنة»، وهو عالم فى تخصصه النظرى، حصل على الماجستير والدكتوراه واجتهد لنيل درجة أستاذ مساعد ثم الأستاذية الكاملة، وأضاف إلى معارفه دراسة علم النفس والقانون، موسوعة علمية تسير على قدمين.
أما عن سبب تسميته بـ«المكنة» لأنه ينتظر المرتب منذ يوم ٥ فى الشهر انتظارًا مريعًا، مرتبه عبارة عن ١٣ ألف جنيه مصرى وهو رقم قد يكون حلمًا لأحد المنتمين للطبقة الفقيرة، وقد يكون كابوسًا لأستاذ جامعى يعمل فى العلوم النظرية، ليست لديه عيادة أو وظيفة أخرى، ولا يجوز له أن يعمل بالدروس الخصوصية، ولديه متطلبات للوجاهة الكاذبة، ومتطلبات لرفاهية الأبناء للتكيف مع حياة الوهم والادعاء، يترقب بلهفة بالغة نزول مكافأة قد تبدأ من ١٢٠ جنيهًا تحكيم بحث، أو ٢٥٠ جنيهًا مناقشة رسالة أو ألف جنيه إشراف على رسالة، حياته عبارة عن بؤس ومشقة وانتظار للراتب الجديد منذ لحظة استلامه الراتب الحالى، يصل به الأمر للوقوف أمام ماكينة الـ ATM بعد الثانية عشر صباحًا ربما ينزل الراتب مبكرًا، علاقته بالماكينة علاقة وجودية، لذلك أُطلق عليه لقب «مكنة»، وهو وصف ساخر فى ظاهره مأساوى فى باطنه.

■ ما التغيرات التى مر بها مصطلح «الطبقة الوسطى» منذ ظهوره مع بدايات «الثورة الصناعية» وحتى وقتنا الراهن؟
- مفهوم الطبقة الوسطى بطبعه رمادى قلق، لا يمكن الإمساك بحدوده بدقة، ويخضع دائمًا لتطورات الزمان والمكان والتاريخ والجغرافيا. فالطبقة الوسطى قد تكون محطة «ترانزيت» فى بعض الظروف التاريخية للترقى للطبقة الأعلى، وقد تكون منزلقًا لسقوط مريع، ومن هنا جاء لفظ «المتشبثين» فى الكتاب.
بالتالى لا يمكن الركون لتعريف جامع مانع محدد عن الطبقة الوسطى. وما كُتب من تعريفات فى عصر ما لا يمكن التسليم به فى عصر آخر، لذلك، التنظير المبكر عن مفهوم الطبقة الوسطى ليست له علاقة بأى حال من الأحوال بالوضع الحالى. ومن نُحت لهم المصطلح سابقًا ليس لهم أى علاقة بأبناء الطبقة الوسطى فى زماننا المعاصر. وظرف الزمان، وظرف المكان، وظرف العوامل المحيطة، والتطورات الاقتصادية، وحركة المجتمع، هى المحددات الرئيسية لتعريف ما يسمى بالطبقة الوسطى.
■ كيف ولماذا أصبح التجمع الخامس وأمثاله «جنسية» يلهث كثيرون للحصول عليها؟
- أعبر هنا فقط عن «أنيس» بطل الحكاية، الذى يمثل قطاعًا كبيرًا من هؤلاء الحالمين. بلسان حال «أنيس»، التجمع الخامس، بكمبونداته الفاخرة، يشكل الوصول، والنجاح والثروة. هناك، فى البر الثانى، يكمن النجاح، تكمن الرفاهية. قاطنو «الكمبوندات» لم يفرض عليهم هذا الزمان شروطه القاسية. نجح أصحاب هذا التجمع أن يحددوا لأنفسهم تجمعًا برائحة النجاح والأناقة والرفاهية والشبع، تقفز الأسعار فيسبقونها، أما نحن اللاهثون، فأبعد ما نكون هؤلاء القاطنون يمثلون أعلى نقطة تميز فى «منحنى الجرس» حسب مصطلح تشارلز مورارى وريتشارد هيرمستين.
