الإثنين 12 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

عمرو البطـا: كل شخص الآن يعتقد أنه قادر على كتابة رواية

عمرو البطـا
عمرو البطـا

- نسيت أننى شاعر أثناء كتابة «الحياة فى الأبراج الرملية»

- شعرت بفراغ عاطفى بعد انتهائى من كتابة الرواية

- هناك انطباع فى الوسط الثقافى أن الرواية التى يكتبها الشاعر سيئة

- لم أنساق وراء فتنة اللغة فى جملة واحدة بروايتى الأولى

بعد رحلة طويلة ارتبط فيها اسمه بالشعر والقصة، وجد الشاعر عمرو البطا نفسه أمام تجربة جديدة حملت الكثير من الحيرة والتأمل، ليتوج ذلك بأولى محاولاته الروائية بعنوان «الحياة فى الأبراج الرملية»، التى صدرت قبل أيام.

ورغم أن بداياته الإبداعية تعود إلى سنوات المراهقة عبر الشعر، والتى توجت بنيله جائزة «البابطين» للإبداع الشعرى عام 2024، عن ديوانه «أناشيد الليلة السادسة»، إلى جانب نشره العديد من القصص القصيرة، كانت غواية الرواية أقوى، خاصة فى أولى محاولاته، والتى استلهم إحدى شخصياتها من عمله القانونى. 

عن هذه التجربة الروائية الأولى، وكواليسها، وأثر الشعر فى لغته السردية، ولماذا يرى أن الرواية باتت لغة العصر وديوان العرب، يتحدث عمرو البطا فى الحوار التالى مع «حرف».

■ بداية.. كيف تنظر إلى أولى تجاربك السردية الروائية «الحياة فى الأبراج الرملية»؟

- لكل كاتب فكرة أو مجموعة من الأفكار تعتبر مركزية فى تفكيره ويُلاحظ تكرارها فى أعماله، أعتقد أن هذه الأفكار تجلت بأقصى ما يكون فى «الحياة فى الأبراج الرملية»، لذلك فهى لا تنفصل عن أعمالى السابقة، حتى إننى صدرتها بسطور شعرية من ديوانى الأول تدور حول الفكرة نفسها.

والفكرة المحورية فى الرواية هى الوهم؛ فالعالم مكان مجهول بالنسبة للإنسان لا يدرك منه إلا ظلالًا غامضة، لذلك هو أيضًا مكان مخيف لا يشعر فيه بالأمان، ولا سبيل أمامه لاستجلاب الأمان سوى الوهم، كل منا يخلق عالمًا من الوهم، أو برجًا رمليًا يعيش فيه، وهذا جوهر مشكلة الإنسان فى العالم، ولا سبيل إلى النجاة سوى الشجاعة فى مواجهة الحقيقة والتخلى عن الوهم.

تظهر كل شخصية فى الرواية متشبثة بوهمها الخاص وتعيش فيه دون أن تعلم أنها تتشبث بحتفها. تتخذ الرواية فى البداية شكل الرواية البوليسية، لكن القارئ يكتشف بعد ذلك أنها فى الحقيقة رواية نفسية، لذلك فهى- حسبما أتمنى- تتضمن مستويات متعددة للقراءة تتسع لقطاعات كبيرة من القراء.

■ أشرت إلى حيرتك فى اتجاهك الإبداعى بين الشعر والقصة ثم الرواية.. كيف مررت بهذه التجربة؟

- يقال إن كل كاتب بدأ محاولاته الشعرية قبل الانصراف إلى نوع أدبى معين. كانت بداية محاولاتى فى فترة المراهقة فى الشعر، ثم فى نهاية المراهقة وجدتنى أنصرف إلى القصة القصيرة، فقلت: ربما لم أكن شاعرًا من البداية! لكن الشعر بعد ذلك عاد لحسن الحظ، وصرت أتنقل فى محاولاتى بين الشعر والسرد.

