أنا ومؤلفاتى 5
وقائع سنوات الصبا.. استيقظ الطفل فجأة فوجد نفسه فى الثالثة والثلاثين من العمر!
- بدأت سطور روايتى حول الرقم 1830 إنه رقم جلوسى الذى نطقه المذيع فى إذاعة الإسكندرية معلنًا أننى ناجح
فجأة، وجدت نفسى فى سن الثالثة والثلاثين، وأنا أتحدث مع شخص قريب منى، كنت فيما قبل أشعر بأن الطفولة والصبا يمتدان داخلى دون أن ينقطعا، لكن فى ذلك اليوم حاولت أن أجذب الحبل الذى يربطنى بهما، لكننى لم أستحضر شيئًا أمامى، الماضى صار صعب العودة، كانت السنوات السابقة موجودة دومًا فيما أفعل، فأنا أنطلق نحو الأيام المقبلة بسرعة من الصعب قياسها، لكننى اكتشفت أن الحياة تغيرت، وأن نجوم السينما الذين اعتدت أن أراهم شبابًا صاروا أكبر سنًا، لم يعد هناك شكرى سرحان الملىء بالحيوية كما رأيناه فى اللص والكلاب، وينطبق ذلك أيضًا على النجوم والنجمات الذين كانوا رمزًا للمتابعة ومنهم نجاة الصغيرة، وشادية، وهند رستم، وجاء جيل جديد يمثلهم محمود ياسين الذى صار أكبر سنًا مع فيلم «الباطنية» فى بداية الثمانينيات.

يا إلهى أريد العودة إلى طفولتى، أريد أن أمسكها بين أناملى، هذا أمر مستحيل، واكتشفت أن أهم سمات الكاتب أنه الوحيد الذى يمكنه تثبيت اللحظة أو الكتابة عنها، وأصابتنى حالة من الحنين لسنوات الصبا، حين كنت أفعل أشياء كثيرة، وأتذوق طعمها للمرة الأولى، أول مرة مارست فيها العادة السرية، وأول مرة أستمع فيها إلى أغنية مثل إحنا الشعب يا جمال يا حبيب الملايين، أو أول مرة شاهدت فيها فيلم «غزل البنات» فى إحدى دور العرض القديمة أثناء سهراية رمضانية، فانبهرت وأيضًا وأنا أتابع قصة الحب الرقيقة بين فريد الأطرش ومريم فخر الدين فى فيلم «مليش غيرك»، وأيضًا حالة المناغشة بين طلاب كلية الهندسة وزميلها حسين فى فيلم «الخطايا»، وهكذا تمثلت «سنوات الصبا» أمام عينى، رحت أسجلها فى نهم شديد وبسرعة من يخاف أن يصيبه داء النسيان قبل الأوان وبعده، وعندما بدأت كتابة هذه الرواية رأيت أن البداية دائمًا كانت يوم أن نجحت فى الصف السادس الابتدائى «القبول»، وكانت هذه هى أول مرة أذوق فيها طعم النجاح وسرعان ما بدأت فى البحث عن غرائزى التى تتنامى داخل جسدى، وأنا لا أملك لها شيئًا سوى الإشباع، أول رواية عاطفية تسد انتباهى فأقراها سبع عشرة مرة، وهى «بعد الغروب»، تأليف محمد عبدالحليم عبدالله، الذى قرأت له أيضًا «شجرة اللبلاب» خمس عشرة مرة، من هنا زحفت إلى قراءة روايات مصرية عديدة لإحسان عبدالقدوس الذى ألهب لى مشاعرى، ويوسف السباعى ويوسف إدريس، ثم رواية «نشوى والحب» الذى كتبها مؤلفها بسائله المنوى، وجدت نفسى أغوص فى عالم جديد ملىء باللذائذ، جارتى التى فى مثل سنى والتى تسكن فى إحدى البيوت المقابلة وهى تنزل من سلم بيتها تطل بعينيها الجميلتين، ويكون الحب من أول نظرة خارقة، أنشغل بها وأكتب لها رسائل غرام، لكنها من عائلة متحفظة، ولا أستطيع محادثتها لسنوات طويلة امتدت حتى الآن، كل ما أفعله أننى رميت بصوت سمعته وهى تعبر أمامى أغنية أسمهان «إمتى ها تعرف إمتى»، إنه عالم الصبا لا توجد سوى هذه الفتاة السمراء الجميلة، ثم اكتشفت أن هناك آلاف البنات، ورأيت لأول مرة صورة جنسية لنساء عاريات على ورق الكوتشينة، عدد كبير من العاريات يقدمن لك وجبة ممنوعة عليك، لأكتشف أننا نعيش فى مجتمع المحرمات، حين صُمت لأول مرة أبلغنى جدى شيخ الجامع أننى صرت كبيرًا فى هذه اللحظة، أى أننى صرت صديقًا له، لم يمنعنى هذا أن أتنصت على جدى الثمانينى وهو يغازل عروسه من وراء الباب الزجاجى، وعلمنى أن كل شىء له قواعده، تزوج فى الثمانين وأنا ألهى نفسى بمشاهدة الأفلام، وهكذا بدأت سطور روايتى حول الرقم ١٨٣٠، إنه رقم جلوسى الذى نطقه المذيع فى إذاعة الإسكندرية معلنًا أننى ناجح، فى الرواية حصل الطفل ذو الاثنى عشر عامًا على قرش بأكمله مكافأة لنجاحه، وذهب به إلى سينما النيل التى كانت تعرض فيلمين جديدين نسبيًا فى تلك الأمسية: «الوسادة الخالية»، الفيلم الأول يتحدث عن الحب الأول فى حياة كل منا، لم أكن شاهدته بعد، فلما صرت أشبه بصلاح قد عرفت معنى أن تكون مغرمًا، حرصت على البحث عن الفيلم فى كل مكان لأشاهده بعين العاشق، أما الفيلم الثانى فيدور حول العشاق حين يتنافسون على نفس المرأة، وسرعان ما استلهمت قصة أخوين من رجال المنطقة كنت معجبًا بهما بأكثر من مستوى.
