الجمعة 13 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

أنا ومؤلفاتى 6 ..

موسوعة الأفلام العربية

حرف

هناك ناقدان من مصر تابعت أغلب أعمالهما، هما سعد الدين توفيق ومجدى فهمى، وكلاهما كان يعمل فى دار الهلال، وقد بدا لى أن هذا الأخير هو كاتب أمثل بما يغمر به مقاله من معلوماته وتحليل، أما النقاد الآخرون فقد لاحظت أنهم يشاهدون قصة الفيلم ويحكونها للمتفرج الذى يود معرفة تفاصيل القصة أو بعض المعلومات، ولاحظت أن ما يكتب النقد السينمائى يسير على خطى نقاد الأدب، وأن أغلبهم لم يكن يميل إلى التوظيف أو عمل رؤية، وكان أغلبهم يعتمد على المقال ولا يميل إلى الأبحاث والدراسات، خاصة فى فترة ما قبل المهرجانات السينمائية الكثيرة التى عرفتها مصر فى الفترة الأخيرة. 

وفى عام 1992 صدمت بشدة أن أحدًا من الباحثين لم يقم بحصر أسماء الأفلام الروائية المصرية ووضعها على الأقل فى كتاب معرفى، وأن كل ما فعله المركز القومى للسينما هو عمل بطاقات تعريفية لكل فيلم، وقد كانت هناك أفلام كثيرة فى الثلاثينيات والأربعينيات مجهولة تمامًا لدى السينمائيين والنقاد، هنا فقط تفجّرت فى داخلى رغبة لعمل أول دليل متكامل ومرتب بشكل هجائى للحصول على أى معلومات عن أفلامنا السينمائية. 

لا أنكر أن المركز القومى للسينما «مركز الصور المرئية» قد بدأ فى إصدار كتاب سنوى يضم بطاقات تعريفية عن كل فيلم، كما أن الناقد عبدالمنعم سعد ألّف أحدى عشر كتابًا، آخرها عام ١٩٧٧ عن إنتاج السينما، وهى الأفلام الروائية، وقد فعل ذلك على حسابه الشخصى، أما وزارة الثقافة فلم يَعنِها الأمر، الأمر الذى أقصده هنا هو تجميع معلومات كاملة وحقيقية رغم وجود أرشيف قومى للمطبوعات والأفلام فى تلك الفترة. أستطع أن أجمع أرشيفًا رأيت فيه أملًا لعمل موسوعة فيها معلومات ممكن الحصول عليها، واخترت اثنين من الزملاء لمساعدتى، وقمت بتقسيم العمل لإعداد أول موسوعة عن الأفلام العربية، واحتفظت لنفسى بمهمة إعداد بطاقات عن الأفلام التى يتم إنتاجها فى الدول العربية، مثل سوريا والعراق والجزائر والمغرب ولبنان، وهى البلاد التى من السهل تجميع مادة معلوماتية عن أفلامها. أما الزميلان الآخران فقد كان عليهما عمل أرشيف عن الأفلام المصرية منذ عام ١٩٢٧ حتى ١٩٩٢.

كان الأمر أشبه بما فعله المكتشفون الكبار، فنحن نبحر فى مجهول لم يقترب منه أحد رغم أن لدينا وزارة الثقافة التى من مهمتها تأريخ الثقافات، وهكذا تم وضع اللبنات الأولى، بالغة الصغر، بما يعنى باسم كل من المخرج وكاتب السيناريو ومدير التصوير ووضع الموسيقى التصويرية والمونتير والمنتج والموزع وأسماء أربعة نجوم بارزين من أبطال الفيلم. لم يكن لدىّ الأماكن المرجعية، ومنها المركز الكاثوليكى وأرشيف المركز القومى للسينما وأيضًا أرشيف بعض النقاد، وكان من حسن حظى أننى قابلت واحدًا من المغامرين فى مجال النشر اسمه ممدوح شبل، شجعنى بقوة أن أنتهى من المشروع، ولجأت إلى الأستاذ صلاح أبوسيف كى يكتب مقدمة هذا المشروع، وقام بتوقيع العقد مع زميلى، ثم راح يبحث فى المدينة عمن يطبع المشروع، كانت خبرة «شبل» تتمثل فى أنه يستورد الموسوعات المتنوعة العالمية المجلدة ويوزعها فى معرض الكتاب وأيضًا للكثير من المؤسسات العلمية، وهكذا ولدت فى مارس ١٩٩٣: موسوعة الأفلام العربية، تفاصيل أربعة آلاف وخمسمائة فيلم تم إنتاجها من عام ١٩٢٧ حتى الآن.

