الأربعاء 18 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

أيام شادية وفاتن.. صداقة تتحدى «السفه»

شادية وفاتن
شادية وفاتن

- شادية ظلت تفتخر بأنها كانت سببًا فى أن يسمع الناس صوت فاتن تغنى فى الأغنية الأيقونية للنجاح «ألو ألو إحنا هنا»

- فاتن قالت عن شادية: هى صديقتى الوحيدة.. ولا يوجد بيننا غير المحبة ونتكامل لا نتنافس

- فترة غياب فاتن عن مصر وانزوائها مرت بصعوبة على شادية التى أكدت حاجتها لوجودها

قادنى حظى العثر لتجرع فيديو قصير لم يتعدَ الدقيقتين لعازف قديم، وقد أخذته جلالة «المصطبة» التى نصبتها له إحدى المذيعات، وأخذ يحكى قصة تليق بالتداول على استحياء بين المراهقين بغرض الاستثارة عن امرأتين دخلتا فى خناقة كبيرة ومريبة على رجل أعمال يمتلك فندقًا شهيرًا، وكانت أهم أدوات الخناقة حذاء من إحداهما على رأس الأخرى مع «شتمة» قبيحة تلامس الشرف وتعنى «العاهرة»، وصاحب الحكى تعليقات ضحلة سفيهة ممن تجلس أمامه لتشجيعه على مواصلة الهرتلة التى تجلب الريتش، ومعه المرارة من تخيل أن تلك المرأة تقاسم لقب مذيعة مع أفذاذ مثل ليلى رستم وسلوى حجازى وسناء منصور وغيرهن.

المهم فى الأمر أن السيدتين اللتين يحكى عنهما العازف العجوز هما شادية «صوت مصر»، وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، وهو الأمر الذى أصابنى بالغثيان ودفعنى للتقليب بين أوراقى عن صدى لتلك المعركة المخزية المزعومة بين الفنانتين العظيمتين، مع العلم أنه حتى لم يضع أى سياق زمنى للحكاية، ولم يحدد فى أى مرحلة عمرية لهما حدث هذا الأمر، والذى بالتأكيد- فى حالة حدوثه- كانت صفحات الجرائد والمجلات الفنية حينها ستصير مسرحًا لتفاصيلها الساخنة الملتهبة، حتى من باب النميمة الصحفية، ورجعت إلى أوراقى وما تحت يدى من أرشيف صحفى أولًا فلم أجد، ثم رجعت إلى الصديق الدكتور هانى الديب، الذى خرجت من تحت يديه موسوعة رائعة صدرت فى كتابين عن دار المحرر، لم يترك فيهما شاردة أو واردة عن شادية إلا وذكرها بتوثيقها الصحفى الكامل، وكان سؤالى واضحًا له عن مدى صحة تلك الواقعة أو حتى جانب منها .. فكان الرد أن الأمر محض خيال من «عقل لم يعد فى أفضل حالاته وتتداخل فيه المواقف والأسماء»، طبقًا لما قاله نفس العازف القديم عن نفسه بنص اعتذاره بعدما تعالت موجة السخط على حكايته الملفقة.

لكننى فى النهاية رأيت أن نأخذ حكاية العازف والمذيعة ذريعة لتقليب أوراق تلك العلاقة الاستثنائية- فنيًا وإنسانيًا- بين فاتن وشادية، مستعينًا بالكتاب الممتع «شادية أحاديث القمر- ذكريات الناس والأيام الحلوة»، ومحاولًا تأمل نقاط مضيئة من مسيرة اثنتين من خيرة مخزوننا الاستراتيجى من القوى الناعمة لمصر الجميلة.. هيا بنا.