وعمومًا لا أرى تناقضًا بين الشعر والسرد. قديمًا كان كبار الشعراء هم كبار الساردين بدءًا من هوميروس وكتاب المسرح الإغريقى وحتى شعراء السير الشعبية، وحتى فى هذا العصر نجح كثير من الكتاب العالميين فى المزاوجة بين الشعر والسرد، لعل أبرزهم بورخس. 

ورغم ذلك لا أنكر أن طبيعة الشعرية المعاصرة تختلف تمامًا عن طبيعة السرد المعاصر، وفى تجربتى الشخصية لا أستطيع كتابة السرد عندما أنغمس فى الشعر، والعكس صحيح، لكن هذا التنقل بين النوعين مفيد لكليهما، فتطعيم الشعر بعناصر سردية يثرى النص، والعكس صحيح أيضًا، مع الاحتفاظ بطبيعة كل نوع وتناغم عناصره.

■ قلت إن الشعر كان بوابتك الأولى إلى الوسط الثقافى، فهل كنت تخشى أن يؤثر الاتجاه المبكر للسرد على تثبيت اسمك كشاعر؟ ولماذا؟

- فى الحقيقة لم أكن واثقًا من نفسى شاعرًا أو قاصًا. عندما انفتحت أمامى طريق الشعر أولًا خطوت فيها بحذر متشككًا من قيمة ما أكتب، وتدريجيًا بدأت أكتسب قدرًا من الثقة كشاعر، بينما ظل تشككى من قيمة كتاباتى السردية كما هو، فلم أتعجل نشرها. وهناك انطباع فى الوسط الثقافى عن الرواية التى يكتبها الشاعر أنها سيئة حتى يثبت العكس، لذلك كان لا بد للعمل السردى الذى أقدمه أن يكون قويًا بالقدر الكافى لمحو هذه الفكرة. الخوف إذن لم يكن من تأثير الاتجاه السردى على تجربتى الشعرية بقدر ما كان نابعًا من الحرص على أن تكون التجربة السردية ناضجة بشكل كاف.

■ لماذا أرجأت تجربة السرد لصالح الشعر؟ وهل كان ذلك مقصودًا أم أن الكتابة تقودك للقالب الإبداعى؟

- كان الإرجاء على مستوى النشر فقط لا على مستوى الكتابة، وكما أشرت من قبل كان دافعى إلى ذلك التأكد من قيمة التجربة السردية قبل تقديمها واختيار الفرصة اللائقة لنشرها. أما على مستوى الكتابة نفسها فهى لا تخضع لاختيارى إطلاقًا. الفكرة تختار قالبها، وكلاهما يفرض نفسه على قلمى.

■ لماذا الرواية الآن وليس مجموعة قصصية خاصة أن لك نصوصًا فردية نلت عنها عدة جوائز؟

- كما اختارنى الشعر أولًا اختارتنى الرواية كذلك، إذ أتيحت لى فرصة نشرها فى دار «الشروق»، بعد وصول مخطوطها الأولى للقائمة القصيرة لجائزة خيرى شلبى، واقتناع لجنة التحكيم والدار بها. ولا شك أن الرواية هى النوع الأدبى الأبرز والأكثر انتشارًا فى الوقت الحالى، وفرصها فى النشر والقراءة أكثر من غيرها.

■ أشرت أيضًا إلى أن فكرة «الحياة فى الأبراج الرملية» تعود إلى نحو ١٠ سنوات قبل الشروع فى كتابتها.. هل يعنى هذا أن شخصياتك خلقت وجودها دون تدخل منك؟

- تختلف الكتابة الروائية عن الكتابة الشعرية فى أن الوعى له فاعلية أكبر فى بنائها، لذلك لم أكن طرفًا سلبيًا فى بناء عناصر الرواية ومنها الشخصيات، بل كان الأمر تفاعلًا متبادلًا بينى وبين الشخصيات، فمعظم هذه الشخصيات مستلهمة كلها أو عناصر منها من شخصيات واقعية، أو منى أنا شخصيًا، وقد انتقيت منها ما يخدم فكرة الرواية، ومن ناحية أخرى تفرض الشخصيات نفسها علىّ، خاصة أثناء فعل الكتابة، فأجدها أحيانًا ترفض الانصياع للمخطط الذى أعدته وتأتى بسلوكيات وردود أفعال لم تخطر على بالى من قبل.