كان المفهوم الأساسى يتمثل فى أن الأمم الكبرى عرفت الحضارة الحديثة وهى تدخل زمن الموسوعات، لكننا فى مصر فى أشد الحاجة إلى موسوعات فى كل المجالات، وبالنسبة لى كعاشق للأدب والسينما كان الأمل هو عمل موسوعات أدبية عن الأدباء، وكان ممدوح شبل فى هذه الفترة يعد بيانات عن الكتب التى صدرت فى مصر ويأمل فى إصدارها، وتلاقينا معًا، وقام بتوزيع الموسوعة واحتفلنا بها بقوة شديدة، علمًا بأننى لم أستلم مليمًا واحدًا من هذا المشروع أو أى مقابل آخر، ولكننى فكرت فى عمل موسوعات فى نفس المجال، أما عن الممثلين أو المخرجين، أو الأدباء أو أعلام الفن التشكيلى، فهو الأمر الذى سرت فى دربه حتى سنواتى الأخيرة.

فى بداية صدور الموسوعة وأنا فى شوارع منتصف المدينة عرفت أن جمعية نقاد السينما قد حشدت أعضاءها لعمل ندوة بعد ساعة من مناقشة أمر صدور الموسوعة، وكانت مصادفة قوية جدًا، اتجهت إلى مكان الاجتماع حيث احتشد أعضاء الجمعية بقيادة ناقد لم يرَ فى شخصى أو أعمالى أى بادرة أمل، وظل طوال حياته يعمل ضدى من أجل أيقاف مسيرتى، ووجدت نفسى فى مقعدى بالاجتماع محاطًا بقرابة أربعين من أعضاء الجمعية، كل ما أفعله هو الدفاع عما أنجزت، وأنا أردد: «أنتم فى المجال منذ سنوات طويلة ولماذا لم تفعلوها؟!»، وقال أحدهم بجرأة: «أمامك شىء واحد، هو أن تكتب اعتذارًا بإحدى الصحف الكبرى أنك فعلت هذا»، وكانت إجابتى أنى «سأفعل ذلك عندما تفعلون مثل هذا العمل الموسوعى»، وكان فعلى الثانى هو أننى شرعت فى البحث عن ممول جديد لإصدار هذه الموسوعة وبها أقل قدر من الأخطاء.

شاعوا عنى أن موسوعتى مليئة بالأخطاء، وأنا أعترف بأننى لست على حق حين دفعت بأصل الموسوعة إلى شاعر معروف لمراجعة اللغة العربية، إنها أخطاء الطبعة الأولى، هذا الشخص كان غير مسئول ووضعنى فى حالة دفاع، رغم أنه أخذ حقوقه المالية، وصارت الجملة الملاصقة بهذه الموسوعة هى كلمة «أخطاء»، ولم يبادر أحد لمساعدتى فى إصلاح ما تم، ورغم أننى هزمت ظاهريًا، فإننى كنت دومًا حديث الأمسيات والمقابلات والمهرجانات فى كل مكان، حتى التقيت المذيعة الإسكندرية دعاء عبدالمجيد، وزوجها رجل الأعمال المهندس محمد السيد سالم، الذى أبلغنى بأنه سوف يدفع كل التكاليف لأى موسوعة لى، وهكذا بدأت مرحلة جديدة من الطموح والإنجاز محاطًا بالكثير من الظروف القاسية والخصومة العاتية، وكان يجب أن أستمر فى طريقى. 

ما إن بدأ الطريق حتى أتت العثرة من أطراف كثيرة حولى، فرغم أن المهندس محمد سالم ساندنى بقوة، فإن أول المتاعب تمثلت فى الشخص الذى اخترته لكتابة بطاقات الأفلام على الكمبيوتر، والذى لم تكن لى به علاقة من قبل، وقد حوّل غرفته للكتابة التجارية، واتفقت معه على سعر كتابة الفقرة الواحدة وكنت أقوم بالدفع كلما انتهى جزء من العمل، كان يقيم بالإسكندرية، لذا فأنا التقى به حين أنزل هناك فى نهاية الأسبوع. بدأ نشيطًا ثم بدأ يتغير بعد مرحلة من الوقت، واكتشفت أنه يرغب فى الاستيلاء على أصول الموسوعة، التى لم يكن لديه نسخة منها، واضطررت لإعادة الكتابة مرة أخرى بعد أن تأكد لى أن هذه هى رغبته؛ أن ينسب العمل إلى نفسه، ولذا قررت الانتهاء منه. 

