الأحد 15 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

شكسبير الحقيقى.. كتاب يطرح سؤال «هل كان الأديب العالمى الحقيقى امرأة»؟

حرف

- المؤرخة النسوية إيرين كوسليت تجادل بأن شكسبير استولى على أعمال شاعرة سوداء ونسبها إلى نفسه

- شكسبير حظى بتبجيل الأجيال لأن فكرة «العبقرى الأبيض» كانت مقبولة اجتماعيًا أكثر من الكاتبة السمراء

لا خلاف على أن ويليام شكسبير ما زال يستدعى بكثير من الإجلال بوصفه أحد أعظم كتّاب اللغة الإنجليزية وأكثرهم تأثيرًا، فأعماله تُعرض وتُدرس فى أنحاء العالم كافة، وتُترجم إلى مختلف اللغات، وفى العالم العربى، تُرجمت أعماله مرارًا ودرسها الأدباء والمسرحيون، وأصبحت جزءًا من التراث العالمى الراسخ. ومع ذلك، ظلت الروايات المتضاربة عن هويته وأصله قائمة، ومن أحدثها كتاب صدر مؤخرًا بعنوان «شكسبير الحقيقى.. إميليا باسانو ويلوباى» للمؤرخة النسوية إيرين كوسليت، الذى يطرح رؤية مثيرة للجدل عن المؤلف الحقيقى لأعمال شكسبير.

شكسبير الحقيقى

تحاجج المؤرخة النسوية إيرين كوسليت فى كتابها «شكسبير الحقيقى» بأن حقيقة مؤلف أعمال شكسبير جرى إخفاؤها عبر قرون بفعل «أيديولوجيا أوروبية ومركزية غربية»، وأن الشاعر الحقيقى لم يكن الرجل المعروف من ستراتفورد، بل امرأة متعددة الثقافات هى إميليا باسانـو، وهى شاعرة كانت لها صلات ببلاط أسرة تيودور «سلالة ملكية إنجليزية». تشير المؤلفة إلى أن باسانو قد استخدمت الاسم المستعار «شكسبير»، وكتبت مجمل المسرحيات المنسوبة إليه، قبل أن يسرق شكسبير المعروف، وهو رجل بسيط من مدينة «ستراتفورد أبون آفون»، أعمالها وينسبها إلى نفسه. ويجادل الكتاب بأن هذا الذى نعرفه اليوم باسم ويليام شكسبير حظى بتبجيل الأجيال اللاحقة وتخليد ذكره، لأن فكرة «العبقرى الأبيض» كانت مُفضلة ومقبولة اجتماعيًا آنذاك أكثر من فكرة وجود «امرأة سمراء» تعمل مؤلفة مسرحية.

فى حديثها مع صحيفة «التلجراف» تقول الكاتبة: لو كان شكسبير امرأة ملونة، فإن هذا سيُسلط الضوء على قضايا السلام والعدالة فى المجتمع، مضيفة: ماذا لو كان للنساء دور محورى وأثر حضارى فى التاريخ، لكن تم إسكاتهن وتقليل شأنهن ومحوهن من السرد السائد؟ ماذا يمكن أن يكشف تغيير هذا النموذج عن أنفسنا؟ مثل هذا التأمل يدفعنا لإعادة التفكير فى فهمنا للمجتمع.

على الرغم من أن أحدًا لم يشكك فى عبقرية شكسبير أثناء حياته، حتى منافسيه الذين شهدوا له بالعظمة، إلا أن العصور اللاحقة شهدت ظهور نظريات تزعم أن المسرحيات كانت أكبر من قدرات رجل بسيط مثله، واقتُرحت أسماء كتّاب آخرين كأصحاب حقيقيين لهذا الإبداع. يعود هذا التشكيك المستمر منذ أمد طويل إلى استبعاد أن يكون شكسبير، وهو رجل قادم من أرياف إنجلترا ولم يتلق سوى قسط ضئيل من التعليم الرسمى، قد تمكن من الارتقاء إلى مستوى العبقرية الأدبية بآفاق معرفية واسعة وشاملة بهذا الشكل.