شادية وفاتن

لم يكن العام ١٩٣١ عامًا عاديًا على مصر، فقد كانت السينما تتحضر لحدث جلل وهو أول فيلم ناطق ليرى الجمهور بأعينه لأول مرة يوسف بك وهبى والآنسة أمينة رزق وروحية خالد، ويسمعهم يتكلمون عبر الشاشة الكبيرة بنفس صوتهم الذى سمعه عشرات المرات فى مسرح رمسيس، وبينما يوسف وهبى وأبطاله يتأهبون لتجربتهم الرائدة.. كانت السينما على موعد سعيد آخر لكن ثماره مؤجلة ستحصدها الصناعة الجديدة بعد سنوات، حيث استقبلت سجلات المواليد الحكومية حينها مولودتين من الإناث بينهما أسابيع قليلة فى بيتين من بيوت الطبقة الوسطى المتعلمة، الأول هو بيت الأستاذ أحمد حمامة مدرس اللغة العربية التابع لوزارة المعارف الذى استقبل أنثى جميلة سماها «فاتن»، وبعد قليل استقبل بيت ثانٍ وهو بيت المهندس الزراعى أحمد كمال شاكر الذى رزق هو الآخر بطفلة جميلة أسماها فاطمة، لتصير بعد سنوات قليلة «شادية» إحدى البطلات الجدد للسينما المصرية بجوار فاتن حمامة البنت التى سبقتها إلى شهرة السينما وأضواء النجومية، وهى طفلة، ولسبب ما بعد ذلك ربط الجمهور ذهنيًا ووجدانيًا بين الفتاتين، وصارت فاتن وشادية هما المعادل الموضوعى للموهبة المصرية الخام التى خرجت من نسيج المجتمع المصرى وسط أهم طبقاته وهى الطبقة المتوسطة، كلتاهما بنات أسرة مصرية مكافحة تبنى هذا الوطن بالعلم والعمل دون انتظار ثروة تنزل من السماء.

هانى الديب فى كتابه الممتع عن شادية يضع يده على مواضع تبرز العلاقة الإنسانية الفريدة بين الاثنتين «شادية وفاتن» على الرغم من حالة التنافس الشديد بحكم نجوميتهما، ويعرض أحاديث النجمتين التى تشرح أبعاد تلك الصداقة الجميلة المثمرة.

شادية وفاتن

على مستوى التعاون الفنى بينهما يأتى فى الأذهان مباشرة الأغنية الأيقونة لهما «ألو ألو إحنا هنا»، التى صارت من مسببات البهجة الخالدة للنجاح الدراسى لكل الأجيال التى عاشت مستمتعة بكلمات فتحى قورة وألحان العبقرى منير مراد، وكان ذلك فى الفيلم الذى أنتجته فاتن بنفسها فى العام ١٩٥٣ بعد قيام ثورة يوليو بشهور قليلة وهو فيلم «موعد مع الحياة» من إخراج عز الدين ذوالفقار.. ولعلنا لا ننسى صوت فاتن فى تلك الأغنية وهى التى لم تعتد الغناء ولا تجيده، لكن بجوار صديقتها شادية صاحبة الصوت الخلاب كان الأمر مختلفًا بالطبع وممتعًا.. وهو الأمر الذى ظلت شادية تفتخر به طوال حياتها أنها جعلت فاتن تغنى.

قبل هذا الفيلم التقيتا فى فيلمين، الأول عام ١٩٥٠ وهو فيلم «ظلمونى الناس» للمخرج حسن الإمام، ثم قدمتا «أشكى لمين» من إخراج إبراهيم عمارة عام ١٩٥١، ثم مرت ٩ سنوات كاملة لتكتب الجرائد والمجلات عن «خبطة» سينمائية كبيرة مرتقبة، يجمع فيها المنتج حلمى رفلة الصديقتين بعد طول غياب فى فيلم «المعجزة» بتوقيع حسن الإمام عام ١٩٦٢.

شادية وفاتن

فاتن: هى صديقتى الوحيدة

«أقرب الصديقات لى شادية، هى صديقتى الوحيدة» تلك الجملة جاءت على لسان فاتن حمامة فى مذكراتها التى نشرتها مجلة الشبكة ٢ يونيو ١٩٨٦.. ولاحظ أن فاتن كانت فى الخامسة والخمسين من عمرها وهى تقول ذلك، فالكلام له وزن مختلف، والأحكام هى خلاصة التجارب المتراكمة وسنوات العمل الطويلة، وتكمل فاتن حكايتها عن صديقة عمرها شادية قائلة: «قد مثلنا معًا أفلامًا كثيرة فى بداياتنا ومنها موعد مع الحياة، ومرة مثلنا فيلمًا فى استديو جلال من إنتاج السيدة مارى كوينى وكانت الصداقة بيننا وطيدة، وكنا فى البلاتوه نلعب ونجرى ونتبادل أخبارنا وأسرارنا، وآخر فيلم لنا المعجزة».