وبدأت أكتشف أن الأشخاص الذين يساعدوننى فى عمل البطاقات كثيرو الأخطاء، أو أنهم ينقلون من كتب موجودة فى مكتبة المركز بالحرف الواحد. وجدت نفسى فى تحدٍ، إما أن أنصاع لمقترحات جمعية النقاد أو أن أسير فى طريقى، وكم شجعنى موقف المهندس وزوجته حتى انتهيت بالفعل من إعداد الموسوعة الضخمة جدًا، وذهبت بها إلى مكتبة «مدبولى» وأبلغتهم بأننى متنازل عن كل حقوقى المادية باعتبار أن الذى دفع تكاليف الإعداد هو مهندس سكندرى، وتم طبع الموسوعة وأنا لا أصدق بالمرة أنها بين أصابعى، ولكن بعد أسبوع واحد فقط من صدور الموسوعة، وبعد هذه الفرحة العارمة، قمت بشراء أكبر كنز فى تاريخ السينما المصرية متمثلًا فى تلك الدفاتر التى كانت توزع مع تذاكر الأفلام منذ بداية صناعة السينما وحتى عام ١٩٨٥، وجدت أمامى فى هذه الدفاتر كل البيانات، وشعرت بأن الإصدار الثانى من الموسوعة المعنون «دليل الأفلام فى مصر والعالم العربى» ليس هو منتهى الطموح الذى أرمى إليه، وبدأت فى إعداد بطاقات جديدة بها كل ما أستطيع الحصول عليه من البيانات الكاملة عن كل فيلم، كما استعنت فى هذه الفترة بشرائط أفلام الفيديو، واستغرقت وحدى فى العمل أربع سنوات من أجل إعداد الطبعة الثالثة، وقررت أن يكون اسمى هو الموجود فقط على الغلاف، لقد علّمتنى التجربة كيف أكون أشد صلابة بعد أن عرفت أن النقاد الذين هاجمونى يستخدمون الموسوعة الأولى كمرجع رئيسى فى حياتهم. 

وفى عام ٢٠٠٥ انتهى العمل بالإصدار الثالث، وبدأت فى البحث عن ناشر، لم يكن الأمر سهلًا بالمرة، فالموسوعة ضخمة جدًا والخصوم الذين يتربصون بى كانوا من القوة أن يعرقلوا لى كل شىء، كنت أتلقى السهام حتى لا أتقدم، ولم أشعر بفرحة فى حياتى مثلما استلمت الموسوعة بجزءيها فى عام ٢٠٠٦، صادرة عن هيئة الكتاب، كان الغلاف جميلًا عليه أفيش فيلم «بنات اليوم»، وقد أعد الغلاف أحد تلاميذى، وهو الفنان محمد غزال، وبدأت فى جنى ثمار الموسوعة معنويًا إلى أن اكتشفت ما يسمى باليوتيوب، إنه أكبر هدية قدمها العلم للسينما المصرية وحافظ على نسخ الأفلام، ومن هنا بدأت فى إعداد الإصدار الرابع، واستبد بى النجاح بفرحة عارمة، وذات يوم جاءنى مبلغ من النقود من صديقة لبنانية مقابل تأليف برامج إذاعية كثيرة، ولما وصلنى المبلغ تعاملت كأنه لم يأتِ وبدأت فى عمل الإصدار الرابع على نفقتى الخاصة، كانت علاقتى بالغة القوة بمؤسسة «روزاليوسف»، وقررت أن أطبعها هناك على حسابى، ألف نسخة، كل نسخة عبارة عن جزءين، تتكون من ٦٠٠ صفحة بدون أى صور، فقط بيانات كاملة جدًا عن كل فيلم، هذه البيانات سرقتها مواقع الكمبيوتر الكثيرة فيما بعد دون أن تذكر اسمى، وظلت تستغلها حتى الآن.

كانت المشكلة كيف أبيع نسخ هذه الموسوعة، تصورت أن هذا سوف يتم خلال شهر على الأكثر، وعن طريق أحد الأصدقاء المخادعين وضعنا الموسوعة فى مكتب هندسى بالعجوزة، ثم قررت أن أذهب بها إلى شقتى الجديدة فى مدينة نصر، فملأت الصالة الكبيرة بها بعد أن دفعت مبلغًا كبيرًا كأرضية. 

وعشت بين صدامات وعثرات وبعض التوفيق، فكنت أذهب بالموسوعة خارج العلاقات الثقافية الخارجية ١٠٠ نسخة، أما المركز القومى للسينما فإن رئيسه طلب شراء نسخة واحدة، وعندما أرسلت له نسختين، أعاد لى واحدة ومعها مائة جنيه ثمن النسخة الثانية، وهكذا أصبحت متسولًا ولكننى كانت عندى رسالة وهدف؛ أن تكون الموسوعة موجودة فى بيوت أصحابها من المخرجين وصناع الأفلام والممثلين، كنت أتصل بهم وأرسل لهم نسخة مع مرسال، كنت أمنحه نسبة كبيرة من المبلغ حين يأتينى به. 

