الجمعة 13 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

سعيد خطيبى: مواقع التواصل الاجتماعى أسوأ اختراع فى القرن الجديد

حرف

- «السوشيال ميديا» جعلت العقل العربى يسير حافيًا ومستسلمًا لرأى الغالبية

- أنفر من مواقع التواصل لأنها قسّمت المجتمع لأقلية صاخبة وأغلبية صامتة

- من يقضى وقته على «فيسبوك» أو «إنستجرام» أو «تيك توك».. متى يقرأ؟!

سعيد خطيبى واحد من أبرز الأصوات الروائية فى الجزائر والعالم العربى، واستطاع أن يرسّخ لنفسه مكانة خاصة بفضل أعماله التى تمزج بين التاريخ والخيال، وتفتح أبوابًا واسعة للتأمل فى أزمات الإنسان المعاصر. 

وأصدر «خطيبى» روايته «أغالب مجرى النهر»، عن دار هاشيت أنطوان، التى وصلت مؤخرًا إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، حيث تدور فى فلك التاريخ وتعبر الخيط الفاصل بين الواقعى والمتخيّل، وتتحدث عن المعاناة والألم فى تاريخ الجزائر.

فى حواره مع «حرف» يتحدث «خطيبى» عن روايته، ويعرج على دور الأدب فى حفظ الذاكرة الجماعية، ويكشف عن طقوسه الخاصة فى الكتابة، إضافة إلى مشاعر العزلة التى ترافق الكتّاب العرب فى المهجر، وغير ذلك من التفاصيل.

■ تدور أحداث الرواية بين الحرب العالمية الثانية ومطلع عام ١٩٩٠، وبطلتها طبيبة اسمها عقيلة تومى.. إلى أى مدى تتطابق هذه الشخصية مع نساء جزائريات أخريات؟

- أظن أن لكل امرأة مسارها وذاكرتها وهمومها التى لا تُشبه سواها، كل واحدة منهنّ تختلف عن الأخرى، غير أن انشغالى يتجاوز الفردىّ إلى مصير المرأة، بشكل عام، فى تاريخ البلد. تلك المرأة التى لا يتكرّس حضورها إلا فى اللحظات القصوى، عندما يبلغ البلد حافة الأزمة، فتتصدّر المشهد وتتحمّل ما يعجز عنه غيرها، لكن بمجرد أن يستعيد البلد عافيته يتراجع حضورها ويُعاد دفعها إلى الهامش. 

نتكلّ عليها فى زمن المحن، ثم ننقلب عليها فى زمن الاستقرار. وشخصية عقيلة تومى تنتمى إلى هذه السلالة المنسية من النساء. فهى طبيبة عيون، تقاسى من أجل إنقاذ مرضاها من العمى، وليس من حاسة أعلى شأنًا من البصر، لكن عندما يتأزم حال عقيلة تومى سوف تجد نفسها وحيدة، مغضوبًا عليها، مهملة، لا رأى لها ولا صوت، فالمجتمع الذى اقتبس من نورها أراد أن يُعميها «رمزيًا»، تمامًا كحال نسوة أخريات، يدفعنّ ثمنًا فى خدمة قضايا الآخرين، ثم يجدن أنفسهن على حافة الإقصاء.

■ فى روايتك «أغالب مجرى النهر» تلقى نظرة على الحاضر من خلال مساءلة الماضى.. فهل تلجأ إلى التاريخ من أجل تفادى مواجهة الرّاهن؟

- إن العودة إلى الماضى لا يُرجى منها فتح باب الحنين ولا يُقصد منها نفور من الحاضر، بل تنبثق من قناعة بأن الماضى هو نافذة نطلّ منها على ما يجرى فى الزمن الحالى. فالتاريخ لا يسير فى خط مستقيم، وما نعيشه إنما تراكمات من مراحل سابقة. نعود إلى الوراء، لا لنقيم فيه، بل من أجل تفكيك وفهم الوقائع التى تتكرر أمام أعيننا.

