سراب المظلومية.. الإبداع فى مصيدة «اللايك»
- القيمة الحقيقية للمبدع تكمن فى شجاعته على الاستغناء
فى فضاء السوشيال ميديا المكتظ، حيث تتزاحم الأصوات وتتناسل الآراء بلا حواجز معرفية أو جمالية، تبرز ظاهرة آخذة فى التمدد مع كل إخفاق فى التحقق أو غياب عن منصات التتويج والجوائز، وهى ظاهرة «المبدع المستبعد». ذاك الذى يرتدى، طوعًا أو تواطؤًا مع ذاته، عباءة المظلومية فى منشورات طويلة تفيض بالشكوى والاحتجاج، مفترضًا- دون مساءلة جادة- أن العالم الثقافى يتآمر لإطفاء جذوته، وأن تجاهله ليس إلا دليلًا إضافيًا على فرادته المزعومة.
هذه النبرة الاحتجاجية التى تجتاح الحوائط الزرقاء لم تعد مجرّد تعبير عن خيبة أمل عابرة أو نقد مشروع لخلل بنيوى فى المشهد الثقافى، بل تحوّلت- فى كثير من الأحيان- إلى استراتيجية دفاعية كاملة الأركان. استراتيجية تمنح صاحبها «صكّ العبقرية المجهولة» دون أن تطالبه بتقديم دليل جمالى أو مشروع إبداعى متماسك يبرر هذا الادعاء. فى هذا الفضاء، يبدو الجميع «مبدعين حقيقيين»، ويغدو الغياب عن الضوء الرسمى شهادة جودة، لا علامة تستدعى المراجعة أو النقد الذاتى.
لقد أسهمت السوشيال ميديا فى خلق فخّ جديد يمكن تسميته بـ«نرجسية الحرمان»، حيث يصبح البكاء على أطلال التجاهل بديلًا مريحًا عن عناء الفعل الإبداعى نفسه. يتقدّم البحث عن «التضامن الرقمى» خطوة على الاشتغال الجاد على النص أو اللوحة أو العرض، ويغدو حجم التفاعل مع منشور الشكوى معيارًا زائفًا للأهمية، كأن اللايكات والتعليقات صارت بديلًا عن القيمة الفنية، وكأن الاعتراف العاطفى المؤقت يغنى عن الاعتراف الجمالى العميق.
ولا يمكن إنكار أن منصات التواصل الاجتماعى منحت لكل عابر منبرًا كان فى زمن قريب حُلمًا بعيد المنال. غير أن هذا «التحرر الظاهرى» سرعان ما أعاد إنتاج الصراع القديم مع «حراس المعبد»، لكن بملامح جديدة.
فالمبدع الذى كان يشكو إقصاءه من صفحات الجرائد والمجلات الثقافية، بات اليوم فى مواجهة سلطة أكثر قسوة وأشد مراوغة: سلطة الخوارزميات، ومنطق الترند.
هنا، لا يُقاس الإبداع بعمقه أو فرادته، بل بمدى قدرته على إثارة الجدل، أو الانخراط فى «شلل إلكترونية» تمارس أدوار التبنى والإقصاء نفسها، ولكن بوتيرة أسرع وبفجاجة أقل خجلًا.
فى ظل هذا الواقع، نشأ نمط من «المبدعين الورقيين» الذين يستنزفون طاقاتهم الذهنية فى صناعة كاريزما الضحية. يبرعون فى تدبيج منشورات تدين «فساد الوسط الثقافى»، بينما تظل أعمالهم-إن وُجدت- أسيرة أنساق ذهنية عتيقة، لا تقدم رؤية جديدة ولا تبتكر لغة أو أفقًا مختلفًا.
هكذا يتحول النقد من أداة تفكيك وبناء إلى قناع أنيق يخبئ فراغ التجربة وضحالة المشروع.
والأخطر أن بعض هؤلاء لا يسعى، فى العمق، إلى تفكيك منظومة الاستبعاد أو مساءلتها بجدية، بقدر ما يطمح إلى أن يكون «مستبعدًا بامتياز». فالمظلومية هنا ليست معاناة حقيقية، بل رأسمالًا رمزيًا يُستثمر فى جلب اعتراف معنوى سريع، يعوّض غياب الجوهر الإبداعى القادر على فرض نفسه بقوته الذاتية، لا عبر الاستجداء أو الاتكاء على شفقة الجمهور.