مرت الأيام ثقيلة ونسخ الموسوعة تملأ بيتى، ثم بدأت ألاحظ أن الكمية تقل شيئًا فشيئًا، يا إلهى لقد نجحت ببطء وتخلصت من نسخ الموسوعة بأكملها، كنت مشغولًا دومًا بأعمال أخرى، وفى الفترة التى تخلصت فيها من هذا العمل الضخم بدأت فى إعداد الإصدار الخامس، اكتشفت أن النواقص كثيرة جدًا، وأن الأفلام العربية خارج مصر لم يتم حصرها أبدًا، ومنها أفلام الإنتاج المشترك، وأصابنى هوس الإضافة وعدم الوقوع فى أى خطأ، وترقبت أن يقوم أى طرف آخر بعمل كتابى ينافسنى، فلم يحدث حتى الآن، كل ما حدث أن الكمبيوتر بمواقعه الكثيرة قد سرق موسوعتى بكل ما قدمت من موسوعات، وقد مر الزمن منذ عام ١٩٩٤ حتى ٢٠٠٨ حين صدر الإصدار الرابع، وهو التاريخ الذى بدأت فيه فى عمل الإصدار الخامس، وعندما انتهيت منه ذهبت إلى الدكتور أحمد مجاهد، فأصدر موافقته بالطباعة، ولكنه سرعان ما غادر منصبه ليتركنى أعانى بشدة فى متابعة الهيئة العامة للكتاب لإصدار هذا الكتاب الجديد، وبعد عام صدر الجزء الأول، وكان يجب أن يصدر الاثنان معًا فى نفس الوقت، الآن هذا الجزء الثانى لم يصدر فى الهيئة سوى عام ٢٠٢٠.

لم أتوقف عن البحث عن ناشر إضافى لهذا العمل، فإنى أتقدم فى العمر، فمرض السكر اللعين يطاردنى بحوافره القاسية، وشعورى بأن الموت تحت قدمى يصيبنى بقلق شديد، لكنى أحمد الله أننى شاهدت الموسوعة تصدر لدى ناشر مقيم فى لندن يحمل اسم «اكتب» تحمس بشدة لكل كتبى، وطبع لى الإصدار السادس من الموسوعة فى عام ٢٠١٨، أى بعد صدور الجزء الأول فى الهيئة بعامين وقبل صدور الجزء الثانى بعامين، هذا الإصدار السادس كان ضخمًا فى ثلاثة أجزاء قرابة ١٤٠٠ صفحة، وبها ملف خاص بالصور، ولكن هذا الناشر كان يتصرف بصورة غامضة، فهو يرفض أن أكون صديقًا له على أى موقع، كما أنه يغلف نفسه بضبابية بحيث إنه فى العام ٢٠٢٢ اختفى تمامًا عن الساحة وقام ببيع موسوعاتى وكتبى عنده إلى أطراف أخرى، وزاد الطين بلة بعد أن فقدت بصرى ولم أعد قادرًا على متابعة ما حدث بعد ذلك، لقد بدأت حياتى مع الموسوعات، وهؤلاء النقاد الذين أباحوا دمى وطالبونى بالاعتذار عن هذه الموسوعة، وانتهت مسيرتى بناشر مجهول غامض لا أعرف أين هو الآن، ومع هذا فإن لدىّ رغبة قوية فى أن أبدأ من جديد لو عاد الزمن مثلما كان.

شجعنى هذا الأمر على عمل موسوعات سينمائية أخرى مرت بمراحل مشابهة، أى أن الإصدار الأول دائمًا يكون غير متكامل فى المعلومات وخلال السنوات تتوالى الإصدارات متكاملة جدًا، مثل «موسوعة الممثل فى العالم العربى»، و«موسوعة المخرجين»، و«موسوعات جائزة نوبل»، و«موسوعة كتاب الأطفال»، و«موسوعة مجلات الأطفال العربية»، وغيرها، فأسست بذلك قاعدة بيانات، وكنت دائمًا مصابًا بالهوس لتصحيح أى خطأ وإضافة أى معلومة جديدة، وكانت النكتة اللطيفة أن إدارة النشر فى الثقافة الجماهيرية قد وافقت على إصدار الطبعة الضخمة من موسوعة المخرجين فى بداية عام ٢٠٢٢، وأبدت حماسًا ملحوظًا، ثم أبلغنى مدير التحرير بأن مثل هذه الكتب موجودة ومنتشرة على مواقع الشبكات، فضحكت بسخرية، فكل هذه المواقع قد استعانت بموسوعاتى الورقية، وتريد أن تطاردها الشرطة الإلكترونية إلى الأبد.