إن «أغالب مجرى النهر» رواية تدور وقائعها فى مدينة صغيرة، من جنوب الجزائر، يتقاطع تاريخها مع تاريخ الجزائر، بل كذلك مع التاريخ العربى فى تحولاته وانكساراته. إنها مدينة تشبه مدنًا عربية أخرى، نظن لوهلة أنها بعيدة عن مركز الأحداث، فإذا بها تعكس صورة مكثفة عن الأحداث التى تدور على طول الجغرافيا العربية. وهذه العودة إلى الماضى هى أقسى اشتباك مع الرّاهن. فأنا لا أكتب من أجل المتعة فحسب، ولا من أجل تأثيث سردّى وكفى، بل أريد أن أفهم لماذا حصل ما حصل، أريد أن أفهم نفسى وأفهم مصائر الأفراد والجماعات من حولى. كيف بوسع الإنسان أن يفهم نفسه إذا لم يفهم السيّاق الذى جاء منه؟ إن الخطوة الأولى نحو المستقبل ليست قفزة عمياء صوب الأمام، بل خطوة متأنية نحو الخلف، لا بد أن نعرف الأسباب التى أودت بنا إلى ما نحن عليه، قبل أن نفكّر فى الآتى. فالتاريخ عندما لا يخضع للفهم يعيد تكرار نفسه.

■ فى رأيك لماذا اتخذ العشرات من الروائيين هذا الاتجاه؟

 - هناك روائيون يتخذون مسارات أخرى فى الكتابة، وكل كاتب له الحرية فى النظر إلى الأشياء من الزاوية الأقرب إلى حساسيته وتجربته. غير أننى أؤمن بأن الذاكرة ليست مجرد خلفية سردية، بل عامل حاسم فى فهم العالم وتشكيل صورة عنه فى تحديد علاقتنا بالحاضر والمستقبل. لأن الذاكرة ليست مخزنًا للأحداث فحسب بل ساحة تشتبك فيها الأفكار، تتصارع فيها الرّؤى. وإذا تحدّثت عن بلدى الجزائر فإن الذاكرة تعانى من عطب. 

لأن الأجيال الحديثة تعيش فى شبه قطيعة مع ماضيها القريب، لا تدرى ماذا حصل قبل ربع قرن مثلًا. لأن هذه الذاكرة ينتصب أمامها سور يفصل بين الأجيال. ويتجلّى هذا العطب فى غياب الذاكرة عن مناهج المدرسة، وهى البيئة الأولى التى ينشأ فيها الإنسان وتنشأ فيها ذاكرته، تتشكّل فيها علاقته بالمكان والانتماء. عندما نفرغ المدرسة من بُعدها التاريخى وكذلك النقدى، تنتج معرفة مبتورة وذاكرة هشّة ومعطوبة، يسهل التلاعب بها. من هنا يتكرس دور الرواية والأدب فى الإجمال، من أجل ردم هذه القطيعة ووصل الجسور التى تهدّمت بين الأجيال.

 ■ بالحديث عن مجاهدات حرب التحرير فى الجزائر، اللواتى ورد ذكرهنّ فى روايتك هل نلن نصيبهن من التكريم أم طواهن النسيان؟

- بحكم انتمائى إلى عائلة دفع بعض أفرادها سنوات من أعمارهم فى غضون حرب التحرير، ومنهم من عانى من السجن إلى غاية الاستقلال سنة ١٩٦٢، ومنهم من امتدّ به العمر من رجال ونساء، يظلّ سؤال تكريم قدامى المناضلين سؤالًا إشكاليًا. ما معنى أن نكرّم امرأة خاضت حربًا من أجل أن يتحرر البلد؟ هل تنتظر وسامًا أم ميدالية، أم شهادة ورقية تُعلّق على جدار؟ لا شك أن من حقها أن تنال نصيبها من الفرح والزّهو، غير أن التكريم لا يكون احتفاليًا فحسب، بل رمزيًا كذلك، فهؤلاء النسوة خضن معارك التاريخ لا طلبًا للمجد الشخصى، بل من أجل أن يعيش أبناؤهن وأحفادهن حياة أوسع وأقل خوفًا. 

لذلك أظن أن أعمق أشكال التكريم هو أن يعيش الأبناء فى حرية واطمئنان. كل وجهٍ مبتهج وكل إنسان قادر على العيش دون خوف أو إذلال، هو اعتراف بتضحياتهنّ وتكريم لهنّ. لقد تعلّمت من الجزائر أن أعيش حرًا، مدافعًا عن حقى فى الاختلاف. تعلّمت منها الإخلاص لحقّى فى التفكير، وفى الاعتراض على رأى الغالبية حين يتحوّل إلى يقين أعمى. لأن تاريخ الجزائر يعلّمنا أن الانغلاق على الذات فخ، وأن الانحياز إلى فكرة واحدة من دون مساءلة هو مأزق. من هنا، فإن كل دفاعٍ عن الحرية، وكل ممارسة واعية لحق التفكير والنقد، هو شكل من أشكال الوفاء لنساء خضن حرب التحرير. ومن يحرمنى من حريتى فهو يحرمنى من جزائريتى.