يستكمل «أنيس» طرحه فى الكتاب ليقول: «وجودك هناك كمالك وكابن من أبناء الكمبوندات يعنى أنك ناجح ومنتصر ومنتشٍ ومؤيد. أعتقد أن الجميع هناك تربطهم صلات أقوى من صلات الدم والقرابة، أقوى من صلات الفريق الكروى وصلات الانتماءات. يبدو أن هناك انتماء آخر من نوع جديد، انتماء الطبقة، وانتماء الوجاهة، وانتماء الهدوء، ترتاح وجوههم للنظر لبعضهم، وكأن ثمة لغة طيور غير مفهومة وغير منطوقة يتبادلونها بينهم».
وبحسرة ورغبة وتمنى يقول «أنيس»: «ليتنى كنت واحدًا ممن يفهمون رموز هذه اللغة، أعبر بكل شراسة عن أن هذه الأماكن هى أماكن ميتة، وفى أعمق جزء فى روحى أتمنى الانتساب والانتماء والاندماج مع هؤلاء المخمليين. أجلس أمام صديقى ابن التجمع الخامس ننظر لبعضنا البعض، أنا بعين منطفئة، وهو بعين بالغة الاتساع. انطفاء عينى هو انطفاء رجل عامت أحلامه وأفكاره وجنيهاته، وما زال لاهثًا يبحث عن الأمان والاستقرار والسكن والشغف والهدوء. أما عين صديقى ففيها شىء من لمعان النجاح، وهدوء الوصول، وأمان الانتساب لهذا المحيط الذى بات لا يقدر على مفارقته إلا إلى الامتداد الطبيعى للتجمع، ونهاية الحبل السرى الدافئ والباعث للحياة الرابط بين التجمع ومراسى».. هكذا حلم «أنيس»، وهكذا يحلم كل «أنيس».

■ حلم السكن فى التجمع الخامس يمثل رغبة مادية أم حالة رمزية؟
- رغم أن حلم السكن فى تجربة بطل الحكاية كان واقعيًا، فالرجل أستاذ جامعى يحلم بالعيش بين أوساط الطبقات الراقية، لكن بكل تأكيد، غرض هذا الحلم فى الكتاب كان رمزيًا، فالتجمع الخامس بدا لـ«أنيس» حيزًا جغرافيًا يقطن فيه الناجحون والنابغون والمتفوقون. هكذا يعتقد «أنيس» وهكذا يحلم، يحلم بالفرار من قيود طبقته البشعة وشريحته المرعبة، ويدور فى فلك اللا وصول، فى دائرته المفرغة، لاهثًا راكضًا، ترافقه نهجة مستمرة كتلك النهجة التى رافقت عادل إمام فى فيلم «الحريف».
نهجة تحلم بالوصول والسكون والراحة، تعبر عن حالة قطع نفس كل منتمٍ لهذه الطبقة التى وصفها «أنيس» بـ«المعلونة». حالة كل من أوشكت أحلامه على الجفاف. عاش «أنيس» فى معتقداته وأحلامه البسيطه وهواجسه، حاول بكل الطرق المشروعة، حاول ببيع جهده وأفكاره، أن يصل هناك لـ«البر التانى» كما وصفه.
■ كباحث فى التاريخ.. كيف وصلنا إلى التمييز بين «مصر» و«Egypt»؟ وما خطورة هذا التقسيم؟
- عبر التاريخ كان هناك دائمًا «البر الثانى»، فى العصر الفاطمى كانت هناك الفسطاط بحواريها وشوارعها القديمة، وكانت هناك القاهرة الجديدة الناصعة التى شكلت حلمًا لأبناء الفسطاط. فى الدولة العباسية كانت هناك المدن القديمة حتى تأسست بغداد بأنوارها وحكاياتها التى ملأت الحكايات إبهارًا، وغدت مادة خام لحكايات «ألف ليلة وليلة». «Egypt» هى نتيجة تاريخية طبيعية، وهى بنت التطور الاجتماعى والفروقات الطبقية.