ثم تستكمل شهادتها الصادقة قائلة: «شادية فنانة رائعة تحب فنها وقد غنت وتفوقت، ومثلت وتفوقت لأنها من جيل احترم الفن وأعطاه فرد له الفن عطاءً بعطاءٍ».. وتكرر فاتن كلامها عن شادية فى عدد الكواكب ١٢ فبراير ٢٠٠٢ حيث قالت: «شادية صديقة وحبيبة على قلبى جدًا لأسباب كثيرة منها أننا أثناء تصوير الأفلام كنا نتسابق فى الجرى وأحيانًا تحدث بعض المقالب اللذيذة بيننا، وهى دمها خفيف وعلى خلق ولا يمكن أن يحدث تنافس بيننا أثناء العمل لأننى وهى لم نكن نفكر فى أى شىء لأنه توجد بيننا محبة وكل واحد منا يقوم بعمله على أكمل وجه، لأن الجو المحيط بنا كان لطيفًا والناس كلها كانت تحب بعضها البعض، شادية كان صوتها جميلًا ولذيذًا وفيه مرح يسعد كل من يستمع إليه وهذا شىء مهم جدًا بأنك تسعد الذى يسمعك، وكانت الناس تحبها لأنها تبتسم وبها خفة دم وعدة أشياء جميلة».

شادية وفاتن

شادية بادلت فاتن الحب والصداقة والأخوة وأعلنت ذلك أكثر من مرة، منها حديثها فى برنامج أضواء المدينة عام ١٩٦٢ لجلال معوض عن فاتن صديقة العمر، حيث قالت: «أنا أتمنى أشتغل تانى مع فاتن لأنه الحقيقة الشغل مع فاتن حمامة بيسعدنى، لأنها فنانة وبتريح الفنان اللى معاها»، وعند حديث شادية عن مشوار العمر مع الكاتب مفيد فوزى فى لقاء إذاعى كان لفاتن حمامة محطة مهمة فى هذ المشوار تحدثت عنها بكل الحب وعن إحساسها عندما تمثل معها فقالت: 

«بيبقى إحساس جميل جدًا، جدًا، ليه بقى حاقولك، يعنى مثلًا الواحد لما بيبقى الممثل اللى قدامه عظيم بناخد وندى مع بعض، غير كده الأخلاق إزاى، يعنى مثلًا أقولك أنا وفاتن كنا فى أوضة واحدة فى الاستديو قبل الشوت اللى حانشتغله نقعد نعمل بروفات بينى وبينها، مافيش التعاون ده دلوقتى أبدًا، تقول لى اعملى كده وأنا أقولها اعملى كده، بنخش حافظين، يا سلام، تفاهم وبعدين بنخلق حاجات، يعنى هى بتخلينى أخلق حاجة وأنا بخليها تخلق حاجة، حتى حسن الإمام لما يلاقينا داخلين حافظين كان مسمينا ريا وسكينة».

ثم تختم شادية كلامها بقولها: «أسعد أفلامى اشتغلتها مع فاتن».

شادية وفاتن

شادية: أحس بحاجة دائمة إلى فاتن

نأتى للفترة الصعبة فى حياة فاتن حمامة بعد أن غادرت مصر واستقرت مع زوجها عمر الشريف فى باريس هاربة من ظروف كانت أقوى منها، على ما يبدو، وكان ذلك منتصف الستينيات تقريبًا، وبدا أن فاتن قد اعتزلت الفن للأبد هربًا من الضغوط، فى موقف مشابه لما حدث مع ليلى مراد قبل سنوات فى النصف الأول من الخمسينيات بعدما تركت قمتها التى اعتلتها منذ الأربعينيات وذهبت دون رجعة ليظل قرارها لغزًا لم يُحل، واستسلم الكثيرون لتلك الحقيقة فيما يخص فاتن حمامة التى اختفت فى دهاليز باريس، وكان هذا الوضع لفاتن مؤرقًا لمحبيها وجمهورها وزملائها، وانتشرت فى تلك الفترة نداءات عبر الصحف لفاتن كى تعود إلى جمهورها، خاصة بعد النكسة، حتى الست أم كلثوم نفسها تدخلت عندما قابلتها فى حفلتها الأشهر فى مسرح الأوليمبيا فى باريس لصالح المجهود الحربى وقالت لها «ارجعى يا فاتن.. مفيش راجل يستاهل إن تنهى حياتك الفنية عشانه»، طبقًا لما ذكرته «آخر ساعة» حينها.