إن أعظم هدية يمكن أن تُقدَّم لهنّ هى أن يعيش أبناؤهن- وأنا واحدٌ منهم- فى فضاءٍ متحرّر من القيود الفكرية، قادر على الاختلاف دون خوف، وعلى التفكير دون وصاية.

■ كثير من التعليقات فى مواقع التواصل الاجتماعى تعتبر أن تاريخ الجزائر هو الإسلام وفقط.. كيف ترى هذا الأمر؟ وكيف تسللت اللهجة المتشددة إلى الألسنة والعقول؟

- مواقع التواصل الاجتماعى هى أسوأ اختراع فى القرن الجديد، فالثقافة العربية كانت متأزمة وجاءت هذه المواقع لتزيدها تأزمًا، فصار العقل العربى يسير حافيًا، لا يفكّر، بل مستسلمًا إلى رأى الغالبية. ورأى الغالبية ليس بالضرورة صائبًا، بل ينحاز إلى الخيار الأسهل والمريح. لهذا السبب أنا حذر فى تعاملى مع هذه المواقع، بل إننى أنفر منها فى كثير من الأحيان، لأنها قسّمت المجتمع إلى نصفين: أقلية صاخبة وأغلبية صامتة. والمثقف الحقيقى، فى اعتقادى، ينتمى إلى الفئة الثانية، بما يجعله- للأسف- عرضة للعنف لفظيًا أو معنويًا، فى مواقع التواصل، من طرف حسابات وهمية أو طرف ناشطين يؤمنون باليقين لا بالشك.

فالإنسان الذى يقضى وقته فى «فيسبوك» أو «إنستجرام» أو «تيك توك»، متى يجد وقتًا لقراءة كتاب؟ قد يكتب، لكن كتابته غالبًا متعثرة، غير متّصلة بعمق الثقافة والمعرفة. لا تستقيم الحياة بين الأدب ومواقع التواصل، وعلى المثقف أن يختار موقعه بوعى.

لا يفاجئنى إذن أن تعلو أصوات تحصر تاريخ الجزائر فى زاوية ضيّقة. فهى أصوات مواقع التواصل، تتكلم بلا تفكير، أو بأدنى قدر منه، وتلغى تاريخًا عريقًا ومعقدًا، امتدّ من القديس أوغسطين إلى اليوم. كلام هذه المواقع أشبه بالزبدة، تذوب مع أول بزوغ للشمس، لكنه مع ذلك حالة سوسيولوجية تستحق التأمل. ولدتُ وكبرتُ فى مدينة تجاور فيها مسجد، كنيسة وكنيس. فى جزائر متصالحة مع نفسها ومع ماضيها. سيكون من الصعب الآن إقناع أى أحد بهذا الماضى!

هؤلاء النشطاء، فى الغالب، لم يتعلموا فى المدرسة تاريخ بلدهم كما ينبغى. وأظل عند قناعتى بأن الأزمة تبدأ من المدرسة. عندما تصلح المدرسة، ستصلح أحوال الثقافة، ويستعيد الأدب مكانته، ويستعيد الإنسان وعيه بتاريخه وهويته.

■ هل لك طقس بعينه خلال الكتابة؟

- فكرة طقوس الكتابة قد تُغرى القارئ، عندما يتلصص على حياة الكاتب، لكننى سأخيّب ظنّه، لأننى لا أمتلك طقسًا بعينه. يحصل أن أكتب فى البيت أو فى مكان العمل أو فى مقهى. قد أركن السيارة فى خضم السياقة لأدوّن فكرة خطرت على بالى، وقد يرانى أحدهم أمشى وأحادث نفسى، متخيّلًا حوارًا بين شخصيتين. هكذا هى حياة الكاتب، يحتكّ فيها الخيال بالواقع.