أما عن الخطورة فهى خطورة «الأنا» و«الآخر»، لن أفرط فى سوداوية الرؤية، وتبنى وجهة نظر «يوتوبيا» أحمد خالد توفيق، لكن يمكن الإجابة عن السؤال الصعب بأسئلة أخرى: ما شعور أهل «مصر» تجاه أهل «Egypt»؟ كيف ينظر أصحاب كل ضفة للضفة الأخرى؟ وما هو تقييم كل ضفة لأهل الضفة الأخرى؟ وما مدى التربص والقبول والرضا بين أهل الضفتين؟
■ كيف تجسدت فكرة التمثيل والادعاء داخل الطبقة الوسطى؟
- داخل بعض شرائح الطبقة الوسطى يكون الادعاء وسيلة للتكيف، وعلى لسان بطل الحكاية أنيس المصرى يقول: ثمة عقد اجتماعى يجمع أبناء الطبقة الوسطى المنحدرة المتشبثة فى آخر حبل غسيل قبل السقوط العظيم أننا سنصدق.. نعم سنصدق.. لن ندع المجتمع يفرض علينا شروطه، نحن أبناء حارة سد واحدة سنتكاتف ونتظاهر وندعى ونصدق، سننتسب لمحافل لها طقوسها الخاصة كمحافل ماسونية على قد الإيد، سنتجمع فى نوادينا هشة القيمة وسينضم أبناؤنا لمدارس لغات لغات لغات، لغات يا جماعة لغات يا ناس لغات يا عالم، سنملأ الدنيا صراخًا بأننا مرموقون رائعون مميزون، ولكننا أكثر طبقات الدنيا شقاءً كوننا مدعين وكذابين بنفس ادعاء الفنان أحمد توفيق فى فيلم «شىء من الخوف» عندما قال: «والنبى أنا عتريس والنبى أنا بلوة سودة أنا بلوة مسيحة أنا ستين عتريس فى بعض انتو ما بتخافوش منى ليه»، والحقيقة المطلقة أنه لا يوجد فينا عتريس واحد، ولكننا بالفعل نعيش جميعنا شيئًا من الخوف، الخوف من الأقساط والمصاريف والمدارس والوجاهة المصطنعة والخوف من العوز وسيكولوجية الفقر التى لا يحياها الفقراء ولكن يحياها المتشبثون.
وكما عبر أنيس، فالمتشبثون متفذلكون بطبعهم، المتشبثون أسرى للوجاهة والادعاء وحب الظهور، لا يهنأون ولا يهدأون ولا يرتاحون، المظهر شبه متكامل والمضمون خاو وفارغ ومرهق، موقع الشقة، نوعية الملابس، نوعية الهاتف، متطلبات الوجاهة الاجتماعية، نوعية المدارس، مجزرة إنسانية حقيقية يحياها أهل هذه الشريحة، نمط حياتهم مستعد دائمًا لأن يكون بثًا مباشرًا على كل وسائل التواصل الاجتماعى، نحن موجودون وأحياء ومنافسون، نحن على قيد الوجاهة والتألق والظهور والتفوق، نحن على قيد الحياة، تضيع حياة المتشبث المتوسط فى اللهث والركض، يقع فريسة وضحية للادعاء والاستهلاك، فتزداد الأزمة ويقع فى تيه حياة ادعاء الرفاهية والوجاهة والتفوق.

■ إلى أى مدى أسهمت النزعة الاستهلاكية فى تدهور حال الطبقة الوسطى؟
- النزعة الاستهلاكية آفة كبرى، آفة ناقشها الكتاب ليدرك أن العادية فى زمن الاستهلاكية ضربًا من الخيال، فى الحقيقة لا يمكن قصر سبب تدهور الطبقة الوسطى على النزعة الاستهلاكية ولكنها بلا شك أحد عوامل هذا التدهور، وبلسان حال «أنيس» نحن المستهلِكُون والمستهلَكون بلا أمارة أو دليل أو حيثية.
وما إن يتخير المتشبث الجديد نمط حياة المتشبثين سيدخل دائرة ملعونة من الالتزامات التى يمكن التخفف منها، الكارثة أن تكون النزعة الاستهلاكية غير معبرة عن حاجة حقيقية بقدر سعيها فى رسم صورة غير حقيقية من المظاهر والادعاء، هنا تصبح الممارسة الاستهلاكية قاتلة، وبصورة مسرحية يصف الكتاب حال هؤلاء فى الوقوع فى هذا الفخ الاستهلاكى، يصف الكتاب حال هؤلاء بأنهم أكثر أهل الأرض إخلاصًا للمناسبات الاجتماعية والمواسم والأعياد.