وتعكس أطروحة الكتاب الجديد، الصادرة عن دار نشر «بن آند سوورد» هذا التشكيك بالقول: «لم يتمكن المؤرخون من تفسير كيف استطاع رجل ستراتفورد، الذى كان شِبه أمى، أن يكتسب هذا المستوى الرفيع من المعرفة والتبحر الأدبى».

يزعم الكتاب أن الباحثين عجزوا عن تفسير كيف تمكن شكسبير من دمج تأثيرات ثقافات متنوعة فى أعماله، وهو مجرد رجل متواضع من مقاطعة ريفية.

فى المقابل، يجادل بأن «باسانو»، بجذورها اليهودية وعرقها المختلط، كانت تجسد «هوية متنوعة» تمنحها الخبرة اللازمة لذلك، كما أنها كانت تنتمى لـ المور، سكان شمال إفريقيا والأندلس قديمًا، ولديها روابط عائلية بمدينة البندقية التى كانت مركزًا عالميًا منفتحًا فى القرن السادس عشر.

العنصرية ضد النساء

على الرغم من إقرار الكتاب بأن البورتريهات لـ«باسانو» تُظهر امرأة فاتحة البشرة، تجادل المؤلفة بأن بشرتها ربما جرى «تفتيحها عمدًا» كمجاملة من الرسام، وذلك لأن البشرة الفاتحة كانت تُعد معيارًا للجمال فى إنجلترا الإليزابيثية.

ويذهب الكتاب إلى أبعد من ذلك بافتراض أن نصوص المسرحيات الشهيرة كانت تُستخدم أداة للسخرية المبطنة وتصفية الحسابات الشخصية، فتشير المؤلفة إلى أن باسانو قد ضمنت فى رواياتها تهكمًا صريحًا من زوجها «ألفونسو لانيير» ردًا على معاناتها معه، بل وامتدت هذه السخرية لتطال «رجل ستراتفورد» نفسه «شكسبير»، الذى تظهر له إشارات نقدية فى النصوص تصوره كشخصية قروية مدعية. ويزعم الكتاب أن هذه الأعمال مليئة بـرسائل مشفرة وتفاصيل دقيقة تتطابق مع أحداث حقيقية من حياة باسانو الخاصة وأسرارها فى البلاط الملكى، وهو ما تعتبره المؤلفة دليلًا على أن هذه النصوص هى من كتابة إميليا باسانو وليست من خيال شكسبير. 

ترى مؤلفة الكتاب أن شكسبير قد استغل كون «باسانو» امرأة ليسرق أعمالها وينسبها لنفسه، ويذكر الكتاب: «لا نملك تفاصيل دقيقة حول كيفية حدوث ذلك بالضبط، ولكن من المنطقى افتراض أن رجل ستراتفورد استغل التشابه بين اسمه الحقيقى، شيكسبير «Shekespere»، والاسم المستعار الذى اتخذته إميليا باسانو وهو شكسبير «Shakespeare».

يخلص العمل إلى أنه فى حالة إميليا باسانو، لا تقتصر المشكلة على كراهية النساء فى كتابة التاريخ فحسب، بل تمتد لتشمل العنصرية التاريخية أيضًا، فقد كانت إميليا باسانو يهودية من المور، وقد فشل المؤرخون المعاصرون فى إنصاف هذه الهويات وتقدير دورها وإسهامها فى التاريخ الغربى.

وفى المقابل، تشير الرؤية التى أجمع عليها العلماء والباحثون إلى أن ويليام شكسبير وُلد فى مدينة «ستراتفورد» عام ١٥٦٤. وبحلول عام ١٥٩٢، بدأ ذكر اسم شكسبير يتردد كجزء من المشهد المسرحى فى لندن. وقد توفى فى عام ١٦١٦، أى قبل وقت طويل من وفاة باسانو التى فارقت الحياة فى عام ١٦٤٥.

الهويات المطموسة 

فى مقالٍ نُشر على منصة كلية لندن للاقتصاد «LSE»، تستعرض المؤرخة النسوية إيرين كوسليت ملامح أطروحة كتابها «شكسبير الحقيقى: إميليا باسانو ويلوبى»، منطلقة من رؤية مفادها أن تحقيق العدالة الاجتماعية اليوم يتطلب بالضرورة استعادة «الهويات المطموسة» من طيات التاريخ وإعادة الاعتبار للفئات المهمشة.