يتضاعف هذا الالتباس حين تتحول المظلومية إلى ما يشبه «رقمنة المكانة»، حيث يقتات البعض على صناعة أعداء وهميين لتبرير ركود مشاريعهم. كل نجاح يحققه آخر يُقرأ بوصفه مؤامرة، وكل جائزة تذهب إلى غيرهم تُقدَّم كدليل إضافى على «رداءة العصر» و«انحطاط الذائقة». بهذا المنطق، لا يعود النقد ممارسة معرفية، بل يتحول إلى خطاب إقصائى يرتدى قناع النزاهة والطهرانية الثقافية.
هذا التحول يجرّد المبدع من دوره الجوهرى بوصفه صانع جمال وأسئلة، ويحوّله إلى «شاكٍ محترف» يراقب المشهد بعين السخط الدائم لا بعين التأمل والفهم. عين ترى فى العالم خصمًا دائمًا، لا مادة قابلة لإعادة التشكيل عبر الخيال والعمل.

فى المقابل، يظل المبدع الحقيقى- ذلك الذى يسكنه الهاجس لا هوس الشهرة- متمسكًا بما يمكن تسميته «الانعزال المُنتج». عزلة لا تعنى القطيعة مع العالم، بل الإنصات العميق لصوت داخلى لا يشبه صراخ المنصات. مبدع يدرك أن الشاشة ليست مرآة دقيقة للقيمة، وأن الصدق الفنى لا يُقاس بعدد المشاركات، بل بقدرة النص أو العمل على الصمود أمام امتحان الزمن، ذلك القاضى القاسى الذى لا يجامل ولا ينسى.
إن الاستقواء بجمهور السوشيال ميديا للتباكى على وضع الثقافة يبدو، فى كثير من تجلياته، اعترافًا ضمنيًا بالعجز عن اختراق الواقع بالفعل الإبداعى الصرف. فالتاريخ لم يُخلّد أسماء عاشت وماتت فى الظل انحيازًا لشكواها، بل انحناءً لأعمال مشبعة بالحرارة والصدق، أعمال امتلكت من القوة ما مكّنها من حرق جدران النسيان دون حاجة إلى وساطة «شلة» أو لايك عابر.
ولا يعنى هذا النقد، بطبيعة الحال، إنكار وجود مبدعين حقيقيين ومتميزين، سواء فى المدن الكبرى أو فى الأقاليم البعيدة عن مركز الضوء، ممن يستحقون بالفعل تسليط الأضواء والاحتفاء بتجاربهم الجادة. بل على العكس، فإن أكثر ما يفضح زيف خطاب المظلومية هو وجود هذه النماذج الصامتة، التى تعمل فى أقسى الظروف، خارج المركز وضجيجه، وتنتج أعمالًا رصينة بلا صراخ، وبلا استعطاف، وبلا ادعاء بطولة زائفة. فالمشهد الثقافى، رغم اختلالاته، لا يخلو من أصوات عميقة تعمل فى صمت، وتراكم منجزها ببطء وثبات، لكنها تصطدم أحيانًا بكسل المؤسسات، أو بمركزية ثقافية ما زالت ترى الإبداع من شرفاتها الضيقة.

غير أن الفارق الجوهرى بين هؤلاء وبين أصحاب «مظلومية اللايك» أن المبدع الجاد لا يجعل من التهميش هوية يتباهى بها، ولا من الشكوى مشروعًا بديلًا للإبداع. الأول يشتغل رغم التجاهل، والثانى يتغذّى عليه. الأول يراكم عملًا، والثانى يراكم أعذارًا. الأول ينتظر لحظة الإنصات، والثانى يفرض نفسه بالضجيج، وحين لا يُسمَع، يتهم الجميع بالصمم. هو يطالب بحقه فى الرؤية، نعم، لكنه لا يعلّق وجوده الإبداعى على هذا الحق وحده، ولا يحوّل غياب الاعتراف إلى خطاب دائم يستهلك طاقته ويشوّه تجربته. فالإضاءة، حين تأتى، تكون امتدادًا طبيعيًا للعمل، لا تعويضًا عن غيابه.
القيمة الحقيقية للمبدع، فى نهاية المطاف، تكمن فى شجاعته على الاستغناء، وفى قدرته على أن يكون «كائنًا ثقافيًا» قبل أن يكون «كائنًا فيسبوكيًا». فمن كان ممتلئًا بصدق تجربته لن يضيره الاستبعاد المؤقت، ومن كان خاويًا من الداخل لن يملأ فراغه كل ضجيج العالم الرقمى، مهما علا صوته وتكاثرت أصداؤه.