أنيس هو ابن لهذه الدائرة الملعونة وبشكل ساخر يصف الكتاب هذه الدائرة قبيل العام الدراسى والتحضيرات المازوخية ومصاريف المدرسة وحجز الدروس والإيصالات المرعبة إيصال للمصاريف وإيصال للكتب وإيصال لليونيفورم الصيفى والشتوى والربيعى والخريفى والبريك واليونيفورم وملحمة اللانش بوكس.
أبناء المتشبثين يختزلون التعلم فى «اللانش بوكس» وكما يجتهد آباؤهم فى الصراخ بأننا صفوة، يزرع «اللانش بوكس» هذه الممارسة فى نفوس وممارسات أبناء المتشبثين، وقبل أن يبرأ وجع الموسم الدراسى يدخل «رمضان جانا وفرحنا به بعد غيابه وبقاله»، وفى رمضان تكمن المأساة الكبرى، طيب لحمة رمضان.. وبط رمضان.. وأكل رمضان وكنافة رمضان وقطايف رمضان وزبادى رمضان وسحور رمضان ويومين بره عشان زهقنا وعشر عزومات عشان الأهل والنسايب والصحاب والمؤلفة قلوبهم.
وفى غمرة مشاعر الأسى والتداعى تظهر الأم المتشبثة كملاك حارس تذكر المتشبث الكبير بملابس العيد التى ستخلو منها المحال فى تاريخ ٥ رمضان وهنا يبدأ التفكير فى لبس العيد، ثم تحوم الأم مرة أخرى لتظهر فى صورة أنوبيس لتُذكر بكعك العيد السادة والمكسرات وعلبة بملبن مخصوصة على جنب لكونها لا تفضل الأنواع الأخرى، ولا تنسى الزوجة بالتذكير أيضًا بمتطلبات المنزل المتشبث الأخرى من ترمس وشيكولاتة ومكسرات وبيتيفور تلك الأم التى لا تقوم بشىء سوى التذكير كجرس محطة مهجورة تتحرك فيها قطارات المحكوم عليهم بالإعدام، ثم إفطار العيد الذى كان كعكًا ثم صار رنجة وفسيخًا، وقبل الهدوء واستئناف حياة المدارس مرة أخرى، ثم شم النسيم ببيضه ورنجته وفسيخه، ثم عيد الأضحى، طيب مفيش طقم بسيط عشان الولاد ميزعلوش، وفى رابع أيام عيد الأضحى يتنهد الأب المتشبث المُغتَصب المنتهك ليجد ملاكه الحارس يظهر بوجه سماوى الطلعة لتناقشه عن الجهة التى سيتوجهون لها هذا العام صيفًا، فمطروح أصبحت زحامًا وشرم الشيخ بعيدة والغردقة مملة ودهب عايزة عرسان جداد، تُسخر الزوجة المتشبثة كل إمكاناتها الفكرية المتعفنة لتبحث وراء مواضع لم تُكتشف بعد تصلح لمصيف عائلة متشبثة تسعى للقيام بدور كريستوفر كولمبس فى اكتشاف قارة جديدة أو عالم جديد، ويأتى المصيف على عجل العيال كبرت محتاجين مايوهات والعيال صغرت محتاجين ألعاب مائية، محتاجين أكل للطريق ومحتاجين شواطئ وتذاكر دخول وملاهى وسينما صيفى وأكلة سمك وأكلة مشويات.
■ ألا يوجد نماذج معتدلة؟
- على جانب آخر، يذكر الكتاب نموذج «حسن وحنان»، حسن موظف بإحدى شركات الأتوبيس الحكومية، دوره فى العمل الإشراف على حركة النقل حتى الثانية ظهرًا، ويغادر سريعًا إلى زوجته «حنان» الاسم على المسمى وأبنائه، يأكل أى شىء وكل شىء لا يدقق فى قائمة الطعام، حسن فى مصيف اليوم الواحد لا ينشغل بلوجستيات المصيف حسن لديه ما ليس لدى أحد من الباقين حسن لديه حنان، دائمًا ما أتحدث مع حسن لأقول له حنان زى مصر يا حسن، حنان هى تجسيد لكل شىء طيب وسهل وخفيف، حنان تتحمل وتصبر وتفرح وتبتهج، حنان أنثى وقت الأنوثة ومقاتلة وقت القتال، حنان محمية حسن الطبيعية التى تحافظ عليه من الانقراض، حنان تدبر المصروف وحنان تخزن الطعام وتذاكر للأبناء وتنتظرهم وقت الامتحان بالشيبسى المصنوع فى المنزل والعصير المعصور بالمنزل أمام المدرسة.