■ تشير روايتك «أغالب مجرى النهر» إلى علاقة متوترة بين الطب والدين فى الذهنية الجزائرية.. كيف ولماذا نشأ هذا التوتر؟

 - نشأ من سوء فهم، ومن غلبة التدين- وليس الدين- على الأذهان، من غلبة المظهر على جوهر الأشياء. فبطلة الرواية تسابق الزمن لإنقاذ مرضى من العمى، مستعينة بقرنيات الموتى، لتعيد البصر للحياة، لكنها تواجه تهمة مفادها أن فعلتها تتناقض مع الدين. مع أن الدين يعاضد فعلها ويبارك إنقاذ الحياة، لكن التأويلات كثرت، وكل واحد يفسر النص الدينى على هواه، حتى بلغ الأمر إلى تقديس الموت على حساب الحياة.

فى هذه الرواية أنطلق من لحظة الموت لأبلغ الحياة، على عكس السائد، لأن الأمل- برأيى- هو طوق النجاة فى مجتمعات متأزمة. لأن الرواية ليست مجرد سرد لأحداث، بل تفكير فى علاقة الإنسان بالحياة والموت، وتفكير فى القيم التى تتجاوز التعصب والتفسير الأحادى، إنها محاولة لإعادة الاعتبار لما هو إنسانى فى مجتمع يطغى فيه الخوف على الأمل.

■ ما موقع روايتك «أغالب مجرى النهر» بين إبداعك الأدبى؟ وأى واحدة من شخصياتها استعصت عليك؟ وهل قادتك إحدى الشخصيات إلى مسار مغاير لما قررته مسبقًا لها؟

- هى روايتى الخامسة، ولا أظن أن واحدة من الشخصيات قد استعصت علىّ أثناء الكتابة. فقبل الشروع فى العمل أقضى وقتًا طويلًا فى المطالعة، وجمع المراجع وتصنيفها. قد أطّلع على كتاب كامل من أجل معلومة بسيطة من سطر واحد. كما أصغى إلى الآخرين، وأجمع مادة من شهاداتهم، لأهيئ الأرضية التى أسير عليها أثناء الكتابة.

وعندما يسألنى قارئ: هل هذه الشخصية حقيقية؟ أشعر بسعادة لأن هذا يعنى أننى بلغت الهدف المرجو: أن تتحول شخصية متخيّلة فى ذهنه إلى شخصية واقعية، وأن يصبح النص قادرًا على إعادة تشكيل العالم كما يعيد ترتيب فوضى الحياة التى نعيش فيها. فجوهر الأدب هو تحويل الخيال إلى تجربة يمكن للقارئ أن يعيشها، ويشعر بها وكأنها جزء من واقعه، فيصبح النص جسرًا بين الواقعى والمتخيّل.

■ ما شعورك بوصول الرواية إلى القائمة القصيرة من الجائزة العالمية للرواية العربية؟

 - كل كاتب يسعد بوصول روايته إلى قوائم هذه الجائزة، لأنها تفتح للنص أفقًا أوسع من القراءة والتداول. وأنا لا أنظر إلى الكتابة بوصفها فعلًا ذاتيًا مكتفيًا بنفسه، بل يهمنى أن أضع العمل فى مواجهة القارئ والناقد.

■ خضت تجربة كتابة أدب الرحلات.. إلى أى مدى تؤثر معايشتك لمناخات وبشر مختلفين على إبداعك السردى؟

- أنا كاتب عربى أعيش فى المهجر، وكتّاب المهجر باتوا فئة لا تحظى بالاهتمام الكافى- كما كان الحال فى السابق- فى الوسط العربى. برأيى، العزلة هى أن تكون كاتبًا عربيًا فى المهجر. مع أن تاريخ الأدب العربى مرتبط بالسفر والهجرة، كما عليه الحال فى بلدى الجزائر. فقد عاش معظم الكتّاب الجزائريين فى ترحال خارج الحدود، مثل محمد ديب، كاتب ياسين، آسيا جبّار، وغيرهم، وصار هذا الترحال جزءًا من تجربتهم الإبداعية ومن الهوية الثقافية. ومن تجربتى المتواضعة أدركت أن كل سفر يعلّمنا العودة إلى الذّات. كلما التقينا ببشر يختلفون عنا فى اللغة أو العادات أو التفكير، نكتشف أعماق ذواتنا ونراجع أفكارنا. السفر إذن ليس هروبًا من المكان، بل رحلة عودة، رحلة اكتشاف الذات فى مواجهة الآخر.