شادية لم تخفِ كغيرها حزنها الكبير على غياب رفيقة العمر فاتن فى البلاد البعيدة، وفى حوار مطول مع إيريس نظمى فى عدد «آخر ساعة» ١ يونيو ١٩٦٨، باغتتها الصحفية الشابة وقتها، بسؤال مطول عن فاتن: «حدثينى عن صديقتك فاتن حمامة وإلى أى مدى تركت فراغًا فى السينما عندنا وهل هذا الفراغ ما زال شاغرًا؟».

قالت شادية بصوت يغلفه الشجن والحنين لصديقتها الغائبة: «لقد تركت فاتن فراغًا كبيرًا فى السينما، فهى علم من أعلام الفن وأنا أحس بنقص شديد بل بحاجة إليها، إننى أعترف أن أحسن الأفلام فى مسيرتى مثلتها مع فاتن، كنا نتنافس لكن بتفاهم، لقد كان فيلم المعجزة من أحسن أفلامنا، كنا نجلس فى حجرة واحدة قبل بدء التصوير وكانت فاتن تقول لى بعض الملاحظات التى يجب أن أعملها وأنا بدورى أنبهها لبعض الأشياء، كنا متفاهمين لدرجة كبيرة جدًا».

شادية وفاتن

وبعد عودة فاتن إلى ديارها ظل الحلم الذى يراود المنتجين بالجمع مرة أخرى بين شادية وفاتن قائمًا، لكن لسوء الحظ لم يوفق أى منتج فى فعل ذلك، قد يكون لأسباب مادية أو حتى لاختلاف طبيعة أدوار الاثنتين فى السبعينيات وتخطيهما سن الشابات الصغيرات مثل أفلامهما الأولى، فصار الجمع بينهما يحتاج إلى تضافر عوامل كثيرة لم تتوافر للأسف، وعلى الرغم من عدم اجتماعهما فنيًا مرة أخرى لكن ظلت تلك العلاقة الإنسانية بين شادية وفاتن فى قمة بهائها، تغلفها الروعة والاحترام والمحبة الصافية، ولا أدل على ذلك من موقف ذكرته مجلة «الموعد» فى عدد ٢٣ أكتوبر ١٩٧٥ فى خبر قصير لكنه دال يقول إن شادية تنازلت عن الموعد المميز لإذاعة فوازيرها التى قدمتها لإذاعة البرنامج العام فى رمضان بعد أن كانت تصر على أن تكون فى موعد مميز بعد الإفطار مباشرة لمجرد علمها أن هناك برنامجًا آخر ستقدمه فاتن صديقة العمر فى نفس التوقيت.

وتسربت الأيام والسنوات من بين يد العظيمتين «فاتن وشادية» حتى وصل القطار إلى محطته الأخيرة لتنزل فاتن أولًا فى ٢٧ مايو ٢٠١٥، ويمنعنا انزواء شادية فى سنوات اعتزالها الطويلة من رؤية مقدار حزنها على فقدان رفيقة العمر والحلم، لكنها على أى حال لم تطِل الفرقة، فقد ذهبت لها هى الأخرى بهدوء وسكينة تناسب روحها الحلوة فى ٢٨ نوفمبر ٢٠١٧ بعد حوالى سنتين.

ولا يتبقى لنا إلا أن نترحم على هاتين القمتين العظيمتين اللتين ذهبتا، وتركتا لنا ميراثًا زاخرًا بالفن الجميل، وبجواره كثيرٌ من الحكايات الحلوة المدهشة.