حنان لا تتهاون مع الأبناء فى درجة امتحان أو تقييم، شقة حنان الإيجار القديم نظيفة ومعطرة ومرتبة وأنيقة بدون أى حيثيات للأناقة، نظافة الشقة ورائحتها تمنحك شعورًا فندقيًا، حسن هو مشروع حنان القومى، حسن لابد أن يكون أنيقًا حتى لو كانت قمصانه ثلاثة، ولابد أن يكون نظيفًا متعطرًا حتى لو كانت برفاناته بالجرام، وربما يتعثر الشهر فى أيامه الأخيرة هنا تكمن عبقرية حنان فى اختراع ما لا يمكن اختراعه، يترقب حسن نهايات الشهر حتى يستمتع برؤية حنان فى ملأ الأطباق بدون وجود ما يمكن الملء به.
حنان حافظت على حسن وحنان حافظت على مصر نفسها، بدون حنان كان حسن وكل حسن ليسقط أو ليتهاوى وكان البلد نفسه سيتهاوى إذن فحسن أكثرنا ثراءً دون مال ودون رغبة فى الوصول لشارع التسعين.

■ هل ترى أن الرضا والقناعة أحيانًا مجرد استسلام مقنع؟
- القناعة والرضا فضائل من المهم أن يتحلى بها الإنسان، ولكنها فى بعض الأحيان قد تكون فخ.. وبين الرضا والاستسلام خيط رفيع، تطوير الذات والسعى للحراك الطبقى، والسعى للنجاح هى أمور مشروعة، القناعة بعد استنفاذ كل وسائل السعى والاجتهاد قناعة مشروعة، وما غير ذلك هو الفخ.
الكتاب به نماذج للرضا والقناعة الحميدة، ونماذج لرضا الاستسلام، ونماذج للسخط غير المبرر، أنيس مثلا بطل الحكاية يرى أن القناعة والرضا وأكاذيب مثل «إحنا أحسن من غيرنا وأوعى تصدق أن الأغنياء مبسوطين والفلوس مش كل حاجة». وبلسان حال أنيس أنها أكاذيب تضمن لأصحابها مكانًا شديد التميز فى قاع جحيم دانتى، أنيس بطل الحكاية يقر ويؤمن أيضًا بأن هناك مكانًا محجوزًا فى قعر الجحيم لمن يقولون كذبًا «إن الفلوس مش كل حاجة» فهم كاذبون ومدعون، «الفلوس مش كل حاجة» ادعاء مُغرض يقوله إما ثرى لديه المال بلا حساب تتراكم الأصفار بهدوء وسرعة وديناميكية لديه كتراكم الخيبات فى حياة المتوسطين والمهمشين، وإما فقيرًا متفلسفًا يحاول الادعاء ممارسًا فلسفة قصر الديل كما يجب أن تكون. ويا لجحيم الفلسفة عندما يمارسها الفقير ليبرر فقره ويتعايش معه بل ويستمتع به، وبمحددات العرض والطلب يخرج أنيس بقناعة مفادها أن السيادة فى مجتمعاتنا للمال وحده ولا شىء غير المال.
■ هل السعى للترقى الطبقى وهم أم ضرورة؟
- قد يكون الترقى الطبقى حلم للكافة، وقد يكون الوصول وهم وفق الأدوات ومحددات السوق ومزاج المجتمع وفرص النجاح وتوافق الإمكانات والمؤهلات مع درجة الطموح، أما عن كونه ضرورة أم لا فيتعلق هذا الأمر بأولويات كل شخص وتصوره عن محيطه ورغباته وأحلامه، كما عبر الكتاب عن حلم أنيس بالانتقال للعيش فى التجمع الخامس والانتماء للطبقة المخملية، حكى الكتاب حكاية ناصر أن يحصل على درجة النجاح فى اختبارات العام المعيشى، حلم ناصر أن يستكمل الشهر ويستكمل العام بستر دون أزمات أو ديون، لا يطمح ناصر أن يحصل على العلامة الكاملة، أو على تقدير مرتفع فى متطلبات العام المعيشى، يطمح ناصر أن يكون مقبولًا، يطمع ناصر حتى أن يحصل على درجة الرفع، يرتعد ناصر أن يكون تقيمه فى العام المعيشى أقل من المطلوب للنجاح، فوجع الرسوب فى العام المعيشى أمام الأبناء وجع لا يمكن وصفه أو فهم أثره، وإن كنت أؤمن تمامًا أن الإنسان خُلق ليسعى ويتطور ويترقى.