■ ما طبيعة العلاقة التى نشأت بينك وشخصيات الرواية خلال فترة التكوين الطويلة؟

- تختلف كتابة الرواية عن كتابة الشعر والقصة القصيرة فى هذه النقطة. علاقة الشاعر أو القاص بالنص تستمر عدة أيام ثم تنتهى، أما الرواية فعلاقة الكاتب بها تمتد شهورًا وسنوات يظل خلالها مرافقًا لشخصياته ومتماهيًا معها، فالروائى يتقمص شخصياته على المستوى الذهنى عند الكتابة وتنشأ بينهم ألفة وعِشرة وتعود.

لذلك لاحظت فى المسودة الأولى للرواية أن الجزء الأخير به بعض من التطويل والحشو حذفته فى المراجعة، وهذا لأننى عندما شارفت على الانتهاء منها لم أكن مهيأ لفراقها، فأردت إرجاء الأمر بالحشو والتطويل، وعندما فرغت منها أخيرًا شعرت بفراغ عاطفى كبير استغرق منى أسابيع لتخطيه، وهذه تجربة كتابية ساحرة لم أمر بها إلا مع الرواية.

■ قلت إنك تعمّدت أن تنسى أنك شاعر أثناء كتابة الرواية، لماذا اتخذت هذا القرار؟

- كثير من الشعراء عندما يتصدون لكتابة الرواية تأخذهم الكتابة الشعرية التى اعتادوها، فيميلون إلى المجاز الشعرى سواء على مستوى اللغة أو بناء الرواية، وكثيرًا ما يضر هذا ببناء الرواية، لذلك أردتها رواية سردية خالصة تتمحور حول الشخصيات والحبكة بصورة أساسية.

■ كيف تعاملت مع اللغة داخل الرواية حتى لا تطغى النزعة الشعرية على السرد؟

- اللغة عند الشاعر هى موضوعه وهمه الأكبر، وليست الفكرة والخيال إلا عناصر مكملة. أما اللغة فى السرد فهى أداة تخدم البناء السردى، حتى إن جنحت إلى المجاز الشعرى أحيانًا، فجنوحها يجب أن يكون محسوبًا ومحدودًا بوظيفته فى البناء السردى، وهذا ما حاولت تطبيقه فى الرواية. فلغة الرواية أداة تخدم السرد، وأزعم أننى لم أنساق وراء فتنة اللغة فى جملة واحدة فيها.

■ كيف استفدت من تجربتك الشعرية دون الوقوع فى المجاز الذى يضر بالسرد؟

- خلال ٢٠ عامًا من معايشة الشعر ومحاولة كتابته، بنى الشعر لغتى دون أن أشعر. كل نص شعرى كتبته حثنى على مراجعته معجميًا ونحويًا وصرفيًا، وكل مراجعة أستفيد منها شيئًا جديدًا. دربنى الشعر أيضًا على تذوق الكلمة، والانتباه إلى وقعها وإيحائها، لذلك فأنا أدين بلغتى للشعر.

■ ما المغرى فى كتابة الرواية خلال الوقت الراهن، خاصة مع هذا الزخم من كُتَّابها، والأعداد المأهولة فى عناوينها؟

- لا أنكر أن ثمة إغراءات لكتابة الرواية فى هذا الزمن، فرقميًا هى أكثر الأنواع الأدبية انتشارًا، والمحطة الأولى لكل قارئ مبتدئ، ولا يفكر أى كاتب فى أنه سيكون رقمًا صغيرًا فى الأعداد المهولة من الروايات، فكل كاتب مؤمن بكتابته، ويتصور أن نصه متفرد. لكننى أوكد أننى لم أفكر فى أى إغراء بخلاف الإغراء الإبداعى، فلم يعننى إلا إفراغ الفكرة التى تلح علىّ على الورق.