وهكذا جاء الفصل الأول من الرواية وقد استجمعت كل ما عشته فى منطقة حارة الفهد فى كرموز، من خلال أشهر رجالها ونسائها والعلاقات فيما بينهم، والفصل الثانى كتبت عن فيلم «الشموع السوداء»، كم أحببت رقة نجاة الصغيرة وهى فتاة العاشقة الضعيفة التى تغرم بالشاعر أو الفنان الذى ذهبت لتمريضه، إنه لاعب الكرة صالح سليم، هناك قصة حب قوية بين الأطراف، حيث إن أهم شىء هو أن يدافع العاشق عن مشاعره، وأن يحتفظ بفتاته، وذلك الفتى الصغير ذو الثلاثة عشر عامًا ليست له قوة إلا فى عواطفه، وفى قدرته أن يحفظ كلمات الأغانى إلى جوار سور العمود مقابر لكى يغنى لمناجاة حبيبته التى لا تحس به، وهكذا جاءت فصول الرواية التى عبرت فى كل منها عن علاقتى بكل الأشياء التى كانت لها ما يسمى أول مرة، بمعنى أول مرة تحب يا قلبى، أول مرة شجعنى فيها ابن عمى أن أدخل إلى الحمام، وأن أتذوق طعم تلك العادة، وأول مرة أكتب قصة باسم حبيبتى، وأول كتاب اشتريته من بائعة الكتب وقرأته بشغف، إنه ليس كتابًا واحدًا، بل هى كثير من الكتب مثل «سلمى» لمارى كوريلى، و«الكونت دومونت كريستو» إلكسندر دوماس، وقصة «المدينتين» لديكنز، فضلًا عن الروايات المصرية، إنه بحر عميق كلما غرقت فيه وجدت نفسى على السطح، ومهما شربت منه أحسست بعدم الارتواء، أدهشتنى روايات أخرى مثل «ذهب مع الريح»، وفى عامى السادس عشر قرأت للمرة الأولى رواية «العجوز والبحر»، ثم «الغريب»، تصورت نفسى الوحيد الذى يمكنه التهام كل الأفلام، وتجرع مياه البحر الأبيض المتوسط، وهكذا ولدت رواياتى و«قائع سنوات الصبا» وأنا فى سن الثالثة والثلاثين كتبت فى هذه الرواية عن أفلامى المفضلة، ومنها «صوت الموسيقى» و«ذهب مع الريح» وفيلم «جولد فينجر»، وعن مغامرات نجمى المفضل فى تلك الفترة جون كونراد، الذى ظل مفضلًا لى حتى بعد وفاته منذ ثلاثة أعوام، هكذا كانت «وقائع سنوات الصبا» راسخة فى الذاكرة، ماثلة بأبطالها ابتداءً من القصص العاطفية، ورفاق المدرسة والجو الوطنى الذى صنعه الزعيم المفدى، ونحن نغنى له فى طابور الصباح، وأيضًا دور العرض التى يتسلل إليها تاركين الفصول لمشاهدة «سبارتكوس وهرقل» و«الخطايا» و»سنوات الحب»، ولعل أهم شىء فى كل هذه التجارب هو امتداد المساحات أمامنا، فليس الحب الأول هو ما يبقى، ولكن أيضًا الذهاب مع رفاق الحارة لشاطئ استانلى وسيدى بشر، وأيضًا عندما تحولت إلى حارس مرمى فاشل جدًا، أترك الكرة تتسلل بين ساقى، وأتلقى الضربات على رأسى، ويتم استبدالى كى أسرع إلى كتبى التى تنتظرنى لأقرأها، هى سنوات الصبا منذ إعلان نتيجة القبول حتى صباح اليوم الخامس من يونيو حين حضرت عرض فيلم «ذهب مع الريح» فى سينما مترو، وخرجت لأجد المدينة قد انقلبت من الدهشة والفرحة، وأنا أستمع إلى أصوات الإذاعات ورجالها الذين يصرخون بكل فرحة بقواتنا المسلحة أسقطت سبعين طائرة فى ساعات قليلة.