فى رثاء نظرية الرز والبسلة
من المعروف أن الشخصية المصرية بما تحمله من زخم وحضور وفكاهة لا تفلت مناسبة أو حدث دون سخرية أو تعبير أو نكتة، وإبان وباء كورونا وما قيل عن ممارسات الصينيين فى الطعام والتلذذ بالخفافيش والثعابين والصراصير والعناكب والخنافس، تجلت قريحة الشخصية المصرية بسؤال جامع مانع مستنكر متسائل مفاده... «إنتوا ما بتاكلوش رز وبسلة ليه يا جماعة؟» وهو تعبير ينم عن البساطة والعادية والبعد عن الفذلكة!!
العادية فى زمن الاستهلاكية معجزة كبرى، والطبقة الوسطى وتحديدًا فى شريحتها المتشبثة هى أكثر الطبقات هجرانًا لنظرية الرز والبسلة، المتشبثون متفذلكون بطبعهم، المتشبثون أسرى للوجاهة والادعاء وحب الظهور، لا يهنأون ولا يهدأون ولا يرتاحون، المظهر شبه متكامل والمضمون «خاوى وفارغ ومرهق»، موقع الشقة، نوعية الملابس، نوعية الهاتف، متطلبات الوجاهة الاجتماعية، نوعية المدارس، مجزرة إنسانية حقيقية يحياها أهل هذه الشريحة، نمط حياتهم مستعد دائمًا لأن يكون بثًا مباشرًا على جميع وسائل التواصل الاجتماعى، نحن موجودون وأحياء ومنافسون، نحن على قيد الوجاهة والتألق والظهور والتفوق.. نحن على قيد الحياة.
تضيع حياة المتشبث المتوسط فى اللهث والركض، يقع فريسة وضحية للادعاء والفذلكة والاستهلاك، كلما بعد مؤشر حياته عن نظرية الرز والبسلة زاد الفخ، وزادت الأزمة، ووقع فى تيه حياة ادعاء الرفاهية والوجاهة والتفوق.
أرى أن هذه الطبقة- وأنا أحد أبنائها- تتعامل فى الواقع الحياتى بمنطق ممارسات هؤلاء الحمقى المدعين الذين يقدمون محتوى على التيك توك تحت مسمى شبيه فلان: نحن شريحة شبيه إمبابى، وشبيه ميسى، وشبيه كريستيانو، وشبيه البلوجر التركى أبوكرش، فى النهاية نحن أشباه ومشبوهون ولاهثون وراكضون ومتعبون.
نحن المبتسرين نرتاد المولات دون أن نكون زبائن حقيقيين إلا لمنطقة الفود كورت، نحن سائقو قطارات المول المبضونون من الأطفال الركاب والمضطرون لسماع أغنية «بيبى» شارك على مدار الساعة، ونحن المختبئين داخل الغوريلا الراقصة نرقص بكل طرافة وليونة وصخب ولكن فى الواقع فنحن بالداخل نحيا شعور الحر والغثيان وانعدام القيمة ولكننا شهداء لإمتاع المحيطين وترفيههم، والمحصلة أن قطار المول ليس قطارًا، والغوريلا التى يهرب الجميع منها بشىء من الخوف وشىء من الضحك وشئ من العلوقية ليست غوريلا، وفى مجتمع مثل هذا فنحن بلا هُوية، لا أفهم مثلًا شعور من يعمل دبدوب أو إسبونج بوب أو شلبى سلوفان، ولا فرق بيننا وبين قائدى الغوريلات والإسبونج بوبات فهم يتخفون داخل إسبونج بوب، ونحن نتخفى خلف وجاهة زائفة... والأنكى أننا لا نأكل الرز والبسلة.. وفى دوامة الافتراضات والخيالات فهناك حقيقة مؤكدة أنه لا يمكن لنا نحن ولا هم العبور هناك.. لشارع التسعين.