■ بم تفسر اتجاه العديد من الشعراء لخوض تجربة السرد الروائى؟

- قديمًا، عندما كان الشعر «ديوان العرب»، كانوا يظنون أن كل عربى يمكنه قرض الشعر. الآن عندما أصبحت الرواية ديوان هذا العصر، أصبح كل شخص يرى فى نفسه القدرة على كتابتها. الرواية الآن هى الأقدر على تصوير هذا العصر بهمومه وتناقضاته، وأى شخص مهتم بقضايا العصر الكبرى، ومنهم الشعراء، لا يجد خيرًا من الرواية لتعبر عن هذه الأفكار والهموم.

■ هل لكثرة الجوائز المخصصة للرواية على حساب بقية الأجناس الأدبية الأخرى دور فى إغواء كتابتها؟

- ربما لها دور فى ذلك، لكنه ضئيل، فالشعر أيضًا له جوائزه الكبرى، وبعضها تبلغ قيمته أضعاف قيمة جوائز الرواية الكبرى. أعتقد أن السبب الرئيسى يرجع إلى أنهم جزء من العصر الذى وجد فى الرواية الشكل الأنسب للتعبير عن همومه الكبرى.

■ لماذا إذن لا يقبل القراء ودور النشر على الأجناس الأدبية دون الرواية؟

- هذه ظاهرة معقدة، ولا أظن أن بإمكانى تقديم إجابة شافية عنها، لكن قناعتى أن الرواية أصبحت الأقرب للقراء، لأنها تتحدث بشكل مباشر عن حياتهم اليومية الإنسانية العادية، بحيث يمكنهم مشاركة الشخصيات همومها، والتماهى معها، ومواجهة مشاعر الاغتراب. أما دور النشر فهى تابعة لمتطلبات القراء.

■ لماذا لم يعد الشعر ديوان العرب، وصارت الرواية ديوانهم؟

- فضلًا عن تراجع الشعر عن الصدارة لصالح الرواية على مستوى العالم، فلأزمة شعرنا العربى خصوصية وحدها. فمن ناحية مضى الشعر المعاصر فى مساره التطورى، الذى يتطلب ثقافة معينة فى المتلقى، ومن ناحية أخرى تراجع المستوى التعليمى والثقافى فى بلادنا، خاصة فى تعلم اللغة العربية، حتى أضحى الشعر لغزًا بالنسبة لكثير من عامة القراء على المستوى الفكرى واللغوى.

■ بم تقيّم المشهد الثقافى الراهن وفى القلب منه الشعر؟

- رغم أنه ليس المشهد المرجو، خاصة بالمقارنة بحال الثقافة فى منتصف القرن العشرين، أظن أننا أفضل حالًا من المشهد فى بداية الألفية. فبرغم الظروف غير المشجعة، لا يزال الشباب مُقبلين على القراءة، أيًا كانت نوعية الكتب وقيمتها، فرغبة القراءة فى حد ذاتها شىء مبشر، وهى حالة أتمنى أن نستثمرها للوصول إلى نهضة ثقافية عربية فى المستقبل.

كما أن حالة التنوع فى الاتجاهات الشعرية الموجودة على الساحة الآن بدأت تتخطى مرحلة الصراع إلى مرحلة التكامل، بل أصبح كثير من الشعراء يجمعون دون غضاضة بين الأشكال الشعرية المختلفة النثرية والموزونة، وربما تثمر هذه الحالة عن خطوة مبشرة فى المستقبل.

■ هل لك طقوس بعينها فى الكتابة؟

- فى السابق كنت أتصور هذا. كان لى قلم معين، ونوع معين من الأوراق، مع قائمة موسيقية أستمع إليها أثناء الكتابة. لكننى بعد التمرس فى الكتابة تخلصت من هذا الوهم، فالكتابة حالة ذهنية لا تشترط بالضرورة طقوسًا معينة. الآن كل كتاباتى أصبحت على الهاتف المحمول، لأنه سهل التنقل والحمل، ولا يتطلب إعادة نسخ كالكتابة الورقية. هذه الرواية وديوانى الأخير كتبتهما كاملين على الهاتف. يكفينى فقط هاتف وبيئة تساعد على التركيز، وسأندمج فى الكتابة، لكن عندما تأتينى الكتابة أولًا.