تقول كوزليت: تشير أدلة بحثية جديدة استعرضتُها فى كتابى إلى أن شكسبير لم يكن رجلًا، بل امرأة؛ تُدعى إميليا باسانو، كانت ابنة موسيقى فى بلاط البندقية، وبعد وفاة والدها وهى فى السابعة، تمت كفالتها فى منزل أرستقراطى فى إنجلترا، فتلقت تعليمًا رفيع المستوى، وقضت شبابها فى البلاط الإنجليزى كإحدى المقربات من الملكة إليزابيث الأولى قبل أن تُجبر على زواج غير مرغوب فيه عام ١٥٩٢. وقد ارتبط اسمها بشكسبير منذ السبعينيات، عندما وجد المؤرخ «ألفرد ليزلى روز» دليلًا على أنها كانت عشيقة لراعى الفرقة المسرحية التى يعمل بها شكسبير.

وتتابع: كان «جون هدسون» أول من اقترح نظرية أن باسانو هى شكسبير فى عام ٢٠١٣. ففى العصر الحديث المبكر، كان يُحظر على النساء كتابة الدراما أو التمثيل، وبشكل عام، قُيدت النساء عن كتابة الأدب للنشر والمشاركة فى الأنشطة العامة، لذا افترض هدسون أن إميليا باسانو اتخذت اسمًا مستعارًا لتتمكن من الكتابة، وأنا أضيف فى كتابى دليلًا جديدًا على هذه النظرية. 

تستطرد الكاتبة: هناك إجماع أكاديمى على أن شكسبير كان نسويًا. واليوم، يعد «النقد النسوى لشكسبير» مجالًا راسخًا فى الأكاديميا. ومن المعترف به عمومًا أن شكسبير اقترب من مواقف «النسوية الراديكالية» المعاصرة. ومع ذلك، هناك جدل حول سبب وعى الكاتب المسرحى الشديد بالتمييز القائم على النوع الاجتماعى.

واستطردت: من أجل استعادة إميليا باسانو، من الضرورى معالجة قضايا نظرية واجتماعية وتاريخية أوسع، مثل وضع النساء والملونين واليهود فى العصر الحديث المبكر. يخلص بحثى إلى أن رائد العالم الغربى واللغة الإنجليزية كان امرأة سمراء ويهودية، مما يتحدى النموذج الفكرى القائم على المركزية الأوروبية والأبوية. إن نسب التراث الغربى للرجال البيض فقط ليس أمرًا غير واقعى فحسب، بل إنه يكرس عدم المساواة والظلم. 

أعظم كاتب فى التاريخ

لم تكن الأطروحة التى انطلق منها كتاب «شكسبير الحقيقى» محل ترحيب من مختلف الأفراد والجهات، إذ ووجهت بالنقد والاتهام كذلك. فى مقال بموقع the critic بعنوان «هل كان شكسبير حقًا امرأة سمراء؟» يقول الكاتب: إن الاعتقاد الذى يتبناه أكاديميون وممثلون وكتاب بأن «ويليام شكسبير» كان مجرد واجهة للمؤلف الحقيقى، أو اسمًا مستعارًا اتخذه الكاتب الفعلى خوفًا من الحرج الاجتماعى، موجودة بشكل أو بآخر منذ منتصف القرن التاسع عشر. ويحظى هذا الجدل بمؤيدين بارزين، ومنهم إليزابيث وينكلر، التى كتبت كتابًا فى عام ٢٠٢٣ بعنوان «شكسبير كان امرأة وهرطقات أخرى» قالت فيه إن شكسبير لم يكن ابن صانع قفازات من ستراتفورد، بل كان الشاعرة إميليا باسانو.

لم تكن حجة وينكلر مقنعة، لكنها قُدِّمت بحماس وذكاء مؤلفة تعرف أنها مدعومة من دار نشر كبرى، وأن معظم النقاد الأدبيين سيخشون انتقاد كتاب لمؤلفة نسوية، خوفًا من اتهامهم بالتحيز الجنسى أو الجهل. وكان يُفترض أن يكون كتاب «شكسبير كان امرأة» هو الكلمة الأخيرة فى هذا الموضوع، ولهذا من المثير للدهشة، والمحبط نوعًا ما، أن تتقدم كاتبة أخرى وهى آيرين كوزليت بأطروحتها الخاصة، وهى أن شكسبير لم يكن امرأة فحسب، بل امرأة سوداء أيضًا.

تجادل كوزليت بأن أدلة بحثية جديدة تظهر أن شكسبير كان امرأة سمراء ويهودية، إنجليزية-فينيسية، تُدعى إميليا باسانو. وعلى الرغم من أنه من الطبيعى أن أى شخص يستطيع كتابة شخصيات بأعراق وأجناس مختلفة ببراعة شكسبير، سيُتهم فى مرحلة ما من التاريخ بالخداع، ورغم أن جدل هوية شكسبير موجود قديم، فإن الاعتقاد بأن باسانو هى المؤلف الحقيقى بدأ عام ٢٠١٣ مع الباحث جون هدسون.

يوضح المقال: اعتمد هدسون فى أطروحته فى البداية على فكرة أن باسانو هى الشخصية الحقيقية وراء «السيدة السمراء» التى تغزل بها شكسبير فى قصائده، ثم طوّر نظريته ليقترح أنها هى من كتبت المسرحيات نفسها. ومع تحول هذه الفكرة إلى مادة للنقاش العام، جاءت كوزليت لتقدم قراءة جديدة لبعض الجمل المسرحية؛ فاعتبرت أن جملة شكسبير فى مسرحية «هنرى الرابع»: «لا تفترضوا أننى الشخص الذى تظنونه»، كان إشارة مشفرة أرادت بها الكاتبة الحقيقية أن تشير إلى أن الهوية التى يرونها أمامهم على المسرح «هوية شكسبير» ليست هى الحقيقة، بل هى مجرد قناع يختبئ وراءه المؤلف الفعلى.

ويتابع كاتب المقال: سيكون هناك من يتعاطف مع حجة كوزليت بأن هناك إجماعًا أكاديميًا على أن شكسبير كان نسويًا، خاصة وأن النقاشات حول العرق والاستعمار والجندر تتصدر الأكاديميا منذ عقود. ومع ذلك، فإن معظم العلماء يسلمون بأن شكسبير هو شكسبير، رجل أبيض من الطبقة المتوسطة الدنيا، كان ممثلًا ومؤلفًا مسرحيًا، وأن محاولات نسب أعماله لغيره محكوم عليها بالفشل.

ويختم الكاتب مقاله بالقول: هناك من ينزعج من فكرة أن أعظم كاتب فى اللغة الإنجليزية لم يكن أرستقراطيًا أو خريج جامعة، وأنه كان يهتم بالمال والأعمال. لقد كتب من أجل المال بقدر ما كتب من أجل الفن، وهذا أمر غير مقبول للبعض. كوزليت ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وباعتبارها أكاديمية قضت عقدين فى هذا المجال، فأنا مستعد لقبول أن نواياها مخلصة وليست مجرد محاولة لكتابة عمل رائج، لكن هذا لا يجعل كلامها حقيقة مطلقة. هى تقول إن المشكلة تكمن فى «العنصرية وكراهية النساء التاريخية»، ولكن أليس من الممكن أن يكون هناك تحيز «لتعظيم» شأن هذه الهويات عبر إسقاطها على أعظم كاتب فى التاريخ؟ المشكلة هى أنه عندما لا تستند محاولات إنصاف المهمشين إلى المنطق، فإنها تسلب شخصًا آخر التقدير الذى يستحقه.

سيكون هناك من يتلقف كتاب «شكسبير الحقيقى» بفرح غامر، معتقدين أن كوزليت كشفت عن مؤامرة استمرت قرونًا. أما بقيتنا، فلنا الحق فى التمسك بقدر من الشك، وفى الاستمرار فى معتقداتنا، التى توصف يقينًا بأنها ذكورية وأبوية واستعمارية، بأن «رجل ستراتفورد» هو المؤلف الحقيقى، ويجب الاحتفاء به بدلًا من الطعن فى هويته بعد قرون من رحيله.